- مفاجأة الثغرة والدعم الأميركي لإسرائيل
- حجم الدعم السوفياتي ومساعي وقف إطلاق النار

- خلافات الأسد والسادات والقراران 242 و 338

حوار هيكل للسادات- 22 أكتوبر:عندما فتح السوريون النار يوم 6 أكتوبر نسقوا معنا ولم ينسقوا مع السوفييت، فإذا كان هناك وقف لإطلاق النار تقرر له توقيت محدد، فلابد أن يعرف السوريون منا.. منك وليس من السوفييت.

[تعليق صوتي]

اتسمت الأجواء في ساحات المعارك على الجبهتين المصرية والسورية بمتغيرات متسارعة بعد أسبوع واحد من الحرب إذ تمكنت القوات الإسرائيلية من استعادة المبادرة العسكرية على الجبهة السورية. وأمام وطأة الهجمات الإسرائيلية طلب الرئيس الأسد بإلحاح من الرئيس السادات القيام بهجوم على القوات الإسرائيلية في سيناء لتخفيف الضغط على القوات السورية التي كانت تدعمها قوات عراقية ومغربية. وبالفعل ألقى المصريون بثقلهم في معركة دبابات في سيناء وُصِفَت بأنها الأكبر من نوعها في تاريخ الحروب منذ الحرب العالمية الثانية ورغم البلاء الحسن للقوات المصرية إلا أن مفاجأة حدثت في ساحة المعركة.



ملف حرب أكتوبر 1973

يوم الغفران

[تعليق صوتي]

مفاجأة الثغرة والدعم الأميركي لإسرائيل

وقعت المفاجأة عندما انسلت وحدة من القوات الإسرائيلية بقيادة الجنرال أرييل شارون على الجبهة الشرقية لسيناء وحققت اختراقا بدأ يتسع حتى استوى على ثغرة عميقة في الجبهة المصرية وكان لها أثر استراتيجي في مجريات الحرب. الوثائق الأميركية والسوفيتية وشهادات صانعي القرار تكشف حقائق عن خلفيات استراتيجيات الأطراف المختلفة إزاءها بين سعي للتقليل منها وإخفاء المعلومات بشأنها وبين تركيز عليها واعتبارها حدث مفصلي في الأزمة.

الجزء الرابع

الأعاصير

[شريط مسجل]

محمد أنور السادات: إن هذه القوات أخذت في يدها بعد صدور الأمر لها زمام المبادءة وحققت مفاجأة العدو..

[تعليق صوتي]

بينما كان الرئيس السادات يتوجه بخطابه أمام مجلس الشعب في أجواء حماس شعبي واحتفالي بالانتصارات التي حققتها القوات المصرية كانت غولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل على الجانب الآخر في تل أبيب تتوجه بخطاب للكنيست الإسرائيلي وكانت المفاجأة أن أعلنت أن القوات الإسرائيلية تقاتل بنجاح شرقي وغربي قناة السويس.

ريتشارد باركر- دبلوماسي أميركي سابق: كان هناك خلاف يتعلق بشارون الذي كان يطالب بالتقدم وكان هناك ارتباك بين الإسرائيليين بشأن ما الذي يريدون فعله وشارون تجاهل الأوامر وتقدم عبر القناة ونجح في اجتياحها ويبدو أن هذا تقليد إسرائيلي شارون دائماً يتجاهل الأوامر.

[تعليق صوتي]

ترصد الوثائق الأميركية والسوفييتية أحداث الثغرة وتقييمها يوما بيوم إذ يذكر فينو غرادوف السفير السوفييتي في القاهرة إبان فترة الحرب في مذكراته.. في السادس عشر من أكتوبر وَرَدَ نبأ غير متوقع عَبَرَتْ خمس أو ست دبابات إسرائيلية قناة السويس وقبل ذلك بنحو أسبوع حين ارتسم خط الجبهة على الضفة الشرقية استرعى انتباهنا وجود ثغرة كبيرة بين جناحي الجيوش التي عبرت القناة وهذا يعني أن الجناحين مفتوحان لأجل هجمات الإسرائيليين وأن بوسع هؤلاء أن يحاولوا قطع وفصل المصريين عن القناة ولم يكن في الجيش المصري مستشارون عسكريون سوفييت.

عمنون ريشيف- قائد وحدة مدرعات إسرائيلية في حرب أكتوبر: حتى تلك اللحظة كان الجيش في معركة لصد القوات ومعظم الإنجازات المصرية كانت في أول يومين أو ثلاثة أيام، أما في 14 أكتوبر فقد بدأ هجوم بالدبابات المدرعة وفيه دمرنا للمصريين حوالي 200 دبابة وكذلك فإن الهجوم المصري فشل وباقي القوات تراجعت، في ذلك اليوم كان واضحاً لنا أنه حصل الانقلاب في توجه المعركة.

[تعليق صوتي]

ورداً على أسئلتنا أجاب العسكريون المصريون بإيجاز هكذا هو توزيع الجيوش المصادَق عليه، تحت ستار الليل عبرت الدبابات الإسرائيلية القناة إلى الضفة الغربية في مكان هذه الثغرة بالضبط وقد أوضح لنا السادات أن هذه الدبابات ما هي إلا فريق تخريبي وأنها محكوم عليها بالفشل. وقال هذه مجرد مناورة سياسية من الإسرائيليين.

عمنون ريشيف: نحن تحركنا مع بدء الظلام في منطقة صعبة للعبور في الليل وطوقنا الجيش المصري ودخلنا بشكل مفاجئ إلى قلب البنية المصرية، عندما كنت مع كتيبتي في قلب الجيش المصري عندها فقط فهموا أننا قوات معادية ففتحوا النار، المعركة التي خضناها كانت المعركة الأكثر صعوبة في تاريخ الجيش.

[تعليق صوتي]

وحينها كان تقدير الأميركيين متوافقا مع رؤية السادات لتأثير هذه القوات إذ يذكر تقرير مركز عمليات مجموعة الشرق الأوسط في الخارجية الأميركية بتاريخ السابع عشر من أكتوبر، قالت السيدة مائير في خطاب أمام الكنيست.. إن قوات جيش الدفاع قامت بالعبور إلى الجانب الغربي من القناة ولقد أكد جيش الدفاع ذلك في وقت لاحق. وأضاف أن القوة التي عبرت كانت من سلاح المدرعات ونحن نعتقد أنها كانت قوة صغيرة تستهدف مواقع المدفعية المصرية وبطاريات الدفاع الجوي.

"
منع السادات الجيش المصري من مواصلة هجومه عند نقطة محددة وذلك حتى لا يذهب بالقوات المصرية إلى منطقة تكون خارج الغطاء الجوي للقوات مما يهددها بضربات إسرائيلية ساحقة
"
    فاديم كيربيتشينكو

فاديم كيربيتشينكو- رئيس شبكة كي جي بي في مصر وقت الحرب: كما هو معروف فقد امتنع السادات عن مواصلة الجيش المصري هجومه عند نقطة محددة وحين كان يُسْأل يجيب.. لا أريد أن أذهب بالقوات المصرية إلى منطقة تكون خارج الغطاء الجوي للقوات المصرية مما يهددها بضربات إسرائيلية ساحقة.

[تعليق صوتي]

كانت الثغرة هي إحدى المتغيرات الحاسمة في تلك الحرب ولكنها لم تكن المتغير الوحيد إذ تواصل الوثائق كشف الأدوار المختلفة للعواصم العالمية في الضغط متعدد الأساليب لإيقاف الحرب، ففي اجتماع وزراء الخارجية العرب مع الرئيس نيكسون في السابع عشر من أكتوبر تحدث وزير الخارجية الكويتي قائلاً.. هناك مشكلة تزويد إسرائيل بالسلاح، لقد رأينا صورا للطائرات وللسفن، هل مِن الضروري قيامكم بذلك؟

ريتشارد باركر: أحد أهم الاتهامات التي تكررت في كتاب أشرف غربال وعلى لسان محمود رياض وزير الخارجية السابق بأن الجسر الجوي كان ينقل دبابات ومعدات أخرى إلى أرض المعركة والحقيقة أنَّا كنا ننقل المعدات إلى مطار تل أبيب إلى اللد.

[تعليق صوتي]

يجيب نيكسون.. لقد حاولنا تجنب الحرب قبل بدئها كما حاولنا بعد بدء الحرب تجنب تأججها أكثر خاصة من خلال اتصالات مع الجانب السوفييتي ولكن القادة السوفييت وأنا لا أدينهم شعروا أنه يجب عليهم البدء في جسر جوي كبير وفقط بعد مرور أسبوع واحد وبعد وصول ما يزيد عن ثلاثمائة طائرة سوفييتية قررتُ أنه يجب علينا الحفاظ على التوازن هذا كل ما نقوم به وفور تمكننا من الوصول إلى اتفاق مع الاتحاد السوفييتي سوف نقطع إمدادات السلاح.

جون شليسنغر- وزير الدفاع الأميركي وقت الحرب: كانت رغبتنا تجنب أي دعم مباشر لإسرائيل ولكن تطورين أديا إلى عكس تلك الرغبة، فبعد يومين من بدء الحرب أخذ الاتحاد السوفيتي بتزويد زبونيه مصر وسوريا بالسلاح. والتطور الثاني كان حالة الهلع التي انتابت الإسرائيليين في اليوم الثاني من الحرب بعد أن كانوا واثقين من قدرتهم على هزيمة الدول العربية وبدؤوا بالادعاء بأن معداتهم أخذت بالنفاذ.

[تعليق صوتي]

في كتاب الأزمة تكشف تقارير كيسنجر عن محادثته الهاتفية مع الرئيس نيكسون يوم السابع عشر من أكتوبر عن حجم الدعم السياسي والعسكري الذي قدمته الولايات المتحدة الأميركية إلى إسرائيل في الأيام العشرة الأولى من الحرب وعن تقديرات الأميركيين لدعم السوفييت للجانب العربي، يجيب كيسنجر مفسرا لنيكسون كيف أن العرب لا يمكنهم قصف مطار تل أبيب إذ يقول.. إنهم يخافون أن نبدأ نحن في مهاجمة الجسر الجوي السوفيتي، الفرص هي اثنتين من ثلاث من ناحية تحركنا نحو حل، الأسبوع الماضي كان سهلاً للغاية أما الأسبوع الحالي فسنحصل على حل أفضل بعد قيامنا باستعراض عضلاتنا.. وهو هنا كان يقصد الجسر الجوي.

جون شليسنغر: طلب مني نقل المعدات بالطائرات تحت جنح الظلام وأن يوافق الإسرائيليون على إفراغها في الظلام أيضاً وأن تقلع الطائرات عائدة قبل بزوغ الفجر وهنا لعب القدر لعبته فقد كانت هناك رياح في الأزوردس أجبرت الطائرات على الإقلاع متأخرة من الشواطئ الشرقية للولايات المتحدة وقد تمكنت الطائرات الأولى من الوصول ليلاً إلى إسرائيل لكن الطائرات التالية اضطرت إلى الوصول في وضح النهار. وكانت حشود الإسرائيليين متواجدة في المطار لتحية هذه الطائرات الأكبر حجماً في العالم والمزينة بالنجم الأبيض شعار القوات الجوية الأميركية وبمجرد حدوث ذلك انتهت رغبتنا بعدم التورط في الحرب.

ويليام كوانت- عضو مجلس الأمن الأسبق فترة الحرب: في الخامس عشر من أكتوبر كانت المعركة الكبيرة في قناة السويس وعبر الإسرائيليون القناة وبدؤوا في تطويق القوات المصرية وبدأ السادات يفكر في أنه يجازف بأن يخسر قواته المحاصرة في سيناء من الخلف، كان مهماً سياسياً أن تصل الأسلحة الأميركية. ولكن عسكرياً فقد خاضت إسرائيل المعركة بالكامل بالأسلحة التي كانت تملكها قبل اندلاع الحرب ولم تؤثر الأسلحة الأميركية في توازن القوى على أرض المعركة.

[تعليق صوتي]

حجم الدعم السوفياتي ومساعي وقف إطلاق النار

ويكشف تقرير مركز العمليات التابع للخارجية الأميركية والصادر بتاريخ السابع عشر من أكتوبر الحجم الحقيقي للدعم السوفيتي حيث يذكر.. تضمنت مجهودات الاتحاد السوفيتي حتى كتابة هذا التقرير من أجل إعادة تزويد الترسانات العربية القيام بأربعمائة رحلة جوية وما يزيد عن خمسة آلاف طن من معدات الحرب وهناك تقارير تفيد أيضاً بقيام السوفييت بعمليات إمداد عن طريق البحر وهناك إشارات إلى أن رئيس الوزراء السوفيتي كوسيجين قد يقوم بالسفر إلى القاهرة اليوم.

فاديم كيربيتشينكو: وعلي أن أذكر أنه على امتداد أيام الحرب كان ثمة جسر جوي.. يصعب علي الآن التذكر لكن ربما كانت هنالك طائرة تطير كل ساعتين لمد الجيشين السوري والمصري بالأسلحة السوفيتية.

إيريك رولو- مراسل صحفي بالمنطقة فترة الحرب: الصحيح إنه الدعاية المصرية أيامها لما كنت في مصر يعني لاحظتها كان تَدَّعي إن السوفييت لم يقدموا كثيراً من المساعدات إنما أميركا أدَّت مساعدات أكبر لإسرائيل وده السبب إنه انهزم الجيش المصري في أواخر الحرب.

[تعليق صوتي]

وفي مذكراته يعيد السادات إلى الأذهان تذمره من الدور السوفيتي، كما قال السادات كان من أهداف السوفييت إظهار فشل مصر بسبب طردها للخبراء السوفييت وبالتالي على مصر العودة إلى فلك الاتحاد السوفيتي وهذا أمر صرح به بريجنيف لبومدين الذي قام بزيارة سرية لموسكو يوم الخامس عشر من أكتوبر بهدف شراء أسلحة وعرض على بريجنيف مائتي مليون دولار لشراء أسلحة لسوريا ومصر وقال بومدين في اجتماع مجلس قيادة الثورة الجزائرية ما معناه إنه إذا كانت إسرائيل وأميركا تريدان هزيمة السادات مرة فالاتحاد السوفيتي يريد هزيمته أربعاً وعشرين مرة.

فاديم كيربيتشينكو: السادات منذ البداية كان يرى أنه لا يجب الذهاب بهذه الحرب إلى نقطة الانتصار، لم يكن مؤمناً قط أن الجيشين المصري والسوري مؤهلان لهزيمة إسرائيل.

[تعليق صوتي]

واعتمد سلاح الجو المصري أساساً على طائرات ميراج 17 الفرنسية وميغ روسية الصنع واستخدمت القوات المصرية طائرات تدريب صغيرة وظفتها لحمل الصواريخ وكانت مشاركة طائرات الميراج مصدرا لجدل ساخن بين إسرائيل وفرنسا من ناحية وبين فرنسا وليبيا من ناحية ثانية على خلفية توجيه ليبيا لطائرات فرنسية الصنع إلى عمليات حربية غير دفاعية وخارج ليبيا.

سيرغي بوادوفي- مدير مكتب ميشيل غوبير رئيس الوزراء الفرنسي وقت الحرب: أنا أذكر أن سؤال في هذا الشأن طُرِحَ أمام البرلمان والسيد غوبير أجاب بأنه ربما بعض الطائرات هبطت بشكل مؤقت إلا أنه لم يحدث لأياًّ من هذه الطائرات أن تمركزت هناك بشكل دائم.

[تعليق صوتي]

في الثالث عشر من أكتوبر أعلن متحدث عسكري رسمي في تل أبيب أن الطريق سالكة أمام القوات الإسرائيلية نحو دمشق وذلك بعد اختراق القوات الإسرائيلية للخطوط السورية وتوغلها بنحو عشرة كيلو مترات في الأراضي السورية على الطريق إلى دمشق ولم يعد يفصل الدبابات الإسرائيلية عنها سوى ثمانية وأربعين كيلو متراً وكانت تلك الدبابات تحمل لافتات مكتوب عليها.. الطريق إلى دمشق.. واختارت رئيسة الوزراء غولدا مائير هذه المرحلة لأول خروج إعلامي لها منذ بدء الحرب وأعلنت في مؤتمر صحفي عقدته في تل أبيب أنه ليس لديها شك في تحقيق الانتصار في نهاية المطاف وقالت إن وضعية القوات الإسرائيلية أفضل وليس لدينا أي سبب للقلق. ومن العجيب أن تختار منظمة التحرير الفلسطينية بدء اتصالاتها الأولى مع الأميركيين في هذا التوقيت وفي ظل هذه الأجواء الملتهبة حيث يكشف تقرير بيتر رودمان عضو مكتب مجلس الأمن القومي عن مضمون الرسالة التي بعث بها ياسر عرفات رئيس المنظمة إلى كيسنجر.

ريتشارد باركر: خلال سنوات طويلة كانت ذلك النوع من الاتصالات موجوداً على مستوى ضعيف ولم أطَّلع على أي شيء في خلال هذه الاتصالات ولا أدري كيف كانت ردة فعل واشنطن.

[تعليق صوتي]

وجاء في الوثيقة أن عرفات أبدى اهتمامه بإجراء محادثات مع الجانب الأميركي وبأنه أعرب عن اعتقاده بأن الجيشين المصري والسوري سيخسران الحرب لكنه يلاحظ بأنهم بذلوا الكثير من أجل الدخول في مفاوضات مع إسرائيل. طوال أيام الحرب كانت عبارة وقف إطلاق النار هي العبارة السحرية التي كانت كل الأطراف ترفعها لكن في أوقات مختلفة وشروط متعارضة وكان البحث عن نقطة التقاطع بين هذه المواعيد والشروط المتباينة أشبه بمحاولة للقبض على فرس جامح يُدعى وقف إطلاق النار. في هذه الظروف استخدمت لندن قنواتها السلسة مع القاهرة وكانت لندن قد توخت وبتنسيق مع فرنسا وحلفائها الأوروبيين نهج خطة للتهدئة مع تأكيد على التسوية الشاملة وانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة وزاد موقف لندن وباريس بحظر الأسلحة على الأطراف المتحاربة في شعور العواصم العربية بميل الأوروبيين للحياد.

سيرغي بوادوفي: لم تكن توجد لدينا أسباب للمشاركة عسكرياً في ذلك النزاع، بقينا خارج النزاع ولكن ذلك لا يمنع من أننا اتخذنا موقفا سياسياً للمساعدة على وضع حد للنزاع في اتجاه ينص على ضرورة الأخذ بعين الاعتبار مصالحة الدول العربية وخاصة مصالح الشعب الفلسطيني.

[تعليق صوتي]

في اليوم السابع من الحرب في الثالث عشر من أكتوبر أُوقظ الرئيس السادات فجراً بطلب من السفير البريطاني واستقبله في الغرفة المجاورة لغرفة نومه وسلمه رسالة من رئيس الوزراء إدوارد هيث وعبرها رسالة من كيسنجر للسادات يطلب فيها التأكد من موافقة السادات على وقف إطلاق النار وكان الرئيس السادات قد أبلغ الروس قراره بقبول وقف إطلاق النار ومن جهتهم أبلغ الروس كيسنجر بالأمر، لكن الأميركيين تحروا واتصلوا عبر القناة البريطانية لأن الرئيس السادات أبلغ عن طريق مبعوثه مستشار الأمن القومي حافظ إسماعيل في اجتماع (Rochefort) مع كيسنجر بأن السوفييت ليسو ناطقين باسم المصريين. ظل السادات متمسك بشروطه لوقف إطلاق النار لكن تحولات موازين القوى في المعركة كانت تحمل معها مزيدا من التشديد الأميركي على شروط الطرف الثاني وكان الأميركيون الذين أقاموا الجسر الجوي انطلاقاً من قواعد عسكرية في الولايات المتحدة وهولندا والبرتغال وألمانيا مطمئنين للتطورات في ساحات المعارك.

جون شليسنغر: الحقيقة أننا لم نحصل على دعم كبير من الفرنسيين عام 1973 وأخفقنا في إبلاغ بعض حلفائنا ومنهم الفرنسيين الذين لم تكن لدينا قوات على أراضيهم إذ أخرجوا قواتنا عام 1967 أخفقنا بإعلامهم بأماكن تواجد معظم قواتنا وقد أعلم د. كيسنجر اللورد كروما السفير البريطاني بذلك ولكننا وبسبب العجلة التي كنا فيها لم نبلغ الألمان.

سيرغي بوادوفي: كنا في فترة أدركت فيها فرنسا ربما بشكل متأخر ضرورة وضع حد للاستعمار وهو ما حصل لقد كنا نريد الإبقاء على شراكة مع دول خرجت من النفوذ الفرنسي والتي كان من المنتظر أن تتحرك على الساحة الدولية باستقلال تام.

[تعليق صوتي]

أما الموقف البريطاني فقد كانت تحركه دوافع متعددة وبعضها يتقاطع مع المخاوف والحوافز الأميركية كما تسجله محاضر اجتماعات الحكومة البريطانية يومي السادس عشر والثامن عشر من أكتوبر عام 1973 التي تُركز مداولات أعضائها مع أعضاء البرلمان في معظمها على النقاش مع البرلمان والمعارضة في ضوء القرار الخاص بوقف تصدير السلاح لأطراف النزاع باستثناء السعودية والذي أثار غضب لوبي الضغط اليهودي في البرلمان.

ديفد واتكين- عضو البرلمان البريطاني حزب المحافظين وقت الحرب: 15 منا صوتوا لصلاح الامتناع عن تزويد أي من الطرفين بالسلاح ومن جهة ثالثة، كان هناك حوالي خمسة وسبعين عضواً عمالياً امتنعوا عن التصويت وظلوا جالسين مقاعدهم وبما أنه كان يتعين على أولئك الذين قرروا التصويت الذهاب إما إلى لوبي الحكومة أو لوبي المعارضة وكان الجلوس على مقاعد الصالة البرلمانية وسيلة لإظهار الجالس امتعاضه إزاء سياسة حزبه وموقفه من ذلك الأمر.

[تعليق صوتي]

في اليوم نفسه الذي استخدم فيه كيسنجر قناة لندن لإقناع السادات بالشروط الأميركية لوقف إطلاق النار كان يتحدث إلى السفير السوفيتي في واشنطن عن رفض السادات فكرة القبول بوقف إطلاق النار، إذ يصف ديبروميم هذه الأحداث على النحو التالي.. قال لي كيسنجر إن الرئيس يرى في هذه الظروف أن الولايات المتحدة لن تقوم بأي إجراءات أو جهود أخرى عبر مجلس الأمن الدولي ولنترك الأحداث تتطور بشكلها الطبيعي وبناء على ذلك فإن الرئيس مضطر إلى إعادة النظر في الالتزام بالتحفظ المتعلق بالتوريدات العسكرية الأميركية إلى إسرائيل والتصرف تبعاً للحالة الفعلية ومعدلات التوريدات العسكرية السوفيتية إلى العرب.

"
السادات كان يرى أن لا ندع الإسرائيليين الذين يستخدمون أسلحة أميركية يُهزمون من المصريين والسوريين المجهزين بالأسلحة السوفياتية وكان هذا جوهر ما يعنيه سباق التسلح في هذه الحرب
"
        جون شليسنغر

جون شليسنغر: وجهة نظر الرئيس كانت أننا لا ندع الإسرائيليين الذين يستخدمون أسلحة أميركية يُهزمون من المصريين والسوريين المجهزين بالأسلحة السوفيتية وكان هذا جوهر ما يعنيه سباق التسلح في هذه الحرب.

[تعليق صوتي]

ويواصل ديبروميم.. هاتفني كيسنجر في ساعة متأخرة من مساء اليوم نفسه في الثالث عشر من أكتوبر عبر الخط السري وقال البيت الأبيض كما وفي السابق يؤيد وقف إطلاق النار عند المواقع الفعلية المستولى عليها، في هذا الوقت كانت القوات الإسرائيلية قد تمكنت من إزاحة العرب من بعض المواقع.

فيتسلاف موتوزوف- مستشار في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي ورئيس رابطة الصداقة العربية الروسية: حتى سيكون الدور الفعال للاتحاد السوفيتي في أي مفاوضات سياسية مع الأميركان حول الشرق الأوسط كانت الورقة العربية في يديه وكانت روسيا تبذل الجهود لتقوية الورقة في يدها في المفاوضات مع الأميركان.

[تعليق صوتي]

ويواصل كيسنجر قائلاً لديبروميم.. من الممكن وفي أقصى الحالات وضع إشارة إضافية في مشروع القرار تشير إلى الانسحاب التالي للقوات وفقاً للقرار مائتين اثنين وأربعين ولكننا لم نوافق على أي شيء آخر وتحديداً على الانسحاب حتى حدود عام 1967 حتى وإنْ أدى ذلك إلى الصِّدام مع العرب والاتحاد السوفيتي.

جون شليسنغر: لقد فهم السادات تماماً أنه ما أن يعبر الإسرائيليون القناة ويحاصرون الجيش الثالث فكل ما يمكن للسوفييت عمله هو الضغط دبلوماسياً على الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار.

[فاصل إعلاني]

فيكتور غوراليوف- موظف في سفارة الاتحاد السوفيتي في سوريا وقت الحرب: الاتحاد السوفيتي كان معنياً بوقف إطلاق النار آنذاك خاصة بعد أن أصبح واضحاً من أن نتيجة الحرب لا تجري لمصلحة العرب كما اتضح أن سوريا بشكل خاص أصبحت في وضع حرج، فبعد أسبوع من الحرب كان ضروريا العمل على وقف إطلاق النار إن كان لكل طرف رؤيته بهذا الشأن، لكن كان من الواجب إيجاد آلية محددة للخروج من هذه اللعبة الدموية كان علينا إنقاذ حلفائنا وهذا الأمر نفسه كان أحد هموم واشنطن لإنقاذ إسرائيل من تداعيات الحرب.

فيتسلاف موتوزوف: الاتحاد السوفيتي كان يحاول من البداية أن يعمل كل شيء ليوقفوا القتال لأنه أنا أكرر مرة أخرى أنه من الأساس التقييم الاستراتيجي للمعركة الجارية كانت أنه إذا استمرت المعركة أطول الخسائر للأطراف العربية ستكون أكثر ولذلك وقف القتال أسرع ما يمكن كان من أهداف السياسة الخارجية السوفيتية في الشرق الأوسط تلك الأيام.

[تعليق صوتي]

يصف فينو غرادوف السفير السوفيتي في القاهرة أجواء زيارة كوسيجين للقاهرة بقوله.. كانت زيارة كوسيجين تعتبر سرية ولكن لأجل دخول المطار الدولي الذي صار قاعدة للقوات الجوية الحربية وزعوا ترخيصاً كُتِبَ عليه لمناسبة زيارة رئيس الوزراء السوفيتي وعلى السيارة المخصصة له علقوا رايتين صغيرتين سوفيتية ومصرية.. وتبدو ملاحظة فينو غرادوف حول الطابع السري لزيارة كوسيجين غير دقيقة وتظهر مؤشرات أخرى أن الزيارة رغم طابعها السري بالنسبة إلى موسكو فإنها كانت معروفة لدى أوساط عديدة، ففي واشنطن لم يكن البيت الأبيض على علم وحسب بالزيارة بل كان يلعب دوراً مهما في أجندتها.

فيكتور غوراليوف: لم يكن كوسيجين قد أثر فيه أو ضغط عليه بل كان السادات هو الذي يقوم بحملة ضغط مطالباً السوفييت بتقديم الأسلحة له.. أعطوني أسلحة بدل أن تتحدثوا عن وقف إطلاق النار.. كوسيجين على العكس كان يصر على ضرورة وقف إطلاق النار لأنه لم يكن يمتلك فقط وقائع شفهية لينقلها للسادات بل جاء إليه بصورة من الأقمار الصناعية التقطت بدقة وضعية الجبهة وأراه عبر هذه الوثائق.. أن اختراق الإسرائيليين غربي القناة يشكل خطراً جدياً على مصر.

[تعليق صوتي]

وينقل فينو غرادوف محتوى المحادثات مع السادات حول وقف إطلاق النار. وبعد بحث طويل ومسهب لموقف مصر السياسي قال السادات إنه قد يوافق على وقف إطلاق النار إذا وافقت إسرائيل بدورها على تنفيذ القرار مائتين اثنين وأربعين. وطلب السادات أثناء انسحاب القوات الإسرائيلية على سبيل الضمانة بوضع قوات سوفييتية وأميركية للفصل بين القوات الإسرائيلية والمصرية ودعا أيضاً إلى عقد مؤتمر دولي للتسوية في الشرق الأوسط.

جون شليسنغر: رغم أنه يمكن للاتحاد السوفيتي أن يكون مفيداً سياسياً إلا أنه لا يملك تأثيراً على الإسرائيليين وقد كان يشحن الأسلحة إلى أعدائهم ولم يكن الإسرائيليون ليفعلوا شيئاً لإرضاء السوفييت لهذا الأميركيون فقط كان بإمكانهم التأثير على الإسرائيليين وإقناعهم بوقف إطلاق النار.

[تعليق صوتي]

ونجد في روايتي السادات البحث عن الذات وهيكل في كتابه أكتوبر 1973 السلاح والسياسة أن أجواء اللقاء بين السادات وكوسيجين كانت سيئة وأن كوسيجين بدأ لقاءه مع السادات بأسلوب هجومي وطلب وقف إطلاق النار على الخطوط الحالية بضمانة سوفيتية ورد عليه السادات بأن إسرائيل لا ضامن لها وأن السادات تذمر من عدم وصول الدبابات السوفييتية.

فاديم كيربيتشينكو: لم يكن هناك حوار مفتوح مع السادات وبعد العلاقة الحارة الطيبة مع عبد الناصر لم يستطع كوسيجين التصالح مع السادات المتكلف والمزيف وهذا ما لم يُخفه كوسيجين في أحاديثه مع موظفي السفارة السوفيتية عندما قال.. إن السادات لم يجب مباشرة عن أي سؤال طرحته عليه.

ويليام كوانت: أعتقد أن كيسنجر قد فهم أن هذا الوضع سيجعل الإسرائيليون يفكرون جديا في الحل السلمي كما أدرك كيسنجر أن السادات على استعداد للتحدث معه وهنا قال كيسنجر إننا لم نصل قط إلى هذا الوضع وأنه على الإسرائيليين الانتباه لأنهم لا يستطيعون معالجة الأمور كلها بطريقتهم وبمفردهم فهم يحتاجون إلينا.



خلافات الأسد والسادات والقرارين 242 و 338

[تعليق صوتي]

والمثير أن السادات أعلن للسوفييت قبوله بوقف إطلاق النار من دون العودة إلى شريكه في الحرب الرئيس الأسد للتشاور معه.

فيتسلاف موتوزوف: دور موسكو ذلك الحين كانت في تقارب المواقف العربية أن تكون موحدة سياسياً لأن أي موقف عسكري على حقل القتال هو أساساً لمتابعة المفاوضات السياسية.

ريتشارد باركر: المشكلة الكبيرة في التفاهم بين دمشق والقاهرة وأعتقد أن لها علاقة بشخصيتي كل من الأسد والسادات.

جون شليسنغر: مع احترامي لأية خلافات بين الأسد والسادات فقد أدركنا أنه سيقع لا محالة كما هو الحال بين كل دولتين في العالم العربي وخارجه.

[تعليق صوتي]

وأخبر السادات الأسد في وقت لاحق وتحديداً في الساعة الواحدة صباحاً الفاصلة بين يومي التاسع عشر والعشرين من أكتوبر عندما كان في غرفة القيادة وبعث ببرقية إلى الرئيس الأسد يخبره فيها بموافقته على وقف إطلاق النار. وقال له إنه لا يخشى مواجهة إسرائيل ولكنه يرفض مواجهة أميركا ولا يسمح بتدمير القوات المصرية.

ريتشارد باركر: قال له السوريون لقد توقعنا منك أن تصل إلى المعابر وتواصل القتال إنك تخوننا بالتوقف عن قتال الإسرائيليين إننا متورطون معهم في معركة كبيرة.

"
السادات باع الأسد بوقفه للهجوم مما سمح للإسرائيليين بتوجيه ضربات سريعة لسوريا أولاً ثم توجيه ضربات أخرى إلى مصر
"
     فاديم كيربيتشينكو

فاديم كيربيتشينكو: المؤرخون والسياسيون بخاصة في الشرق الأوسط يتفقون على أن السادات باع الأسد بوقفه للهجوم مما سمح للإسرائيليين بتوجيه ضربات سريعة لسوريا أولاً ثم التوجه بضربات أخرى إلى مصر.

ويليام كوانت: في نهاية زيارة كوسيجين للسادات قَبِلَ هذا الأخير بوقف إطلاق النار وقد أبلغتنا روسيا بذلك وكان علينا أن نناقش سريعاً شروط وقف إطلاق النار وهنا بدأ كيسنجر يقول إن إسرائيل غير مستعدة وتحتاج بعضة أيام أخرى وبأنه سيذهب إلى موسكو لإرجاء الأمور قليلاً.

[تعليق صوتي]

وفي موسكو توصل كيسنجر إلى اتفاق مع بريجنيف حول صياغة مشروع قرار عُرِضَ على مجلس الأمن الدولي مساء يوم الثاني والعشرين من أكتوبر وحمل القرار رقم ثلاثمائة وثمانية وثلاثون وتقرر أن يدخل حيز التنفيذ بعد اثنتي عشرة ساعة ويقضى بوقف القتال حيثما يوجد الجيوش وهو وضع يمنح إسرائيل مواقع متقدمة على الجبهتين يُمَكِّنُها من التفاوض من موقع قوي.

ريتشارد باركر: أعتقد أن زيارة نيكسون إلى موسكو أقنعتهم بأن لنا نفس الموقف تقريباً وهو وقف القتال.

[تعليق صوتي]

قَبِلَت مصر وإسرائيل هذه الصيغة لقرار وقف إطلاق النار بينما ظلت سوريا على موقفها الرافض ولم تعلن قبولها إلا بعد يومين من صدور قرار مجلس الأمن الدولي بعد أن جاءتها إشارات متتالية من جُلِّ العواصم العربية تُسَلِّم بحتمية القبول بالقرار.

فاديم كيربيتشينكو: هذا كان من حق سوريا أقصد رفض الهدنة وكان من حقنا فقط أن نخطر السوريين بعواقب الحرب وبأننا لسنا في وضع يسمح لنا بمساعدتهم إلى الحد الذي يرونه وأن استكمال الحرب بِلا أي معنى وأنه من الضروري التأمل في الخطوات القادمة والذهاب إلى تطبيق قرار مجلس الأمن.

[تعليق صوتي]

ويرصد تقرير مركز العمليات في وزارة الخارجية الأميركية عن الموقف العسكري على الجبهات ظروف صدور قرار وقف إطلاق النار حيث يقرر.. ذكرت التقارير الصحفية أن البيت الأبيض أعلن الليلة أن الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي اتفقا على توجه مشترك من أجل إحلال السلام في الشرق الأوسط وطلبا عقد اجتماع لمجلس الأمن في الأمم المتحدة في وقت لاحق من مساء اليوم.

جون شليسنغر: هزيمة القوى العربية وخاصة مصر كانت ستعد إهانة للعالم العربي وإعاقة للمفاوضات الجدية ولذا فقد عمل على أن تخرج إسرائيل متفوقة مع قليل من الخسائر مما سيضع أساساً لمفاوضات السلام.

سيرغي بوادوفي: مفاوضات السلام بعد ذلك تأخذ بعين الاعتبار الوضع العسكري في الميدان. وفي مثل هذا الوضع لم يكن لفرنسا أن تفعل الكثير بل إن الولايات المتحدة هي التي تدخلت لمساندة إسرائيل وتلك كانت سياستها.

ويليام كوانت: كان يريد أن يظهر الإسرائيليون على أنهم على وشك كسب الحرب ولكن الأميركيين منعوهم من تدمير المصريين وهكذا يكون كيسنجر قد كسب ثقة المصريين لأنه أنقذهم.

[تعليق صوتي]

ويواصل تقرير الخارجية الأميركية عرض الموقف، قال متحدث مصري في أول تقرير يتم تقديمه عن التطورات العسكرية منذ بدء القتال قبل ستة عشر يوما إن الجسر الإسرائيلي امتد بالكاد ستة كيلومترات داخل الأراضي المصرية وإنه تم تقطيعه إلى جيبين في الوقت الذي يتعرض لهجوم من آلاف الجنود المصريين. ويُقَيِّم تقرير الخارجية الأميركية الوضع على الجبهة السورية ليقرر.. كان هناك قتال محدود في سوريا ولكن على الرغم من ذلك أفاد تقرير من مصدر حساس أن السوريين يأملون في شن هجوم خلال الثماني وأربعين ساعة القادمة من أجل استعادة الخطوط التي كانت قائمة يوم السادس من أكتوبر عام 1973 كما تُخطط الأردن لنقل فرقة ثانية إلى سوريا يوم الثاني والعشرين من أكتوبر.. ولا يُغْفِل تقرير الخارجية الأميركية رصد الجهود المستمرة لبعض القادة العرب وعلى رأسهم الرئيس الجزائري هواري بومدين من أجل مواصلة دعم المجهود الحربي لكل من مصر وسوريا عارضاً لتلك الجهود.. اتصل بومدين اليوم بكل الدول الغربية والأوروبية لمطالبتها بعدم شحن الأسلحة أو إرسال المتطوعين إلى إسرائيل من خلال أراضيهم. ويواصل تقرير الخارجية الأميركية رصد جهود الدول العربية لمساندة الشقيقتين مصر وسوريا في الحرب كاشفاً.. أفاد تقريراً للمخابرات أنه بسبب المساندة الأميركية لإسرائيل فإن عرفات قد يعيد التفكير في قراره الذي اتخذه في بداية الحرب بأن لا يقوم بدعم عمليات الفدائيين الإرهابيين ضد الولايات المتحدة ولقد أخبر إيبان السفير كيتينغ يوم الحادي والعشرين من أكتوبر أن حكومة إسرائيل لا يوجد لديها نية لفتح جبهة على الأراضي الأردنية. وفيما يتعلق بهجمات الصواريخ المتواصلة من لبنان قال إيبان إن اللبنانيين كانوا محظوظين حتى الآن ولكن يجب عليهم ألا يبالغوا في ذلك. ولكن ما الذي دار في تلك الزيارة الخاطفة التي قام بها كيسنجر إلى تل أبيب أثناء اشتعال الحرب وفي طريق عودته من موسكو حيث كان يرمى بكل أوراقه في كل الاتجاهات لإيقاف الحرب؟ نستخرج من الأرشيف الأميركي محضر هذا الاجتماع بين كيسنجر ومائير بتاريخ الثاني والعشرين من أكتوبر في منزل الضيافة في هرتزيليا بالقرب من تل أبيب والذي تصفه مائير بأنه للضيوف المميزين وملجؤها في لحظات الطوارئ. يذكر محضر الاجتماع أن رئيسة الوزراء والدكتور كيسنجر اجتمعا بمفردهما مدة خمسة عشرة دقيقة بعد وصوله ثم تمت دعوة مدير مكتبها السيد غازيت ومسؤول مجلس الأمن القومي السيد رودمان لكتابة الملاحظات وربما كانت تلك الدقائق هي الحاسمة في الاتفاق على القرار ولكن للأسف لن يتمكن الأرشيف من رصد ما دار فيها.

جدعون روز- مدير تحرير مجلة الشؤون الدولية: علاقة كيسنجر بغولدا مائير كانت الخط الواضح والأعم لكن أحداً من الجانب الأميركي لم يكن على علم به وكيف لعب ذلك دوراً في التقسيمات في الجانب الإسرائيلي أيضاً.

[تعليق صوتي]

يبدأ كيسنجر بمحاولة شرح للموقف المتعلق بالقرار مائتين اثنين وأربعين مع التشديد على سرية حوارهما ليحكي لها ما دار خلال رحلته إلى موسكو. أحد الوسائل التي استخدمناها لتجنب اتفاق كانت بالإشارة إلى القرار مائتين اثنين وأربعين ونجحنا في ذلك وبالنسبة إلى الرئيس فإن التمكن من الإشارة إلى مائتين اثنين وأربعين يمثل نجاحاً. ولابد لكِ أن تتذكري أن الحرب لا يتم النظر إليها بالطريقة نفسها في الولايات المتحدة، ثانياً لقد كان وهو يتحدث عن نيكسون تحت ضغط كبير من العرب ومن شركات النفط من أجل الموافقة على العودة إلى حدود 1967 وعلى مدى أسبوعين تمكنتُ من منعه من القيام بذلك من خلال الإشارة ببساطة إلى مائتين اثنين وأربعين ولذا فإن رفض الإشارة إلى مائتين اثنين وأربعين في مثل هذه الظروف كان مستحيلاً تماماً.

فيتسلاف موتوزوف: قرار مائتين اثنين وأربعين كان أساسي لكل المفاوضات السياسية ذلك الحين لأن أميركا ما كانت وإسرائيل قبل كل شيء ما كانت موافقة على قرار مائتين اثنين وأربعين لماذا؟ لأنه بالمفهوم العربي والسوفيتي مائتين اثنين وأربعين كان يعني الدولة الفلسطينية في حدود 1967 كان هذا تفسير إسرائيل ما كانت تقبل هذا التفسير وإذا كانت تقبل قرار مائتين اثنين وأربعين مفهوم لهذا القرار كان غير مفهوم سوفيتياً وعربياً.

[تعليق صوتي]

وبعد مداولة مطولة حول صيغة القرار ثلاثمائة وثمانية وثلاثون ومفهوم كيسنجر للقرار مائتين اثنين وأربعين قالت مائير لكيسنجر.. أنا بحاجة إلى تأكيداتك أنا أثق بك ولكن أحد الأمور التي لا نستطيع التعايش معها قضية أسرى الحرب كما أن ماليك وهو السفير السوفيتي لدى الأمم المتحدة استخدم كلمات التطبيق العملي للقرار مائتين اثنين وأربعين.. ويرد كيسنجر شارحاً.. دعيني أخبرك كيف حدث ذلك لقد قالوا أنه لا توجد كلمة التنفيذ باللغة الروسية ولذا قلنا إنه إذا كانت الكلمة الإنجليزية هي التنفيذ فبإمكانكم استخدام كلمة التطبيق العملي بالروسية.

فاديم كيربيتشينكو: كيسنجر بالطبع هو دبلوماسي مراوغ لا يمكن القول إنه يحافظ على كلمته ووعوده، الولايات المتحدة لم ترفض قط القرار مائتين اثنين وأربعين أما أن كيسنجر بعدم تطبيقه في جلسات خاصة فهذا ممكن لكن لم يكن بمقدوره الإعلان عن هذا.

جون شليسنغر: لم يكن الإسرائيليون سعداء باتفاقنا مع السوفييت على تطبيق وقف إطلاق النار لدرجة أنهم كانوا مستعدين لقبول وقف إطلاق النار ولكنهم أرادوا تأخيره ليتمكنوا من تدمير الجيش الثالث قبل تطبيقه.

ريتشارد باركر: كان القرار ثلاثمائة وثمانية وثلاثون يطالب بالمفاوضات ولم يكن بالقضية الحساسة ولكن غموض مائتين اثنين وأربعين فيما يخص مسألة الأراضي كان مشكلة حقيقية وعلى سبيل المثال فقد أخبرنا الأردنيين بأننا لا نستطيع تصور حدوداً للأردن مع الضفة الغربية لهذا كان لابد من وجود تسوية حولها تشمل سوريا أيضاً ولكنهم كانوا يفترضون أنهم سيستعيدون الضفة الغربية التي لم يتمكنوا من استعادة شبر واحد منها.

[تعليق صوتي]

وفي لحظة حاسمة من تعمق النقاش بين كيسنجر ومائير وتبادل عبارات الوفاء استدرك كيسنجر قائلاً لمائير.. هل وصلتكِ الرسالة التي تقول إنه إذا كنتم بحاجة إلى مزيد من الساعات القليلة، هل وصلتكِ؟

عمنون ريشيف: ما تم في حينه كان تحسين وضع لكن يجب أن نذكر أن ما قام به كيسنجر كان له وجهين من ناحية قام ببعض التخفيفات أو غض الطرف عن الأعمال الإسرائيلية ولكن من الناحية الأخرى منع إسرائيل من مهاجمة الجيش الثالث المصري وإبادته كل ما حصل في ذلك الوقت هو تحسين أوضاع مواقف القوات في نقاط معينة ولكن ليس تغييراً جذرياً لنتائج الحرب في أرض المعركة.

[تعليق صوتي]

كانت تلك الرسالة هي التي أرسلها من موسكو عبر قنوات الاتصال الخاصة بالخارجية الأميركية التي لا تتوفر فيها مواصفات الأمان الخاص بالرئاسة والمخابرات وبالتالي لا يمكن رصدها وجاءت الرسالة كالتالي.. من وزير الخارجية يتم توصيلها على الفور إلى الجنرال كوكروفت في البيت الأبيض أرجو الاتصال بشكل عاجل بدينتس وإبلاغه بأسفي الشديد بسبب تعطل الاتصالات مدة أربع ساعات وهو ما أدى إلى تأخير وصول الرسالة الموجهة إلى الإسرائيليين والخاصة بمبادرة وقف إطلاق النار وفي ظل هذه الظروف فإننا سوف نبدي تفهماً لو شعروا أنهم قد يكونون بحاجة إلى المزيد من الوقت من أجل ترتيب المواقع العسكرية وذلك قبل البدء في تنفيذ القرار الخاص بوقف إطلاق النار ومازلنا نريد أن نهدف إلى التمسك بالفترة الزمنية البالغة اثنتي عشر ساعة والتي تفصل بين تمرير القرار والبدء في تنفيذه ولكننا سوف نقبل لو استغرقت إسرائيل المزيد من القليل من الوقت للأسباب التي أشرت إليها أعلاه وهذا الاتصال ولأسباب واضحة يتطلب التعامل معه بسرية تامة.

جون شليسنغر: لم يرغب كيسنجر في إطالة أمد الحرب ومن الممكن أن يكون قد تساهل تجاه بعض المخالفات الإسرائيلية التي وقعت أثناء وقف إطلاق النار الذي تم التوقيع عليه في الثاني والعشرين من أكتوبر.

ريتشارد باركر: من المؤكد أن كيسنجر تمتع بحيز من الاستقلالية وكان يتصرف حسب رأيه دون استشارة نيكسون.

[تعليق صوتي]

وفي مذكراته يعرض دوبرنين لرصد السوفيت لهذا الاجتماع ومخاوفهم مما دار فيه لقد كان بريجنيف يشك في ذلك الوقت في وجود صفقة خلال اجتماع تل أبيب لا سيما أن صدور قراري مجلس الأمن رقمي ثلاثمائة وثمانية وثلاثون وثلاثمائة وتسعة وثلاثون لم يمنعا إسرائيل من مواصلة القتال حتى صدر القرار ثلاثمائة وأربعون الداعي لتنفيذ وقف إطلاق النار واحترامه.

جون شليسنغر: لا أعتقد بوجود صفقة وكما أشرت آنفا فقد فرضنا وقف إطلاق النار على الإسرائيليين رغم عدم ترحيبهم به في ذلك الوقت وكنا ظاهرياً مترويين ولكن مصرين على أن يطبق الإسرائيليون وقف إطلاق النار بدءاً من الثاني والعشرين من أكتوبر ووقف هجماتهم على الجيش الثالث بدءاً من الرابع والعشرين قبل أن يتم القضاء عليه.

فاديم كيربيتشينكو: لم نثق مطلقاً بدرجة كبيرة بما كان يقول أو يعد به كيسنجر وكنا ندرك أنه خادم أمين للمصالح الأميركية ثم الإسرائيلية لذلك كنا نسعى للتحقق مما يقول عبر مصادرنا الأخرى يبعث كيسنجر فينا أي شكل من الثقة أبداً.

ديفد واتكين: طبعاً كان كيسنجر رجلاً خبيثاً وأعتقد أن ثمة شخص ظل يحاول تقديمه للمحاكمة باعتباره مجرم حرب.

ويليام كوانت: كيسنجر كان هناك فقال لهم انظروا إذا كنا قد توصلنا إلى الاتفاق مع الاتحاد السوفيتي فلابد من أخذ هذا الأمر بجدية أكبر من أي شيء آخر في الشرق الأوسط ولكن إذا كنتم تريدون بعض الوقت فأنا عائد إلى واشنطن لا تنفذوا القرار فورا ولكن لابد من تنفيذه قريباً.

جدعون روز: فيما أن قضايا العدل والشرعية قضايا هامة وتلعب دوراً هاماً في رؤية الأشخاص للأمور وما يحدث حقاً فإن القوة أيضاً لها اعتبارات ودور كبير.

[تعليق صوتي]

كيف تفاعلت أطراف الأزمة التي باتت تشعر بأن صفقة ما تجرى وراء الكواليس في تل أبيب؟ ماذا بقى بيد أطراف المعادلة من أوراق تلعبها في مواجهة لعبة كيسنجر؟ ما الذي دار في اللحظات الأخيرة للحرب لترتيب طاولة المفاوضات الطويلة والتي لم تنتهي؟ نواصل الكشف عن وثائق أرشيفهم حول تلك اللحظات الحاسمة في تاريخنا.