- تشكيل الفيلق اليهودي وعملية أطلس
- أسباب العملية والغرض منها وأسباب فشلها

- الحاج أمين في فرنسا





ونستون تشرشل: لقد نصحني ويفيل بعدم تشكيل ذلك الفيلق اليهودي خوفا من إثارة شعور العرب ولكنني تحديت ويفيل وكتبت إلى وايزمان بالسماح بتشكيل الفيلق ولم ينبح كلب عربي واحد.

تشكيل الفيلق اليهودي وعملية أطلس

[تعليق صوتي]

كادت الحرب أن تنتهي على غير ما اشتهى وتوقع الحاج أمين إذ توالت الهزائم الألمانية في ميادين شتى وقد انتهى مغامرة روميل في شمال إفريقيا لصالح الحلفاء وتحول حلم عملية بارباروس لدخول موسكو إلى كابوس وسط ثلوج وشتاء روسيا وصار الحليف الإيطالي عبئا وشوكةً في حلق الألمان لا يحتملونها ولا يستطيعون خلعها ولكن وسط كل هذا تخبرنا الوثائق أن الحاج أمين نجح في الحصول على دعم ألماني حقيقي، ثلاثة من الضباط الألمان واثنان من الثوار العرب حملوا وحدهم حلم بث الروح الفلسطينية المجهضة محاولين بعثها من جديد في عام 1944، رجال الحاج أمين أتوا من برلين هذه المرة ولكن بنفس الهدف التحرير.

تبدأ تفاصيل المهام الغامضة يحكيها لنا الأرشيف البريطاني عبر إحدى الوثائق الأميركية.. في يوم الحادي والعشرين من نوفمبر عام 1944 تتلقى السفارة الأميركية في لندن رسالة من مكتب الخدمة الخارجية التابع لوزارة الخارجية الأميركية جاء فيها ثلاثة ضباط ألمان أنزلوا بالمظلات في وادي الأردن بالقرب من البحر الميت ويقال إنه جرى اعتقال هؤلاء الضباط من قبل الجيش البريطاني والشرطة الفلسطينية، كما ذُكر أنه تم إنزال معدات اتصال بالراديو وبعض الأسلحة والذخيرة وكميات كبيرة من المتفجرات وكمية كبيرة أيضا من السم وأدوية تكفي للبقاء لحوالي سنة ومبالغ كبيرة من العملة الصعبة والذهب أنزلت مع هؤلاء الضباط. وتثير معدات هؤلاء الضباط الاعتقاد بأن هناك استعدادات لعمليات تخريب وإعادة تنظيم لمجموعات محمومة رغم أن الغرض من مهمتهم لم يتضح بعض. ويُعتقد أن أحد هؤلاء الضباط كان عضوا في جماعة المفتي وكان ملازما عربيا في الجيش الألماني.

هنري لورانس– متخصص في تاريخ الشرق الأوسط بفرنسا: حاول إرسال رجال كوماندوز عرب وراء خطوط القوات الإنجليزية في فلسطين بشكل خاص إلا إنه تم رصدهم بسرعة من قبل الشرطة الإنجليزية.

[تعليق صوتي]

هل كان الحاج أمين يفكر حينها في طوق لينجو به من مغامرته الألمانية؟ ربما وجد ضالته في تلك المهمة التي نشر عنها حينها بعض الشذرات في الصحف وحتى الآن لا يعلم الكثيرون تفاصيل دقيقةً حولها رغم تناثر الروايات في العديد من وسائل الإعلام وحتى عبر شبكة المعلومات الإلكترونية.

فيبرمان– أستاذ التاريخ المعاصر بألمانيا: كانت تلك محاولات لمضايقة بريطانيا وإضعافها كعدو في الحرب وذلك عبر دعم حركات مناوئة للبريطانيين قامت وزارة الخارجية بدعم حركة شاندرا بوز في الهند مثلا وفي الشرق الأوسط الذي كانت تعصف به الأزمات وفي فلسطين كانت ألمانيا تدعم العرب بالمال وقد تم ذلك حتى في أوقات سابقة.

[تعليق صوتي]

"
يقول الحاج أمين في مذكراته "إن هتلر وافق على مساعدتنا في المعركة المقبلة في فلسطين، فقررت الحكومة الألمانية تشكيل قوات عربية للعمل في فلسطين"
"
تعليق صوتي
يقول الحاج أمين عن هذه العملية في مذكراته ولقد بلغ مسامعنا حينما كنا هناك تصريح أصدرته بريطانيا عن إنشاء هذا الفيلق اليهودي كما بلغنا ما يقوم به اليهود من الاستعداد الحربي وأعمال التدمير والنسف في فلسطين ولذلك بذلنا قصارى جهدنا لمضاعفة التجنيد والتدريب والاستعداد للمعركة التي كنا نتوقعها بين العرب واليهود في فلسطين بعد أن تضع الحرب أوزارها وبعد مراجعات عديدة بواسطة الجنرال بيرجر وافق هتلر على مساعدتنا في المعركة المقبلة في فلسطين فقررت الحكومة الألمانية تشكيل قوات عربية للعمل في فلسطين كما عُهد إلى ضابطين من مجاهدي فلسطين هما القائد الشيخ حسن سلامة والسيد ذو الكفل عبد اللطيف وثلاثة ضباط من الخبراء الألمان بالسفر في الطائرة الأولى إلى فلسطين.

محي الدين الحسيني– دبلوماسي وزوج ابنة المفتي بالأردن: الحقيقة إنه كان الحاج أمين يفكر بهذه الأشياء من قبل ذلك ولكن عندما كانت ألمانيا قوية ما كانت كألمانيا بقيادة هتلر بالترتيب الهرمي تبع الحكومة الألمانية والحكم في ألمانيا هي عندها وقت تفكر بأشياء مثل هذا النوع عندما قرَّبت الموضوع إلى الانهيار الحاج أمين كان له علاقات شخصية قوية جدا مع ناس مثل جورنج وزير طيران مثل هيملن وزير الداخلية مثل من كبارهم مثل دونالدس مثل الكبار هادولات صار في صداقات شخصية بينه وبينهم هلا، قصة البراشوط هذه التي أرسلت بالطيارة صارت بين الحاج أمين وبين هادول.

[تعليق صوتي]

"
الأرشيف الألماني يفتقر لأية معلومات عن المهمة التي نفذها الضباط الألمان في وادي الأردن، إذ استولت قوات الحلفاء على كافة الوثائق الألمانية بعد سقوط برلين
"
تعليق صوتي
تورد الوثائق البريطانية في اعترافات القائد الألماني فيلند بعد القبض عليه إثر فشل المهمة الأسماء الحقيقة والحركية للمشاركين بها وهم القائد الملازم فيلند الرائد مخت والملازم فرانك شمت دايننجر الملازم شفير أبو علي وعبد اللطيف العرب.. وينحدر الضباط الألمان الثلاثة من أصول عربية نتج عنها تمكنهم من اللغة العربية مما كان سببا مباشرا لاختيارهم لهذه المهمة، كان الشيخ حسن سلامة هو أحد قادة المقاومة الفلسطينية أثناء ثورة عام 1946 أما ذو الكفل عبد اللطيف فقد عمل بالتدريس في فلسطين والتحق بالعمل الكشفي بعض الوقت والاثنان ممن فروا مع الحاج أمين إلى العراق والتحقا بالمدارس العسكرية هناك ثم تجمعوا في برلين مرةً أخرى أثناء الحرب.. يفتقر الأرشيف الألماني لأية معلومات عن هذه المهمة إذ استولت قوات الحلفاء على كافة الوثائق الألمانية بعد سقوط برلين واستعادة ألمانيا من دول الحلفاء بعض وثائقها بينما اختفى البعض الآخر ويبدو أن وثائق هذه المهمة كانت من ذلك الجزء المختفي ولكن على أية حال فإن المقارنة بين مذكرات السيد ذو الكفل واعترافات الضابط الألماني فيلند ومذكرات الحاج أمين نفسه تطرح العديد من التساؤلات والتي يخرج أولها هل اسم المهمة نفسه فبينما يحكي السيد ذز الكفل في الفصل الرابع من مذكراته عن نشر الفكرة قائلا ابتدأت الفكرة منذ فشل الثورة العراقية الكيلانية وخروجي من العراق لاجئا إلى تركيا فقد كنت أطمع فيمن أعود مع من أستطيع من الاخوة المجاهدين مزودين بالسلاح والخبرة إلى فلسطين لمعاودة القتال لإنقاذها مما يراد بها، صارحت بذلك الإخوان الذين التقيت بهم في اسطنبول في أول لقاء معهم ومنهم إسحاق درويش والشيخ حسن أبو السعود وراسم الخالدي والدكتور مصطفى الوكيل ورجوتهم أن ينقلوا هذه الرغبة إلى المفتي الحاج أمين الحسيني الذي كنا نعمل معه، فالفكرة فكرتي منذ البداية وقد نقلت إلى المفتي بالفعل وكانت هي أول حديث أوجهه إليه في أول لقاء لنا فقال إنه فاتح الأصدقاء الألمان لمساعدتنا في ذلك وهو يعاود مراجعتهم في الموضوع لتهيئة أسبابه والإعداد له.

نجم الدين السهروردي– مؤرخ وزوج ابنة الكيلاني ببريطانيا: الحقيقة هذه ترجع لاسطنبول كان واحد اسمه جلال، سوري من حلب يعمل مع السفارة الألمانية في تركيا وبالتحديد مع الدكتور روف وكان المسؤول.. دكتور روف كان يعمل مع واحد مسؤول عن الاستخبارات العسكرية في الشرق الأوسط اسمه دكتور ليفركون، ليفركون عين من قبل أدميرال كنارس بالمخابرات عن الشرق الأوسط، جلال هذا السوري ولقب كان جلال السوري كان يزور فهمت منه كان هناك مكتب سري مقره في حلب لأجل أن يمكنون ينظم بعض القوميين العربيين للعمل ضد الإنجليز والفرنسيين فهاي كانت البداية فإذا كان هذا المركز كان طبعا الحاج أمين يعرفه والجيلاني أيضا يعرف به بس ما عنده اتصال، اتصاله كان مع السفارة.

[تعليق صوتي]

ويوضح ذو الكفل في هوامش الفصل الرابع من المذكرات أن العملية سميت باسم هانيبال وهو اسمه الحركي بصفته المسؤول عنها، بينما تذكر الملاحظات الواردة على اعترافات الضابط الألماني فيلاند تم قبول الخطة في فبراير عام 1944 تقريبا وأعطيت طبعة مختصرة منها إلى هيملر الذي كتب ملاحظة هامشية أنا آمر بها، عندما تولى فيلاند مسؤولية البعث كانت ما تزال تحمل اسم إلياس لكنه غير هذا الاسم إلى أطلس في أغسطس عام 1944 تقريبا لأن كل واحد في المكتب ستة جي عرف وكان يتحدث عن البعثة إلياس.

إدجار فلاكر: عملية أطلس كانت إحدى العمليات الخطيرة التي ذهبت أبعد من الحدود المرسومة لها، فشلت هذه العملية كما تخبرنا وثائق الأرشيف القومي.

[تعليق صوتي]

بينما لم نجد الاسم هانيبال في أي من الوثائق الأخرى لا كاسم للمهمة أو كاسم حركي لذو الكفل.

محي الدين الحسيني: القيادة للشيخ حسن سلامة ولكن الشيخ حسن سلامة كان من منطقة يافا كان من شمال فلسطين وكانت كل حياته بشمال فلسطين وكان في ذلك الوقت قد قاتل في ثورات 1936 و1937 وقبل بالثورة العشرين بكل ثورات فلسطين الشيخ حسن سلامة قاتل ولذلك ولي القيادة وكان قد تدرب عسكريا في ألمانيا فولي القيادة وكان معه ذو الكفل عبد اللطيف، ذو الكفل كان تدرب قليلا في الكلية العسكرية في بغداد وربما في ألمانيا لا أدري ولكنه لم يشترك في حياته في معركة هذا معروف أول حياته إلى مماته.

[تعليق صوتي]

"
ذو الكفل في مذكراته مع رؤية الحاج أمين يقول "إن العملية استهدفت تسليح وتدريب الفلسطينيين إعدادا لمعركة الاستقلال التي كانت تنبئ كل القرائن أنها آتية"
"
تعليق صوتي
وترد في اعترافات فيلاند إشارات بوجود عمليات ألمانية أخرى مماثلة واحدة في أراضي عربية والأخرى في إيران، بينما تتطابق الروايات تقريبا حول الهدف من العملية حيث يتفق ذو الكفل في مذكراته مع رؤية الحاج أمين فيقول استهدفت العملية تسليح وتدريب الفلسطينيين إعدادا لمعركة الاستقلال التي كانت تنبئ كل الظروف والقرائن والمقدمات أنها آتية لا ريب فيها وخاصة تذبذب سلوك الإنجليز تجاه الإرهاب اليهودي في فلسطين وما كنا نقدره من تنكر الحلفاء لمواثيقهم وعهودهم ووعودهم للعرب، كما فعلوا في الحرب العالمية الأولى ويكرر في اعترافاته الواردة في الوثائق البريطانية المعنى نفسه فيقول بسبب انتشار العدوان الإسرائيلي رأى سماحته أنه من المحتمل مهاجمة العرب في فلسطين من قبل اليهود وكإجراء مضاد فقد تقرر تسليح العرب للدفاع عن أنفسهم عندما يتعرضون للهجوم.

بيتر هاينة: الحسيني كان يسعى للحصول على أسلحة ألمانية استخدامها في القتال في فلسطين.

[تعليق صوتي]

ويضيف فيلاند في اعترافاته جانبا آخر ضمن الأهداف العسكرية للمهمة وهو أكبر ضرر ممكن للأعداء المشتركين اليهود والإنجليز والأميركان والحلفاء ويوضح طبيعة الضرر في فقرة أخرى تخطيط وتنفيذ أنشطة العصابات والتخريب وكذلك في تنظيم المقاومة السلبية.

نجم الدين السهروردي: إحنا في سنة 1944 الحرب كانت على النهاية يعني بداية النهاية فأي عمل فيه تخريب في فلسطين في الخطوط الخلفية بالنسبة للإنجليز كان عمل يعتبر يعني مساعدة، فالجيش الألماني يبدو بالتنسيق هذا الجانب الآخر مع الحاج أمين الحسيني بعض الفئات اللي هم ابدوا استعداد مع الألمان اللي تفضلت ذكرتهم أنهم راحوا يرموهم بالبراشوت.

أسباب العملية والغرض منها وأسباب فشلها



[تعليق صوتي]

"
كانت الاستخبارات البريطانية قد استغلت الاغتيالات في صفوف العرب إبان الثورة عام 1936 لإثارة الفتنة بين العائلات
"
تعليق صوتي
ويعود فيلاند ليوضح الأمر في اعترافاته حيث يذكر نوقشت فقط حقيقة أن الهجمات كانت ستوجه ضد اليهود ويبدو أن العرب قد توصلوا إلى نفس الفكرة وتم الاتفاق عليها في اجتماع في فندق اديلون. وفي الملاحظات على اعترافات فيلاند يوضح للمحقق سبب وجود السموم معهم ضمن المعدات سأل المفتي أبو علي أن كانوا سيأخذون أي سموم قال أبو علي لا بعد ذلك وقبل وقت قصير من البداية سمع فيلاند أن المفتي طلب من المكتب وجوب أخذ سموم يعتقد فيلاند أن أبو علي وعبد اللطيف أتيا إلى مكتبه لإحاطته علما بذلك قائلا أنها للخونة العرب الذين تسببوا في فشل الكثير من هجمات العصابات قبل الحرب. لا يدري أحد ما السبب الذي دعا المحققين البريطانيين إلى تحويل هدف وجود السم نحو اليهود كما يقول ذو الكفل في مذكراته فبالنسبة لتسميم حياض المياه الخاصة باليهود فقد قلت أولا إن هذا عمل دنيء لا يقوم به إنسان يحترم إنسانيته وهو عمل لا يقوم به إلا مجرم جبان ونذل وهذه صفات لا يمكن أن يشجع سماحته العرب على الاتصاف بها، ثانيا ليس في فلسطين أحواض مياه خاصة باليهود وحدهم فمعظم أحواض المياه وخاصة في المدن الكبيرة مشتركة بين العرب واليهود، ثالثا على فرض وجود حياض مياه خاصة باليهود فإن سماحته لا يمكن أن ينصح بالعبث بها لأن مياه العرب في قراهم مكشوفة وأكثر تعرضا وأسهل للعبث بها، رد ذو الكفل على ما أدعى المحققون أن فيلاند قد اعترف به ثم واصل تفنيد ما قاله بالفعل أما عن السم الخاص كما قال فيلاند للتخلص من الخصوم الشخصيين وباعة الأراضي أو سماسرتها فقلت إن سماحته لا يمكن أن يأمر بذلك للأسباب التالية أولا أن سماحته أعلم الناس بطبائع العرب وبالتالي فهو يعلم أن لا شيء يثير العربي ويعمق حقده كالثأر وهو يريد أن يبني قضية وطنية ولا يريد أن يكون له أعداء شخصيون، فمهما سمت منزلة المرء عند العرب تتلاشى هذه المنزلة عندما تكون هناك ثارات شخصية، ثانيا أنكم أكثر الناس أي يا دائرة الاستخبارات البريطانية علما بأثر الاغتيالات الشخصية في إخماد جذور الثورة في فلسطين ولا تستطيعون إنكار تدخلكم في هذا المضمار لإخماد الثورة وبالفعل كانت الاستخبارات البريطانية قد استغلت الاغتيالات في صفوف العرب إبان الثورة في 1936 لإثارة الفتنة بين العائلات في حينها بمحاولة إلصاق تهمة تصفيتهم بالحاج أمين ورجاله وعلى رأسهم عبد القادر الحسيني قائد الجماعات الفلسطينية المسلحة.

بالعودة إلى الوثائق والمذكرات يتطابق رأي فيلاند مع رأي ذو الكفل حول أسباب فشلها حيث يسوق الأول تلك الأسباب في اعترافاته أولا المراقب لم يأخذ أية ملاحظات حول انحراف الطائرة عن خط سيرها وبالتالي لم يأخذ في الاعتبار رياح شمالية شديدة القوة، ثانيا تم إنزالهم من ارتفاع عظيم جدا قدره كلا المصدرين بثمانمائة متر بدلا من ثلاثمائة متر التي كان قد تم الاتفاق عليها، ثالثا تم إنزالهم في وقت مبكر جدا فبناء على تعليمات من الطيار الثاني أصدر مرسل الشحنة أمرا بترك الذخيرة تسقط من غرفة القنابل بدون استشارة فلند ويلتقط ذو الكفل في مذكراته طرف الخيط ليكمل كان من نتيجة هذا الخطأ أننا لم نلتقي إثر الهبوط مباشرة ولم نوفق في الاستدلال على بعضنا لطبيعة الأرض المنبتة ولبعد موقع هبوط كل واحد منا عن موقع هبوط الأخر وكذلك لم نوفق في العثور على حمولتنا من أسلحة ومعدات ونقود.

محي الدين الحسيني: استطاعوا أن يوصلوا خبرا إلى ناس الناس هدول أهلي يعني والدي وأعمامي وجدي كان مازال عائشا حيا وكان يعرفون أين ستنزل هذه البارشوتات من هذه الطائرة وكان هناك من ينتظر هؤلاء مع تركات ثلاثة عشان يحملوا منه البضاعة اللي معه.

[تعليق صوتي]

خرجت جريدة فلسطين تذيع النبأ قائلة أصدرت الحكومة ليلة أمس البلاغ الرسمي التالي هناك دلائل على أن مظليا واحدا أو أكثر مجهولي الهوية قد هبطوا في وادي الأردن خلال بضعة الأيام الماضية ويطلب الآن من أفراد الجمهور أن يدلوا إلى أقرب مركز بوليس بأية معلومات قد تؤدى إلى معرفة هؤلاء الهابطين وأحد هؤلاء الهابطين ربما زاد طوله عن ستة أقدام وهو يتكلم العربية والألمانية واللغات الاسكندنافية وربما كان يتكلم الإنجليزية بلهجة أميركية. وتنقل التايمز اللندنية نفس البلاغ الحكومي أيضا بينما يكمل مراسل جريدة صنداي أكسبريس خيوط القصة مبتدءا بالعنوان التالي ثلاثة مخربين نازيين يهبطون بالمظلات على أريحا ويقول نص الخبر .. من سلاح الجو بالمظلات في منطقة برية بالقرب من أريحا لقد جاؤوا للقيام بأعمال تخريبية لكنهم لم يحققوا شيئا من أغراضهم فمنذ اللحظة الأولى التي هبطوا فيها إلى أن تم القبض عليهم بعد عشرة أيام من ذلك كانوا في حالة هروب وتجري مطاردتهم عبر التلال.. لقد أحضروا معهم أربعة عشر خريطة ألمانية مطبوعة لفلسطين ولا أحد يعرف ما الذي كانوا يأملون في تخريبه.. هبط الرجال الثلاثة ويُعتقد أن واحد منهم من عرب فلسطين في السابع من أكتوبر وما تبع ذلك كان كالأتي في اليوم الأول التقط خمسة من الصبيان العرب الرعاة حقيبة فيها عملات ذهبية بقيمة أربعمائة جنيه إسترليني كانت طائرة تحلق على ارتفاع منخفض قد أسقطتها في وادي صغير يقوم ثلاثة رجال بالاستيلاء على الحقيبة وإنذار الصبيان بالانصراف، يحكى ذو الكفل في مذكراته وفيلاند في اعترافاته تفاصيل قصة الهروب والاختفاء ونلتقط منها حكايات مهمة يقرر ذو الكفل التقيت أنا وشميدت فرانك فقط في نفس الليلة بعد الإسقاط مباشرة وعبثا حاولنا العثور على الأخ حسن سلامة أو على هشت فيلاند أو على شيفر دايننجر كما لم نجد أي كيس من حمولتنا المشتملة على نماذج من الأسلحة المتعاقد عليها والأجهزة اللاسلكية والنقود اللازمة لمواجهة مصاريف المراحل الأولى من العملية أما فيلاند فيقول بحثت عن الأعضاء الآخرين لكنني لم أرى أحدا منهم تحركت إلى شجرة على بعد حوالي خمسين ياردة على ظهر رابية صغيرة وأخفيت مظلتي في الشجرة ثم شرعت في البحث عن الآخرين وينفرد السيد محي الدين الحسيني بشهادة مخالفة لتلك الشهادات.

محي الدين الحسيني: نزلوا في هذه المنطقة التي لا يعرفها الشيخ حسن سلامة .. يتبعهم البراشوتات هم أغراضهم أنا بأحكي هذا الكلام أنا كنت شخصيا موجود لما أكن مع الناس اللي استنوهم ملقوهمش كان عمري هذا الحكي بـ1944 كان عمري 14 سنة الشيخ حسن سلامة قال لذو الكفل يا ذو الكفل .. وتعرف هذه المنطقة جيدا قال له أه قال له وبتعرفها مليح وبتقدر أنت.. بأسلمك القيادة من هنا إلى أن نصل إلى المكان الآمن.

[تعليق صوتي]

يكمل ذو الكفل روايته حاولت عبثا وأنا المسؤول عن العملية حسب الاتفاق إنقاذ ما يمكن إنقاذه بالسرعة الممكنة وقد أدركنا الصباح بنوره والشمس بقسوتها وعجت المنطقة بأصوات الرعاة ومزاميرهم وبقيت أبحث دون جدوى عن الرفاق والحمولة حتى الظهيرة، التقى ذو الكفل بدورية للشرطة فيها ضابط عربي يدعى عبد الله عمار ساعدهما على الاختباء هذا اليوم في إحدى الحدائق ثم أوصلهما برفقة خادم ليبيتا في أحد كهوف المنطقة أما فيلاند فيكمل قصته كانت إشاراتي باستعمال الصفارة والمصباح لفترة من ثلاثين إلى أربعين دقيقة غير مجدية إلى أن رأيت شبحا قادما باتجاهي من جهة الغرب وعند وصوله عرفت أنه أبو علي، أخفى حسن سلامة بدوره مظلته واللاسلكي.. جنوب أريحا حيث ساعدهما شرطي أخر ومزارع دواجن يدعى أبو أحمد مع أبنه الصبي الذي سيصبح دليلهما في باقي الرحلة وهكذا غيرا ثيابهما وذهبا لمقابلة البك مالك الأرض الذي ضاعت معداتهما فيها.

محي الدين الحسيني: ذو الكفل قرر بأن يترك البضاعة كلها هناك وأن يذهبوا سيرا على الأقدام إلى بيت آل الحسيني كان في مكان أسمه عقبة جبل كانوا مسكنا إحنا أنا كنت وقتها نايم هناك ليلتها يعني مع كل أهلي إلى عقبة جبل قال له حسن سلامة طب ما خلينا نحفر ونطم الأشياء اللي معنا قال له نطمها فين بتأخذ وقت طويل إحنا هلا بنصف ساعة يعني نصف ساعة أقل من ساعة بنكون عند الحسيني بيبعتوا ترك بيحملها كلها وبيطلع وهم طلعوا بمحاولة لأن يصلوا إلى دار الحسيني في عقبة جبل أخذت ثلاث أيام.. ما قدروا يوصلوا ضاع.. عارف الطرق من بعض صاروا يناموا بالمغر إلى ثلاث أيام بعد ثلاث أيام حتى وصلوا عقبة جبل.

[تعليق صوتي]

وتكمل اعترافات ذو الكفل قصته حيث يقول في التاسع من أكتوبر عام 1944 عندما زرت منزل نافذ بك حسيني في العقبة استقبلني نافذ بك حيث أبلغته بغرض مهمتنا وأننا فقدنا كافة معداتنا، التمست المساعدة من نافذ بك بإرسال بعض أتباع الموثوقين للبحث عن تلك المعدات أجاب نافذ بك عندما سمع القصة كاملة بقوله أنه كان خطأ كبيرا للعم سماحة المفتى الكبير الحصول على تعاون ألماني في هذه المهمة وبالتالي فقد أبلغني نافذ بك أنه لا يستطيع بأية طريقة وطلب مني مغادرة المنطقة بأسرع ما يمكن عندئذ أعطيته القطع الذهبية وثلاثة مغلفات أوكلت إلي من قبل سماحته لتسليمها شخصيا إلى زوجة سماحته قبل نافذ بك تلك الأشياء ووعد بتسليمها إليها سمح لي آنذاك بالمبيت تلك الليلة في بيت خادم نافذ بك.

نجم الدين السهروردي: ذو الكفل لما وصل لهناك والتحق بالحسينيين، الحسينيين مو كلهم كانوا يؤيدون .. الحاج أمين الحسيني ولا كلهم بها المستوى وإحنا في 1944 أنه يبدأ الآن يعمل أيش يعمل شي يقدر يسوي وما كان هداك الثقل ولا هداك التنظيم المؤثر اللي ممكن يغير يحدث التغيير.

[فاصل إعلاني]

رينية فيلد أنجل: لقد تكونت صورة جماعية للعالم العربي في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي وكأنه كله كان معاديا لبريطانيا وإلى جانب ألمانيا وكان المفتي مثالا جليا لذلك لكن هذه الصورة غير مكتملة إذ كان هناك رأي عام ناقد مناهض للنازية في مصر وفلسطين، آنذاك صدرت في تلك الفترة صحف ومجلات تنتقد ألمانيا وتعاون المفتي مع الدوائر الألمانية وكان هناك عدد كبير من الجنود العرب الذين قاتلوا إلى جانب الحلفاء في الحرب.

[تعليق صوتي]

تكمل مذكرات ذو الكفل الرواية أسقط في يدي ولم أملك إلا مغادرة المنطقة ومعي فرانك إلى رأس العين وهو رأس النبع الذي يروي أراضي محي الدين الحسيني حيث وجدنا فيلند في انتظارنا وقد تركه أبو علي متقدما حسب طلبه إلى منطقة رام الله لتهيئة المحطة التالية لنا، الاختلاف الوحيد بين رواية ذو الكفل ورواية فيلند كان فحسب في أنهم التقوا جميعا في منزل البك نفسه حيث قدم في اعترافاته رسما مبسطا له من الداخل يبين فيه بدقة على أي فراش قضى كل منهم ليلته وتتطابق الروايات حول مصير العنصر الخامس معهم دايننجر الذي لم يعثر له على أي أثر وإنما وصلتهم شذرات من الأخبار أنه أصيب بلوثة وأحيل فيما بعد إلى إحدى المصحات العقلية حيث قضى نحبه هناك بعد فترة أما عن قصة القبض عليهم فقد قررت المجموعة السير إلى رام الله ليلحقوا بحسن سلامة هناك بعد تخلي آل الحسيني عنهم كما ذكر في الاعترافات والمذكرات وأثناء قضاء الليل في إحدى المغارات تم توزيع أدوار الحراسة بينهم وهنا تختلف الروايات مرة أخرى إذ يقول ذو الكفل ومع ظهور أول ضوء من صباح اليوم التالي كانت انتهت دورة حراستي ونبهت فرانك ليتسلم دوره ولكنني وقد لاحت تباشير الصباح آثرت البقاء معه خارج المغارة ومن جانبه يحكي فيلند في اعترافاته كان عبد اللطيف في مهمة حراسة من الساعة السادسة صباحا ذهبت إلى الكهف لمواصلة نومي ويكمل ذو الكفل في المذكرات بعد مدة وجيزة وقد اتسع مدى الرؤية نبهني فرانك إلى صف طويل من الأشباح يسير بعيدا عنا أمعنت النظر وقدرت أنه رطل طويل من الجنود فقلت له لعلهم جنود ونهضت محاولا الهبوط إلى المغارة لإحضار رشاشي الصغير وإذا بصوت من الخلف يقول بالإنجليزية (Hands up) واتبع بالعربية ارفع يديك وبفوهتي بندقيتين في رأسي وكذلك بالنسبة لفرانك، حاولت إخراج مسدسي من الحزام وكان مركبا عليه كاتم للصوت مما صعب سرعة سحبه وإذا بأحد الجنود يعالج يدي بأخمص بندقيته فيشلها وبدأت القوة بإطلاق الرصاص في الهواء كإشارات متفق عليها بين مختلف وحداتها للتخابر على إنهاء المهمة، يكمل فيلند عندما استيقظت عند التاسعة صباحا تقريبا سمعت ضجيجا أمام الكهف طلب مني الخروجي ويواصل ذو الكفل في هذه الأثناء خرج فيلند من المغارة ببذته العسكرية رافعا يديه مدليا باسمه ورتبته واسم فرانك ورتبته واسمي ورتبتي.

نجم الدين السهروردي: يعني أنا الحقيقة بصراحة أعرف ذو الكفل ومن زمان قبل يعني بالوقت بدار المعلمين وكان وبعدين التحق ورجل عاقل يعني استغربت إنه كيف قبل بها المهمة لأنه لا تجدي نفعا لكنه رجل كان متحمس.

[تعليق صوتي]

وتواصل جريدة فلسطين نقل الأخبار لتقول عدة معلومات تلقاها البوليس إلى قيام الجيش والبوليس بعمليات مشتركة كان من نتيجتها أن قام جنود قوة حدود شرق الأردن بإعتقلات مهمة.

محي الدين الحسيني: كان لو ما انضبطت هذه وما انكشفوش ومشيت الأمور كما كان يجب أن تسير لكان جاء أسلحة بكميات هائلة ومع كل نوع سلاح مصنع صغير يمكن أن توضع.. يوضع في أي مكان في مغارة في بيت في مكان لإنتاج الذخيرة لهذا المصنع لهذا السلاح كان سيرسل ويكون حاضر عند المجاهدين الفلسطينيين في وقت ما يحتاجوه.

[تعليق صوتي]

يختتم مراسل صاندي إكسبريس تقريره بعنوان سخيفون قال الضابط حيث يذكر علق الضابط البريطاني الذي روى لي جزء من هذه القصة قائلا بقدر ما أرى فقد كانوا سخيفين للغاية يبدو أنهم لا يعرفون ما الذي يريدون فعله، أود أن أقول إنه طلب منهم الذهاب إلى أريحا فذهبوا.

"
يوم السادس من مايو/أيار عام 1945 وقعت ألمانيا وثيقة الاستسلام لتنتهي أبشع الحروب في تاريخ العالم الحديث ويحتفل الحلفاء بانتصارهم
"
تعليق صوتي
قبل هذه المهمة الفاشلة كانت أحوال الألمان تسوء كثيرا ففي السادس من يونيو عام 1944 بدأ إنزال الحلفاء في نورماندي شمال فرنسا في أولى الخطوات نحو تحرير باريس وفي العشرين من يوليو تم إجهاض محاولة جريئة لاغتيال هتلر والتي أعقبتها عدة إعدامات وتصفيات لمن سُموا بالخونة والعملاء وفي الخامس والعشرين من أغسطس تم للحلفاء تحرير باريس من أيدي الألمان وسرعان ما انفرط عقد الهيمنة الألمانية بتوالي سقوط فنلندا ثم المجر وبلجراد واليونان وبودابست التي تم تحريرها نهاية عام 1944 وفي العام التالي سقطت كل من وارسو وفيينا في أيدي الحلفاء وفي التاسع من أبريل بدأ الهجوم النهائي على ألمانيا وفي الثامن والعشرين من نفس الشهر قامت المقاومة الإيطالية بالتخلص نهائيا من الفاشية عبر إعدام زعيمها موسوليني وبعده بيومين قرر حليفه النازي هتلر التخلص من هزائمه المدوية بالانتحار في مخبئه الأخير حيث أطلق النار على رأسه. وفي السادس من مايو وقَّعت ألمانيا وثيقة الاستسلام لتنتهي أبشع الحروب في تاريخ العالم الحديث ويحتفل الحلفاء بانتصارهم.

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية أصبح الوضع في أوروبا شديد التعقيد وخاصة بالنسبة إلى أولئك العرب الذين انحازوا إلى الجانب المهزوم وعلى رأسهم الحاج أمين إذ لم يبقى لديهم أي ملجأ بعد أن تم القضاء على آخر الأصدقاء وأصبحوا جميعا وجها لوجه أمام الانتصار المدوي للأعداء، ماذا فعلت الكتيبة العربية بعد أن دك حصنها الأخير بواسطة جيوش الحلفاء؟ يحكي الحاج أمين في مذكراته بعض تفاصيل تلك الأيام الأخيرة في الحرب وكانت برلين في تلك الأيام في أواخر شهر نيسان عام 1945 قد أصبحت حطاما لا تكاد العين تقع فيها على أثر لبناء قائم فغادرناها متوجهين إلى بادجرشتين ولعل سيارتنا كانت آخر سيارة غادرت برلين قبل احتلال الحلفاء لها ولكننا لم نستطع أن نحدد الطريق الذي يجب أن نسلكه حتى لا نقع في أيدي القوات الزاحفة ولما سألنا المراجع الألمانية المسؤولة أشارت علينا بأن نسأل قائد الموقع العسكري في كل مكان نصل إليه وهو يرشدنا إلى الطريق الذي يجب سلوكه فعملنا بذلك. ويواصل الحاج أمين لما تفاقم الخطر باجتياح جيوش الحلفاء مناطق كثيرة من ألمانيا وأصبحت تحيط بها من كل جانب بحث معنا كبار المسؤولين الألمان عن طريق خروجنا من ألمانيا فاقترح بعضهم إرسالنا في غواصة تقلنا إلى أحد الشواطئ العربية وكدنا نقدم على هذه المغامرة رغم خطورتها لولا أننا سمعنا في الإذاعة من سويسرا في شهر نيسان عام 1945 أن الحكومة السويسرية وافقا لتقاليدها تقبل اللاجئين السياسيين في بلادها فوجدنا في ذلك حلا وفرجا وشرعنا في تهيئة وسائل السفر إلى سويسرا.

محي الدين الحسيني: هو كان خرج من ألمانيا كان في بلد في النمسا اسمه بادجشتاين في تريول النمساوي وخرج منها بطائرة عسكرية صغيرة ألمانية محاولا الذهاب إلى سويسرا ومعه اثنين السيد إسحاق درويش ابن أخت الحاج أمين لكنه أكبر منه سنا وكان معه أيضا السيد راسم الخالدي رحمة الله عليهم جميعا، الطيارة عندما وصلت إلى سويسرا السويسريين عرفوا بها فأخبروا الطيارين بأنكم ستضربوا إلا إذا نزلت المحل الفلاني اللي هو عند الحدود الفرنسية علشان يطلعوهم.

[تعليق صوتي]

وتواصل مذكرات الحاج أمين وطلبنا أن يسمحوا لنا بالاتصال بسفراء الدول العربية رفضوا طلبنا وألزمونا بالسفر إلى الحدود الألمانية وعندئذ اضطررنا للسفر بالقطار بحراسة الجنود إلى تلك التي اجتزناها جوا ورافقنا موظف فرنسي من جمعية الصليب الأحمر الدولي للعناية بي من الناحية الصحية وقد خفف عنا لطفه ودماثته بعض ما لقيناه من السلطات السويسرية من صلف وسوء معاملة.

هنري لورانس: عندما انهارت ألمانيا عام1945 كان المفتي من بين الكثيرين الذين حاولوا الهرب من ألمانيا فوجد نفسه بعد ذلك في سويسرا كان في نفس الركب الذي نقل الماريشال بيتان السلطات السويسرية أبعدته إلى فرنسا في ركب الماريشال بيتان.

محي الدين الحسيني: بهذه الأثناء جاءت طائرات فرنسية واقتادتهم إلى مطار فرنسي على الحدود، نزلوا بيحكوا مين إحنا نعرف مين هم فأخذوهم الفرنسيين الثلاثة جايين من ألمانيا بطائرة ألمانيا شيء طبيعي أنه يأخذوهم يعني يلقوا القبض عليهم ويأخذوهم إلى باريس.

الحاج أمين في فرنسا



[تعليق صوتي]

وهنا تبدأ وثائق أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية لتلتقط طرف خيط الحاج أمين لتعرض لنا حقيقة ما جرى ففي الثالث والعشرين من مايو أيار من عام 1945 ترسل وزارة الخارجية الفرنسية بالبرقية نفسها إلى السفراء في كل من القاهرة بيروت جدة الرباط تونس لندن وواشنطن لتعلن النبأ قائلة اعتقلت القوات الفرنسية المفتي أمين الحسيني في ألمانيا وتم نقله إلى فرنسا حيث وضع قيد الإقامة الجبرية في فيلا بالقرب من باريس حتى تنظر الحكومة في حالته.

هنري لورانس: الاعتقال لا بل يصح القول أنه تم تسليمه إلى السلطات الفرنسية من قبل السويسريين والفرنسيون كانوا منزعجين من هذه الهدية المثيرة للقلق.

[تعليق صوتي]

وتواصل وثيقة الاعتقال بالرغم من الاتهامات الخطيرة الموجهة إليه فإن الحاج أمين يعامل باحترام نظرا لأن الحكومة تأخذ بعين الاعتبار المكانة الدينية المرتبطة بمنصبه باعتباره مفتي القدس الأكبر.

هنري لورانس: ولكن حسب التسلسل الزمني للأحداث كانت توجد أزمة قوية بين فرنسا وبريطانيا بشأن سوريا، الفرنسيون اعتبروا أنهم تعرضوا إلى خيانة من قبل البريطانيين في سوريا خلال أحداث يونيو 1945 وبالتالي لم يكونوا متعاطفين ومتسامحين إطلاقا مع المصالح البريطانية في الشرق الأوسط المفتي كانت تربطه علاقات جيدة مع القوميين العرب ومع السلطات الدينية المسلمة وفرنسا في عهد الجمهورية الرابعة لم تكن ترغب في تعقيد علاقاتها مع القوميين أو المسؤولين الدينيين.

"
الحاج أمين الحسيني كان له مركز معين نظرا لمكانته الدينية، وديغول حرص على ألا يهان الحسيني فأكرمه
"
محي الدين الحسيني
محي الدين الحسيني: بباريس عرفوا مين هما هلا وضعوه في بيت يعني هو مش بيت شبه معتقل ممنوع يخرج من البيت فيه حرس على البيت ولكن قعد ببيته هو وجماعته محترم وكان ديغول يقصد احترامه لأنه كان رؤساء الدول في ذلك الوقت عندهم بعض الاحترام للشعوب، الحاج أمين الحسيني كان له مركز معين بالنسبة للعالم الإسلامي وديغول كان بيهمه أن هذا لا يهان لأنه بتعمل مشاكل في العالم فدار باله عليه يعني يأكلوا ويشربوا كذا وكان فيه طباخين يجيهم وكان فيه خدامين يجوهم ينضفوا لهم وكذا وكان مقيما هنا.

بيتر هاينة: من المؤكد أن الحلفاء كانوا يعرفون من هو الحسيني وكانوا على معرفة بقوة تأثيره بناء على نشاطاته أبان الحرب العالمية وكان البعض يرى فيه شخصية خطرة جدا وكان البعض قلقا من إمكانية تسلله إلى شمال إفريقيا والمساهمة في إطلاق انتفاضة عارمة ضد الفرنسيين هناك ولو نظرنا إلى المنشورات التي جاءت على ذكره في المرحلة الأولى بعد الحرب لرأيناها تصوره كما يتم تصوير إسامة بن لادن اليوم وتعتبر أنه قادر على كل عمل فظيع.

[تعليق صوتي]

ويواصل أرشيف الخارجية الفرنسية كشف بعض أسرار أمين في باريس ففي الثاني من يونيو يرسل وزير الداخلية أدريون تكسبيه بالتقرير التالي إلى زميله وزير الخارجية جورج بينو بعنوان مفتي القدس الأكبر ذاكرا لقد أعربتم عن رغبتكم وضع مفتي القدس الأكبر الذي وصل مؤخرا إلى باريس تحت المراقبة المشددة ومن جهة ثانية أعلنتم بأنه ليست هناك أية إجراءات صارمة ستتخذ ضده وسيكون موضع تقدير بالغ يشرفني أن أعلمكم أن المفتي الكبير منذ وصوله يوم التاسع عشر من مايو عام 1945 كان تحت كفالة الشرطة القضائية في مديرية الشرطة هو وأميني سره الاثنين، أمضى الأشخاص الثلاثة الليلة في مكان وضع خصيصا تحت تصرفهم من طرف مديرية الشرطة كما تم تقديم وجبة عشاء لهم أحضرت من مطعم قريب وفي اليوم التالي قامت المديرية بالبحث عن جناح في ضواح المدينة ليكون مقر إقامة لمحمد حاج أمين الحسيني ورفاقه وقد تم وضعهم فيه على الفور مع طباخ قدمه لهم مسجد باريس ليكون تحت تصرفهم واعتبارا من ذلك الوقت فقد وضع المفتي الكبير تحت المراقبة السرية وصدرت الأوامر إلى أفراد الحرس بمنع الزيارات عنه منعا باتا.

هنري لورانس: ما حدث تقريبا هو استخدام الاتصالات الفرنسية للمفتي وعلى وجه التقريب عميد مسجد باريس سي قدور بن جبريت وهو شخص مقرب جدا من المفتي ويعرفه جيدا وقد اهتم بإقامته في فرنسا وأرسل له طباخا وما إلى ذلك.

[تعليق صوتي]

مرة أخرى تظهر قوة الحاج أمين السياسية والدينية وسعة اتصالاته وشبكات علاقاته مترامية الأطراف حتى قلب باريس حيث يقع ذلك المسجد الكبير والمبني على الطراز المغربي الفريد ولا يزال المسجد يحتفظ بصورة عميده السابق سي قدور بن جبريت تلك الشخصية النافذة في علاقاته المتشعبة والمتشابكة ليس بالعرب أو المسلمين فحسب كما يرد في شهادات المختصين.

"
مسجد باريس احتضن عائلات يهودية ونظم فرار يهود خلال الحرب العالمية الثانية وذلك باتصال مع الملك محمد الخامس الذي قدم لليهود وثائق مغربية
"
هنري لورنس
هنري لورانس: الأكيد هو أن مسجد باريس احتضن عائلات يهودية ونظم فرار يهود خلال الحرب العالمية الثانية وذلك باتصال مع الملك محمد الخامس الذي كان يقدم لليهود وثائق هوية مغربية وهذا لم يكن يحدث إلا من قبل الأوساط المقربة من الملك من جهة أخرى سي قدور كان على ارتباط وثيق بالأسرة المالكة في المغرب وهو الذي تفاوض بشأن الحماية المغربية عام 1912 و1913 كما تم تكليفه بالدفاع عن المصالح المالية للأسرة المالكة خلال المفاوضات بشأن الحماية.

[تعليق صوتي]

وهكذا وكما ذكرت وزارة الداخلية الفرنسية في الوثيقة السابقة فأن الحاج أمين قضى ليلته الأولى في باريس هو وأمينا سره راسم الخالدي وإسحاق درويش الذي هو أبن أخته في الوقت نفسه ويظل مكان إقامته في تلك الليلة مجهولا سوى ممن كانوا يعملون وقتها في ذلك المبنى، مديرية شرطة باريس. ثم في الليلة التالية انتقل الحاج أمين ومن معه إلى مدينة سان مور جنوب باريس حيث أقام تحت الإقامة الجبرية في إحدى الفلل هناك شبه معزول عن أي اتصال بالعالم الخارجي سوى عن طريق رجال مديرية شرطة باريس الذين توجهوا للقائه يوم السادس والعشرين من يونيو في مقر إقامته حيث عثرنا في أرشيف وزارة الخارجية على هذا التقرير المعد حول هذه الزيارة والذي يحتوي في أولى فقراته على وجهة النظر التي كونوها حول الرجل حيث يقول عنه، الرجل لا تنقصه الجاذبية حيث أن له وجها مقبولا وملامحه رقيقة جبينه عالي بصيرته نافذة مفعم بإحساس بالكرامة والأرستقراطية، سيد أفكاره يعبر عنها بوضوح بلغة فرنسية صحيحة ويستخدمها بدلال واضح.

محي الدين الحسيني: الحاج أمين الحسيني كان موقعه موقع زعامة إسلامية بموقع رئاسته لمؤتمر العالم الإسلامي الذي يضم نخبة المفكرين والعلماء ورجال الدين الكبار، رجال الدين في العالم الإسلامي كان يجعله يعني شخصية إسلامية كبيرة جدا.. بالدول العربية والإسلامية علاقاته بالمغرب الأقصى علاقاته في الجزائر وفي تونس الحاج أمين كان يذهب راتب من الحاج أمين الحسيني لسي الحبيب بورقيبة وهو ثائر على الطليان وهارب منهم في مصر كان لاجئا في مصر كان من يعيش من فلوس كان يبعث له إياه من القدس الحاج أمين الحسيني في أشياء الحاج أمين الحسيني على علاقة كبيرة جدا بالعالم العربي كله وبالعالم الإسلامي كله.

هنري لورانس: لنقل تحديدا أن المفتى كان يعتبر نفسه زعيما عربيا وأن نفوذه يمتد من المغرب من المحيط إلى الخليج حسب التعبير المستعمل وكان يعرف جيدا كل دهاليز السياسة الفرنسية إنه إنسان يملك عشرات السنين من الخبرة السياسية وسبق له أن تفاوض بشكل خاص مع الفرنسيين عام 1938 وحتى عام 1939 وبالتالي فإنه يعرف أي نوع من الخطاب ينبغي توجيهه إلى الفرنسيين.

[تعليق صوتي]

ويبدو أن الحاج أمين كان دائما يحاول أن يشد انتباه مستمعيه وربما يسمعهم أحيانا ما يرغبون في سماعه بالفعل إذ تواصل الوثيقة السابقة بالنسبة إلى الحاج أمين فإنه يفكر في اتفاق يكون من السهل إبرامه بين فرنسا والدول العربية سواء لتنظيم شؤون سوريا وفلسطين أو لبعث الأسس لسياسة مشتركة لصالح عموم العالمين العربي والإسلامي ومهما كانت المضامين التي ستوليها الحكومة الفرنسية لهذا الاتفاق فإنه يمكن أن يأخذ شكل تحالف حيث صرح المفتى الكبير أنه مستعد للمعاهدة تحت صيغة من الصيغتين التاليتين صيغة إيجابية وفي هذه الحالة سوف ينشط المفتى الكبير من القاهرة وبيروت ودمشق لتهدئة الأوضاع الهائجة القائمة حول الشأن السوري، صيغة سلبية وفي حالة هذا الافتراض سوف يبدأ الحاج أمين بإثارة أزمة في فلسطين ومصر والعراق وحتى إمارة شرق الأردن لتحويل الانتباه من دول المشرق إلى العالم العربي وبريطانيا العظمى لفائدة أغراضها السياسية.

هنري لورانس: ما كان يهم الفرنسيون في سوريا آنذاك بما أن الجيش الفرنسي كان بصدد الجلاء عن سوريا وأن الحكومات القومية العربية في سوريا ضربت بقوة المصالح الفرنسية عند تحول البلاد إلى الاستقلال التام بعض المدارس الفرنسية أغلقت أبوابها في سوريا خاصة وأن قوميا عربيا معروفا كان وزيرا للتعليم وهو عبد الستار اليسرى وبالتالي فإن المفتى وعد السلطات الفرنسية بالتدخل لدى أصدقائه السوريين من أجل تسهيل إدارة المصالح الفرنسية.

[تعليق صوتي]

ويختتم التقرير السابق بصورة تلخص دهاء الساسة في كل مكان إذ يقول في حالة الموافقة على هذه العروض فسوف يتناقش المفتى الكبير مع الشخصية التي تختارها الحكومة الفرنسية في هذا الخصوص، ذكر الحاج أمين أسم الجنرال كارترو حول السبل التي يجب اتباعها لإنجاز هذه الاتفاقية وبعد هذا الاستعراض الذي تم بصورة تلقائية وبدون إعطاء أي إشارة بالقبول أو التشجيع أصر المفتى الكبير على تجديد شكره للحكومة الفرنسية على حسن معاملتها له.

هنري لورانس: الفرنسيون لعبوا في الواقع دورهم وكل واحد كان يدرك ما يفعل المفتي كان يقدم اقتراحات والفرنسيون ينصتون إليه ويفهمونه إنهم مهتمون بما يقول ولكنهم لم يكونوا على استعداد لقبول مطالب المفتي والمفتي ليس مستعدا بالفعل لتنفيذ كل ما يعد به السلطات الفرنسية لقد كانت مجرد سياسة.

[تعليق صوتي]

وبالفعل فقد بدأت الألعاب السياسية قبل ذلك ومن جهات متعددة إذ يحكي الحاج أمين في مذكراته أن الرسائل كانت قد إنهالت على الجنرال ديغول تحث على حسن معاملة الحاج أمين من الهند أو تطلب استضافته كما ورد من اليمن والمغرب ومصر وتونس وهكذا حاولت السياسة الفرنسية الدخول على الخط نفسه ربما لمداعبة مشاعر أهالي وزعماء هذه الدول وغيرها، ففي الخامس من يونيه أرسل السفير الفرنسي في القاهرة ببرقية إلى وزارة الخارجية الفرنسية يطلب فيها الأذن بتسريب نبأ رفض الفرنسيين تسليم الحاج أمين لأي جهة كانت.

هنري لورانس: المصلحة العليا لفرنسا كانت في شمال أفريقيا في ذلك الوقت والملايين من المسلمين والعرب في شمال أفريقيا كانوا تحت الهيمنة الفرنسية، الفرنسيون لم يكونوا يريدون إثارة أي استفزاز سياسي فيما يتعلق بفلسطين أو المفتي تجاه هؤلاء الناس الذين ينتمون إلى النظام السياسي الفرنسي.

مارك هالتير: وأنا أفهم أن تساند حكومة فيشي المفتي باعتبار أنها اختارت هي الأخرى مثلها مثل الحسيني نفس اللا كرامة ونفس الرداءة ولكن بعد الحرب أي في البداية وعندما جاء الجنرال ديغول لا أتصور ديغول وهو يساند مفتي القدس ولا أيضا محافظا للشرطة يفعل ذلك.

هنري لورانس: المسؤولون في الخارجية وفي وزارة الدفاع وكذلك المختصون بالشرق الأوسط كانوا ضد الإنجليز بشكل واضح لأنهم يعتبرون أن الإنجليز طردوهم من سوريا في يونيو 1945 وبالتالي يريدون الأخذ بالثأر والانتقام ولهذا الغرض فإن هؤلاء المسؤولين كانوا وبشكل متناقض على استعداد لاستخدام كل ما هو ضد بريطانيا.

محي الدين الحسيني: طبعا بدون شك أنه ديغول كان يحاول أن يستفيد لمصلحة فرنسا من وجود الحاج أمين عنده لا يسلمه لأنه في دول عربية كثيرة أرسلت له قناصلها في باريس تطلب منه يعني معاملة الحاج أمين معاملة حسنة وأنه يدير باله عليه وأنه حتى يفرج عنه فهو كان يهمه أن يرضي هؤلاء الناس وكان يهمه أيضا أن يغمز من جانب الإنجليز إذا استطاع.

[تعليق صوتي]

ولكن هل تحول الحاج أمين بكل هذا التاريخ النضالي الذي دفعه للتنقل بين قارات العالم كافة إلى مجرد ورقة في أيدي الساسة الفرنسيين، ماذا كانت مواقف الدول المنتصرة من الحاج أمين بعد الحرب؟ هل نسيت بريطانيا عدوها القديم وصفحت عنه؟ كيف كان أثر علاقته بالألمان على مستقبله وفرصه في فرنسا؟ جولة جديدة في الأرشيف بين الوثائق تجيب على أسئلة تاريخنا.