- محاولة انتزاع تعاون ألماني مع العرب
- الحرب العالمية الثانية.. الأيام الحاسمة

- المصالح الألمانية ومصير العالم العربي



[تعليق صوتي]

عبر الوثائق البريطانية والألمانية تتواصل قصة الحاج أمين الحسيني بعد الهروب من مطاردة الإمبراطورية البريطانية ثم اللقاء وجهاً لوجه مع أدولف هتلر ذلك الرجل الذي أصبح اسمه يلقي الرعب في قلوب الإنجليز, وكذلك قيام الدعاية النازية بتصوير هذا اللقاء واستثماره للترويج للموقف الألماني في الحرب الدائرة بين القوى الكبرى في أوروبا, وهكذا كان اللقاء بداية لما سميَّ بالتحالف بين القيادة الفلسطينية والعملاق النازي ضد الإمبراطورية البريطانية, نواصل رحلة البحث بين الوثائق لنستخلص من أرشيفهم ما يلقي الضوء على حياة الحاج أمين ومواقفه طوال إقامته في ألمانيا، كانت الفيلا المخصصة لإقامة الحاج أمين تقع في شارع جوتاشتراسه وبالطبع فقد تدمرت بفعل الحرب ولم يبقى مما يشير إلى المكان إلا تلك اللافتة التي تحمل اسم الشارع, ربما كان الحاج أمين يقضي بعض الوقت في التمشية على ضفاف هذه البحيرة الصغيرة بالقرب من مقر إقامته ليفكر فيما يمكن أن يقوم به استعدادا للمعركة القادمة في فلسطين بعد الحرب, بدأ الحاج أمين في الاختلاط بالجالية الإسلامية في ألمانيا والتي رحبت به كثيرا.



محاولة انتزاع تعاون ألماني مع العرب

بيتر هاينة– أستاذ في العلوم الإسلامية بألمانيا: كان هناك مركز إسلامي يتحرك من خلاله, أيضا كان ينشط بصورة خاصة من خلال المسجد المقام في شارع برينر شتراسه وسط برلين وهو مسجد أسسته الطائفة الأحمدية في العشرينات من القرن الماضي, لكن الكثير من أتباع الطائفة الأحمدية كانوا من الهند التابعة لبريطانيا آنذاك أي أنهم كانوا أتباع دولة معادية في النهاية وبالتالي اتخذ المسلمون السنة الذين شكلوا أغلبية المسلمين في برلين في تلك الفترة اتخذوا هذا المسجد مركزا لهم وكان ينظم فيه الكثير من النشاطات العلنية للمفتي.

[تعليق صوتي]

قامت الحكومة الألمانية بتعيين المبعوث الألماني السابق إلى بغداد الدكتور جروبا كمسؤول عن الحاج أمين والكلاني, وسرعان ما تطور الموقف العسكري في شمال أفريقيا وبدأ روميل في الزحف من العالمين نحو القاهرة ولكنه ووجه بمقاومة شرسة من الحلفاء مما دعى الألمان للتفكير مرة أخرى في إنجاز وعودهم للعرب.

رينية فيلد أنجل– متخصص في العلاقات العربية الألمانية بألمانيا: لم يصدر أي بيان رسمي عن هتلر أو ريبينتروب أو غيرهما من الشخصيات القيادية أما المفتي وغيره من القادة العرب فقد كانوا يلحون في طلب مثل ذلك البيان تكريسا لمصداقيتهم عندما يزعمون أمام شعوبهم بأن ألمانيا هي الحليف الصحيح لها, ولكن ألمانيا تملّصت من إعطاء مثل تلك الضمانات.

[تعليق صوتي]

ويحكي لنا الأرشيف الألماني قصة استمرار محاولات كل من الحاج أمين والسيد رشيد على لانتزاع تعاون ألماني حقيقي مع العرب, في الثامن والعشرين من إبريل عام 1942 بعث الحاج أمين ورشيد عالي الكيلاني برسالة موحدة إلى كل من ريبينتروب وزير الخارجية الألماني وتشليانو وزير الخارجية الإيطالي للمطالبة بالتأكيد مرةً أخرى على اعتراف دول المحور باستقلال الدول العربية وبحق تلك الدول التي لم تنال الاستقلال الكامل في أن تنال الاستقلال وبحق الدول العربية في الوحدة وان تعمل دول المحور على مساعدة الدول العربية على إلغاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين وأن يتم التعاون المتبادل فيما بعد بين الدول العربية ودول المحور على أساس المصالح المشتركة, وفي اليوم نفسه جاء الرد, ويقول نص خطاب ريبينتروب للحاج أمين إلى صاحب السماحة مفتي فلسطين الأكبر محمد أمين الحسيني صحاب السماحة جواباً على كتابكم الذي أرسلتموه إلي هذا اليوم بالاشتراك مع سيادة رئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني وتأكيداً لمحادثاتي معكم فإني أتشرف بإبلاغكم ما يأتي, إنّ الحكومة الألمانية تقدر كل التقدير ثقة الأمة العربية في دول المحور, وأهدافها واستعدادها للمشاركة في الكفاح ضد العدو المشترك حتى يتحقق النصر النهائي, كما أنها تدرك تماما ما أوضحتموه من الأهداف القومية للأقطار العربية في الشرق الأدنى التي تقاس الآلام تحت نير الاضطهاد البريطاني في الوقت الحاضر, ولذلك فإني أتشرف أن أؤكد لكم في اتفاق تام مع الحكومة الإيطالية أن استقلال وحرية البلاد العربية المضطهدة الآن تحت الحكم البريطاني هما من أهداف الحكومة الألمانية, وبناء على ذلك فإن ألمانيا مستعدة لتقديم كل ما تستطيعه من مساعدة للأقطار العربية في الشرق الأدنى الرازحة الآن تحت نير الاضطهاد البريطاني وان تعترف باستقلالها وسيادتها وتوافق على وحدتها إذا كانت مرغوباً فيها ممن يعنيهم الأمر, وعلى القضاء على الوطن اليهودي في فلسطين, وعلى كل حال فمن المتفق عليه أن يظل نص هذا الكتاب سراً مكتوماً إلى أن يتقرر خلاف ذلك بتفاهم من الجانبين, وتفضلوا سماحتكم بقبول أبلغ الاحترام الأكيد, بعث ريبينتروب بنفس الرسالة إلى رشيد عالي الكيلاني كما بعث تشليانو بدوره رسالتين مماثلتين إليهما.

فلاديمير شاجال– مؤرخ وباحث في الشؤون العربية بروسيا: وهكذا فحين تقيّم دور الحاج أمين الحسيني يمكنك وصفه بأنه قومي عربي حتى النخاع, إنه رجل أراد مساعدة العرب نحو حيازة استقلالهم في بلادهم لكنه انتهج طريقاً لحل هذه المعضلة جعله يقف مع ألمانيا ليصبح عدواً لدول ديموقراطية كثيرة.

[تعليق صوتي]

بعد أن اطمأن الحاج أمين لموقف المحور من المطالب العربية شرع في تهيئة المناخ من حوله للعمل الجاد, فأنشأ في نهاية مارس عام 1942 مركز الأنباء العربي الذي كان يصدر نشرةً إخباريةٍ بعنوان بريد الشرق وهي التي كانت تنشر نصوص خطابه الحماسية التي كان يلقيها عبر الإذاعة إلى الجماهير العربية في الشرق.

إدجار فلاكر– مؤرخ بالأرشيف الوطني البريطاني: فور وصوله إلى روما وبرلين عمل المفتي على إنشاء مكتب للدعاية وكان ذلك على رأس قائمة الأعمال التي أراد تنفيذها, وفيما بعد كانت هناك نقاشات عديدة حول إنشاء مكتب دعاية واحد في روما.. مكتبين أحدهما في روما والآخر في برلين, ولكن هذه كانت نقاشات نظرية لا معنى, لها فقد كان المفتي يعمل من برلين ورما معاً.

[تعليق صوتي]

وأنشأ دائرة في الخارجية الألمانية تتولى كل ما يتعلق بالشؤون الإسلامية ورأس هو المكتب العربي فيها ليتولى الاتصال بالشخصيات الإسلامية البارزة في العالم الإسلامي للسعي لديهم إلى الثورة ضد الحلفاء والتعاون مع المحور. وبالطبع فإن الجالية العربية في ألمانيا قد أحسنت بدورها استقبال كل من الحاج أمين والكيلاني.

"
أمين الحسين كان سفير العالم العربي في برلين فكان يقيم حفلات استقبال للشخصيات المؤثرة من الحكومة والنظام والفنانين، ودعا إلى إقامة مؤسسة بحثية وإعلامية تُعني بالإسلام
"
           بيتر هاينة

بيتر هاينة: كان شخصية مؤثرة في الساحة العامة في برلين, وكان يتصرف وكأنه سفير العالم العربي في برلين كان يقيم حفلات استقبال للشخصيات المؤثرة من الحكومة والنظام وكذلك للفنانين وكان في شهر رمضان يدعو إلى الإفطار وإلى الاحتفال بمناسبة عيد الأضحى, كان ينشط إذن على مستوى اجتماعي وكان مهتما جداً بتعريف المجتمع الألماني بالإسلام ككل, كان حريصاً على تبديد الأحكام المسبقة ضد الإسلام والمسلمين, ودعى إلى إقامة مؤسسة بحثية وإعلامية تُعني بالإسلام أي مركز إسلامي, وكلها أمور يمكن القول إننا بحاجة ماسة إلى مثلها اليوم.

[تعليق صوتي]

هكذا أصبح الجو مهيئ للرجلين للانطلاق نحو تحقيق حلم الاستقلال العربي والقيام بالخطوات العملية اللازمة لذلك, ولكن ما الذي حدث بالفعل؟ نظرة أخرى إلى الأرشيف الألماني ربما تمدنا بتوضيح للصورة, في العاشر من سبتمبر عام 1942 أرسل جروبا المبعوث الألماني السابق إلى بغداد برسالة إلى وزارة الخارجية الألمانية يتحدث فيها عن الخلاف على القيادة بين الحسين والكيلاني, حيث يقول في رسالته كانت علاقة الاثنين ممتازة أثناء نضالهما للحصول على اعتراف دول المحور باستقلال الدول العربية, بعد ذلك أخذ كل منهما يطالب بالاعتراف به كقائد وحيد للحركة القومية العربية.

رينية فيلد أنجل: لقد عاد التنافس الشديد بينهما بالضرر على قدرة كل منهما على التأثير ولم يكن الألمان بحاجة إلى بذل جهد كبير للاستفادة من تلك الخصومة بل كانت الأطراف الألمانية المعنية تحصل على ما تريد من أي من الزعيمين الذين كانا يسعيان إلى تعزيز نفوذهما أولاً.

بيتر هاينة: من منهما كان الأحق بالتحدث باسم العرب ككل؟ كان الكيلاني يطالب بهذا الحق باعتباره قومياً عربياً ومن منطلق أن العراقيين هم أول من حاول كسر طوق الهيمنة البريطانية حتى ولو لم ينجحوا في نهاية الأمر, بينما كان الحسيني بحاجة إلى تثبيت موقعه في هذا السياق القومي العربي بشكل ما.

[تعليق صوتي]

في مذكراته ينفي الحاج أمين تماما هذا الادعاء الألماني, إذ يقول الخلاف بيني وبين المرحوم السيد رشيد عالي الكيلاني بولغ فيه كثيراً, وقد حاول بعض الوشاة والدساسين توسيع شقة هذا الخلاف, لكننا حسمناه حسماً نهائيا وكان أمده قصيراً باتفاقنا على اللقاء مرتين في الأسبوع مرة في منزله ومرة في منزلي, والسيد رشيد عالي صديق كريم وعربي صميم, وكنت وإياه في العراق وفي أوروبا على تعاون وثيق ومبادئ واحدة, وقد يكون للأصدقاء وجهات نظر تختلف أحيانا لكن أكثر وجهات نظرنا كانت واحدة ولم أحاول في أي وقت أن أخاصمه أو أنافسه.

محي الدين الحسيني – محلل سياسي وزوج إبنة المفتي: كرئيس وزراء العراق الراحل عالي الكيلاني عمره ما كان يدعي بأنه زعيماً إسلامياً عالمياً, ولا يدعي بأنه كان هو يتزعم حركة وزمم القومية العربية في العالم العربي ولا الإسلامي هو كان رئيس وزراء العراق وكان على أحسن العلاقات مع الحاج أمين الحسيني.

[تعليق صوتي]

ويوضح الحاج أمين الأمر بما لا يدع مجالاً لأي لبس, إذ يقول فأنا لم أطلب قط من السيد رشيد عالي العمل تحت قيادتي, وفي موضع آخر من المذكرات نجد هذه الفقرة التي يقول فيها ولم يحدث قط أني طلبت الاعتراف بي زعيماً للعرب والمسلمين المقيمين بدولتي المحور, وأربأ بنفسي أن أطلب أي طلب خاص لشخصي من دولتي المحور أو سواهما, ولكننا نجد من الأرشيف الألماني هذه الرسالة, حضرة صاحب الفخامة الأخ ناجي شوكت المحترم لأسباب تتعلق بالقضية العربية, أرجو منكم بما عرفتم به من الصراحة والصدق في جميع أدوار حياتكم أن تتفضلوا بالإجابة على ما يلي, هل تذكرون في اجتماعنا المنعقد في منزلي في شارع الزهاوي ببغداد في شباط سنة 1942 أنه حضر ذلك الاجتماع عدا حضرتكم كل من السادة رشيد عالي الكيلاني وصلاح الدين الصباغ والمرحومين يونس السبعاوي وفهمي سعيد ومحمود سلمان وأنا؟ وهل تتذكرون أنني عرضت على رشيد بك نص القسم المقرر في تشكيلاتنا الحزبية السرية فوضع يده على المصحف الشريف وأقسم على الانخراط في هذه التشكيلات والإخلاص لها ولبرنامجها وللمنتسبين إليها مدى الحياة, كما أقسم الجميع نفس القسم, وانه دفع للحزب في ذلك الاجتماع مبلغ مائة دينار عراقي سلمه لي, وأن الاجتماعات لهذه التشكيلات الحزبية توالت بعد ذلك, وأن كل الشؤون الهامة المتعلقة بالحزب بما فيه شؤون الحكومة العراقية كانت تقرر في هذه الاجتماعات, وأنه تقرر أن يتخذ كل منا اسم غير اسمه الحقيقي ليعرف به في التشكيلات السرية وقد اختار كل واحد منا اسم جد من أجداده فكان اسم كل واحد كما يلي, ناجي شوكت أحمد، صلاح الدين الصباغ، رضوان، رشيد عالي الكيلاني، عبد العزيز، يونس السبعاوي، فرهود، فهمي سعيد ، نجم، محمود سلمان، فارس، واسمي أنا مصطفى، وهل تذكرون أن كتلة الجيش العراقي وكذلك الشبيبة كانوا مرتبطين بهذه التشكيلات ومن الذي ربط كتلة الجيش بهذه الهيئة؟ وتفضلوا بقبول فائق التحية والاحترام, الثامن والعشرون من أيلول عام 1942 التوقيع: محمد أمين الحسيني.

محي الدين الحسيني: هذا توقيع محمد أمين الحسيني ما فيه شك, وهذا خط يده ما فيه شك, هادول الاثنين باعرفهم وهذا.. أنا ما عندي أي شك إنه هذا صحيح, وعندما أرى هذا الكلام أعتقد بأن هذا الذي يقوله الحاج أمين هنا كله صحيح, لأنني عرفت هذا الرجل جيداً وهو لا يعرف الكذب.

[تعليق صوتي]

كان ناجي شوكت وزيرا للعدل في وزارة الكيلاني الأولى وللمالية في الوزارة الثانية وهو من قام بالاتصال بفون بابل سفير ألمانيا في أسطنبول في منتصف عام 1941.

رينية فيلد أنجل: كان هناك معسكران على الجانب الألماني, كان البعض مقتنعاً بأفضلية المفتي الأكبر من منطلق ما يطالب به من موقع ديني وبالتالي من أثر ممكن لسعيه في العالم الإسلامي, والبعض الآخر كان يؤيد دعم الكيلاني كزعيم أول وكان مناهضا للمفتي.

بيتر هاينة: كان من البين الرجال المحيطين بالكيلاني من لا يمكن وصفه بالمسلم الصالح, وممن كانوا لا يتورعون عن شرب الويسكي أو الكونياك بينما كان المفتي يحرص على مواصفات المسلم الصالح.

[تعليق صوتي]

جاء رد السيد ناجي شوكت في الثلاثين من سبتمبر مؤكداً لرواية الحاج أمين, جواب كتاب سماحتكم المؤرخ في 28 من أيلول عام 1942, أنني أذكر جميع ما جاء في ذلك الكتاب على النحو الذي ذكرته ويدلي بشهادته على قسم السيد رشيد على الكيلاني, حيث يقول وأذكر جيداً أنكم عرضتم به عرض القسم المقرر في تشكيلاتنا الحزبية السرية على رشيد عالي بيك الكيلاني, فوضع يده على المصحف الشريف وأقسم على الإنخراط في هذه التشكيلات والإخلاص لها ولبرنامجها وللمنتسبين اليها مدى الحياة, ويختتم شهادته بذكر نفس الأسماء الحركية للمجموعة ويقر أن الحاج أمين كان هو الرابطة بين تلك التشكيلات وكتلة الجيش ثم يحدد التاريخ ويضع توقيعه على الشهادة, وتتوالى الشهادات من السادة حسن أبو السعود ومحمد العفيفي وفرحات الجندلي بزعامة الحاج أمين لتلك التشكيلات وأنهم أعضاء مع الكيلاني فيها.

إدجار فلاكر: ويجدر بنا الإشارة إلى أن رشيد عالي كان ينتمي للجنة التي قام المفتي بتأسيسها عام 1940

نجم الدين السهروردي – مؤرخ وزوج إبنة الكيلاني: كان هناك عهد الحاج أمين الحسيني والقادة الأربعة ورشيد عالي التقوا على أن يشكلوا كتلة قومية في سبيل تحقيق الوحدة العربية في بغداد وأعطى كل واحد إليها اسم حركي.

محي الدين الحسيني: معناته هذا.. كانت هذه المؤسسة التي لا أعرف.. لم أعرف بها أنا قبل الآن موجودة وأن دولة رشيد عالي الكيلاني كان عضوا فيها وقد أقسم على احترامها.

[تعليق صوتي]

ولكن تفاجئنا الوثائق مرة أخرى بالخلاف بين الرجلين, ففي مذكرة أعدها الوزير المفوض كرومر للدائرة السياسية السابعة في وزارة الخارجية بتاريخ 16 من سبتمبر 1942 يقول, الكيلاني ينفي وجود حزب الأمة العربية التي يتحدث عنها المفتي, كما أنه من غير المفهوم أن يلجئ المفتي لطلب الاعتراف به كرئيس للمنظمة من قبل دول المحور, فإذا كان المفتي رأس التنظيم ومعترفاً به من أعضائه, فأنه ليس بحاجة إلى اعتراف إضافي بصفته تلك وإذا كان يريد الاعتراف ليتمكن من العمل في مصر بكل يقين فيبدو أنه لا يمتلك ذلك اليقين حتى الآن.

بيتر هاينة: الكيلاني هو سليل عائلة عراقية عريقة وقد حقق نجاحات سياسية كبيرة أي أنه كان رجل سياسة وعلى معرفة دقيقة بموازين القوى في ذلك الوقت, أي بين ألمانيا ومن معها من جهة والحلفاء المعادين لها على الجهة الأخرى, لربما كانت ثقته بفرصة ألمانيا في تحقيق النصر أقل كثيراً من ثقة الحسيني في ذلك.

[تعليق صوتي]

ونجد في الأرشيف الألماني مسودة الرسالة التي كان الحاج أمين قد بعث بها إلى تشليانو وزير الخارجية الإيطالي, يقول فيها يا معالي الوزير في الوقت الذي تقرب فيه الوقائع العسكرية جنود المحور من البلاد العربية بالشرق الأدنى أرغب بوجدان ثابت وبمسؤولية تامة تجاه الشعب العربي وتجاه دول المحور وتجاه أعضاء التشكيلات الوطنية السرية, الأمة العربية التي أنا رئيسها أن أكرس نفسي وكل عقيدتي وقوة من يتبعونني على التعاون الفعال مع إيطاليا ومع ألمانيا ولذا اقترحت أثناء الحديث الذي تشرفت بنيله منكم يوم السادس والعشرين من يوليو الماضي بأن أتوجه بالسرعة الممكنة إلى أفريقيا الشمالية للتعاون مع حكومات المحور في الحركات المقبلة لأجل تحرير البلاد العربية بالشرق الأدنى الذي يتألم الآن تحت حكم الأعداء المشتركين, وتخبرنا مذكرات الحاج أمين بعكس ما خطته يداه سابقاً, حيث يقول وقد حدث خلال فترة مشاورة ألمانيا للوحدة الأوروبية في مشروع الدولة المغربية الموحدة, أن زارني الاميرال كاناريس في منزلي في برلين واقترح عليّ أن نسافر معاً إلى تونس ثم إلى غيرها من أقطار المغرب لمقابلة زعمائها, فقلت أنني لا أستطيع ذلك ألا بعد أن توافق الحكومة الألمانية رسمياً على مشروع تأليف الدولة المغربية المتحدة كما حدث في تعهدها الرسمي لنا في شأن الأقطار العربية المشرقية.

رينية فيلد أنجل: كان النازيون يأملون في الاستفادة من تأثير الحسيني في العالم الإسلامي بأسره وليس في العالم العربي وحده, وذلك نظراً إلى مؤهلاته التي إكتسبها من خلال الدراسة في جامعة الأزهر في مصر, ولو أن هناك خلافا حول ما إذا كان أنهى الدراسة هناك أم لا؟ إذ نفى خصومه أن يكون له النفوذ أو السلطة الدينية التي كان يملكها في فلسطين بحكم موقعه فيها كمفتي, وبالرغم من ذلك حاول النازيون دعمه ليكون السلطة الدينية المؤثرة, وحاولوا تكريسه زعيماً للعالم الإسلامي وبالتالي الاستفادة منه في هذه الصفة لأغراضهم الدعائية.



[فاصل إعلاني]

الحرب العالمية الثانية.. الأيام الحاسمة

[تعليق صوتي]

أيا ما تكون حقيقة تلك الأحداث والمواقف يقول البعض أن هذا التضارب والتناحر أدى إلى ظهور تلك الآراء المتضمنة في مذكرة الوزير المفوض إيتل والتي قدمها إلى وزير الخارجية ريبينتروب بتاريخ 17 من أكتوبر عام 1942 ويورد فيها رأيه في العقلية العربية, حيث يقول أن جوهر الشخصية العربية يكمن في انعدام الثقة والحسد والطمع, مما يوفر أرضاً خصبة لشتى أشكال المؤامرات, وهو ما يعيق بدوره أي جهد لقيام أمة عربية أو تحقيق هدف العرب الأساسي المتمثل بضم دول الشرق الأوسط في مملكة عربية واحدة, ويعتبر إيتل أن هذه الصفات هي التي مكنت بريطانيا من سياسة فرق تسد.

رينية فيلد أنجل: كانت تلك الأحكام المسبقة تستخدم في توصيف الزعيمين العربيين اللذين كانا يقيمان في ألمانيا, وتُظهر تلك المذكرات التي تتضمن تقييماً لهما مدى تأثير نظرية الأجناس العنصرية على المسؤولين الألمان الذين كانوا يتعاونون بشكل وثيق مع الزعيمين العربيين.

فيبرمان – أستاذ التاريخ المعاصر ببرلين: من المهم التأكيد هنا على أن النازيين لم يكونوا معادين للسامية فحسب بل كانوا عنصريين أيضا والعرب كانوا وفق نظرية الاعراق سيئة الصيت ل فلهلم مار, من بين الشعوب السامية ذات القيمة الأدنى لم يأت هتلر كثيراً على ذكر العرب لكنه في كتابه كفاحي استهزأ بالجهاد المقدس لدى المسلمين وحذّر من توظيف العرب في القتال ضد بريطانيا, وإن عاد وفعل ذلك لاحقاً سيبقى أن العرب كانوا بالنسبة إلى النازيين وكثير من الألمان آنذاك وبعضهم اليوم فلساً أقل قيمة وهو ما أرفضه بكل وضوح

محي الدين الحسيني: طبعاً إيشي طبيعي أن الإنسان عندنا إحنا العرب.. خلينا نقول إذا كان صحيح اللي بيقوله الألمان عنا كل واحد بيحب يكون هو الزعيم, ولكن الألمان كانوا شايفين اللي بيقدر يكون زعيم واللي بيكون الحقيقي هو الحاج أمين أكثر من رشيد علي, ولذلك كانت كتبهم هاي كلهم بيقولوا نعمل لجنة يكون يترأسها الحاج أمين نعمل شيء يترأسه الحاج أمين.

بيتر هاينة: تعكس الوثائق المتوفرة لدينا الانطباع بأن ذلك الخلاف كان مصدر ازعاج للألمان, فعندما كان الكيلاني مثلاً وهو رئيس سابق للوزراء يشكو من الحسيني أو الحسيني يشكو من الكيلاني, فكان لابد من تدوين المذكرات وكتابة الرسائل, وفي الواقع فقد أثقل ذلك الخلاف على الدبلوماسية الألمانية.

إدجار فلاكر: كان المفتي رجلا عملياً وقد فهم أن خلف العنصرية التي قادت المذهب النازي, كانت هناك السياسات الألمانية الحقيقية, وأعتقد أنه حدث نفسه بالهدف الحقيقي للألمان, هدفهم الاستراتيجي الأبعد من عنصريتهم الجامحة.

[تعليق صوتي]

كانت تلك هي بداية التحول نحو الأيام الحاسمة في تاريخ الحرب العالمية الثانية, ففي يوم الثالث والعشرين من أكتوبر عام 1942 بدأ القائد البريطاني مونتغمري هجوماً مضاداً على القوات الألمانية بصحراء العلمين المصرية, ويبدأ الحاج أمين التحرك عبر إذاعة برلين العربية, حيث يستهل بيانه إلى الشعب المصري قائلاً أن الانتصارات العظيمة التي أحرزتها جيوش المحور في شمال أفريقيا قد أبهجت العرب جميعا والشرق كافة وملأتهم إعجابا بعبقرية روميل وشجاعة جنود المحور, ذلك لأن العرب يعتقدون بأن دول المحور إنما تكافح الأعداء المشتركين من إنجليز ويهود وتدرء الخطر الشيوعي الذي أصبح يجاور البلاد العربية بعد اجتياح الشيوعيين لإيران, أن هذه الانتصارات من ناحية عامة سيكون لها تأثير عظيم على مصر, إذ أن فقدان الإنجليز لوادي النيل وقناة السويس وانهيار السيادة البحرية الإنجليزية في البحر الأبيض والبحر الأحمر يقرب خذلان بريطانيا في هذه الحرب وهو بدء النهاية كما يظهر للإمبراطورية البريطانية, أما نتائجها المباشرة فهي إنقاذ مصر وسائر البلاد العربية في الشرق الأدنى من النير البريطاني.

[تعليق صوتي]

وألقى السيد رشيد عالي الكيلاني بدوره بيانا مماثلا يحث فيه أبناء النيل على الثورة ضد الإنجليز, يقول فيه ولست يا مصر قصيرة في هذا البلاء فإن لك جارات وشقيقات من بقية بلاد العرب ذاقت من ويل الاستعمار علقما ومرا, فهذه فلسطين وهذه سورية وهذا هو العراق ولكل صحائف في المجد وآيات في الجهاد, دخلها الإنجليز أصدقاء ومحررين فصار منهم ألد الأعداء وأقسى المستعمرين, وهذا شأن الإنجليز في كل دور وحين لا يعرفون للشرف معنى وليس للوعد عندهم وزن, وفي الثامن من نوفمبر من نفس العام 1942 تبدأ القوات الأميركية في دخول الحرب في جبهة شمال أفريقيا إلى جانب الحلفاء بإنزال قواتها هناك ويعود الدبلوماسيون الألمان من الولايات المتحدة, ويسارع الحاج أمين مرة أخرى بإرسال نداء آخر عبر إذاعات المحور إلى عرب شمال أفريقيا, يقول فيه وباجتياح أميركا لاقطار المغرب يتقوى نفوذ اليهود وتتضاعف سيطرتهم وتزداد غطرستهم فأميركا هي مطية اليهود ونصيرتهم الأولى.

بيتر هاينة: يمكن القول إن ذلك كان بمثابة تكرار لما جرى في الحرب العالمية الأولى حيث حاول الألمان بواسطة مكتبهم الإعلامي الموجه إلى الشرق كسب متطوعين مسلمين من شمال أفريقيا أو حتى من السنغال, من بين هؤلاء كان صالح الشريف التونسي الذي اشتهر بالوقوف في الخنادق الألمانية والمناداة على المسلمين في الجانب الآخر من الجبهة, قائلاً ألا تدرون إنكم تحاربون ضد الخليفة؟ وكان يعني السلطان العثماني ومثل هذا النشاط تكرر مع الحسيني في الحرب العالمية الثانية.

[تعليق صوتي]

يواصل الحاج أمين, كما أني أعتقد أن إخواننا المغاربة سوف يمتنعون عن التعاون مع الحلفاء وهم ينتظرون متربصين فقد يجعل الله بعد عسراً يسراً ومن بعد ضيق فرجاً وقد يكون وراء ليلهم البهيم صباح مشرق جميل, وتدخل الدعاية النازية على الخط نفسه عبر تقاريرها عن الحرب في جبهة شمال أفريقيا.



المصالح الألمانية ومصير العالم العربي

بيتر هاينة: لكن التساؤل يُطرح من جديد حول سذاجة الحسيني, هل كان بوسعه معرفة مصالح الألمان الحقيقية؟ وأنهم كانوا يعتزمون الاستفادة من المتطوعين في جبهات قتال أخرى بعيدة عن تحرير فلسطين والعالم العربي؟

[تعليق صوتي]

ولكن هل كان الحلم قد تقوض بالكامل؟ كان هناك مشروع آخر يعمل عليه الحاج أمين, إذ يحكي في مذكراته عندما قامت حركة العراق عام 1941 تقدم عدد من الطلاب العرب في ألمانيا للتطوع فلبت الحكومة الألمانية طلبهم وشرعت في تدريبهم, فلما وصلت برلين طلبت من الألمان توسيع نطاق هذه العملية حتى تنتظم جميع العرب في بلاد المحور, وقد حدث في ذلك الحين أن عدداً من العرب الذين أخذهم الإنجليز ليكونوا عمالاً في اليونان وقعوا أسرى في أيدي الألمان وكان معظمهم من الفلسطينيين, فإتفقنا مع السلطات الألمانية على إخراجهم جميعا من معتقلات الأسر وإرسالهم إلى ميادين التدريب العسكري, وكان الألمان قد أنشئوا في اليونان مدرسة حربية, كما أنشئوا ميادين تدريب لتخريج ضباط صف, وأقاموا دورة خاصة في دنهاك لاهاي بهولندا لتدريب عدد من الشبان العرب على أعمال المغاوير الكوماندوز, ولما انتهت هذه الدورة وتخرجوا منها, تلتها دورات أخرى, في مناطق عديدة للتدريب على أعمال المغاوير وعلى مختلف الأسلحة, تخرج منها عدد كبير من شبان العرب, في معسكرات ألمانيا وإيطاليا كانوا هم النواة الأولى لتكوين قوات عسكرية عربية في بلاد المحور.

بيتر هاينة: كان يتحرك في ذلك الإطار باعتباره سلطة دينية وسياسية عليا, كان يزور ثكنات المتطوعين بانتظام, ويقيم صلاة الجمعة فيها, كان يخطب في المتطوعين محاولا توجيههم دينياً وسياسياً وفكرياً بهدف إقناعهم بفائدة الصداقة العربية – الألمانية.

[تعليق صوتي]

"
بعث الحسين بمذكرة إلى وزارة الخارجية الألمانية طالب فيها بعدم إرسال المتطوعين العرب من معسكر كب سونيون في اليونان إلى القوقاز بل إرسالهم إلى مصر
"
       تقرير مسجل

وفي التاسع والعشرين من أغسطس عام 1942 يبعث الحاج أمين بمذكرة إلى وزارة الخارجية الألمانية يطالب فيها بعدم إرسال المتطوعين العرب من معسكر كب سونيون في اليونان إلى القوقاز بل إلى مصر لمباشرة تحريك الشعب في معركة تحرير.

إدجار فلاكر: أعتقد أن المفتي كانت لديه آمال عريضة وبالتأكيد شجعه بعض الدبلوماسيين الألمان, نحن إقناع هتلر وتغيير وجهة نظره وإسقاط بريطانيا في شرق المتوسط, ولكن إقناع هتلر بذلك لم يكن ممكناً أبداً فهو لم يغير رأيه أبدا ووصل إلى الاتحاد السوفييتي كما أعلن من قبل.

[تعليق صوتي]

نشأت فكرة الاستعانة بهؤلاء المقاتلين العرب في جبهة القوقاز بعد الصدمة الألمانية من شراسة المقاومة السوفيتية لهم والخسائر الكبيرة التي منيو بها هناك.

نجم الدين السهرودي: لما صارت قضية القوقاز, أولاً ما كان الفكرة نقلها لهناك.. للقوقاز اللي هي مدينة ستالينو اللي قريبة من ستالين جراد, استالين جراد اسمها فولجو جراد كانت سموها ستالين جراد وهذه أيضا لها أسم أخر سموها ستالينو, كمعسكر للفيلق العربي لأجل أن يشنون على أساس حرب أو إلى ... لكن لما صار عصيان عند العرب اللي هما أربعين اثنين وأربعين واحد في ستالينو, أن هما جايين يحاربوا روسيا يحاربوا ستالين جراد وهالمناطق فما قبلو.

بيتر هاينة: وتجدر الإشارة هنا إلى أن الظروف في تلك المعسكرات كانت قاسية, وأن التوتر كان يسود في كثير من الأحيان العلاقات بين الضباط الألمان ومن يخدم لديهم من المتطوعين العرب بسبب اختلاف المفاهيم الثقافية, كان العرب يشعرون بالإهانة أو بأن مشاعرهم يتم تجاهلها, وكان الحسيني يبذل جهوده كي يتفهم الجانب الألماني تصورات الجنود العرب ومفاهيمهم الثقافية الخاصة.

[تعليق صوتي]

كان الاتفاق مع القيادة العليا للجيش الألماني على استخدام المفرزة العربية الحرة, ينص على ما يلي أولاً إن المفرزة المؤلفة من العرب الأحرار الموكول أمر تدريبها إلى الركن الخاص فلمي وهي تابعة لقوانين ونظام الجيش الأماني وتحت قيادته ستكون واجباتها كما يأتي, ثانياً قبل استخدامها في العراق أو في سوريا أو في فلسطين أو في شرقي الأردن ستدرب وتسلح وتصنف إلى وحدات عسكرية حسب أوامر الركن الخاص فلمي, ثالثاً يقبل الركن الخاص فلمي انضمام الشباب العربي المتطوع للقتال ضد بريطانيا وحليفتها إلى هذه المفرزة, رابعاً لا يجوز تجزئ هذه المفرزة وإرسال قسم منها إلى جهة من جهات القتال في البلاد العربية وإنما تتبع هذه المفرزة أوامر الركن الخاص فلمي في إرسالها إلى الجهة القتال في البلاد العربية التي تقررها القيادة العليا الألمانية, تحمل تلك المذكرة توقيع الكيلاني ولكنها تخلو من توقيع الحاج أمين وتتعدد التفسيرات حول هذا الأمر.

بيتر هاينة: مثل ذلك الاختلاف مشكلة لعدد من المتطوعين الذين التحقوا بجيش الرايخ بهدف المساهمة في تحرير الدول العربية من الإمبريالية الغربية سواء كانت بريطانية أو فرنسية, أعتقد أن عدد كبيراً من المتطوعين العرب لم يكن مستعداً للخدمة في فرنسا كما وقع لاحقاً, أو في روسيا أي لتحقيق أهداف عسكرية ألمانية مغايرة لما كان يبتغيه.

إدجار فلانكر: في ذلك الوقت كان رشيد عالي في وضع لا يحسد عليه مقارنة بالمفتي, وكان يود تعزيز موقفه بتعيينه قائدا للعراق لو أمكن, لكن حتى هذا المنصب كان صعب المنال, لأن ألمانيا لم تكن لتعترف بحكومة لا تتمتع بالسيطرة الكاملة على الأرض.

نجم الدين السهرودي: رشيد عالي ما جاء حتى يسوي جيش عربي في روسيا جاء حتى يحرر العراق, يحرر البلاد العربية, فهو سحب يده لكن الحاج أمين الحسيني أخذ هذه المهمة على عاتقه بالاتفاق مع رشيد عالي ونقلوا مركزها إلى إيطاليا.

[تعليق صوتي]

تثبت الوثائق أن الحاج أمين هو من رفض التوقيع على هذه الاتفاق, ويبدوا أن هذا الأمر أثار غضب بعض رجال الخارجية من حوله كما تشير الوثيقة التالية التي أرسلها جروبا إلى وزارة الخارجية الألمانية, ويتحدث فيها عن الحسيني بوصفه مراوغاً للألمان وأن ما يهمه فقط مصلحة حركته العربية, لذا فأنه بعكس الكيلاني يعارض تسليم قيادة العرب في المفرزة العربية بالجيش الألماني للجنرال فلمي ويريد تسلميها للعرب أنفسهم.

محي الدين الحسيني: فيه حرب وفيه جبهة موجودة في الصحراء الغربية وقد أوشكت على احتلال مصر, هناك يجب أن يرسل هذا الجيش ليحارب مع الألمان ليحتل.. يعني بقية الاحتلال لمصر ثم احتلال فلسطين واللي كان بده يخلص من اليهود فيها ومن الصهيونية, وهذا المنطق يقول هكذا, أنا أعتقد هذه هي أو هذه اللي فكروا خلاف كبير واختلاف هو كان رشيد عالي دبلوماسي فوقع لهم على شيء, الحاج أمين لا يلين فهو ولا للألمان ولا للإنجليز ولا حد يمكن كان يعرف بقلبه أنه كلهم أعداء.

بيتر هاينة: لقد وظف بعض الدبلوماسيين الألمان ذلك الخلاف لصالح إدارة الصراعات فيما بينهم أنفسهم, إذن لا يمكن القول أن الخارجية الألمانية نهجت سياسة واضحة بهذا الاتجاه أو ذاك بل كان هناك جدل حاد ضمن وزارة الخارجية حول الطريقة المثلى للتعامل مع العرب, وكان للخلاف بين الكيلاني والحسيني دور في سياق الخلافات ضمن وزارة الخارجية نفسها.

[تعليق صوتي]

انتهت تلك الاختلافات حول المفرزة ومكان توجهها بنقل جروبا إلى روما وتعيين الوزير المفوض إيتل قنصل ألمانيا السابق في طهران ليحل محله كمختص بشؤون الحاج أمين والكيلاني, لم يقف الأمر عند ذلك الحد, وإنما امتدت الحرب من الخارج حتى كادت أن تحرق أصابع الحاج أمين نفسه, ففي تلك الوثيقة الصادرة بتاريخ الخامس من نوفمبر عام 1942 يعرض إيتل لرسالة جروبا والتي تتضمن بعض التهم الموجهة من كل من رشيد عالي الكيلاني والجنرال فلمي إلى الحاج أمين بأنه قد قام بالكشف عن نص الاتفاق العسكري بين الكيلاني وفلمي, وأنه بهذا قد يكون قد نشر وثيقة عسكرية سرية, ويفسر إيتل في ملحق الرسالة بأن هذه التهم لو ثبتت فأن عقوبتها في وقت الحرب هي الإعدام وذلك بصرف النظر عن جنسية المتهم.

نجم الدين السهرودي: لا هو الإعدام مبالغ فيه هذا إنما الخلاف اللي صار كان الحاج أمين الحسيني للحقيقة والتاريخ, وهذا هو معذور لأنه كان من واجباته أنه يريد قضية مصلحة فلسطين فوق كل اعتبار, أما الوسائل مهما كانت تختلف مع الآخرين لابد أن يحقق هدفها وهو تحرير فلسطين هنا الخلاف.

محي الدين الحسيني: هذه الوثيقة زي ما قلت لك أنا أشك فيها كثيرا بأن تكون مزورة من بعض الألمان اللي على اتصالات مع الجواسيس البريطانيين ونحن عرفنا ما قبل قليل قد أيش كانوا الإنجليز يحاولوا تسوئ سمعة الحاج أمين هنا تدخلوا بشيء زي هذا لتسوي سمعة رشد عالي والحاج أمين مع بعض, لا هذا كتب ولا هذا قال ولا هذا وقع وكله كلام مش صحيح.

بيتر هاينة: كانت مسألة خطيرة إذ أن لها علاقة بإفشاء أسرار عسكرية, لكني لا أعتقد بأن السلطات كانت ستغامر بمثل هذا, لابد من الإلتفات إلى أن النازيين كانوا قد أطلقوا الكثير من حملاتهم الدعائية بمساعدة الحسيني لفترة طويلة, حيث كان يلقي الخطابات في برامج الإذاعة الألمانية الناطقة بالعربية ولو تمت معاقبته وأعدم على إفشائه أسراراً عسكرية لكان من الصعب على النازيين تفسير ما يجري للعرب, لم يكن ذلك قابلاً للتنفيذ.

[تعليق صوتي]

وبالفعل تم التعامل مع تلك القضية بهدوء, فلم يلتفت رجال الدبلوماسية الألمانية إلى تلك الادعاءات فضلاً عن أن المفرزة العربية نفسها لم تتوجه أبداً إلى أي بلد عربي, حيث أبيد من أرسلوا للحرب في الأراضي السوفيتية, ثم ما لبث أن استسلم الجيش الألماني في أوائل فبراير عام 1943, وبحلول الثاني عشر من مايو من نفس العام كانت القوات الألمانية في شمال أفريقيا قد استسلمت للحلفاء, ولكن الحاج أمين على ما يبدوا كان قد تعود على فتح ملفات جديدة في كل مرة للنضال من خلالها كما يحكي في مذكراته, لقد كنت في روما يوم التاسع عشر من كانون الأول عام 1942 حينما إتصل بي السيد مصطفى بوصلا جيتش البوشناقي الطالب في جامعة روما وأنبأني بالمجزرة الوحشية التي أُقتُرفت في المسلمين في منطقتي البوسنة والهرسك من قبل عصابات الشتنيك الصربية, ثم تتابعت الأنباء المحزنة تُفصِّل تلك الفظائع الرهيبة, قابل الحاج أمين موسوليني ليحتج لديه على السماح بهذه الجرائم الوحشية, واتفق مع الألمان على تكوين فرق عسكرية بوسنية لتدافع عن أرضها وإنشاء قوات للشرطة لحفظ الأمن, ويواصل حكاية القصة في مذكراته بعد ما أتم الجيش الألماني تدريب الفرقة البوسنية الأولى خنجر ذهبت والدكتور مصطفى الوكيل لزيارتها في قرية نوي هامر في مقاطعة سيلزيا وبالطبع تلتقط الدعاية الألمانية هذه الزيارة لتمدنا بتلك اللقطات النادرة.. مفتي القدس الأكبر يزور الوحدات المسلمة في جيش الرايخ حيث يؤدي أحد الضباط السلام العسكري أمام المناضل الكبير من أجل حرية العرب ومتدربوا الوحدات المسلمة هم جنود أثبتوا جدارتهم على جبهات القتال.

فلاديمير شاجال: في تلك الآونة أستخدم الألمان أمين الحسيني لجر مسلمي البلقان لمصلحتهم أو لمصلحة الدول التي كانت تقف معهم وحتى يكون جليا تماما فقد استخدمه الألمان أيضا لمخاطبة الأسرى المسلمين من الاتحاد السوفييتي المتواجدين آنذاك على الأراضي الألمانية.

[تعليق صوتي]

بالطبع لم يكن الحاج أمين يعلم الدور الذي ستلعبه الفرق المسلمة وتلك اللقطات له مع جنودها في مصيره وحياته مستقبلاً, بانتصاف عام 1943 بدأ الانهيار الشامل لقوات المحور على كافة الجبهات, ففي الخامس والعشرين من يونيو استقال موسوليني, وفي الثالث من سبتمبر استسلمت إيطاليا للحلفاء, وألقت الحكومة الجديدة القبض على موسوليني وظل معتقلا بإحدى الجزر الإيطالية حتى خلصه الألمان من أسره وأعادوا احتلال روما حيث نصبوه على رأس حكومة جديدة في شمال إيطاليا, وباشتداد غارات الحلفاء على برلين قررت السلطات الألمانية نقل المهاجرين العرب إلى مدينة أيبوين على حدود مقاطعة السوفيت التي استعادها هتلر من تشيكوسلوفاكيا في بداية الحرب, كان الحاج أمين قد قدم إلى برلين فاراً من الإنجليز ومطاردتهم له, وها هو الآن وقد فوجئ بهم يدقون ببنادقهم حصنه الأخير, في حين لم يجني من الألمان أي ثمار تنقذ قضيته الرئيسية التي تاهت في خضم الحرب فلسطين, ما هي قصة أخطر عملية للتعاون بين رجال هتلر والحاج أمين لمحاولة إحياء الثورة الفلسطينية؟ من هم ألئك الفدائيون الذين غامروا بحياتهم في غمار الحرب العالمية الثانية؟ من خلال صفحات جديدة من أرشيفهم وتاريخنا نعرض قصة أخرى في تاريخنا لإبحار السفينة الفلسطينية ضد تيار انتصار الحلفاء.