- الدور السوفياتي
- التقرب من الشيوعية

- الهجرة اليهودية لفلسطين والموقف الدولي منها

- أميركا وموقفها من مساعي إقامة الدولة اليهودية


من المؤكد أن للفلسطينيين مبرراتهم حيال هذه الظاهرة حتى سمع العالم أن شعباً ما فتح أبواب بلاده في وجه شعب آخر ويقلص بمحض إرادته أراضيه لتمكين شعب آخر من إقامة كيان خاص به؟ ألوف هرابن باحث صهيوني.

[تعليق صوتي]

استكمالاً للمخطط القديم الذي بدؤوا فيه كما هو معروف تاريخياً بالزحف نحو السلطان العثماني عبد الحميد الثاني الذي ما لبس أن انهارت إمبراطوريته في أعقاب الحرب العالمية الأولى التي كانوا قد قرؤوا أحداثها مبكراً ففازوا من وريثته الأكبر الإمبراطورية البريطانية بالوعد الشهير بلفور ووسط الأجواء الصاخبة للحرب العالمية الثانية ظلت الوكالة اليهودية الدولية وزعمائها الصهاينة يواصلون تسللهم الحثيث لاختراق الثغرات في عقول القيادات الدولية الجديدة، تقاطعت الأحداث الدولية بين إمبراطوريات تفقد عروشها وقوى أخرى بدأت في البروز على الساحة العالمية باحثة عن تثبيت دعائمها ومناطق نفوذها، بينما جاءت المحرقة النازية وأخبارها المفزعة لتأطر الجهود الصهيونية حول الحلم المتجدد الوطن القومي في فلسطين.

الدور السوفياتي

[تعليق صوتي]

عوامل عديدة جعلت من الاتحاد السوفييتي محطة مرحلية هامة في سعي الوكالة اليهودية نحو فلسطين، فقد كان يمثل القوة الأبرز في تلك المنطقة نظراً لقربه الجغرافي من الوطن الحلم، إضافة إلى تمركز الأعداد الأكبر عالمياً من الشعب المطلوب للهجرة، فضلاً عن محاذاته الحدودية لوقائع المحرقة النازية وصدامه الأيدلوجي مثله مثل الصهيونية ضد الأفكار النازية وأخيراً فهو يُعد بلد المنشأ للعديد من القيادات اليهودية التي ستتبنى تلك الديانة كقومية جديدة داخل الوعاء الأضيق الصهيونية.

[تعليق صوتي]

بعد عام واحد على لقاء وايزمان الأول الذي أجراه مع السفير السوفييتي في لندن وجه زعيم الوكالة اليهودية مذكرة جديدة إلى السفير مايسكي في لندن ماضياً في خطة التدله في عشق الأيدلوجية الشيوعية التي يتبناها الاتحاد السوفييتي، إذ يواصل.. إن الجوانب الأساسية الثلاثة للفلسفة الاجتماعية السوفييتية تتجسد في بنية الدولة التي تقيمها الحركة الصهيونية في فلسطين وهي أن الملكية الجماعية وليس جشع المالك الفرد تُعتبر المبدأ الرئيسي والهدف الأساسي للنظام الاقتصادي، فالمجتمع يوفر حقوقاً متكافئة إلى مَن يمارس العمل الجسدي أو الذهني وبالتالي يضمن الفرص الواسعة من أجل تطوير الحياة الذهنية والعمل الذهني ولغرض التفاهم المتبادل لا توجد أي حواجز نفسية منيعة لأن الحركة الصهيونية لم تُظهر أبداً العداء للنفسية الاجتماعية السوفييتية ويقيم الصهاينة مثل الاتحاد السوفييتي الاقتصاد المخطط وخاصة أن أولئك وهؤلاء يبنون مجتمعاً حديثاً ومتطوراً في بلدين غير متطورين اقتصادياً ويمارس الصهاينة نشاطهم على نطاق غير كبير، بيد أن الخبرة المكتسبة تتيح لهم تقييم نشاط الاتحاد السوفييتي الذي يجري على نطاق أوسع بما لا يقاس.

ليونييد جوخوفيتسكي- كاتب ومؤرخ: أعتقد أن هذا لم يؤثر على موقف ستالين، التأثير أتى من زاوية أخرى، فبعد الحرب العالمية الثانية وتعرف العالم على هذه الكارثة بدأ يشعر بالعار تجاه نفسه أولاً ومن حكوماته ثانياً، لأنه منذ صعود هتلر إلى السلطة في الثلاثينيات لم تقم دولة واحدة في العالم بمساعدة اليهود.

[تعليق صوتي]

لا ينسى السيد وايزمان استغلال ظروف الحرب الشرسة التي كان الاتحاد السوفييتي يخوضها في وجه النازية عدوهم المشترك لإيصال رسائل غزله إلى السوفييت، إذ يواصل في رسالته.. تقيم الغالبية العظمى من أنصار الصهيونية علاقات شخصية وعائلية وثيقة مع الاتحاد السوفييتي وتبدي اهتماماً خاصاً وتعاطفاً مع السوفييت وقد ابتهج الصهاينة وأبدوا التفهم للبطولة التي يصد بها الشعب السوفييتي هجوم النازيين ويدافع عن القيم الإنسانية وفي الختام بودي الإعراب عن القناعة الأكيدة بأن القوات السوفييتية التي حققت انتصارات باهرة ستحرر كل الأرض من الغزاة وبهذا تدمر السحب القاتمة التي تخيم الآن فوق العالم وستتوحد جميع القوى التقدمية والحرة من أجل إعادة بناء كل ما جرى تدميره ولا تساورني الشكوك في أن الحكومة والشعب السوفييتيين سيبديان تعاطفاً وتفهماً أيضاً للقضية اليهودية المتشابكة التي تنوء بثقلها علينا وعلى أوروبا على مدار عقود كثيرة من السنين وأود التعبير عن الامتنان لكم شخصياً لاستقبالي والإصغاء إلى وجهة نظري، المخلص لكم حاييم وايزمان.

"
اليهود شكلوا البريجيد اليهودي وتعني الكتيبة اليهودية أو الفرقة اليهودية وكانت تحارب ضد النازي وبالتالي كانوا حلفاء لكل الحلفاء وهم روسيا
"
رفعت السعيد

رفعت السعيد- الحزب الشيوعي المصري سابقاً ورئيس حزب التجمع: اليهود كانوا مشكلين حاجة اسمها البريجيد اليهودي.. يعني الكتيبة اليهودية أو الفرقة اليهودية وكانت بتحارب ضد النازي وبالتالي كانوا حلفاء لكل الحلفاء اللي هم روسيا.. الاتحاد السوفييتي وفرنسا وإنجلترا وأميركا وكده كانوا حلفاء والبريجيد الإسرائيلي ده طلع منه بعد كده اللي تدربوا فيه هم اللي عملوا (كلمة غير مفهومة) وعملوا الهاجانا وعملوا كذا.. يعني دي مسألة طبيعية إن هم كانوا بيجمعوا كل المعاديين للنازي وكان الهدف من ده كمان تعبئة اليهود في الاتحاد السوفييتي إنه يبقوا مع الدولة السوفييتية ضد النازي.

[تعليق صوتي]

لكن العشق وحده لن يفي بالطبع بالغرض الذي يبتغيه وايزمان ورفاقه لذلك فهو يواصل حصار الأفكار والأيدلوجية السوفييتية في الملحق الذي أرفقه برسالته إلى السفير مايسكي في لندن حيث يقول.. طرح هتلر المسألة اليهودية في المقدمة واستغلها بصفته الأداة الرئيسية لتلاحم الحركة الفاشية في العالم بأسره وما كان بوسعه بلوغ ذلك النجاح لولا وجود المشكلة اليهودية التي أخفقت بلدان وسط وشرق أوروبا في حلها.

دومينيك فيدال- مؤرخ متخصص في الشؤون الإسرائيلية: إبادة اليهود أضفت شرعية تاريخية على الصهيونية وهي شرعية لم تكن تملكها من قبل، لأن معظم اليهود لم يكونوا صهاينة قبل الحرب وبعد الحرب أصبح الصهاينة يمثلون الأغلبية، لأنهم قالوا انظروا ماذا حدث؟ لقد تم ذبح الملايين من اليهود، الطريقة الوحيدة حتى لا يتكرر ذلك هي إنشاء دولة.

[تعليق صوتي]

كان حديث وايزمان عن السياسية الهتلرية هو المدخل لمناقشة موسعة حول أوضاع اليهود في العالم بصفة عامة وفي شرق أوروبا بصفة خاصة وما استوقفنا في رحلة البحث هو تلك الأرقام الواردة حول أعدادهم، حيث يقرر وايزمان تلك الأعداد بين عامي 1939 و1941 بصورة تقريبية، للاتحاد السوفيتي ثلاثة ملايين وازداد عدد اليهود في حدود الاتحاد السوفيتي في يونيو/ حزيران من عام 1941 إلى حوالي خمسة ملايين، الولايات المتحدة حوالي خمسة ملايين، بريطانيا سبعمائة وخمسون ألفاً، فلسطين خمسمائة ألف، بولندا ثلاثة ملايين، بلدان البلطيق مائتان وخمسون ألف، رومانيا والمجر وسلوفاكيا وألمانيا العظمى مليون ونصف المليون، المحمية التشيكية أربعمائة وخمسون ألف، أوروبا الغربية نصف مليون، شمال أفريقيا نصف مليون، الشرق الأدنى والأوسط باستثناء فلسطين نصف مليون، أميركا الجنوبية نصف مليون تقريباً.

نهاد الغادري- مفكر ومؤرخ: هو الدين الوحيد في العالم الذي لا يملك دولة، الدين الوحيد على وجه الأرض الذي لا يملك رقعة على الأرض يعيش عليها اليهودي منتمياً لدولة.. منتمياً.. صاحب هوية، هوية وطنية، هوية جغرافية، هو يملك هوية دينية لكنه لا يملك هوية جغرافية، هويته الجغرافية دائماً كانت جزء من هويات أخرى، جزء من فرنسا، من إنجلترا، من روسيا.. ما يشبه من ذلك، في مشروع الدولة اليهودية أصبح منتمياً لدولة جغرافية.. لأرض جغرافية يحمل هويتها، يحمل جواز سفرها، هذا هو العنصر الذي حرك اليهود في العالم وراء قيام دولة إسرائيل وبغض النظر عن النتائج التي نتجت عن هذا أنا أتحدث هنا عن قيام الدولة.. أسباب قيام الدولة بالنسبة لليهود.

[تعليق صوتي]

تظهر الأرقام التي تضمنتها مذكرة وايزمان أن أعداد اليهود تناهز الخمسة عشر مليون شخص وأن الأعداد الكبيرة منهم تتركز في الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأميركية إضافة إلى أوروبا ولاسيما منها الدول التي يتعرض فيها اليهود للاضطهاد والتي نلاحظ بسهولة أن مجموع أعدادهم فيها بحسب أرقام وايزمان لا يزيد على خمسة ملايين شخص ويواصل وايزمان الحديث حول الآلام اليهودية قائلاً.. يستحيل التنبؤ مسبقاً بمدى تناقص عدد اليهود بسبب القتل والآلام الناجمة عن الفاشية، كما يستحيل أن يحدد مسبقاً مستقبل الحدود الدولية، لكن كافة الدلائل تشير إلى أن حوالي ثلاثة ملايين ونصف أو أكثر من اليهود الذين سيحتشدون بلدان وسط وشرق أوروبا.. أي في بولندا ورومانيا والمجر وسلوفاكيا والنمسا وألمانيا يشكلون أصعب مكونات القضية اليهودية بعد الحرب، إن وفرة سكان الريف بهذه البلدان ترغم الناس الزائدين عن الحاجة على الهجرة إلى المدن غير المستعدة لاستقبالهم ونتيجة لذلك تغدو المنافسة شديدة بين اليهود وغير اليهود في العقود الأخيرة بسبب تصاعد موجة معاداة السامية التي وصلت تحت تأثير النازية إلى حد الغليان وجرى إبعاد اليهود باستمرار عن الحياة الاقتصادية للبلاد وجرى إصدار قوانين معادية لليهود جزئياً وكذلك اتخاذ تدابير إدارية ترمي إلى إضعاف المواقع الاقتصادية لليهود، بدأ الألمان بإبادة اليهود بصورة جماعية وبطردهم من مواطنهم وبزجهم في معسكرات الاعتقال وإحلال الخراب الاقتصادي التام بهم ولا يمكن البتة إعادة ما كان موجوداً قبل الحرب ورغم أن بعض اليهود يستطيعون العودة لكن لاشك في تصاعد ضرورة الهجرة بحدة، الأرقام التي وردت في السابق نقلاً عن رئيس الوكالة الدولية تشير إلى ثلاثة ملايين ونصف المليون أو أكثر من اليهود الذين كانوا يعيشون حينها في كل بلدان وسط وشرق أوروبا ولا حاجة بنا للتذكير بالأرقام التي أعلنتها ذات الوكالة عن ضحايا المحرقة النازية لأننا وكما قلنا في البداية لسنا أبداً من أعداء السامية.

ديفيد واتكين- نائب عمالي بالبرلمان البريطاني: بالطبع مع جرائم القتل الجماعي التي ارتكبتها أيدي النازيين في حق اليهود استغلوا هذا الأمر إلى أقصى درجة ممكنة لاستدرار التعاطف العالمي حول هذه القضية.

ماريا أرباتوفا- كاتبة وناشطة في مجال حقوق الإنسان: كانت المسألة اليهودية قضية ملحة عالمياً وليس من المصادفة أن يقوم اليهود بامتلاك أثر في معظم الدول، الجميع أخذ يفكر بحل المسألة اليهودية خلافاً لقضية الغجر مثلاً، اليهود استفادوا من الهلوكوست وجعلوها قضية إنسانية أما الغجر فلا.

[تعليق صوتي]

بالعودة إلى مذكرة وايزمان إلى سفير مايسكي نواصل معه قراءة المشكلة اليهودية والحل الممكن لها حسبما توجه به إلى رجال الاتحاد السوفييتي، جاء في المذكرة.. إن هجرة اليهود وانتقالهم من بلد إلى آخر ومن قارة إلى أخرى ظاهرة قديمة لكنها لم تحل القضية اليهودية أبداً، فمنذ العام 1881 وحتى الحرب العالمية الأولى هاجر حوالي ثلاثة ملايين يهودي من أوروبا الشرقية إلى الولايات المتحدة وغيرها من البلدان في النصف الغربي للكرة الأرضية والإمبراطورية البريطانية وكان نطاق الهجرة من بلدان شرق ووسط أوروبا سيزداد أكثر لو لم تصدر البلدان التي كانوا يتوجهون إليها وخاصة الولايات المتحدة قوانين صارمة تحد من قدوم المهاجرين وبالرغم من ذلك هاجر مئات الآلاف منهم وأدت عملية النزوح هذه إلى خلق الأساس من أجل الوطن القومي اليهودي في فلسطين، كانت إحدى النتائج الإيجابية القليلة لتوقيع معاهدة فرساي هي الاعتراف الدولي بالتطلع الصهيوني إلى إعادة تشكيل الأمة اليهودية في أرض عريقة في القدم وبعد العمل التحضيري الذي استمر ثلاثين عاماً جرى إصدار وعد بلفور والانتداب مما مهد الطريق نحو تحقيق هذا الحلم القديم وحظيت بالاعتراف الدولي الصلات التاريخية للشعب اليهودي بفلسطين واعتبر الاستيطان اليهودي فيها حقاً وليس مكرمة من أحد وأصبحت فلسطين البلاد التي تصبو إليها غالبية المهاجرين اليهود والبلاد الوحيدة التي جرى فيها تخطيط وتنظيم الهجرة اليهودية وفي الفترة من عام 1918 إلى عام1941 ازداد عدد اليهود في فلسطين من ستين ألفاً إلى اكثر من نصف مليون ومن نسبة 10% إلى حوالي ثلث عدد السكان الإجمالي وهي أكبر نسبة للسكان اليهود قياساً إلى أي بلد آخر في العالم.

دومينيك فيدال: الصهيونية في فلسطين كانت معروفة في تلك الفترة لم تكن مجرد كلام، قبل الحرب العالمية الثانية كانت توجد دولة قبل الدولة كانت تمثل ثلث سكان فلسطين ولم تشتري بالفعل سوى 7% من الأراضي ولكن كان لها اقتصاد مزدهر ولها قوات مسلحة تسمى هجانة وهي قوة غير رسمية ولكنها قوية.

[تعليق صوتي]

تتطابق الأرقام الواردة في مذكرة وايزمان حول تعداد اليهود مع ما صرحت به الإدارة البريطانية خلال انتدابها على فلسطين وذلك كما يظهر بيان ديمغرافي لنمو أعداد اليهود في فلسطين من عام 1914 إلى 1947 قياساً إلى أعداد السكان العرب تبعاً لأحد المصادر العربية، لكي يسيل لعاب القادة السوفييت تجاه فكرة تلك الدولة فإن وايزمان يصورها لهم كتجسيد لحلم النظرية الماركسية في أرض الإمبراطورية البريطانية السابقة، إذ يصور الكيان الاقتصادي الناشئ هناك قائلاً.. تُعتبر فلسطين من بين جميع البلدان التي يهاجر إليها اليهود البلاد الوحيدة الخالية من اقتصاد يجب عليهم التكيف معه وهناك تجدهم يبنون حياتهم الاقتصادية الخاصة بهم والصهيونية حين ترسل الجماهير اليهودية إلى فلسطين تضع هدفاً لها وهو إعادة تربيتهم لتحويلهم إلى بشر عاديين من دون أي انحرافات عن الحياة الاقتصادية اليهودية في ظروف الشتات ولكي يشاركوا بنشاط في جميع فروع الإنتاج والزراعة والصناعة والنقل وغير ذلك ومثل هذه البنية الاقتصادية فقط تؤمّن الأساس المتين من أجل الحياة الثقافية والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية السليمة مع السكان العرب.

رفعت السعيد: اليهود اللي كانوا موجودين في فلسطين وخاصة اليهود الذين هاجروا من روسيا بعد ثورة 1905 والذين هاجروا بعد ثورة 1917 كثير منهم جاؤوا إلى إسرائيل وكثير منهم كان يقول أنه اشتراكي وكثير منهم أسس الكيبوتزات.. اللي هي الكيبوتزات اللي بتقوم على أساس برضه فكرة تشبه الاشتراكية، إن إحنا كلنا نشتغل وكلنا ننتج وكلنا نأكل وكلنا نقسم على كلنا وكده.



التقرب من الشيوعية

[تعليق صوتي]

وبينما يعدد وايزمان جهود أبناء جلدته في الأعمار والتطوير في تلك البلاد البائسة كما يصورها يصل مرة أخرى إلى وصف فكرة الاستيطان وكيف تتطابق مع الفكرة الشيوعية، إذ يقول.. من مجموع اثنين وسبعين ألف شخص كانوا يمارسون الزراعة في عام 1940 عاش حوالي أربعين ألفاً في مستوطنات الكادحين التي أقيمت وفق مبدأ العمل الشخصي والتعاون، بينما يعيش أكثر من نصفهم في المستوطنات العمومية حيث تكون جميع وسائل الإنتاج وحصيلة العمل ملك للكينونة التي يعمل أعضائها كل حسب قدرته ويتمتعون بنتائج العمل المشترك حسب المتطلبات وتُعتبر هذه المستوطنات المزدهرة دليلاً على وجود مجتمع يقوم على مبدأ التضامن وليس مبدأ كسب الأرباح.

ليونييد جوخوفيتسكي: آمل ستالين أن تصبح إسرائيل دولة اشتراكية ونحن نعلم أن تأثير الشخصيات ذات الرؤى الاشتراكية في إسرائيل لدى تأسيسها كان كبيراً فالكيبوتز الإسرائيلية تشبه الكلخوذة السوفيتية مع الفرق أن السوفييت كانوا يعملون في الكلخوذات كمتطوعين، فيما كانت الكيبوتزات تدر أرباحاً كبيرة في إسرائيل.

[تعليق صوتي]

يرسم وايزمان صورة المستقبل الذي يحلم به في فلسطين والمبني برسوخ على منجزات الوكالة هناك قائلاً.. حصل اليهود حتى الوقت الحاضر في فلسطين على حوالي مائة وخمسين ألف هكتار من الأرض مما مجموعه مليونان وستمائة ألف هكتار حيث يقطن نصف مليون يهودي، أما العرب فقد حصلوا وهذا ما يوافق عليه المراقب الموضوعي على منفعة كبيرة من هذه التحولات الاقتصادية العاصفة، علماً أن عددهم ازداد بأكثر من الضعفين في الأعوام العشرين الأخيرة وتتوفر فرص كبيرة لتطوير الزراعة وإذا ما وجدت الظروف السياسية المناسبة فبوسع اثنين أو ثلاثة ملايين يهودي الاستيطان هناك في غضون الخمسة عشر أو العشرين عاماً المقبلة، لا يوجد بديل عن هذه البلاد ذات الأراضي المستثمرة الواسعة المستعدة لاستقبال من اثنين إلى ثلاثة ملايين يهودي وتنظيم إقامتهم معاً في حدود دولتهم لا في الولايات المتحدة ولا في أي محمية بريطانية ولا في أي واحدة من جمهوريات أميركا اللاتينية ولا في الاتحاد السوفييتي كما نعتقد وثمة مشاريع عديدة ترتبط بإقامة مستوطنات في المناطق الاستوائية أو القطبية وفي أغلب الظن كان بالمستطاع استيعاب المستوطنين هناك، لكن هذا لا يحل المشكلة.

رفعت السعيد: ستالين حاول يحل المشكلة دي بطريقته، إنه حاول يدي وطن قومي لليهود في الاتحاد السوفييتي ولكن هم رفضوا.. يعني هو قال لك نلم اليهود بتاع العالم دول وأجيبهم عندي وأدينا نستفيد منهم ونبقى لنا علاقات بكل العالم وكذا وعرض عليهم فكرة وطن قومي لليهود في المنطقة الشرقية بتاعة الاتحاد السوفييتي ولكن الحركة دي لم تنجح.

[تعليق صوتي]

يواصل وايزمان شق طريقة نحو قلب السوفييت، فبعد كل الإغراءات السابقة لم يبق سوى شرح الموقف السابق للصهاينة وإزالة أي سوء فهم قد يعلق من الماضي من خلال قوله.. لا يجوز السماح إلى تعقيدات الماضي بأن تغدو عقبة أمام تطوير علاقات جديدة بين الاتحاد السوفييتي والحركة الصهيونية وقد أعلنت المؤتمرات الصهيونية وهذا أمر طبيعي تماماً عن احتجاجها على حظر حركاتها وتعليم اللغة العبرية في الاتحاد السوفييتي واعتبار الصهاينة معاديين للثورة ولكن الصهاينة لم يتخذوا أبداً مواقف معادية للحكومة السوفييتية والاتحاد السوفييتي، حيث يعيش ثلث يهود العالم تقريباً، ذلك البلد أي الاتحاد السوفييتي يجاور أكثر من غيره البلدان التي تطرح فيها هذه القضية بشكل حاد ويعتبر إحدى الدول العظمى المسؤولة عن التسوية السلمية.

يوري أفنييري- مفكر وناشط سلام: روسيا في بداية القرن العشرين.. روسيا العظمى القيصرية التي ضمت جزءاً كبيراً من بولنداً، في روسيا العظمى هذه كان اليهود العنصر المتأجج، العنصر المعارض، كان كل يهودي شاب نشأ في كييف بلونس أو موسكو أو في سان بطرسبرج كان بإمكانه أن يختار بين ثلاث حركات ثورية؛ كان سيتحول إما إلى صهيوني أو بوندست، كان البوند الحزب اليهودي القومي غير الصهيوني أو بلشفي، كانت هنالك منافسة بين هذه الحركات الثلاث منذ اللحظة الأولى على كل يهودي وخاصة بين الصهيونيين والبلشفيين، كره كل واحد الآخر وإذا كان في عائلة ثلاثة أولاد كان من الممكن أن يذهب كل واحد إلى جهة.

[موجز الأنباء]

[تعليق صوتي]

يبدو السيناريو الذي رسمته الوكالة اليهودية لهجرة اليهود نحو فلسطين كخط تصاعدي يعبر عدد من الدول، بعضها تتوفر فيها عوامل هروب اليهود من المعاناة الاقتصادية والاضطهاد العرقي مثلما هو وضع ألمانيا وبلدان أوروبا الشرقية وبعضها الآخر تقتضي خلق مناخ ملائم للهجرة ولو عبر وسائل ضغط كما هو شأن الاتحاد السوفييتي، بينما تقف الدول الأوروبية الغربية في وضع يسهل مهمات الهجرة باستثناء الولايات المتحدة الأميركية التي كانت تستقبل مزيداً من أعداد اليهود ولم يكن من المؤكد أن الوكالة اليهودية كانت تسيطر على الهجرة نحو أميركا الشمالية إذا أخذنا بعين الاعتبار الرغبات الذاتية للمجموعات اليهودية التي لم تكن خاضعة كلياً للوكالة ونزعات الخلاص الفردي التي تكون وراء مبادرات فردية أو جماعية، بيد أن معطيات عديدة تؤكد أن الوكالة اعتمدت على يهود أميركا الشمالية بشكل قوي لتحقيق أهدافها وتشير مذكرة وايزمان إلى تزايد أعداد اليهود في الاتحاد السوفييتي خلال ثلاثة أعوام ما بين عام 1939 و1941 ويفسر ذلك بالهجرة المكثفة من ألمانيا وبولونيا الدولتان اللتان تعرض فيهما اليهود إلى عمليات الإبادة الأكبر.

بول سكام- متخصص في الشؤون الإسرائيلية: بالتأكيد سمحوا للدول الاشتراكية خصوصاً بولندا ورومانيا وبلغاريا بالسماح للمواطنين اليهود بالذهاب وهذا شيء آخر وصار الأمر كأنما يدفعونهم إلى الخارج، معظمهم بعد المحرقة لم تعد لديكم الرغبة في البقاء في بلادهم وفرصة الذهاب إلى إسرائيل كانت أمنية أي فرد منهم، بالإضافة إلى المساعدة التي سيتلقونها قبل تأسيس إسرائيل وقُدمت لهم المساعدات لملئ معسكرات اللاجئين والكوارث التي حلت نسبة لنزوحهم والتي كانت بكميات هائلة.



الهجرة اليهودية لفلسطين والموقف الدولي منها

[تعليق صوتي]

كانت عملية الهجرة ستشهد منعطفاً كبيراً يؤدي إلى الحد منها إثر إعلان الحكومة البريطانية محتوى الكتاب الأبيض في نيسان/ أبريل من عام 1939 والذي تضمن تدابير جديدة في موضوع الهجرة، فجعلها مقيدة، الأمر الذي أثار غضب الوكالة اليهودية، برغم أن الكتاب يمنح اليهود حصة هجرة 75 ألف شخص ويشير الزعيم الفلسطيني أكرم زعيتر في مذكراته أن الحكومات والحركات الوطنية العربية رفضت مضمون الكتاب الأبيض، بينما يشير عدد من المؤخرين إلى الانقسام الذي حدث بين القيادات الفلسطينية حول الكتاب الأبيض وهو ما تؤكده أغلبية المراجع، فقد كان الحاج أمين الحسيني رئيس اللجنة العربية العليا يتزعم حركة رفض الكتاب الأبيض وعقد مؤتمراً في التاسع والعشرين من مايو عام 1939 لهذا الغرض، بينما كان راغب النشاشيبي يعارضه ويؤيد الكتاب الأبيض، كما كان عبد اللطيف صلاح زعيم حزب الكتلة الوطنية ورغم عضويته في اللجنة العربية العليا مؤيداً للكتاب.

"
الحزب الشيوعي الفلسطيني قبل بالكتاب الأبيض على اعتبار أنه يحدد الهجرة ويحدد بيع الأراضي
"
 نعيم الأشهب

نعيم الأشهب- الحزب الشيوعي الفلسطيني: في الـ1939 الحزب الشيوعي الفلسطيني قبل بالكتاب الأبيض على اعتبار إنه بيحدد الهجرة وبيحدد بيع الأراضي وإلى آخره وكان هذا سبب لانسحاب عوده من الحزب.. محمد نمير عوده انسحب من الحزب لأنه هو مال إلى موقف الحاج أمين الحسيني اللي رفض الكتاب الأبيض وإحنا بنعتقد إنه كان غلط حتى بمعايير اليوم رفض الكتاب الأبيض.

[تعليق صوتي]

تطورات الحرب العالمية الثانية واتساع التعاطف مع اليهود بسبب عمليات الاضطهاد النازي ضدهم أيضاً تغيير الحكومة في بريطانيا في أعقاب الحرب ووصول حزب العمال للحكم في عام 1945 ضاعف من حظوظ تأييد هجرة اليهود.

ديفيد واتكين: المجازر التي ارتكبت في حق اليهود في أماكن عديدة مثل روسيا القيصرية وقتها دفعت بالعديد منهم إلى الهجرة إلى بريطانيا بحثاً عن مجتمع أكثر حرية واستقر معظم هؤلاء وكانوا كذلك عمالاً مقهورين في أماكن مثل الطرف الشرقي من لندن ومدينة مانشستر وغيرهما وكان هؤلاء بطبيعة حالهم أقرب شيء إلى العمال البريطانيين وبالتالي التحقوا بهذه الشريحة وانتموا إلى حزب العمال، طبعاً كان ثمة استثناء في هذا الوضع يتمثل في بعض الأسر اليهودية البريطانية الثرية مثل عائلة روتشفيلد وأتذكر أن بلفور قدم وعده إلى لورد روتشفيلد، هذه العائلات اليهودية الثرية كانت كما يتوقع المرء جزءاً من المؤسسة البريطانية الحاكمة، لكن اليهود المهاجرين وجودوا مكانهم الطبيعي مع العمال البريطانيين ومع الحركة العمالية وفي عام 1906 عندما تمكن عدد من الساسة العماليين من الوصول إلى البرلمان تأسس حزب اسمه بوالزيون أي عمال صهيون وكان موالياً لحزب العمال ويظل حتى اليوم موالياً له وهكذا تجد أن حزب العمال ظل متأثراً بالحركة الصهيونية منذ مولده تقريباً وواقعاً تحت نفوذها القوي.

[تعليق صوتي]

في الثالث عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1945 أعلن وزير الخارجية البريطاني الجديد آرنست بيفين أمام مجلس العموم عن رغبة الحكومة البريطانية في تمكين خمسة عشر ألف لاجئ يهودي من دخول فلسطين وهو معدل يفوق بكثير ما كان يسمح به الكتاب الأبيض الذي صدر في عهد رئيس الوزراء نيفيل شامبرلين زعيم حزب المحافظين، إذ تولى زعيم حزب العمال كليموند آتلي رئاسة الوزارة إثر هزيمة تشرشل وأظهر تعاطياً جديداً مع قضية فلسطين.

ديفيد واتكين: كان بنغوريون هو القوة المسيطرة المحركة، كان رجلاً قاسياً لا يعرف الرحمة وكان مع ذلك يدّعي أنه اشتراكي، بل إنه جعل شغله الشاغل أن يتعرف على سائر قادة نقابات العمال وحزب العمال وسعى حثيثاً إلى تسويق تلك الفكرة وكان هؤلاء القادة لا يدركون الحقائق بسبب الغياب التام للصوت العربي في لندن وهكذا نشأ جيلان من الناشطين العماليين على اعتقاد بأن ما أتى به بنغوريون هو الحقيقة وأن الصهيونية صنو للاشتراكية وهذا أمر يجافي الحقيقة تماماً.

[تعليق صوتي]

في بداية عام 1946 أعلن أتلي تجاوبه مع طلب الرئيس الأميركي ترومان بضرورة تمكين مائة ألف يهودي من دخول فلسطين على مدى عامين وتم تشكيل لجنة أنجلو أميركية مشتركة وزارة فلسطين وقدمت تقريرها في العشرين من إبريل نيسان عام 1946 وأوصت بإدخال مائة ألف يهودي رغم تعارض هذه الخطوة مع محتوى الكتاب الأبيض، كانت السياسة البريطانية في عهد حكومة كليمونت أتلي تسير في اتجاه متضارب مع الحكومة السابقة.

كريس دويل- جامعة ورويك: أحياناً يجد المرء أن بعض التصرفات البريطانية متناقضة، لأن هنالك توازن بين رغبتها في عدم إزعاج العرب وأيضاً التأكد من إبعاد السوفييت من إسرائيل وأن لا تظهر بريطانيا بمظهر المعادي لليهود بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث انتشر أمر المحرقة وما يتعلق بها، فقد كان هناك لاجؤون يهود قادمون إلى فلسطين وكان الضغط الداخلي في بريطاني لمساعدة اللاجئين اليهود هائلاً.

ديفيد واتكين: حزب المحافظين كان دائماً معادياً للسامية حتى وقت قريب، ثم نشأ وضع صار فيه عدد محدد من النواب اليهود، كان ثمة عدد صغير منهم على الدوام، كانت لهم واقع متميزة داخل المؤسسة وكانوا محافظين قبل أن يكونوا يهوداً.

[تعليق صوتي]

لم يبق أمام الغرام اليهودي بالاتحاد السوفييتي سوى الحصار من جهة الغرب حيث لا يزال الأرشيف السوفييتي يمدنا بالوثائق حول اللقاءات المتعددة التي دارت في واشنطن بين العديد من قادة الوكالة اليهودية وبين المسؤولين السوفييت وترصد هذه الوثيقة المؤرخة في الثالث والعشرين من سبتمبر من عام 1943 اللقاء بين ناحوم غولدمان رئيس الوكالة اليهودية لفلسطين في واشنطن مع أندرى غروميكو السفير السوفيتي لدى واشنطن آنذاك، يقول غولدمان قلت للسفير غروميكو أن هدف زيارتي ليس مناقشة قضايا بعينها بل إقامة الاتصالات ورويت له بعض المحادثات والنقاشات مع سلفة السيد تليدفينوف الذي التقى أيضاً مع الدكتور وايزمان وبنغوريون وشيرتوك وأعلنت للسفير أننا نعتقد بأن روسيا السوفييتية لا يمكن أن تقف غير مكترثة وبلا مبالاة حيال قضية فلسطين وقضية اليهود في أوروبا ويجب على روسيا السوفييتية باعتبارها إحدى الدول العظمى أن تتخذ موقفاً فيما يخص حل القضيتين اليهودية والفلسطينية وقلت للسفير نحن نفهم أن الحكومة السوفييتية لن تتخذ موقفاً نهائياً من هاتين القضيتين الآن في أثناء العمليات القتالية، لكننا نفترض أن من واجبنا إعلامها بتطور الأحداث بغية أن تأخذ بنظر الاعتبار وجهة نظرنا حين يأتي الوقت لتحديد النهج السياسي ولهذا السبب كنت أطلع السيد تليدفينوف على سير تطور الأحداث في فلسطين وبودي أن تتاح لي الفرصة للقيام بالشيء ذاته مع السيد غروميكو، فأجابني غروميكو بأنه يتفق معي في أن الحكومة السوفييتية ستبدي الاهتمام بهذه الأمور وسيكون سعيداً جداً برؤيتي في أي وقت حين توجد لدي معلومات لتسليمها إليه وقال أيضاً أنه سيكون سعيداً بالحصول على أي مواد خطية أو مطبوعة أرى بأن من الواجب إيصالها له وأنه سيتابع تسلم الحكومة السوفيتية لهذه المواد.

أوليج فيتي- خبير سياسي ومختص في مسألة الصراع العربي اليهودي: لم يكن ستالين شخصاً عاطفياً قط ولهذا فإنه لم يكن ليتأثر بمسألة الهولوكوست بل لقد فكر في استخدامها كعنصر لدعم سياساته وأهتم بها على هذا الشكل ولهذا ظن ستالين أنه في حال دعم اليهود الذين لا شك رأى أنهم سيصبحون قوة ضاغطة بعد الحرب فإنه في هذه الحالة يرفع من هيبته ويعزز مواقعه في العالم.

[تعليق صوتي]

لا ينسى غولدمان متابعة ما بدأه وايزمان من مغازلته للسوفيت إذ يختم رسالته قائلاً.. إن السفير الجديد رجل هادئ تبدو عليه ملامح الشباب وحذر جداً لكنه لطيف.. توقيع ناحوم غولدمان، مرة أخرى وعبر الولايات المتحدة قبيل انعقاد المؤتمر التأسيسي للأمم المتحدة في سان فرانسسكو تخطو الوكالة اليهودية هذه المرة خطوة هائلة باتجاه قلب السوفييت وعبر قلب ستالين نفسه الذي وصلته هذه الرسالة التي استخرجناها من الأرشيف السوفييتي، فخامة رئيس مجلس الوزراء نتوجه إليكم بطلب إعطاء تعليماتكم لوفدكم في مؤتمر سان فرانسسكو للمطالبة بالتنفيذ السريع للوعد الدولي الممنوح للشعب اليهودي بأن فلسطين سوف تعاد من جديد في حدودها التاريخية كوطن قومي لليهود وللمطالبة باستبدال وضعية الانتداب بوضع الدولة اليهودي، إن الشعب اليهودي مستعد تماماً لأن يأخذ على عاتقه إدارة فلسطين تحت رقابة دولية مؤقتة وذلك إذا تطلب الأمر ونحن نرجوكم أيضاً بالإصرار على دعوة ممثلي اليهود إلى سان فرانسسكو على أسس متساوية مع الشعوب الأخرى الكبيرة والصغيرة، نحن نرجوكم عمل ذلك باسم العدالة والعلاقات الشريفة ولأجل الإزالة الأبدية من المسرح الدولي للمشكلة اليهودية والخطر الدائم التي تمثله هذه المشكلة على العالم أجمع، الرأي العام الأميركي المطلع والرأي العام العالمي يبارك بالكامل هذا الموقف.. العقيد موريس مندلسون رئيس المنظمة الصهيونية الجديدة في أميركا.

نايجل آشتون- مؤرخ متخصص في تاريخ الشرق الأوسط: إذا عاد المرء إلى وعد بلفور فإنه يرى بوضوح أن بريطانيا كانت قد لعبت دوراً حاسماً في رعاية المشروع الصهيوني وفي الظروف التي سادت مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية والوقت الذي نفكر به الآن الحكومة البريطانية لم تشأ أن تري التقسيم يحصل ولم ترغب برؤية دولة يهودية مستقلة بسبب الضرر الذي سيلحقه ذلك بالمصالح البريطانية في العالم العربي.

[تعليق صوتي]

كانت المنظمة اليهودية تركز على استبدال الانتداب البريطاني بإقامة الدولة اليهودية في إطار نفس المغازلة المستمرة والمضطربة بما أن موسكو كانت تعمل على إزالة الانتداب البريطاني واستبداله بصيغة دولية تؤمّن دوره ومشاركته الفعلية.

كريس دويل: بالنسبة إلى بريطانيا فإن موضوع فلسطين يتعلق بالمحافظة على وجودها الإمبراطوري، فقد كانت فلسطين جوهرة التاج وأرادت بريطانيا الحفاظ على مصالحها فيها، في نهاية الحرب العالمية الثانية كانت الإمبراطورية في مراحلها الأخيرة، لذلك أرادت المحافظة على وجودها في الشرق الأوسط كنوع من القوة الإستراتيجية.



أميركا وموقفها من مساعي إقامة الدولة اليهودية

[تعليق صوتي]

كان هذا هو حال الاتحاد السوفييتي الذي يتحرق شوقاً لاقتحام منطقة نفوذ جديدة حول البحر المتوسط مركز العالم ولو من خلال تلك العلاقة الناشئة مع الوكالة اليهودية والمنظمات الصهيونية التي وصم أفكارها في السابق بالرجعية والتخلف، فماذا كان الموقف على الجانب الأميركي.. القوة الأخرى التي خرجت من الحرب العالمية بطموح قيادة العالم؟ تساؤل دفع بفريق بحثنا إلى السهر وسط أكوام الوثائق الأميركية التي تتناول فترة منتصف الأربعينات لنرصد أن المخاوف الأميركية كانت قائمة من التغلغل الشيوعي في فلسطين وتحديداً في أوساط الجماعات اليهودية، كما توضح ذلك وثيقة أميركية بتاريخ الثامن من أغسطس من عام 1945 تتضمن تقريراً من القنصل العام الأميركي بالقدس إلى وزير الخارجية في واشنطن حول النشاط الشيوعي في فلسطين، حيث يحمل الدعوة إلى عقد مؤتمر عالمي للمنظمة الشيوعية كرد فعل على مؤتمر يلطا وبمناسبته حدد الحزب الشيوعي الفلسطيني مواقفه، اعتبر أن اتجاه إقامة دولة ديمقراطية في فلسطين إيجابي لكنه انتقد أي تقيد لحرية هجرة اليهود، كما انتقد الكتاب الأبيض الذي يحدد طريقة تنظيم شؤون فلسطين واتهمه بالتمييز بين اليهود والعرب، تشير الوثيقة أن العلاقات بين موسكو والحزب الشيوعي الفلسطيني لم تكن ظاهرة جداً، بل كانت تتم عبر قنوات الحزب الشيوعي السوفييتي التي يقيمها مع جماعة هيديش الشيوعية انكت في موسكو ومن خلال مؤسسة لوفنت للنشر، كما أنه توجد علاقات منتظمة عبر اللجنة اليهودية لمناهضة الفاشية بموسكو وعبر الدار السوفييتية للنشر بموسكو ونقل التقرير معلومات عن علاقات شخصية بين رابطة الشباب الشيوعي وشيوعيين آخرين مع بعثة عسكرية زارت فلسطين وعن أدوار الأحزاب الشيوعية السورية واللبنانية والأرمن وعلاقاتها مع الحزب الشيوعي الفلسطيني.

نعيم الأشهب: الأميركيين.. يعني كانوا قلقين وخائفين من الحركة الشيوعية ده صحيح، لأنه.. يعني نتيجة الحرب أصلاً الاتحاد السوفييتي هو اللي دخل برلين وليس الأميركيين والبريطانيين بالعكس هم حاولوا يأخروا فتح الجبهة الغربية على أساس يعطوا لهتلر أطول فرصة يدمر الاتحاد السوفييتي.

رفعت السعيد: أنا زرت يلطا وفي يلطا كنا رايحين وفد مجلس السلام، كان معنا ناس من الاتحاد الاشتراكي وبتاع، فأخذونا ودونا متحف يلطا، المتحف هو المكان اللي تم في توقيع اتفاقية يلطا، عرضوا علينا فيلم بيتعرض لي كل الزوار.. يعني كنوع من البهجة، إنه إزاي إني المخابرات السوفييتية صورت لقاء يتم بين ممثل للمخابرات الأميركية وممثل للغستابو وممثل الغستابو بيقول لممثل المخابرات الأميركية إحنا هنفسح لكم المجال علشان كانت خلاص كانت ألمانيا بتنهزم.. هنخلي أمامكم الطريق علشان أنتم تستولوا على ألمانيا وعلى الدول التي احتلتها ألمانيا وما نديش فرصة للسوفييت.

[تعليق صوتي]

هل كان صانع القرار الأميركي فاقداً لعنصر المبادرة في هذا الصدد أم كانت تقوده حسابات استراتيجية أخرى؟ ومع تواصل البحث في الأرشيف القومي الأميركي ظهرت بعض المؤشرات الجديدة عبر هذه الوثيقة التي يعود تاريخها إلى الأول من سبتمبر/ أيلول من عام 1945، حيث وصلت إلى وزير الخارجية الأميركية رسالة من القدس مترجمة من الألمانية وبتوقيع شخص يدعى اسحاق دلينغر متحدثاً باسم عدد من اليهود الألمان وعليها إشارة بدون عنوان، حيث تتناول محاولات إقناع الملك عبد العزيز بن سعود بالتنازل عن فلسطين لليهود.

مايكل فيشباخ- مؤرخ متخصص في شؤون الشرق الأوسط: يقال أنه خلال اجتماع الملك عبد العزيز مع الرئيس روزفلت على الباخرة في البحيرات المرة في موسكو وكانت هناك ضغوط تتعلق بالقضية الفلسطينية أكد الملك أنه لن يقطع علاقاته مع أميركا بسبب القضية الفلسطينية وأعتقد أن هذه كانت الفرضية التي اعتمدت عليها الولايات المتحدة إلى عهد الملك فيصل وحتى بعده.

[تعليق صوتي]

تنقل الرسالة مشاعر اليهود في فلسطين إزاء الرئيس روزفلت وجهود حكومته في الانتصار على اللاسامية وكيف أن اليهود سيصوتون لحاميهم يوم السابع من نوفمبر وأن قادة اليهود وحاخاماتهم الذين يؤيدون رسمياً مرشح الجمهوري يوجهون أتباعهم سراً للتصويت لروزفلت مرشح الحزب الديمقراطي خوفاً من أن ينقلب المرشح الجمهوري بعد انتخابه ضد اليهود.

"
عام 1940 كانت بريطانيا في طريقها للهزيمة فانتقل اليهود إلى أميركا، وكان ذلك هو الوقت الذي بدؤوا يطالبون فيه بدولة يهودية في الشرق الأوسط وبدأ يصبح لهم نفوذ هائل هناك
"
ديفد وانكين

ديفيد وانكين: سيكون مثيراً أن نحيد قليلاً عن موضوعنا للنظر إلى تاريخ الحركة الصهيونية وأسباب نشوئها، كانت جرمانية في أصولها قبل الحرب العالمية الأولى وكان الصهاينة بحاجة لأن تكون الإمبراطورية الألمانية إلى جانبهم وكانت لهذه الإمبراطورية مصالحها في الشرق الأوسط، آنذاك انتقل الصهاينة إلى بريطانيا وكانت هذه بدورها تقدم وصايتها وهنا مارسوا تأثيرهم الأعظم وعام 1940 عندما بدا وكأن بريطانيا في طريقها للهزيمة انتقلوا أميركا، كان ذلك هو الوقت الذي بدؤوا يطالبون فيه بدولة يهودية في الشرق الأوسط وبدأ يصبح لهم نفوذ هائل هناك كما هو الحال الآن.

[تعليق صوتي]

تقول الرسالة السابقة إن الخبر المفرح حقاً بالنسبة لليهود والحل الحقيقي هو إقناع بن سعود بتهجير العرب من فلسطين إلى دول عربية أخرى وتُعِد القيادات الصهيونية صندوقاً خاصاً بهذا الأمر إذا تحقق وسيؤمنون كل الحقوق السياسية والاقتصادية للعرب.

ديفيد وانكين: كانت الآلة الإعلامية الصهيونية في غاية القوة وشيدت الكثير على إبادة الملايين من اليهود على يد النازي، فتمكنت من رسم صورة تستدعي التعاطف كما استطاعت أن تزرع عقدة الشعور بالذنب في نفوس الأوروبيين بمَن فيهم البريطانيين، رغم أن هذه الشعوب حاربت النازية وقدمت مئات الآلاف من الأرواح في المعارك لوقف المد النازي، هكذا تمكنت آلة الدعاية الصهيونية من السيطرة على الموقف آنذاك.

[تعليق صوتي]

لسنا من هواة جلد الذات أو صبغ الآخر بالتفوق الكامل وترك الضعف لنا ولكن كانت خططهم نحو الوطن القومي متعددة الأرجل والأذرع والاتجاهات حتى التفت على رقاب كثيرة وغليظة حول العالم ولكن كيف كان الحال العربي حينها؟ هل لعبت النخب السياسية العربية حينها دور المتفرج على الأحداث أم كانت في غفلة كاملة عما يحدث؟ لا يزال في جعبتنا العديد من الوثائق التي تحاول الإجابة عن بعض تلك الأسئلة الموغلة في القدم.