- الاتهام بالجاسوسية لصالح الألمان
- اتهام الحاج أمين بأنه مجرم حرب

- معاداة السامية والتحريض ضد اليهود

- العودة إلى الشرق وموته في لبنان


[حوار من مذكرات الحاج أمين الحسيني]

هيملر: كيف تفكرون بحل المسألة اليهودية عندكم؟

الحاج أمين: سنطلب إليهم أن يعودوا إلى البلدان التي جاءوا منها.

هيملر: لن نسمح لهم بالعودة إلى ألمانيا.

الاتهام بالجاسوسية لصالح الألمان

[تعليق صوتي]

امتد التاريخ النضالي للحاج أمين الحسيني من فلسطين إلى لبنان إلى العراق ثم الهروب عبر إيران وتركيا وبلغاريا وإيطاليا نحو ألمانيا حيث حاول من هناك قيادة الحركة القومية العربية وتجنيد القوى الإسلامية للتحالف مع هتلر وموسوليني ضد الإمبريالية الاستعمارية عملاً بمقولته إن عدو عدوي هو صديقي, ولكن انهيار ذلك الصديق ضرب حلم الحاج أمين في مقتل على ما يبدو فقد انتهى به الأمر إلى ذلك الوضع غير المفهوم قيد الإقامة الجبرية في فيلا محاطة بحراسة فرنسية مشددة إلى الجنوب من باريس.

نواصل رحلة البحث في الوثائق الفرنسية والبريطانية عن أوراق الساسة الأوروبيين حول الحاج أمين بعد انتصارهم على قوى المحور التي قتل بعض زعمائها وسيق من بقيَ منهم على قيد الحياة إلى المحاكمة وظل الحاج أمين في محبسه يفاوض لتغيير نظرة المنتصرين إليه كحليف للطرف الخاسر, وتأتي الوثائق الفرنسية لتشرح بعض تلك المواقف التي كانت أحيانا صادمة, حيث نجد في تلك الوثيقة الصادرة بتاريخ الحادي عشر من مايو من عام 1945 رسالة من أدريان تكسيبي وزير الداخلية إلى زميله جورج بينو وزير الخارجية يبلغه فيها بنتائج التحقيق مع موظف سابق في الجستابو في مدينة ميتز الفرنسية حيث يصف هذا الموظف المفتي أمين الحسيني بالعقل المدبر لأجهزة التجسس الألمانية في كافة البلاد الإسلامية وخصوصا العربية, ويفرض هذا السؤال نفسه, هل كان الحاج أمين في فترة لجوئه إلى ألمانيا يعمل كجاسوس للألمان؟

بيتر هاينة– أستاذ في العلوم الإسلامية بألمانيا: كلا..فالجاسوسية تعني أنه حاول إما في بريطانيا أو أميركا استكشاف أسرار عسكرية وهو ما لم يفعله, لكن يمكن وصفه بأنه كان عميلاً من حيث تأثيره أي أنه كان يحاول عبر الدعاية استنهاض الجماهير العربية كي تناضل ضد الحلفاء وهذا صحيح ولو سئل عنه لما كان ينفيه.

محي الدين الحسيني– دبلوماسي وزوج ابنة المفتي بالأردن: قضية الجاسوسية هذه يعني نكتة أنا بأعتبرها, لأنه الحاج أمين كان حليفاً مش صغيراً.. حليفاً كبيراً للألمان, والألمان كان لهم ما لا يقل عن يمكن عشرين ألف جاسوس في العالم العربي, ويمكن الحاج أمين دلهم على بعض هؤلاء اتصلوا بفلان أو علان علشان يساعدهم لأنه كان حليف لهم, كان يحارب الإنجليز والصهيونية وهم يحاربون الإنجليز والصهيونية فهذا كان حليف ولم يكن جاسوس والجواسيس كانوا كثار, ولكن للدخول إلى الحلف كان جاسوس لألمانيا في ذلك الوقت بيبقى.. يعني عقله بسيط يعني تفكيره بسيط لدرجة إنه مش قادر يشوف شو الواقع.

"
المفتي لم يكن جاسوساً للألمان ولكنه كان سياسيا وقائدا للحركة الوطنية الفلسطينية, واعتبر نفسه حليفا لدول المحور فأنشأ مركزا للدعاية والاستخبارات بالتعاون مع النازي
"
   إيفي شلايم

إيفي شلايم– أستاذ في جامعة أكسفورد ببريطانيا: من العجيب وصف المفتي كجاسوس للألمان, لأن المفتي لم يكن جاسوساً, ولكنه كان سياسياً وقائداً للحركة الوطنية الفلسطينية, وقد حاول بل اعتبر نفسه حليفاً لدول المحور وأنشأ مركز للدعاية والاستخبارات بالتعاون مع النازي, وقد قام بأعمال الدعاية لصالح قوى المحور وكذلك حاول تجنيد المسلمين في الحرب في منطقة البلقان.

الدكتور إدجار فلاكر– مؤرخ بالأرشيف الوطني البريطاني: كان للمفتي علاقات متشعبة وكانت له عيون في كل العالم العربي من جبال الريف في المغرب وحتى مجتمع المنفى في إسطنبول, وكان يدفع لهؤلاء الناس وكانت له شبكة معلومات كاملة, كان يمكنه أن يخبر الألمان مثلاً عن خطط الحلفاء في أراضي شمال إفريقيا, كما كان يمكنه أن يمدهم بالمعلومات عن شعور العرب المنفيين في إسطنبول.

هنري لورانس– متخصص في تاريخ الشرق الأوسط بفرنسا: لم يكن جاسوساً بل كان في تحالف سياسي إبان الحرب العالمية الثانية مع ألمانيا النازية, وقد أشرف مع قوميين عرب في المنفى مثل فوزي القاوقجي ورشيد علي الكيلاني على حركة العرب الأحرار في ألمانيا, وهي تسمية شبيهة بتسمية فرنسا الحرة, لقد أعد برامج إذاعية باللغة العربية موجهة إلى المسلمين الواقعين تحت سيطرة الحلفاء في ذلك الوقت.

[تعليق صوتي]

تتعدد الشهادات والآراء حول الحاج أمين مع القادة النازيين فترة لجوئه إلى ألمانيا, والكل يجمع على الرأي الذي يرفعه من التصنيف كجاسوس إلى مرتبة التحالف مع الألمان النازيين حيث تتوحد الأهداف حول بعض القضايا وربما كان هذا هو السبب والذريعة التي ستخلق للحاج أمين العديد من المتاعب التي نرى مقدمتها فحسب في الوثيقة الفرنسية الصادرة بتاريخ الخامس والعشرين من أكتوبر تشرين الثاني من عام 1945 والمعدة من قبل دائرة إفريقيا والمشرق بالخارجية الفرنسية والتي تبدأ بسرد ذلك التغير الطفيف في وضع الحاج أمين في فرنسا, حيث تقول وبداية من غرة أكتوبر أقام المفتي في فيلا الزهور بوجيفال مع مطلق الحرية لاستقبال ضيوفه حتى إنه سمح له من قبل الشرطة القضائية بشراء سيارة سجلت باسم أمين سره السيد دواليبي, الشرطة القضائية لم تعد تمارس عليه سوى حراسة متقطعة, ويحكي الحاج أمين في مذكراته عن سر هذا الانتقال إذ يقول, وكانت إقامتنا بفرنسا بالشهور الأولى في لافارين تحت حراسة السلطات الفرنسية لكننا لم نستطع أن نمكث في منزلنا بتلك الضاحية إلا بضعة شهور لأنها كانت شديدة الرطوبة وشعرنا بآلام الروماتيزم تسري في مفاصلنا وانتقلنا منها بموافقة الحكومة الفرنسية إلى لوفسيان حيث استأجرنا داراً قائمة على مرتفعات ضاحية بوجيفال على بعد ثمانية عشرة كيلو متراً من باريس على طريق فرساي تحيط بها أشجار باسقة كثيرة وهكذا انتقل الحاج أمين هو ورفاقه إلى هذه الفيلا الجديدة ولكن لم تكن مشاكله أبداً لتنتهي عند ذلك الحد, إذ تُواصل الوثيقة الفرنسية السابقة ومن يوم الثاني والعشرين من مايو طلب السيد هيلمن المستشار بدرجة وزير بسفارة بريطانيا العظمى شفهياً من أمين عام المديرية بأن يُقَدم المفتي وشركاءه إلى القيادة العليا لقوات التحالف, لكن هذا الطلب لم ينفذ, وبعد الاتفاق مع وزير الخارجية يوم الثامن من سبتمبر تغير التعامل تدريجياً مع المفتي وتحول من أسلوب الإقامة الجبرية إلى حرية تحت المراقبة, وهكذا ثارت شهية الأسد البريطاني من جديد لالتهام فريسته بعد تلك المطاردة التي دامت طويلاً, وظن الآن أن الطريدة قد أنهكت وحان وقت الانقضاض عليها, فهل كان الحاج أمين فقد كل وسائله الدفاعية أيضاً بعد أن سلبت منه كل أسلحته الهجومية؟

رينية فيلد أنجل- متخصص في العلاقات العربية الألمانية: لابد هنا من الأخذ بعين الاعتبار أنه كان في ذلك الوقت قد فقد موقعه كزعيم لحركة التحرير الفلسطينية, لم تبق له روابط كثيرة بفلسطين ولم يكن على إطلاع وثيق بأحوال فلسطين في ظل الانتداب, لقد فقد اتصالاته مع رفاق النضال السابقين.

إيفي شلايم: بعد الحرب العالمية الثانية عندما أصبحت بريطانيا المقر الرئيسي بشأن مستقبل فلسطين قامت بكل ما في وسعها من أجل إبعاد المفتي ودحر طموحات الشعب الفلسطيني في إقامة دولة خاصة بهم.

محي الدين الحسيني: الإمبراطورية البريطانية كانت تعتبره عدوها الأول بطول الوقت, وظلت وإلى الآن الإنجليز.. الحكم الإنجليزي بعد ما مات الحاج أمين يكرهوا أسمه ولم يحبوا يسمعوا أسمه, لأنه كان بالنسبة لهم مؤذي جداً, كان عدو شرس وقوي ولم يتنازل ولم يتراجع عن شيء يؤذيهم, فهم أعدائه فهم جم علشان يعاقبوه, ما كانوا يطالبوا بكل الناس اللي حاربوهم لأنه كلهم ما أخذوش هالقيمة بس الحاج أمين يعتبروه أكثر من هتلر.

هنري لورانس: فرنسا التي كانت تعتبر نفسها من جهة كقوة مسلمة بسبب وجود الملايين من المسلمين في إمبراطوريتها الاستعمارية والتي كانت تريد الإبقاء على علاقات جيدة مع الدولة الإسلامية المستقلة لم تحبذ بالطبع صدمهم من خلال تسليم المفتي إلى البريطانيين, من جهة أخرى في واشنطن ولندن كان سفراء فرنسا يخضعون إلى ضغوط قوية ولكن في الاتجاه المعاكس، فرنسا وجدت نفسها بين نارين في هذا الملف ولم تكن تريد الاستسلام لا لهؤلاء ولا لأولئك.

[تعليق صوتي]

ويتطور الأمر ويزداد إلحاح البريطانيين وتتعدد حججهم في مطالبة الخارجية الفرنسية بتسليم الحاج أمين إليهم كما يَرِد في برقية رنين مسيجلي السفير الفرنسي في لندن والمرسلة إلى الخارجية الفرنسية والتي يَذكر فيها أن مدير دائرة الشرق في الخارجية البريطانية أبلغ مستشار السفارة الفرنسية بأن الحكومة البريطانية تعتبر المفتي أمين الحسيني بريطانياً خائناً, مشيراً إلى أن السلطات البريطانية سلمت فرنسا المواطنين الفرنسيين الخونة الذين كانوا في ألمانيا.

هنري لورانس: في الواقع إنه أمر معقد من الناحية القانونية لأن فلسطين كانت تحت وصاية عصبة الأمم ولأن بريطانيا كانت القوة التي تملك الوصاية, من مفهوم فلسطيني قانوني فإن أي عربي أو يهودي بما أن الكل كان يحمل الجنسية الفلسطينية يطلق عليه من الناحية القانونية حماية بريطانية, أي أنه يتنقل إلى الخارج بجواز سفر بريطاني ويتمتع من الناحية النظرية بالخدمات الدبلوماسية من قبل بريطانيا.

محي الدين الحسيني: الإنجليز كانوا يعتبروا أن فلسطين بريطانيا, مع إن هم كانوا دولة انتداب حتى ما كنتش مستعمرة بريطانية, ولكن هم كانوا يعتبروا هيك ويعتبروه.. وهذا كلام برضه كلام سخيف.. يعني إذا قالوا هذا الكلام فهو كلام سخيف, قالوا واحد ولو كان وزير خارجية شو مكان اللي بيحكي حكي سخيف, الحاج أمين كان يحارب بريطانيا طول حياته ولم يكن بريطانياً وإذا كان خائن لبريطانيا فهذا شرف له.

اتهام الحاج أمين بأنه مجرم حرب

[تعليق صوتي]

ويبدو أن الخارجية الفرنسية قدر رأت في تلك الفترة أنه ينبغي عليها تعيين أحد رجالها ليكون مسؤولاً عن ملف الحاج أمين خلال إقامته في فرنسا, وهكذا وقع اختيارهم على السيد هنري بونسو ليتولى تلك الهمة وتكمن المفارقة في تاريخ العلاقة بين الرجلين, إذ يحكي الحاج أمين عن الرجل في مذكراته كان المسيو بونسو سنة 1929 مفوضاً سامياً في سوريا ولبنان وأردت أن أقوم بزيارة للعراق فكان لابد من مرور السيارة في الأرض السورية وفي درعا وهي البلد التي يقوم فيها مركز الحدود بين سوريا والأردن, علمت بعد فترة انتظار أنني ممنوع من دخول سوريا, وعلمت فيما بعد أن السلطات المنتدبة كانت ترمي إلى توقيفي ومثولي أمام المحاكم الخاصة التي كونت لمحاكمة المشتركين في الثورة, ولكن المسيو بونسو اكتفى بمنعي من الدخول خوفاً من تعقيد الموقف, وفي السنة التالية قام المسيو بونسو بزيارة لمدينة القدس حل فيها ضيفاً على المفوض السامي الإنجليزي فقاطعت كل الحفلات التي أقيمت على شرفه, وكان يتضمن البرنامج زيارة الأقصى ولما علمت ذلك كتبت رسالة إلى المفوض السامي أُعلمه فيها أن زيارة المسجد ممنوعة على المسيو بونسو وأضفت أني سأعمد للقوة إذا حاول ذلك, فأرسل إلي من يحاول إقناعي فهددته بمظاهرة قائلاً لن أقبل هذا التحدي وهكذا ألغيت الزيارة, والآن وجد الحاج أمين نفسه وجهاً لوجه أمام المسيو بونسو فما الذي دار بينهما, الإجابة تأتي من الأرشيف الفرنسي بما تحمله الوثيقة التالية من اتهامات خطيرة للحاج أمين تم الحديث عنها كثيراً سابقاً, في الثامن والعشرين من أغسطس/آب من عام 1945 ذهب المسيو بونسو إلى مقابلته الأولى مع المفتي الكبير, والعنوان يقول ساعتان من المحادثة مع المفتي بمقر إقامته على حافة المارن, موضوع هذه المقابلة كان دراسة حالته كمجرم حرب مطلوب من قبل يوغسلافيا, وتواصل الوثيقة عند استجواب المندوب الفرنسي في لجنة لندن أقر يوم الثالث والعشرين من أغسطس أن المفتي الكبير مدون في القائمة اليوغسلافية لمحاكمة وطنية ولم يحل إلى المحاكمة العسكرية الدولية, والسبب هو بعد توجهه إلى ألمانيا كلف المفتي من قبل الحكومة النازية بتنظيم فرقة مسلمة وبموجبه توجه إلى يوغسلافيا حيث حث أشخاصاً مسلمين إلى الانضمام إلى هذه الفرقة وقد ارتكب هؤلاء الأشخاص الكثير من الفظائع في يوغسلافيا حسب ما ذكر المندوب اليوغسلافي ثم بعد ذلك في فرنسا.

إدجار فلاكر: بالتأكيد كان هذا الطلب غريباً جداً خاصة وأنه يأتي من دولة كانت هي نفسها متورطة في ذلك الوقت في جرائم ضد الإنسانية وبالتحديد ضد مسلمي البوسنة والكروات والأقلية الألمانية, كانت فرنسا على علم بما يدور في يوغسلافيا وبالتأكيد كان هذا الطلب شديد الغرابة بالنسبة لها لأنه أتى من تلك الدولة.

فلاديمير شاجال- مؤرخ وباحث في الشؤون العربية: نظر الاتحاد السوفيتي إلى الحسيني كشخص حرض المسلمين في خطاباته من راديو برلين ضد السوفيت, الأمر ذاته فعله عبر تنقله في معسكرات الأسرى المسلمين السوفييت في ألمانيا.

مارك هالتير- باحث في الشؤون الإسلامية: وجد أكثر من عشرين ألف بوسنياً مسلماً أي كرواتياً آنذاك بما أنه كانت لهم حسابات ينبغي تصفيتها مع الصرب منذ معركة كوسوفو وتم تجنيدهم وأنشأت هذه الوحدة العسكرية, ونرى الصورة التي يقف فيها الحاج أمين الحسيني وهو يستعرض الجنود مع أداء التحية النازية, وما الذي فعله هؤلاء الجنود؟ لم يتهجموا على اليهود بل أقدموا على ذبح المقاومين اليوغسلافيين.

بيتر هاينة: كان ذلك علاقة بكون أحد المؤسسين لوحدة بوسنية خاصة تسمى خنجر وهي تابعة لوحدات إس إس وكانت تعمل في البلقان, لابد من رؤية الأمر من منظور مواجهة تلك الوحدات لثوار البارتيزان من حول تيتو ومن منظور ردة فعل تيتو فيما بعد.

"
الحاج أمين أقام جيشا للدفاع عن مسلمي البوسنة والهرسك من المجرمين بقيادة ميخائيلوفيتش، وطلب من ألمانيا تدريبهم
"
    محي الدين الحسيني

محي الدين الحسيني: فالحاج أمين أقام هذا الجيش مبدئياً للدفاع عن مسلمي البوسنة والهرسك من المجرمين بقيادة ميخائيلوفيتش الذين كانوا يحاربون ويقتلون المسلمين أينما وجدوهم, طلب من ألمانيا أن يدربوهم علشانه وطبعاً هذا الجيش كان مع الألمان.. يعني هما اللي دربوهم.. أعطوه السلاح هما إللي هذا.. وقاموا بهذا, ولذلك هم حاربوا تيتو ورجال تيتو اللي منهم ميخائيلوفيتش اللي كانوا يذبحوا المسلمين.

[تعليق صوتي]

إنها تلك الزيارة التي قام بها الحاج أمين إلى تلك الوحدات المسلمة والتي تم تكوينها حسب ما قال الحاج أمين في مذكراته للدفاع عن مسلمي البوسنة ضد الاعتداءات الصربية آنذاك, ولقد استغلت الدعاية النازية هذه الزيارة للترويج للموقف الألماني في الحرب, ولكن الآن وبعد أن انتهت المعارك يبدو أن المنتصر يريد إعادة ترتيب أوراقه من جديد, ولكن هل كانت تلك ادعاءات المنتصر وحده؟

رينيه فيلد أنجل: وكان طلب يوغسلافيا تسليمه إياها مفهوماً لأنه ساعد على إنشاء وحدات إس إس الخاصة في البلقان, وبذلك كان له دور كغيره من الزعماء الأجانب وقادة تلك الوحدات الخاصة من الألمان أنفسهم واعتبرت وحدات إس إس النازية الخاصة من قبل الحلفاء بعد الحرب على أنها منظمات إجرامية, وبالتالي يمكن ملاحقة أفراد تلك الوحدات ومن شكَّلها قضائياً.

فيبرمان- أستاذ التاريخ المعاصر: كانت يوغسلافيا قد تقدمت بطلب لمحاكمته لأنه وبناء على إثباتات تدينه قام بدعم الوحدات المسلمة التابعة للوحدات النازية الخاصة إس إس مثل فرقة خنجر وسكاندابيك, وقد قاتلت تلك الوحدات ضد الثوار الشيوعيين وقد عمل المفتي على إعداد أئمة لتلك الوحدات, ويقال أنه كان مسؤولاً عن جرائمها ولو بطريقة غير مباشرة, طلبت الحكومة اليوغسلافية بناء على ذلك تسليمه لتقديمه أمام محكمة لمجرمي الحرب.

إدجار فلاكر: لقد كان نظام تيتو وأحد الأشخاص المذهبيين في الحكم ربما الشخص الرئيسي ويدعي موشى بيار وكان يهودياً, ولكن هل كان لكونه يهودياً أهمية أم لا؟ لا أعرف.. أشك في أنه لكونه يهودياً كان موشى بيار مهتماً بأمر تسليم المفتي.

[تعليق صوتي]

وهكذا بدأت الحملة مجددة ضد الحاج أمين للمطالبة بمحاكمته على ما قيل بأنها جرائم ضد الشعب اليوغسلافي, ولكن هل وقف الأمر عند هذا الحد؟ يواصل الأرشيف الفرنسي إمدادنا بالمزيد من الوثائق حول تطورات تلك الاتهامات, ففي العشرين من يوليو عام 1945 ترد إلى الخارجية الفرنسية برقية من هونريه بوييه السفير الفرنسي في واشنطن ينقل ما جاء في بيان للجنة التحرير الوطني العبرية حول قيام الحكومة اليوغسلافية بوضع اسم المفتي أمين الحسيني على قائمة مجرمي الحرب, ويبدو أن هذا الطلب قد جاء تدعيماً لطلب سابق ربما لم يجد حججاً كافية لإثباته, وهو ما ورد في تلك الرسالة المرسلة من السفارة الفرنسية في واشنطن أيضاً بتاريخ العاشر من مايو عام 1945, حيث ينقل رسالة بالإنجليزية من بيتر بيرجسون رئيس اللجنة العبرية للأمم الحرة إلى الجنرال شارل ديغول يطالبه بالتحفظ على المفتي أمين الحسيني لمحاسبته كمجرم حرب.

هنري لوراني: بيتر بيرجسون الذي توفى منذ سنتين أو ثلاث كان صهيونياً أميركياً ينتمي إلى الأرجون أي اليمين الصهيوني المتطرف آنذاك, والذي لعب دوراً مهماً نسبياً لأنه كان الصهيوني الأول والوحيد تقريباً في الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية والذي حاول إنذار الأميركيين بمذبحة يهود أوروبا وبالتالي تم اعتباره كرجل مثير للقلق آنذاك.

محي الدين الحسيني: يطالب بأن يحاكَم كمجرم حرب, وهل هذه تهمة؟ يعني هو كان عدو للإنجليز وللأميركان ولليهود ويحاربهم, فهو بالنسبة إليهم مجرم حرب وهذا شرف إليه وإلي, أنا بيطرطشني شوية شرف.

فيبرمان: بدأ حياته كقومي يناضل من أجل شعبه وهو ما قام به بالفعل وناضل آخرون مثله ومن بينهم اليهود لكن ما لا يجوز تجاهله هو أنه تعاون مع ألمانيا الهتلرية, ومن المهم هنا القول إنه وفي إطار ذلك التعاون وفي مجرى الصراع مع اليهود في فلسطين قد تطور إلى معاداة السامية, وحسب تقديري كان الحسيني من أوائل المعادين للسامية بين المسلمين.

مارك هالتير: أنا أفهم ألا يحب طرف الآخر, ولكن هذا لا يبرر الذهاب لرؤية هتلر, ومثلما يقول هيملر ويمكن لأي واحد الإطلاع على ذلك أي تقرير ما جاء في محاكمة نورمبيرج, ويقول إن المفتي كان من صانعي التدمير المنظم لليهود الأوروبيين, لقد قدم لي ولأدولف إيخمان يد المساعدة لتنفيذ تلك الخطة, إن كنت لا أحبك أنت لن أخرج إلى ضواحي العاصمة الفرنسية حتى أقتل كل العرب.

[تعليق صوتي]

ويشرح الحاج أمين موقفه في مذكراته قائلا أن ادعاءات اليهود وأكاذيبهم هذه ينقصها الواقع فالألمان في عهد الحكم النازي كانوا قد صفوا حسابهم مع اليهود قبل وصولي ألمانيا ولم يكونوا في حاجة إلى من يحرضهم على ذلك, والحرب العالمية الثانية أعلنت في شهر أيلول سبتمبر عام 1939 وأنا لم أصل أوروبا ألا في شهر تشرين الأول أكتوبر عام 1941, ففي خلال مدة تزيد عن عامين لم يكن يعجز الألمان أن يصفوا حسابهم مع اليهود

بيتر هاينة: ما كان يتصدى له في دعايته هو ذلك الشكل الخاص لليهودية الأوروبية وهي يهودية منصهرة في المجتمع كانت إما ذات طابع قومي أي صهيونية أو تقوم على مفاهيم اشتراكية, كان يكافح ضد شكل حديث من اليهودية وبالتالي كانت معاداته لها لا تنبع من موقف عنصري بقدر ما كانت ذات منطلقات أيديولوجية.

[فاصل إعلاني]

معاداة السامية والتحريض ضد اليهود

وتتصاعد الحملة تجاه الحاج أمين أكثر وتدخل أطراف عديدة في الصراع حول الرجل إذ تخرج العديد من المقالات لتهاجمه بنفس التهمة وهي معاداة السامية والمساهمة في إبادة يهود أوروبا إذ يحكي في مذكراته, وكان أعوان اليهود وعملاؤهم من نواب بريطانيين وغيرهم, لا سيما من حزب العمال الذي يحتوي عدداً غير قليل من النواب اليهود وعملاء الصهيونية ما إنفكوا منذ وصولي إلى فرنسا, يثيرون هذه المسألة في مجلس العموم البريطاني.

محي الدين الحسيني: شيء طبيعي أن اليهود والإنجليز والأميركان يحاولوا بأن يتهموه بأنه مجرم حرب, هذه بالعكس تعلي من قدره في ألمانيا.. يعني بيحاسبوه زي هتلر وزي كبار رجال النازي, ما.. مش مجرد عربي كان في آلاف من العرب.. يعني ما حد حكي معهم, وكلهم اعتبروه شيء عادي وروحوا.

فيبرمان: يقال إن الحسيني عارض بشدة نقل أطفال اليهود من البلقان ورومانيا إلى أماكن آمنة في فلسطين, ويقال إنه دعى إلى نقلهم بدلاً من ذلك إلى بولندا, مما قد يعني نقلهم إلى معسكر الإبادة في أوسشفيتش, لكنه وحسب علمي لا يمكن البرهنة على مشاركته المباشرة في إبادة اليهود لكن لابد أنه كان على معرفة بتلك الإبادة وبالتالي وافق عليها, لقد سكت عنها وكان في سكوته علامة الرضا.

مارك هالتير: وهنا تدخل المفتي الحسيني شخصياً لدى هيملر ليقول له إذا فعلتم ذلك فنحن العرب لن نساندكم أبداً ومات خمسة مليون طفل في شيرنزتات, هذا ليس عامل فخر ولا أعتقد أن هؤلاء الأطفال كانوا سيظلون في فلسطين, وربما كانوا سينتقلون بعد ذلك إلى كندا أو فرنسا أو أي بلد آخر.

[تعليق صوتي]

وتنشر النيويورك بوست العنوان التالي, الوثائق تثبت أن المفتي هو مجرم حرب بقلم آرثر هروي, وتقول المقدمة أن بحوزة نائب وزير الخارجية البريطاني هيكتور ميكلر دليلاً وثائقياً حول أن الحاج أمين الحسيني المفتي الأكبر السابق للقدس هو مجرم حرب, ولو حتى بالتعريف التقني للكلمة, وهذا الدليل هو بحوزة النيويورك بوست الآن, ويدخل العرب في المعركة الدائرة حول الحاج أمين ليدافعوا عنه في صحافتهم كما يذكر في مذكراته, وكذلك عبر الجامعة العربية التي كانت قد تشكلت بعد نهاية الحرب برئاسة أمينها العام عبد الرحمن عزام الذي لعب دوراً كبيراً في حملة الدفاع عن الحاج أمين, وتتدخل الدبلوماسية العربية أيضاَ للدفاع عنه, ونجد بالأرشيف الفرنسي بتاريخ العاشر من أغسطس عام 1945 تلك الوثيقة حيث يكتب السفير الفرنسي بونسو تقريره للخارجية حول مقابلته مع السفير المصري في باريس, ويَرِد فيه بعد ثمانية أيام من التفكير قرر فكري باشا إرسال رسالة لحكومته بالاقتراح عليهم أن يطالبوا الحكومة البريطانية بأن تسمح للحاج أمين بالتوجه إلى مصر والأفضل العربية السعودية, الرفض لم يأتي من الحكومة الفرنسية وعلى الحكومة البريطانية أن تتحمل مسؤولياتها, ويضيف بونسو في فقرة أخرى, لا شيء أكثر وضوحاً.. مصير المفتي ومعاونيه من جهة بين أيدي الدول العربية التي تستطيع أن تطالب به ومن جهة ثانية فهو لدى بريطانيا التي تعتبر موافقتها ضرورية للسماح لهم بالذهاب إلى الشرق الأدنى, لقد وجد المفتي الكبير مأوى في فرنسا قبل أن تطالب به يوغسلافيا على أنه مجرم حرب, ويختتم بونسو تقريره بتلك الفقرة التي توحي بما ستؤول إليه الأمور لاحقاً, حيث يقرر ليست الحكومة الفرنسية وحدها أمام هذه القضية محرك القرار السياسي العادل, لابد أن تحافظ على مكاسبها ومنافعها في العالم الإسلامي.

"
المطالبة بمثول الحسيني أمام محكمة نورمبيرغ لم تكن واقعية, لأن تلك المحكمة كانت مخصصة لمحاكمة مجرمي الحرب الرئيسيين والحسيني لم يكن واحداً منهم
"
  رينية فيلد أنجل

رينية فيلد أنجل: أعتقد أن المطالبة بمثوله أمام محكمة نورنبيرج لم تكن واقعية, لأن تلك المحكمة كانت مخصصة لمحاكمة مجرمي الحرب الرئيسيين, والحسيني لم يكن واحداً منهم, بل كان أولئك من بين القادة الألمان الذين خططوا للحرب ونفذوها, وبالذات هم أولئك الذين ارتكبوا جرائم بحق الإنسانية, باعتبارها إحدى التهم الرئيسية التي وجهت إليهم, وفي مقدمتها الضلوع في حملة إبادة اليهود وتنفيذ الهولوكوست.

فيبرمان: لقد كان نضاله في فلسطين عام 1936 ضد البريطانيين واليهود مفهوماً, لكنه تجاوز الخط الأحمر ليصبح معاد للسامية عندما بدأ يتحدث بسوء عن اليهود بشكل عام دون تمييز وتبنى معاداة اليهودية والسامية بصورة عامة.

فلاديمير شاجال: هذه صورة له مع هيملر, عم تتحدث؟ هذه الصورة وثيقة جدية لكل من يعرف ما هي الحرب, بالنسبة لي أنا الذي ظلت آثار الحرب طويلاً على جسده هي شهادة بأن الحسيني قد أطلق النار نحوي, وأنه حارب ليس فقط ضدي بل وضد بلدي بأسره.

[تعليق صوتي]

وفي مقابلة السفير بونسو مع الحاج أمين بتاريخ الثامن والعشرين من أغسطس ناقش بونسو تلك الاتهامات مع الحاج أمين كما ورد في الوثيقة, وتشير الوثيقة إلى رد الحاج أمين على تلك الاتهامات, لقد قدم المفتي إلى السيد بونسو مذكرتين يرد فيهما على هذه الاتهامات وسوف يوضح في مذكرة جديدة نقاطا أخرى, وواضح أن الدعاية اليهودية تحاول أن تبعده عن المعركة باتهامه أمام حلفائه, وفي فقرة أخرى بعد أن تم إبلاغ حكومات ذات نفوذ كبير بالاتهامات الموجهة ضده من طرف يهود أميركا والذين يحبذون القرار الذي اتخذته يوغسلافيا, كان المفتي مستعدا لكسر الصمت وتزويد الحكومات الأربع المتحالفة برد على الاتهامات الموجهة إليه من دون أن يخرج عن وقاره ويثير حوارا مع الصحافة.

مارك هالتير: هو يقول انهضوا أبناء العالم العربي وكافحوا من أجل حقوقكم المقدسة وحتى الآن فإنه كلام معقول, ثم يضيف المفتي اقتلوا اليهود حيثما تجدونهم لأن دمهم يرضي الله، هذا أمر رهيب أن يتحدث الإنسان بهذه الطريقة عن الله، الله لا يحب دم الناس, خاصة عندما يقول هذا الكلام أحد من أهل الكتاب, لقد قرأ المفتي القرآن بشكل سيئ.

هنري لورانس: فيما يخص مسألة تصفية اليهود في أوروبا, فإن المفتي لم يذكر أبداً أنه كان موجوداً في ألمانيا إبان التصفية, وقال بأن الموضوع لا يهمه, وأنه لا يرى فيه أهمية أساسية, إلا أنه أقر في مذكراته في نهاية الحرب بأنه تم إبلاغه من قبل هيملر بالتصفية, بما أنه كان يلتقي بهيملر وهذا الأخير أبلغه بتصفية ثلاثة ملايين يهودي, المفتي لم يكن طرفاً في ذلك القرار, بل تلقى المعلومة في نهاية الحرب.

إدجار فلاكر: بافتراض زيارته لمعسكرات الاعتقال, وأنه كان على علم بالممارسات الشرسة ضد اليهود في معسكرات التجميع هذه, فيجب أن نسأل أنفسنا ماذا كان بوسعه أن يفعل؟ فاليهود الذين رآهم أو كان يمكن أن يراهم في هذه المعسكرات كان لينظر إليهم على أنهم أعداء محتملين, وبما أن المفتي رجلاً سياسياً عملياً فلم يكن ليقحم نفسه في مسألة اليهود.

فيبرمان: لربما أنه لم يساهم في الإبادة الجماعية وهي من نتاج هتلر والألمان, إلا أنه علم بها وسكت عنها, ومن وجهة النظر الأوروبية والألمانية بالتحديد يعتبر الحسيني من شخصيات التاريخ السلبية.

[تعليق صوتي]

استمر ذلك الجدل القديم والاتهامات المتكررة للحاج أمين حتى اليوم وربما تستمر لفترة طويلة قادمة, ولكن في ظل الحرص على عرض موقف الدبلوماسيين وقراءة الرؤية الرسمية الموثقة للأحداث, فإن ما حدث بالفعل يبدو أنه قد انحسر في ذات اللعبة التي لا تنتهي التوازنات السياسية, ففي تقرير دائرة إفريقيا والمشرق بالخارجية الفرنسية بتاريخ الخامس والعشرين من أكتوبر عام 1945 استعراضاً لما تتضمنه اتفاقية الخامس والعشرين من يوليو حول الالتزامات الإضافية التي ستفرض على ألمانيا, والتي تنص على أن كل مواطن من دولة عضو في الأمم المتحدة يرتكب جريمة ضد قوانين بلاده لابد أن يسلم فوراً أو عند الطلب إلى حكومة الدولة المعنية, لهذا يحاول البريطانيون أن يقيموا المسألة على أساس أن المفتي من منطقة مستعمرة بريطانية وبالتالي فلابد أن يتم تسليمه إليهم على أنه متعاون بريطاني تم إيقافه في المنطقة الفرنسية, ويواصل التقرير لكن قانونياً من المحتمل مناقشة المغزى الصحيح للمادة ثمانية وثلاثين وعمل تقييم مثلاً هذا البند يمكن أن يجبر فرنسا على تسليم مواطن بريطاني أو التعاون في حالة واحدة فقط, ألا وهي حالة توقيفه بمنطقة عسكرية في ألمانيا المحتلة, وبالمقابل يمكن لنا أن نزعم كما أوضح مستشار المديرية بأن الالتزام ليس نفسه لو تم نقل المتهم إلى أراض فرنسية, وهنا لابد من تنفيذ الإجراءات العادية لتسليم المتهمين, لا يمكن أن نخفي بأن هذه الحجج واهية, وأن المعنى الوحيد من رسالة اتفاقية الخامس والعشرين من يوليو يجبرنا على تسليم المفتي.

رينية فيلد أنجل: لو تم تسليم الحسيني وقتها لأجريت له بالتأكيد محاكمة, لكن السؤال يبقى دون إجابة ما هي الأدلة التي كانت ستثبت دوره؟ وما هي العقوبة التي كانت ستفرض عليه بناء على المحاكمة؟ وتلك الأمور يصعب التكهن بها الآن, يبقى أن محاكمته في مثل هذا الإطار القانوني كانت ستكون ممكنة ومعقولة.

بيتر هاينة: لا يمكنني تقييم الأمر بصورة كاملة, لكن ما يمكنني قوله هو أنه لم يكن مجرم حرب بما تعنيه هذه الكلمة.

[تعليق صوتي]

ويخلص التقرير السابق بالنتيجة النهائية التالية.. إذا كانت هذه التزاماتنا القانونية فمن المستحيل من الناحية السياسية السماح بهذا التسليم, سفراؤنا في بيروت والقدس والقاهرة وجدة أشاروا بعفوية وفي العديد من المناسبات كيف أن هيبة المفتي لن تهتز أمام جنوده وكيف أن الدول الإسلامية راضية عنا باستقبالنا للمفتي, وعن معاملتنا الإنسانية مع شخص يعتبر بطل للقومية العربية.

هنري لورانس: اليوغسلافيون قاموا بمساعي دبلوماسية لدى السلطات الفرنسية, إلا إنهم لم يوجهوا أبدا مذكرة اعتقال قي حقه إلى السلطات الفرنسية, وتوجد أيضاً ذريعة في أرشيف الخارجية الفرنسية, وهو أن الفرنسيين لهم ذاكرة سيئة جداً, بسبب إرغامهم على تسليم أشخاص مناهضين للنازية إلى الألمان خلال الحرب العالمية الثانية, وحكومة الجنرال ديجول قالت بأن فرنسا اليوم لن تفعل ما قامت به فرنسا فيشي, أي تسليم لاجئين سياسيين إلى قوة أخرى.

[تعليق صوتي]

وتظهر الوثائق أن الأمور حينها قد بدأت تأخذ طريقها نحو التهدئة, ففي التاسع من أكتوبر وأثناء زيارة السفير هنري بونسو للندن حيث التقى في السفارة الفرنسية بكل من الأمين العام لجامعة الدول العربية عبد الرحمن عزام والسفير السعودي الذين أخبراه أن مسألة المفتي لم تعد تشكل مصدر قلق عاجل للدول العربية بعد أن ألمحت الحكومة اليوغسلافية والسلطات البريطانية أنه لن يتعرض لمضايقات إضافية في حال بقائه في فرنسا, وفي الثامن عشر من الشهر نفسه ترد الخارجية الفرنسية وكأنها قد وجدت الحل, حيث ترسل لسفارتها في لندن برسالة تشرح فيها الموقف الفرنسي من طلب بريطانيا تسليمها الحاج أمين والذي يتلخص في الرفض غير المباشر لأسباب شكلية وقانونية.

هنري لورانس: الفرنسيون كانوا منزعجين بين الضغوط الآتية من أصدقاء فرنسا المسلمين من جهة وضغوط الإنجليز والأميركيين من جهة أخرى, اليوغسلافيون لم تكن لهم أية أهمية لأنهم كانوا محسوبين على ستالين وعلى الكتلة الشيوعية وبالتالي كانوا قد أصبحوا أعداء في الحرب الباردة.

[تعليق صوتي]

وهكذا فقد أخذت الأمور تهدأ لوقت طويل على مختلف الأصعدة, حيث نستخرج من الأرشيف البريطاني وثيقة جديدة قد تسهم في شرح الموقف الدبلوماسي المعقد حول الحاج أمين, ففي الخامس من نيسان أبريل عام 1946 ترد رسالة من السفارة البريطانية في القاهرة إلى الخارجية في لندن, وفيها يحكي السفير ورتل سمارت انه في لقاء مع يوسف ياسين من مجلس الجامعة العربية أخبره فيها أن مجلس الجامعة العربية أقر بالإجماع طلب من حكومة بريطانيا أن تمتنع عن أية مطالبة للسلطات الفرنسية لتسليم الحاج أمين, وأشار إلى المشاكل الجمة التي قد تنجم عن المساس بالحاج أمين من قبلنا, وأنه من الأفضل الإبقاء عليه حيث هو, وكان مساعد وزير الخارجية البريطاني قد تلقى في اليوم السابق رسالة من الوكالة اليهودية إلى الخارجية البريطانية تتحدث عن تقرير تفيد بأن المفتي ربما يطلق سراحه خلال الأيام القليلة القادمة من قبل السلطات الفرنسية, وتطالب اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية التحقق من صحة هذه المعلومات وأن تتخذ حكومة بريطانيا الإجراءات المناسبة بأسرع وقت ممكن.

هنري لورانس: بالنسبة للحركة الصهيونية كان الأمر يتعلق برسم مقاربة كاملة بين المقاومة الفلسطينية والنازية, وبالتالي فإن عرض صورة المفتي مع هتلر أو وهو يستعرض القوات الألمانية كان مجدياً ونافعاً للحركة الصهيونية.

العودة إلى الشرق وموته في لبنان

[تعليق صوتي]

وتعود أخبار الحاج أمين إلى الواجهة بعد فترة الاحتجاب الألمانية, ويعود القلق حول دوره وأنشطته, حيث يَرِد هذا المقال إلى الخارجية البريطانية في لندن من سفارتها في واشنطن والمؤرَخ في الثامن عشر من فبراير عام 1946 تحت عنوان مؤامرة لإعادة المفتي الأعظم إلى الشرق الأوسط وتحته عنوان فرعي صديق هتلر العربي هو الآن في فرنسا, لم تكن الدبلوماسية البريطانية في حاجة لأي تنبيه كي ترصد تحركات الحاج أمين الحسيني, حيث نجد في الأرشيف الفرنسي هذه الوثيقة في تاريخ الأول من نوفمبر عام 1945 وهي رسالة من السفارة البريطانية في فرنسا تحتوى رداً على طلب فرنسي من القوات الجوية البريطانية لاستخدام طائرة لنقل الحجاج من الجزائر إلى جدة بأن الحكومة ستستجيب بسرور لهذا الطلب, ولكنها لا تستطيع تناسي إمكانية أن تستخدم هذه الطائرة بدون علم وموافقة السلطات الفرنسية لعودة مفتي القدس السابق إلى الشرق الأوسط, والحكومة البريطانية ترجو السلطات الفرنسية اتخاذ كافة الاحتياطات اللازمة, وقد كانت الحكومة الفرنسية قد قررت في وثيقة الخامس والعشرين من أكتوبر وضع المفتي كالتالي المفتي يواصل الإقامة في الفيلا الخاصة به في ببوجيفال, لكنه سيكون تحت المراقبة من طرف حراس مسلحين ومن غير أن يسمح له بتلقي أي زيارات أو الخروج من بيته بدون تصريح أو مرافق, وهكذا سوف تتقلص فرص الهروب إلى أدنى حد, ولكن ورغم كل الاحتياطات والمحاذير فقد تمكن المفتي من الهرب بالفعل, وقصة هروبه من فرنسا قد ذكرت من قبل مرات عدة.

محي الدين الحسيني: ديجول أرسل إلى أميركا ليقنع الكونغرس والسنيت الأميركي والرئيس بأن يرسلوا هذه المساعدات المطلوبة إلى فرنسا, واحد أسمه بلوم يهودي فرنسي من الكبار المهمين جداً اللي على صلة وعلى إطلاع بأميركا والكونغرس والسينيت والرئيس والناس واليهود اللي هناك بتعرف التنظيمات الصهيونية في أميركا.

هنري لورانس: تم إبلاغ المفتي بإلحاح أن ليون بلوم سيسلم المفتي إلى البريطانيين, والمفتي صدق ذلك, وهذا ما كتبه في مذكراته, وكان على قناعة بأنه سيتم تسليمه إلى البريطانيين, في حين أن الوثائق تفيد بأنه لم تكن توجد إرادة في هذا الاتجاه لدى الخارجية الفرنسية.

محي الدين الحسيني: يقرر ديغول تسليمه, ولكن هم قرروا قبل قرار ديغول لأن ديغول كان بحاجة للمساعدة الأميركية فقرروا إخراج الحاج أمين.

[تعليق صوتي]

وبالفعل تمت عملية الهروب بمساعدة الدكتور معروف الدواليبي, والذي انتحل الحاج أمين شخصيته واستخدم وركب تلك الطائرة الأميركية التي أقلته من باريس إلى القاهرة يوم الثامن والعشرين من مايو, ولكن السلطات الفرنسية ظلت لفترة ليست بالقصيرة لا تعلم بمكان الحاج أمين على وجه الإطلاق, وفي الثامن من يونيو كان لابد للخارجية الفرنسية أن تعلم سفارتها في لندن بالنبأ عبر برقية قصيرة, ويرُد رينيم سجيلي في اليوم التالي ليفيد الخارجية بأنه أبلغ البريطانيين النبأ, وهكذا تضطر الخارجية الفرنسية لإعلان النبأ في الثالث عشر من يونيه حيث ترسل برقية إلى ثلاثين سفارة فرنسية حول العالم لتقرر هرب المفتي أمين الحسيني في مطار أورللي في التاسع والعشرين من مايو على متن طائرة (T.W.A) الأميركية القادمة من واشنطن ومتجهة إلى القاهرة بواسطة جواز سفر سوري مزور.

هنري لورانس: ولكن بشكل غريب فإن الشرطة الفرنسية استدعت رجال الشرطة الذين كانوا يحرسونه, وبالتالي لم يكن أحد يعرف ما كان يفعل في غياب الحراس, وهنا يمكن القول بشكل صريح أن السلطات الأمنية غضت الطرف عن هذا الفرار الذي نظم بالفعل من قبل أشخاص عمليين, إذ كان ينبغي حجز تذكرة طائرة والطائرات كانت نادرة جداً في تلك الآونة, وكان مكلفاً جداً حجز تذكرة على الطائرة الوحيدة التي كانت تنطلق من فرنسا إلى الشرق الأوسط على سبيل المثال, كما تم غض الطرف عند قراءة جواز السفر إلى غير ذلك.

[تعليق صوتي]

واضطرت السلطات الفرنسية لفتح تحقيق عاجل حول الحادث, وفي الحادي عشر من يونيه يرد بونسو على اتهام الخارجية له بالتورط في فرار الحاج أمين من فرنسا, مشيراً إلى احتمال وجود دور سوفيتي بهدف مضايقة البريطانيين الذين بدؤوا في حرب خفية ضدهم في الشرق الأوسط.

فلاديمير شاجال: كان على فرنسا المضي في تمرير سياساتها ولهاثها وراء هذا الغرض, كان حرياً عليها الإعلان أن الاتحاد السوفيتي يقوم بدعم سياساتها تلك, يمكن أن تظهر وثيقة إدعاء كهذه لكن الاتحاد السوفييتي الذي كان له موقفاً واضحاً بسلبيته الحادة بكل معنى الكلمة تجاه الحسيني لم يكن له أن يقوم بهذا.

[تعليق صوتي]

ظل الحاج أمين الحسيني في قصر أنشاص بحماية القوات المسلحة المصرية حسبما يذكر في مذكراته, وقد نال الحماية من الملك فاروق آنذاك واعتبرته الحكومة المصرية ضيفها.

مارك هالتير: والبريطانيون رفضوا تسليمه وفضلوا إبقاءه تحت سيطرتهم, وهو ما يندرج تحت إطار السياسة الإمبريالية البريطانية التي تنص على إمكانية استخدام العدو في فترة معينة.

[تعليق صوتي]

وقد عاصر في فترة بقائه في مصر قرار تقسيم فلسطين ونكبة عام 1948, واستبشر خيرا بقيام ثورة يوليو عام 1952, ولكنه ما لبث حتى اصطدم برجال الثورة ربما لعلاقاته القوية بالإخوان المسلمين, وتعاطفه معهم حسب ما تفيد بعض الشهادات, ولكنه في نهاية الأمر فضل الانتقال إلى لبنان مرة أخرى عام 1959 حيث أقام وعاصر من هناك باقي الحروب العربية الإسرائيلية حيث كان يحاول أن يقود الكفاح الفلسطيني مرة أخرى, ولكنه ربما لم يعد يشكل ذلك الخطر الداهم على الدول الكبرى التي وقف في وجهها كثيراً, وإن ظلت ترصد تحركاته في وثائقها التي تم الإفراج عنها مؤخراً ولكن لم نرى في تلك الوثائق أي جديد يذكر بعد خروجه من فرنسا إلى مصر.

محي الدين الحسيني: بقى الحاج أمين يقيم المؤتمرات الإسلامية كل سنتين ثلاثة, وبقى يترأس مؤتمرات إسلامية غير مؤتمر العالم الإسلامي اللي أوجده هو, وكان يترأس اجتماعات علماء مسلمين من كل أنحاء العالم الإسلامي باستمرار بصفته رئيس المؤتمر العالمي الإسلامي وبصفته رئيس الهيئة العربية العليا لفلسطين.

[تعليق صوتي]

ربما لتغير الظروف الدولية, وربما أن النية كانت مبيتة لتغييب الرجل, ولكنه ظل يحاول أن يلعب دوره الوطني المأمول, وظل يحلم بالعودة إلى القدس, في عام 1974 وفي الرابع من يوليو توفي الحاج أمين الحسيني في منفاه الأخير في بيروت, من دون أن يتحقق حلمه الأخير في أن يدفن في القدس, وإنما دفن في مقابر الشهداء في بيروت.

بيتر هاينة: كان الحسيني شخصية كبيرة لا تترك البتة مجالاً للشكوك الذاتية.

إيفي شلايم: المفتي دفع ثمناً باهظاً جداً لسوء تقديره لميزان القوى أثناء الحرب العالمية الثانية وتحالفه مع ألمانيا النازية.

إدجار فلاكر: كان الأجدر به أن يبقى خارج هذه اللعبة ومحايداً, من الصعب القول أن هذا الاحتمال كان قابل للتطبيق بالنسبة له.

فيبرمان: وهنا يكمن السوء في نشاط المفتي إذ أنه حمل شيئاً غريباً على الإسلام إلى نضاله التحرري ألا وهو معاداة السامية.

رينيه فيلد أنجل: طرحت البحوث التاريخية تساؤلات عما هو متوفر من وثائق ونصوص خلفها الحسيني بهدف تقييمه بصورة مغايرة ودقيقة.

نجم الدين السهروردي: يعني هدفه كان هو فلسطين بالمقام الأول, وكل واحد كان يقف أمامه كان.. يعني يحاربه.

مارك هالتير: لا يوجد ما يمكن أن يبرر عمل مفتي القدس, لقد مات وليظل حيثما يوجد الآن, ولكن على الصعيد التاريخي لا يوجد ما يبرر ذلك.

محي الدين الحسيني: يعني إحنا بنحكي عن الحاج أمين الحسيني الرجل جاهد وأهله جاهدوا..

[تعليق صوتي]

ومن المفارقات أن الحاج أمين ترك وصية للزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الذي رحل بدوره عام 2004 يقول فيها أن أرض فلسطين هي وقف إسلامي مقدس ولا يجوز التفريط فيها فإن لم تسعفك الظروف باستردادها فلا عليك سوى أن تترك هذا الأمر للأجيال القادمة.