- مفاوضات الألمان مع الحسيني
- الأوضاع بالعراق وتأثيراتها على الحسيني

- استهداف بريطانيا للحسيني في إيران

- الهروب من إيران ودور اليابان

- الوصول لألمانيا وأحواله بها


ملحوظة تاريخية: في شهر مارس من عام 2003 قامت الولايات المتحدة الأميركية بمعاونة بريطانيا بغزو أراضي الجمهورية العراقية في إطار حرب الدولتين على ما أسمتاه بالإرهاب.. وهذا الملف يعود إلى ما قبل هذه الأحداث باثنتين وستين عاما أي إلى العام 1941.

[تعليق صوتي]

كانت الحرب تعصف بأوروبا كلها وبدأت كذلك تدق أبواب آسيا وإفريقيا حتى استحقت لقب الحرب العالمية الثانية وكان الحاج أمين الحسيني قد لجأ إلى العراق بعد فراره من لبنان الذي احتضنه بعد أن اضطر إلى اللجوء إليه هاربا من المحاولات البريطانية للقبض عليه في فلسطين، في العراق تشابكت الخيوط الدولية واصطدمت بالمصالح العربية واختلاف رؤى القادة العراقيين حول الموقف من طرفي الحرب الحلفاء والمحور فبدأ الحاج أمين البحث عن مساندة الخارجية كما أخبرتنا بعض الوثائق البريطانية فقد بدأ حينها اتصالاته بالألمان عن طريق سكرتيره عثمان الحداد، فكيف دارت تلك المفاوضات وما هي خفايا العلاقات الألمانية العربية آنذاك؟ أرشيفهم يكشف بعض حقائق تاريخنا.



مفاوضات الألمان مع الحسيني

الدكتور رينية فيلد أنجل – متخصص في العلاقات العربية الألمانية ببرلين: لابد من طرح تساؤلات عن حقيقة نوايا النازيين وعن ماهية الآفاق والخيارات الأخرى التي كانت متاحة لحركة التحرر العربي آنذاك وعن المنحي الذي اتجهت فيه وفي أي اتجاه، كان الأحرى بها أن تتجه هذه المعالجة المفصلة فقط هي التي تتيح لنا فرصة تقييم المفتي بصورة مكتملة.

الدكتور إدجار فلاكر – مؤرخ بالأرشيف الوطني البريطاني بلندن: المفتي كان يتصل بالألمان بالتحديد عن طريق سكرتيره عثمان كمال حداد الذي تنقل ذهابا وإيابا بين العراق وألمانيا مرتين كما انه كان قد زار ألمانيا قبل الحرب وأصبح يعرفها جيدا.

بيتر هاينة – أستاذ في العلوم الإسلامية بألمانيا: وبغداد كانت منذ عام 1933 تحظى باهتمام ألماني خاص في أجندة السياسة الخارجية الألمانية وساهم في ذلك تواجد دبلوماسي ألماني محنك ونشط فيها ألا وهو غروبا كان له تأثير كبير في أوساط الجالية الأوروبية في بغداد وقد اهتم جدا على سبيل المثال ببناء الكنيسة الإنجيلية في بغداد وجمع التبرعات من أجل ذلك وكان ذا صلة طيبة بالضباط العراقيين الوطنيين وبكل القادة العرب القوميين من مناطق أخرى، هنا بدأت الاتصالات بين أمين الحسيني وممثلي الحكومة الألمانية.

محي الدين الحسيني – دبلوماسي بعمان وزوج ابنة المفتي: جميع رسائل الحجابي إلى هتلر وإلى موسوليني وإلى الحكومتين كانت تطالب بأن إنه نحن يمكن أن نكون حلفاء لكم وأن نكون معكم ونحارب معكم لأنه لنا عدو مشترك اسمه الصهيونية لأنه النازية كانت تعادي الصهيونية والدولة البريطانية بما إنه في هذا العدو يمكن أن نحارب مع بعض ضد هادول العدوين المشتركين ولكن لنا مطالب.

[تعليق صوتي]

وتظهر الحقيقة هذه المرة من داخل الأرشيف الألماني.. في الثاني عشر من فبراير يرسل الدكتور غروبا المبعوث الألماني إلى الشرق برسالة إلى الخارجية الألمانية مؤكدا وصول حداد إلى برلين حاملا رسالةً من المفتي إلى هتلر.

رينية فيلد أنجل: حاول النازيون هنا كسب المزيد من الحلفاء كما فعلوا مع قادة آخرين فروا من بلادهم، كما توخوا تحقيق مكاسب عسكرية إذ أن بريطانيا العظمى كانت في الثلاثينات والأربعينات الخصم الرئيسي في الحرب في أعين هتلر وقد سعى هتلر إلى إضعاف بريطانيا في مستعمراتها من قبيل الاستعداد لمواجهتها في الحرب النهائية، لذلك كان النازيون حريصين على دعم موقف راديكالي في فلسطين.

إدجار فلاكر: أعتقد أنه كان هناك تياران في وزارة الخارجية؛ كانت هناك أوساط مؤيدة للعرب وأخرى تقلل من شأنهم في نظام عالمي جديد بعد كسب الألمان للحرب.

فلاديمير شاجال – مؤرخ وباحث في الشؤون العربية بموسكو: الرجل ظن أن ألمانيا التي مارست سياسة الهولوكوست ومعاداة السامية والتي قاتلت ضد إنجلترا وفرنسا الكولونية في سوريا ولبنان وفلسطين يمكنها أن تساعده لحل أزمته مع اليهود.

[تعليق صوتي]

في مذكراته التي نشرتها لاحقا مجلة آخر ساعة يذكر الحاج أمين ما طلبه من هتلر أولا اعتراف دول المحور بالاستقلال التام للأقطار العربية المستقلة الآن كمصر والمملكة العربية السعودية والعراق واليمن وللأقطار العربية الأخرى التي تحت الانتداب كسوريا ولبنان وفلسطين وشرق الأردن والتي هي تحت الحكم البريطاني كالسودان والبحرين والكويت وعمان ومسقط وحضرموت وغيرها من إمارات الخليج وإعادة عدن وسائر المحميات إلى دولة اليمن المستقلة، ثانيا أن تعلن دول المحور بصورة قاطعة أن ليس لها أية مطامع استعمارية في مصر والسودان، ثالثا الاعتراف للأقطار العربية بحقها في إقامة الوحدة العربية وفق رغبات أهلها، رابعا عدم الاعتراف بالوطن القومي اليهودي في فلسطين وتمكين الأمة العربية من إلغاء هذا المشروع.

"
المفتي لم يكن يفكر في الشعب الفلسطيني فحسب بل قدّم نفسه أمام الزعماء الإيطاليين والألمان كناطق باسم العالم العربي
"
  إيفي شلايم

إيفي شلايم – أستاذ في جامعة أكسفورد بلندن: المفتي لم يكن يفكر في الشعب الفلسطيني فحسب بل قدّم نفسه أمام الزعماء الإيطاليين والألمان كناطق باسم العالم العربي.

نجم الدين السهروردي – مؤرخ وزوج ابنة الكيلاني بلندن: الشؤون العربية لما كان محور إيطاليا ألمانيا كان موكل لإيطاليا لموسوليني فالألمان ما كان إليهم أي علاقة بموضوع العرب لأن إيطاليا هي التي تقوم بذلك فإذاً هي لم تتدخل إلا أن بعد (كلمة غير مفهومة) آذار 1941 لما صار بـ 1941 (كلمة غير مفهومة) حركة رشيد عالي الصورة تغيرت، هنا نيجي لمرحلة أخرى لكن هذه المرحلة اللي تفضلت بها هي تدل دلالة واضحة على أن الألمان لم تكن في خطتهم.

رينية فيلد أنجل: ومن حيث المبدأ يمكن القول أن سياسة ألمانيا تجاه العالم العربي وموقفها من المفتي كانا يتسمان بازدواجية الطرح؛ فمن جهة كانت ألمانيا تقول إنها حليفة حقيقية للعرب وإنها تناضل من أجل استقلال العالم العربي ومن جهة أخرى وعندما تكون الحاجة ماسة لموقف عملي وإصدار بيان أو تقديم ضمانات من ألمانيا للتأكيد على أنها ستفي بوعودها منح العالم العربي الاستقلال كان الموقف يتغير.

بيتر هاينة: كان الألمان يتجنبون أي توتر في العلاقة مع إيطاليا ولو وافقوا دون تحفظ على مطلب الحسيني بإقامة دولة عربية موحدة لكان يتعين أن تنضم إلى تلك الدولة ليبيا أيضا لكن الألمان أرادوا تفادي ذلك باعتبار أن التقارب مع إيطاليا أجدى لهم من التقارب مع العرب.

[تعليق صوتي]

ويقدم لنا الأرشيف الألماني الرد على طلبات الحاج الأمين حيث وردت رسالة من وكيل الخارجية الألمانية فون فايسكر إلى الحاج أمين يقول فيها إن سكرتيركم الخاص بدأ بالمفاوضات التي أعربتم عنكم فيها في كتابكم أما فيما يتعلق بتلبية رغبتكم في إيضاح سياسة ألمانيا نحو القضية العربية فإنني مفوض بأن أبلغكم ما يأتي إن ألمانيا لم تحتل قط أرضا عربية ولم تستهدف الاستيلاء على أي جزء من البلاد العربية وهي ترى أن الشعب العربي وهو شعب ذو ثقافة عريقة وقد برهن على جدارته للحكم وفضائله العسكرية لجدير بأن يحكم بلاده بنفسه ولذلك فإن ألمانيا تعترف باستقلال البلاد العربية استقلالا تاما ويحق للبلاد العربية التي لم تستقل حتى الآن أن تنال استقلالها التام وإن كلا من الأمتين الألمانية والعربية متفقتان على الكفاح ضد عدوهما المشترك الإنجليز واليهود وإن ألمانيا مستعدة للعمل المشترك معكم ومساعدتكم مساعدةً عسكرية فعالة على قدر الاستطاعة إذا اضطررتم إلى الحرب ضد الإنجليز لتحقيق أهداف شعبكم وذلك اعتمادا على صداقة ألمانيا وتحقيقا للرغبة التي أبديتموها بواسطة سكرتيركم الخاص، يختتم فايسكر رسالته بطلب الحفاظ على سرية هذا الإعلان.

رينية فيلد أنجل: لم تكن تلك بيانات رسمية وأرى أنه كلما تصبح الحاجة ماسة إلى موقف عملي كأن تؤيد ألمانيا استقلال العالم العربي رسميا عندها تلاحظ المرء أن السياسة الألمانية تحفظت في طرحها ولتفسير ذلك تجدر الإشارة إلى أن الحرب ضد إنجلترا كانت في مقدمة اهتمامات ألمانيا عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية ثم أضيفت إلى أولوياتها الحرب ضد روسيا بعد عام 1941 كانت تلك محاور اهتمام النازيين الاشتراكيين الوطنيين ولم يول الألمان اهتماما كبيرا بالعالم العربي في تلك الفترة ولذا لم تكن ألمانيا مستعدة لتقديم تنازلات أو إطلاق الوعود.

إيفي شلايم: كان أمله إذا ما انتصرت قوى المحور فإن بريطانيا ستخرج من فلسطين والشرق الأوسط ولن تكون هناك فرصة لليهود ليقيموا دولتهم في فلسطين وسيكون مقبولا من المنتصرين كزعيم لفلسطين والعالم العربي.

بيتر هاينة: كانت تلك مفاوضات دامت على هذا الصعيد وتولدت إثر هذه الإطالة مخاوف شديدة لدى الحسيني من أن يتكرر معه ما وقع للعرب بعد الحرب العالمية الأولى من خداع كان يخشى من اتفاق ألمانيا وإيطاليا من وراء ظهره وعلى حساب العرب كان يكون هناك اتفاق مماثل لسايكس بيكو مثلا.

محي الدين الحسيني: ذهب توفيق عثمان والألمان تجاوبوا مع جميع المطالب وعاد ومعه الكتب التي تثبت تجاوب الألمان معه في هذه المطالب وهذا كله موجود.. موثق.

نجم الدين السهروردي: ألمانيا لم تقدم شيئا بالنسبة للعرب بأي شيء ضد بريطانيا بالعكس كانت ألمانيا الهتلرية بالذات كانت تحاول أن لا تمس مصالح بريطانيا في هذه المنطقة حتى لا تزعلها لأنه هتلر كان يفكر حد وجود نظرية (كلمة بلغة أجنبية) اللي تشير وتؤكد وهو متشبع بها وهي كانت أس البلاء أن هتلر مقتنع بنظرية (كلمة بلغة أجنبية) أن مصير العالم يتم بالاتفاق لتحقيق مبدأ أنجلو ساكسون الألمان مع الإنجليز يقدرون يسيطرون على أوروبا.

[تعليق صوتي]

ومن الأرشيف البريطاني وفي نفس تاريخ الوثيقة الألمانية السابقة الحادي عشر من مارس/ آذار عام 1941 حيث بعث السفير البريطاني في بغداد رسالةً إلى وزارة الخارجية ينقل فيها ما سمعه من السفير المصري في بغداد وهو صديق مقرب من الحاج أمين بأن المفتي يدرك أن بريطانيا غارقة كليا في الحرب والوقت غير صالح في تلك الفترة لانتزاع أي تنازلات منها وان المفتي يعلم مدى تأثير الضغط اليهودي في الولايات المتحدة وحاجة لندن إلى واشنطن في الحرب، هل كان الحاج أمين يفكر في التفاوض؟

إيجار فلاكر: ما قاله المفتي لا يمكن أن يؤخذ بمعناه الظاهري لقد كان المفتي يتمتع بموهبة قول الشيء المناسب للشخص المناسب وفي الوقت المناسب.

نجم الدين السهروردي: ماذا يمكن أن يقوم به الحاج أمين الحسيني وهو مفتي وقاعد في بلد تحت الانتداب؟ لا يمكن أن يتفاوض في وقت بريطانيا في حالة حرب تحت الانتداب وهناك كتاب أبيض وعدوه في فلسطين على أساس يستقلون ولهذا السبب كان إنه التفاوض لا يمكن لهذا السبب لما طار العراق وقف في وجه البريطانيين هو هذه اللغة اللي تحتاجها بريطانيا من هذا المنطلق من ناحية الأمين الحسيني كان على حق لكنه أن يرجع إلى أن يترك الأمر هذا شيء كان كله مش طبيعي لأنه كان غير قادر أن يسوي شيء غير قادر.

محي الدين الحسيني: وكان يؤمن بأن مفاوضاتهم إضاعة للوقت إذا كان هناك وقت ولكنه في بعض الحالات فوضه وذهب إلى مفاوضة الإنجليز وذهب في سنة 1930 مترأسا وفدا للمفاوضة إلى لندن يعني وزارة سويسرا في تلك الرحلة وقام بالاجتماع مع كبار الرجال السويسريين والأوروبيين هذا الحقيقة كان فيه قبل الحرب بعشر سنوات ذهب وحاول أن يفاوض الإنجليز في عدة مرات وصارت لجنة بيل وما لجنة بيل وكل هذه مفاوضات لجنة بيل كلهم أعطوا شهادات وتكلموا فيها وطلعت نتيجة أعطوا 80% من فلسطين لليهود في ذلك الوقت و20% تظل للعرب فهو ما كان يعتقد ما بيوصل إليه نتيجة وهذا رأيه الشخصي.

[تعليق صوتي]

وكتب السفير البريطاني أن زميله المصري الذي عاد أخيرا إلى بغداد من رحلة حج في السعودية أبلغ المفتي أن الاعتقاد السائد في السعودية ومصر هو أن بريطانيا ستنتصر في الحرب.

محي الدين الحسيني: هذه كانت آراء والحاج أمين كان (كلمة إنجليزية) على اتصال بألمانيا وليس أمامه غيرها يعني إذا ما بدوش يعمل هذه العلاقة مع ألمانيا ودول المحور وين يروح فهو لم يكن له الحرية باتخاذ القرار بالنسبة لألمانيا كان (كلمة إنجليزية) شيء حصل وهو أصبح نسبيا في المعسكر في معسكر دول المحور وهو يحارب الإنجليز واليهود وطول عمره يحارب الإنجليز واليهود هو كان مضطرا لأن يكون مع ألمانيا بدها تنتصر أو بدهش تنتصر النازيين بيحبونا أو ما بيحبونا مضطر يكون معهم لأنهم كانوا يحاربوا أعدائه.

إيفي شلايم: المفتي وقع في سوء التقدير بشأن احتمال انتصار دول المحور في 1940 – 1941 لم يكن يرى إمكانية لانتصار الإنجليز لكن بعد العام 1942 كان واضحا أن بريطانيا سوف تنتصر والمفتي في الحقيقة راهن على الحصان الخاسر وقد دفع ثمن ذلك.

[تعليق صوتي]

الأوضاع بالعراق وتأثيراتها على الحسيني

في هذه الأثناء لم تكف عجلة الأحداث عن الدوران فقد أعلن الكيلاني رفضه العدول عن سياسة الحياد وآثر تقديم استقالته من الحكومة لتفادي الانقسام، تشكلت وزارة طه الهاشمي ولم تدم سوى تسعة وخمسين يوما تخبطت خلالها تحت ضغوط الوصي عبد الإله حليف البريطانيين لأخذ موقف تجاه إيطاليا ومحاولاته تفتيت ضباط المربع الذهبي وإبعادهم عن قيادة الجيش مما اضطرهم في الأول من أبريل/ نيسان من عام 1941 إلى القيام بحركة الجيش التي أسقطت وزارة الهاشمي وعينت الشريف شرف كوصي جديد على العرش وأعادت ثانية وزارة الكيلاني فيما عرف بحكومة الدفاع الوطني.

محي الدين الحسيني: الوصي على العرش عبد الإله هو فر من العراق لأنه لا يريد أن يقف هذه المواقف فصار في هناك فراغ فاضطرت الحكومة العراقية برئاسة رشيد عالي أن تعين الشريف شرف وصي على العرش مكانه هذا شيء طبيعي وكذلك نوري بهجت سعيد فر من أمامهم فصار في فريقين وصار يظهر كأنه رشيد عالي الكيلاني قام بثورة هو كيف قام بثورة هو رئيس وزراء يقوم بثورة عن مين ولكن هو والجيش قرروا بأن يقفوا وهو أعلن يعني شبه إعلان حرب على بريطانيا.

[تعليق صوتي]

مرة أخرى كان الحاج أمين في نظر البريطانيين الخطر الداهم على الإمبراطورية، فقد خرجت جريدة التايمز في عددها الصادر في الخامس من أبريل عام 1941 معلقة على الأحداث بعنوان انقلاب في العراق بتحريض من المحور حيث توضح الصحيفة أن اهتمام الصحافة الإيطالية بالانقلاب يفسره واقع أن السيد رشيد الكيلاني رئيس الوزراء المستقيل منذ الحادي والثلاثين من يناير قد رفض قطع العلاقات مع إيطاليا على الرغم من التحالف العراقي الإنجليزي مما أدى إلى بقاء سفير إيطاليا في بغداد، هذه السياسة أدت إلى استقالة وزير الخارجية نوري السعيد على الرغم من تصريح السيد رشيد في البرلمان بأنه ليس هناك أي خلاف بالرأي مع زملائه يدعو إلى المزيد من الاستقالات

رينية فيلد أنجل: هناك تمكن الحسيني في العراق ولأول مرة من إسقاط حكومة موالية لبريطانيا وكان في تلك اللحظة يعوّل على مساندة ألمانيا.

[تعليق صوتي]

وتواصل التايمز تحت العنوان الفرعي دور المفتي السابق السيد رشيد اختلف معهم وهناك إمكانية كبرى بأن يكون قد حصل على دعم ومساعدة في عملية الانقلاب على الحكومة من مفتي القدس السابق الذي أصبح جزء من الحياة السياسية العراقية.

إدجار فلاكر: هو كشخص غير عراقي كان يتمتع بتأثير غير محدود عن طريق علاقاته الشخصية التي نماها مع السياسيين العراقيين وتحديدا الضباط.

[تعليق صوتي]

وكأن بريطانيا كلما اشتمت رائحة الحاج أمين في مكان ما اندفعت نحوه، فقد أصدرت الحكومة البريطانية أوامرها إلى جزء من قواتها في الهند بالتوجه إلى البصرة وأبلغت حكومة العراق بأن هذه القوة ستمر فقط عبر العراق صوب الأردن وبالفعل وصلت هذه الفرقة إلى العراق وأكملت الإنزال في الثامن عشر من أبريل من عام 1941 ولكنها لم تمر، ففي التاسع والعشرين من الشهر نفسه تم إنزال قوات بريطانية جديدة في البصرة وفي الثاني من مايو/ أيار قامت الطائرات البريطانية بهجوم جوي مباغت على المعسكرات الحربية العراقية وجميع الطرق المؤدية إلى بغداد وفي الثالث من مايو نشرت الديلي تلغراف أنباء الغزو تحت عنوان الصدام بين القوات البريطانية والعراقية، انفجر صباح أمس القتال بين القوات البريطانية والعراقية في الحبانية قرب المطار العسكري ستين ميلا غرب بغداد ومازالت المعارك مستمرة منذ مساء أمس وعلم من مصادر موثوقة في لندن أن رشيد عالي رئيس الوزراء العراقي المناصر للنازية والذي وصل إلى الحكم عبر انقلاب طالب الدولة الألمانية بالمساعدة ضد البريطانيين.

نجم الدين السهروردي: مع الأسف الشديد كان هناك شيء من المبالغة، هذه المبالغة أثرت في لما أجوا الألمان إلى العراق أجوا البنزين ما كان موجود طائرات قليلة غير مسلحة وما كان سهل على ألمانيا أن تنقل أسلحة وعتاد وجنود في هذيك المرحلة وهما غير مستعدين لأن أصلا ما كانت موجودة في استراتيجية ألمانيا في ها الحالة في ذيك المرحلة تخطيطهم كان غير شكل.

[تعليق صوتي]

ويتضح هنا قدم وعي الغرب بالتقسيمة الطائفية في العراق إذ تذكر الديلي تلغراف تحت عنوان حركة رشيد عالي الكيلاني تمت بوحي من النازيين وتواصل تلاعبا بالمشاعر القومية عمل العملاء الألمان المزودون بالأموال على تنمية المشاعر المعادية لبريطانيا بين السكان وقد كانوا ناشطين خصوصا بين السٌنّة والذين يشكلون الأغلبية في المناطق الشمالية وذلك يشمل أيضا الموصل الغنية بالنفط وبغداد.

"
كانت هناك قناعة بأن وضع العالم العربي في حالة من التبعية السياسية والاقتصادية تجاه ألمانيا الكبرى وسيساعد النازيين على فرض سيطرتهم على العالم أجمع
"
   بيتر هاينة

بيتر هاينة: كان لآبار النفط في ذلك الوقت أيضا أهمية كبيرة باعتبارها عنصرا استراتيجيا هاما كما تعلق الأمر بفتح الطرق البحرية إلى الهند ووضعها تحت السيطرة وذاك حلم ألماني طالما راود الألمان كما كانت هناك قناعة بأن وضع العالم العربي في حالة من التبعية السياسية والاقتصادية تجاه ألمانيا الكبرى سيساعد النازيين على فرض سيطرتهم على العالم أجمع.

[تعليق صوتي]

في التاسع من مايو ومن الإذاعة العراقية أعلن الحاج أمين الجهاد داعيا كل مسلم قادرا على حمل السلاح إلى السفر إلى العراق.

رينية فيلد أنجل: لكن ما حدث فعلا هو أن المساندة الألمانية بقيت محدودة للغاية، إذ تدخلت بعض الطائرات الألمانية والإيطالية المقاتلة في الصراع لكن ما أتضح بعد أسبوعين هو أن ألمانيا لم تكن مستعدة للتدخل على نطاق واسع أو بجدية أكبر.

إدجار فلاكر: لم يكن للعراقيين أن يحصلوا على الدعم المناسب عام 1941 لأن هتلر قرر ألا يهاجم قبرص وهو ما كان سيساهم كأساس استراتيجي وعملي وتمويني لدعم الحكومة العراقية في حربها ضد بريطانيا.

[فاصل إعلاني]

[تعليق صوتي]

ويروى الحاج أمين في مذكراته نقالا من أحد الكتب المؤيدة لوجهة النظر اليهودية عن خطتهم لاختطافه، إذ يقول في مايو عام 1941 أثناء الثورة العراقية جاء الإنجليز بفريق من متطوعي الارغون وفيهم الزعيم رازيل بالطائرة إلى الحبانية وهو المطار الذي كان في يد البريطانيين قرب بغداد وكانت مهمة هؤلاء أن يتسللوا إلى داخل بغداد متنكرين بالزي العربي وأن يقوموا بنسف منشآت النفط وأن يخطفوا المفتى وقد قتل رازيل خلال تلك العمليات ودفن في المقبرة العسكرية البريطانية في الحبانية واضطر الحاج أمين ورشيد عالي الكيلاني إلى الهرب إلى إيران حيث منحهما الشاه رضا بهلوي حق اللجوء السياسي وتواصل ألمانيا الرعاية والمتابعة حيث يبرق إيتل القنصل الألماني في طهران إلى خارجيته في السادس من يونيو/ حزيران عام 1941 مؤكدا عدم معارضة الحكومة الإيرانية مغادرة الحسيني والكيلاني لو أرادا ولكن الإمبراطورية البريطانية لا تنسى ثآرها أبدا، ففي شهر أغسطس تم غزو إيران، بريطانيا من الجنوب والاتحاد السوفيتي من الشمال وبدأ البحث مجددا عن الرجل. وتنشر التايمز في السادس من سبتمبر/ أيلول من عام 1941 مقالة بعنوان إيران كملجأ للمتمردين ومستقبل المفتى ويذكر المقال أنه بعد دخول القوات الروسية والبريطانية إلى مناطق في إيران انتقل المفتى من طهران إلى يزد جنوب أصفهان، في الثاني والعشرين من سبتمبر عام 1941 بعث جورج لويد وزير المستعمرات برسالة إلى المندوب السامي البريطاني في القدس أبلغه فيها أن تقريرا للملحق العسكري في السفارة البريطانية في طهران ذكر أن المفتى أفلت في الحادي والثلاثين من أغسطس من المتابعة البوليسية التي كانت تفرضها عليه السلطات الإيرانية وأبلغه أنه تم إخطار السفير البريطاني لدى إيران بضرورة الضغط على السلطات الإيرانية لإلقاء القبض على المفتى وأتباعه من العراقيين والفلسطينيين والسوريين الذين لجؤوا إلى إيران وأعرب له عن ارتياحه إلى ما ذكره في رسالة سابقة من الضرر الذي لحق بمكانة المفتى بين العرب طالبا منه تشديد العمل من أجل تعزيز هذا التوجه الجديد مستفسرا منه عن الأسس التي يمكن بموجبها العمل على تعيين رئيس جديد للهيئة الإسلامية العليا في القدس.

فلاديمير شاجال: علينا هنا أن نتأمل في شخصية الوزير الأول المعروف جورج لويد الذي أصبح جزءا من تاريخ إنجلترا والشرق الأوسط كان في فترة إعداد اتفاقية سايكس بيكو بل ومجلس وزرائه أيضا يقف مع تأسيس الوطن القومي لليهود على الأراضي الفلسطينية لكن العلاقات بين العرب واليهود آنذاك كانت تقوم على الصداقة والتعايش وحسن الجوار.

[تعليق صوتي]

استهداف بريطانيا للحسيني في إيران

ويتضح قدم فكرة عزل الزعماء غير المتعاونين وربما الإرهابيين أيضا حيث كانت التايمز قد ذكرت في الخامس عشر من سبتمبر أنه قد تم الاتفاق بين الحكومتين البريطانية والإيرانية على اعتبار المفتى السابق بين عملاء الأعداء وأن القبض عليه بات قريبا، يحكى الحاج أمين في مذكراته عن هذه اللحظات ولما دخل إيران المارشال ويفل القائد العام للقوات البريطانية في الشرق الأوسط أذاع بيانا بدفع مكافأة مالية سخية لمن يقبض على المفتى أو يدلى بمعلومات تؤدى إلى القبض عليه حيا أو ميتا.

محي الدين الحسيني: بقي الشاه على رأس الحكم خلوه الإنجليز كملك ولكن كل اللي تحته أتغيروا أذوا ناس مضطرين أنهم يسايروا الحكم الإنجليزي والحكم الإنجليزي البريطاني طلب منهم تسليم الحاج أمين الحسيني فلاحقوه حتى يسلموه ولكن الحاج أمين أختفي وهم لم يعرفوا مكانه، الآن ربما بعض الضباط المسؤولين في الإيرانيين أو كذا عرفوا مكانه ولم يحبوا يخبروا يعني على مسؤوليتهم الشخصية مخبروش هذا ما حد بيقدر يعرفه.

[تعليق صوتي]

كان العمل جاريا على قدم وساق لتحطيم الرجل كما يتضح من رد المندوب السامي البريطاني على الرسالة السابقة، حيث يبلغ وزير المستعمرات أن مكانة المفتى أصبحت في أدنى مستوى لها بعد أن ثبت خطأ السياسة التي أتبعها وسوء توجيهه للفلسطينيين مما أدى إلى تخلى كبار أتباعه عنه وعودتهم إلى فلسطين حيث يوجهون نقدهم إليه باعتبار أن الرجل كلما واجهته ورطة سواء في القدس أو سوريا أو العراق وأخيرا في إيران كان همه الأول هو كيف ينجو برأسه بدلا من المواجهة.

إدجار فلاكر: أيضا حين غادر طهران كان متنكرا حين غادر السفارة ولكن هذه المرة كان يعمل باسم مستعار فقد كان يحمل جواز سفر إيطاليا.

[تعليق صوتي]

ويواصل المندوب شرح سياسة التعتيم الإعلامي التي يتبعها ضد أخبار المفتى وينصح بتطويرها بإبراز أخبار براعته في الفرار وحده غير عابئ بأتباعه وإنفاقه للأموال التي يحصل عليها من دول المحور على راحته الشخصية.

محي الدين الحسيني: كل هذه الشائعات اللي كانوا يحاولوا يعملوها كلها كذب وبما فيها ما كانوا يقولونه عن علاقاته مع من كانوا حوله ومن كانوا حوله في منهم رجال لساهم عايشين مازالوا عايشين لليوم وفي منهم رجال كانوا عايشين طول الوقت ماتوا قبل أربع أو خمس سنوات وعشر سنوات والشائعات أصلا حاولت بريطانيا أن تطلقها ولكنها لم تنجح في يوم من الأيام، طبعا الحاج أمين كان له مريدين وكان له أعداء وكان له أعداد كثر من قلال ولكن هذا لم يكن عن طريق بريطانيا طبعا في بعضهم كانوا عن طريق بريطانيا ولكنهم قلة وما كانوا يرجونه من هذه الشائعات لم يحصل لم يصل..

[تعليق صوتي]

الهروب من إيران ودور اليابان

كانت هناك حرب أخرى ضد المفتى ظل البريطانيون خلالها يتساءلون أين الرجل؟ في الرسالة بتاريخ السابع عشر من أكتوبر/ تشرين الأول والمرسلة من وزارة الحرب إلى السفارة البريطانية في طهران استفسار عن مدى دقة المعلومات الواردة بأن المفتى كان مختبئا بمقر البعثة الدبلوماسية اليابانية في طهران وهل هرب بالفعل إلى أوروبا كما تزعم إذاعات المحور.

محي الدين الحسيني: القائد يجب أن يبقى ويقود، فكان يهتم بهذا، فكان من أول ما ذهب إلى إيران كان هو يتزاور مع كل السفراء، طبعا اليابان كان لها موقع خاص ما كانت زي أي دولة اليابان لم تكن زي الصين أو زي بلد عادي، اليابان كانت إحدى دول المحور.

[تعليق صوتي]

كان الألمان قبل أكثر من شهر يعلمون بأمر اختباء المفتى في مقر البعثة اليابانية كما ورد في رسالة إتيل القنصل الألماني في طهران إلى الخارجية الألمانية بتاريخ السادس من سبتمبر.

"
طلب مساعدة اليابان لإيطاليا وألمانيا في إيران كانت مفيدة تحديدا للحفاظ على العلاقات الدبلوماسية أثناء احتلال بريطانيا والاتحاد السوفياتي لإيران
"
   إدجار فلاكر

إدجار فلاكر: وقد كان واضحا أنه بعد توقيع اتفاق القوى الثلاث بين ألمانيا وإيطاليا واليابان عام 1940 أنه من الممكن طلب مساعدة اليابان لإيطاليا وألمانيا في إيران هذه المساعدة كانت مفيدة تحديدا للحفاظ على العلاقات الدبلوماسية أثناء احتلال بريطانيا والاتحاد السوفيتي لإيران بما أن اليابان لم تكن طرفا في الحرب مع هذين البلدين.

[تعليق صوتي]

تيقن البريطانيون من النبأ ذاته بعدهم بمدة طويلة حينما أبرق مكتب الحرب في طهران إلى الخارجية البريطانية في العشرين من أكتوبر مؤكدا أن المفتي كان في مقر البعثة اليابانية، مجددا أفلت المفتي من بين أنياب الأسد البريطاني الذي ظل يلوك قصته متسائلا عن مكان الفريسة، ظل البريطانيون يتخبطون في لهاثهم خلف الرجل. في الثاني والعشرين من أكتوبر تلقت وزارة الخارجية في لندن برقية من الجنرال ويفل قائد القوات البريطانية في الشرق الأوسط يطلب توضيح معلومات مصدرها بيروت أن المفتي وصل إلى اسطنبول في طريقه إلى سالونيك في اليونان، يروي الحاج أمين في مذكراته أنه حينما كان في اسطنبول سمع عبر الإذاعة تصريحا للمستر ايدين ردا على أسئلة بعض النواب في مجلس العموم البريطاني، قال فيه أن المفتي هو العدو الأول لبريطانيا قد أصبح في قبضة يدنا وأن المكان الذي يختفي فيه في طهران مطوق بقواتنا الآن. وفي الثامن والعشرين من أكتوبر تلقت وزارة الخارجية في لندن احتجاجا من السفارة البريطانية في القاهرة على خبر غير موثوق بثته هيئة الإذاعة البريطانية مصدره إذاعة ألمانيا ومفاده أن المفتي وصل إلى جنوب إيطاليا بينما عاد الجنرال ويفل قائد القوات البريطانية في الشرق الأوسط ليعلم وزارة الخارجية في نهاية أكتوبر بأن سلطات الأمن التركية في اسطنبول تشك في صحة التقرير الذي بثته الإذاعة الألمانية عن وصول المفتي إلى جنوب إيطاليا ويختتم برقيته برجاء لتدوير المعلومات المتاحة حوله. وفي الحادي عشر من نوفمبر توجه البحث إلى مكان آخر تماما هذه المرة، حيث بعثت وزارة المستعمرات برسالة إلى حاكم بورما بأنه توجد إشاعات تقول أن المفتي على ظهر سفينة بالقرب من سواحل بورما وتطلب منه تفتيشها للتأكد مع الحفاظ على سرية أسباب التفتيش وبعد ذلك بيومين وتحديدا في الثالث عشر من نوفمبر وقع الخبر كالصاعقة على البريطانيين فقد أبرق السفير البريطاني في أنقرة إلى وزارة الخارجية بأن وزير الخارجية التركي علم من برلين بوصول المفتي إلى العاصمة الألمانية قبل يومين أو ثلاثة، كان الحاج أمين قبل أن يصل إلى برلين قد مر بالفعل على إيطاليا لمقابلة موسوليني ويحكي عن هذه المقابلة استقبلني موسوليني على الباب مرحبا باسمه وباسم الشعب الإيطالي وهنأني بنجاتي من الأعداء.

بيتر هاينة: من المؤكد أن الحسيني كان يحاول التلاعب على الموقفين الإيطالي والألماني أي أنه كان يسعى لتأمين موقع جيد لنفسه مستفيدا من التباين في الموقفين، ثم أنه كان في روما قبل أن يأتي إلى برلين لكنه لم يكن ليدرك مدى التعاون الوثيق والتنسيق بين الدبلوماسيين الألمان ونظرائهم الإيطاليين فيما يخص التفاوض معه.

إدجار فلاكر: لقد كان المفتي مهتما أولا وأساسا بتدعيم موقفه في ألمانيا وإيطاليا وقد فعل ذلك عن طريق تقديم الوعود للطرفين وأحيانا عن طريق مجاراة طرف على حساب الطرف الآخر، كان المفتي سياسيا محنكا ولقبه البعض بالثعلب الماكر.

بيتر هاينة: هنا يجدر القول إنه كان شخصية ساذجة بشكل عام وقد قادته سذاجته إلى عدم إدراك مكانته الحقيقية ومكانة المصالح العربية من مصالح الطرفين الألماني والإيطالي المتبادلة.

[تعليق صوتي]

ويواصل الحاج أمين بسطّت لموسوليني مطالب العرب الرئيسية وهي الاستقلال الكامل والسيادة التامة في جميع اقطارهم وإنقاذ فلسطين من المؤامرة الاستعمارية وإلغاء الوطن القومي اليهودي فيها ولما قلت له أن مقاومتنا للوطن القومي اليهودي لم تكن بحافز من التعصب الديني بل كانت دفاعا عن كياننا وزودا عن بلادنا المسلمين والمسيحيين في الأقطار العربية هي علاقات وثيقة بين مواطنين متحدين ومتعاونين، أجابني قائلا أنني أعلم هذا وأعلم الكثير عن أحوالكم ولا سيما وقد درست القرآن والتاريخ الإسلامي وأعرف تسامح الدين الإسلامي.

رينية فيلد أنجل: كان الألمان ينظرون إلى تلك النشاطات بعين ناقدة وخاب ظنهم في المفتي الأكبر عندما التف على الطرق الرسمية الألمانية بحثا عن تعاون مع إيطاليا، لم تكن تلك الازدواجية في التعامل لتفيد في تحسين موقف الحسيني عند الألمان مما جعل بعض الأطراف في السياسة الألمانية تدعو إلى تخفيض مستوى التعامل معه لعدم موالاته ووفائه لألمانيا ومحاولته كسب النفوذ عبر إيطاليا.

[تعليق صوتي]

وقتها كانت القوات الألمانية تحارب بنجاح كبير على جبهات عدة في جنوب المتوسط كانت المستعمرات الفرنسية تستقبل قوات المحور وسط مقاومة من بعض مؤيدي الجنرال ديغول بعد سقوط باريس وتعيين حكومة فيشي الموالية للألمان لتصنع تونس مع ليبيا التي كانت مستعمرة إيطاليا نقطة انطلاق لقوات المحور في شمال إفريقيا وقد بثت الدعاية النازية بعض الأفلام المصورة هناك.

[فيلم وثائقي]

تتقدم الدبابات في جنوب تونس لمواجهة جنود ديغول الذين تمترسوا في ممرات هامة بجبال الأطلس تم أسر أكثر من أربعة آلاف شخص في معارك استمرت لأيام وقد تمكن جنودنا في تلك المعارك من السيطرة على مواقع استراتيجية هامة في جنوب تونس

[تعليق صوتي]

من هناك تحرك الثعلب الألماني روميل باتجاه الصحراء الغربية في مصر في طريقه إلى قناة السويس حلق الإمبراطورية البريطانية كما وصفها موسوليني في لقاءه مع الحاج أمين.

فيبرمان- برلين- أستاذ التاريخ المعاصر جامعة برلين: كانت مراهنة العرب على الفوهرر والحليف الكبير هتلر تنطوي على مخاطر جمة، لو انتصر الألمان في الحرب لما تغيرت أحوال العرب كثيرا ولاصبحوا عبيدا للألمان لربما أنهم ما كانوا سيتعرضون للإبادة والقتل كما اليهود لكن العبودية كانت المصير الذي ينتظرهم وأنا على يقين من ذلك.

محي الدين الحسيني: ليس لدينا شيء يؤكد شو كانت نوايا الألمان الرجال صناديق مغلقة أنت تأخذ الرجل على ما يقول، تستطيع أن تجتهد لكن كل هذا تكون اجتهادات ما لا تستطيع أن تحاسب إلا على ما قاله وما كتبوه ووقعوا عليه وهنا اللي قالوه وكتبوه ووقعوا عليه كان فقط كله لصالح العرب وكانوا يوافقوا على كل ما يطلبه منهم الحاج أمين ورشيد عالي الكيلاني.

[تعليق صوتي]

الوصول لألمانيا وأحواله بها

كانت الجبهة الشرقية هي الجبهة الأخرى الأكثر اشتعالا في أوروبا وهي جبهة روسيا، حيث كانت القوات الألمانية تقف على مسافة خمسين كيلو مترا من موسكو ولكنها تواجه ولأول مرة بمقاومة شرسة أوقفت انتصاراتها الكاسحة كان هذا هو الموقف العسكري حين غادر الحاج أمين روما إلى برلين حيث أقام في البداية في فندق أيدلور وهو من المعالم القليلة التي لم يهدمها القصف المكثف الذي تعرضت له المدينة فيما بعد من جانب طائرات الحلفاء. خرجت جريدة التايمز اللندنية في الثامن من نوفمبر عام 1941 لتعرض أخبار الحاج أمين الحسيني تحت عنوان الذي يقول المفتي أداة للنازيين لاجئ آخر في برلين وأعلنت الصحيفة أنه في طريقه من روما إلى برلين حيث ستطول أقامته وأن الدوائر السياسية هناك وصفته ببطل التحرير العربي والعدو اللدود للإنجليز واليهود في الثامن والعشرين من نوفمبر استقبل الفوهرر الحاج أمين في مقر الرايخ كما يعرض هذا الفيلم النادر.

[تعليق صوتي]

الفوهرر يستقبل مفتي القدس الأكبر وأحد أكثر رجال حركة التحرر العربي تأثيرا، المفتي الأكبر هو أعلى سلطة دينية لدى العرب في فلسطين وهو في نفس الوقت أكبر قضاتهم والمسؤول عن إدارة أموالهم، تعقبه الإنجليز بشدة بسبب مواقفه الوطنية وخصصوا مكافأة بقيمة 25 ألف جنيه لمن يساعد في القبض عليه لكنه تمكن بطرق لا تخلو من المغامرة من الإفلات والوصول إلى إيطاليا ثم إلى ألمانيا.

فلاديمير شاجال: أقول بصدق أنه بالنسبة لي كمقاتل وقد كنت في الحرب العالمية الثانية برتبة ضابط حيث حاربت في أوكرانيا وعلى الأراضي الألمانية أن الأمر كان مفزعا حين قرأت للمرة الأولى أن أمين الحسيني عمل في ألمانيا والتقى بهتلر وهيملر.

فيبرمان: ما ميّز قصة الحسيني هي تلك الصور التي التقطتها الدعاية النازية اللقاءات هتلر مع الحسيني بملابسه التقليدية وهي صور غريبة على الألمان لقد أضفت الصور طابعها على السياسة.

[تعليق صوتي]

من المؤكد أنه لم يكن يفكر في أثر علاقته بهتلر عليه ولكنه يحكي في مذكراته بعض ما صرح به هتلر إليه أن خطط الكفاح واضحة وهي أولا أنني أكافح اليهود بلا هوادة ويدخل في هذا الكفاح ما يقال له الوطن القومي اليهودي بفلسطين لأن اليهود إنما يريدون أن يؤسسوا دولة مركزية تساعدهم على مقاصدهم التدميرية ونشاطهم الهدام نحو دول العالم وشعوبه وأنه لمن الواضح أن اليهود لم يقوموا بعمل إنشائي في فلسطين وادعاءهم هذا كذب فان كل الأعمال الإنشائية التي اقيمت في فلسطين يرجع فضلها إلى العرب لا إلى اليهود، إنني مصمم على أن أجد حلا للمشكلة اليهودية خطوة فخطوة وبدون انقطاع وأنني سأوجه الدعوة اللازمة إلى جميع البلاد الأوروبية ثم إلى البلاد التي هي خارج أوروبا في هذا الشأن.

إيفي شلايم: هو قال أنه لم يكن لديه تعاطفا مع أيديولوجية ألمانيا النازية، السبب في تحالفه أثناء الحرب كان عمليا ولصالح شعبه، بريطانيا كانت العدو والصهاينة كانوا العدو الآخر وهناك مقولة تذكر إن عدو عدوي هو صديقي، ألمانيا كانت عدوا لبريطانيا ولليهود وهذا أساس لسبب تعاون المفتي مع دول المحور.

إدجار فلاكر: كانت أولى مطالبه هو إعلان حق العرب بالاستقلال والوحدة وكان قد أعرب عن هذه الرغبة للألمان قبيل الحرب وكان كاناريس يحبذ هذه الفكرة ولكن ألمانيا لم تفعل شيئا بهذا الخصوص.

[تعليق صوتي]

ويلح الحاج أمين في المطالبة بمعاهدة رسمية بين العرب والمحور.

محي الدين الحسيني: وعادة رؤساء الدول واحد زي هتلر عندما يوقع إلى درجة ما هم محمين لأنهم بده يحترم إلى درجة يحترم توقيعه ولكن طبعا الحاج أمين كان بيشك في كل شيء لأن الحاج أمين يعرف الإنجليز ووعودهم للملك الحسين العظيم رحمه الله الأول ثم خيانتهم لهذه الوعود بوعد بلفور وغيره ويعرف الغرب كله هذه عقليتهم هما كانوا براجمتيك حسابيين ما يهمهم المسائل الشرف وهذا لكن شو ما كان رئيس دولة يحب بأن يكون له نوع من المصداقية عندما يوقع على شيء عندما أنت تجابهه فيها سوف لا يكون سهل عليه أنه يخالف هذا.

[تعليق صوتي]

ويضطر هتلر إلى سرد خطته السياسية والعسكرية، إذ يحكي الحاج أمين عن لسانه أن الموقف الآن هو كما يأتي أننا نقوم بكفاح جبار في سبيل افتتاح الطرق إلى شمال القوقاز والصعوبات في هذا ناشئة عن وسائل النقل بسبب الخطوط الحديدية المدمرة والطرق وكذلك بسبب الشتاء والثلوج، فإذا استعجل في هذا الظرف بإعطاء تصريح يتضمن سوريا فان العناصر الموالية لديغول في فرنسا ستقوى وهؤلاء الناس سيعتقدون أن موقفهم مع بريطانيا سيكون أكثر ملاءمة لهم.

إدجار فلاكر: لقد سبق أن حصلت فرنسا على تأكيد من ألمانيا باستمرار فرض نفوذها وسلطتها على لبنان وسوريا وإعلان وحدة واستقلال العرب كان سينتج عنه صدام كبير بهذا الخصوص.

[تعليق صوتي]

كان معنى حديث هتلر أنه ينبغي على الحاج أمين أن ينتظر ما ستسفر عنه الأيام القادمة.

"
نهج هتلر وألمانيا النازية يتمثل في إخراج أكبر عدد ممكن من يهود ألمانيا ودفعهم إلى الهجرة حتى إلى فلسطين
"
             فيبرمان

فيبرمان: بداية لم يكن التعاون مكثفا ولابد لنا هنا من إدراك أن هتلر كان في الواقع يتحدث بصورة سلبية عن العرب وكان هدفه تأمين المجال الحيوي للألمان في شرق أوروبا أي أنه كان يعني روسيا وليس الشرق الأوسط أما الشرق الأوسط ومنطقة البحر المتوسط فكانتا حتى الحرب تعتبران مناطق نفوذ للحليف إيطاليا، ثم كان نهج هتلر وألمانيا النازية يتمثل في إخراج أكبر عدد ممكن من يهود ألمانيا ودفعهم إلى الهجرة حتى إلى فلسطين.

إدجار فلاكر: فيما يتعلق بهذا الأمر فإن ألمانيا قامت بتوقيع اتفاق مع المؤسسات اليهودية المختلفة عرف باسم اتفاق التحويل الذي سمح لأغنياء اليهود بتحويل جزء من أصول أموالهم إلى فلسطين.

[تعليق صوتي]

ما هي قصة التعاون بين القادة النازيين واللاجئين العرب لدعم الحق العربي الضائع في طول الوطن العربي؟ كيف أدار الزعيمان العربية من برلين النضال ضد الاستعمار؟ رحلة جديدة في أرشيفهم تلقي الضوء على صفحات من تاريخنا بقيت كثيرا في الظلام.