- أدوار أصحاب المصالح قبيل حرب أكتوبر
- استبعاد شن السادات للحرب

- حقيقة علم السوفيات بالحرب وتضليل أميركا

- الخداع المصري السوري لإخفاء موعد الهجوم


باتريك سيل- من كتاب الأسد: راح العالم الخارجي يسخر من السادات لتكرار وعوده بعام الحسم في صراعه مع إسرائيل وهو صراع كان مضطرا لتأجيله بانتظام، علَّق الأسد فيما بعد على ذلك بقوله لقد كان من الجيد أن أحدا لم يصدقه.

[تعليق صوتي]

أدوار أصحاب المصالح قبيل حرب أكتوبر

كانت تلك هي حال الأمة العربية طيلة ست سنوات ثقيلة مرت في انتظار اليوم الذي تعود فيه الكرامة المفقودة والأرض السليبة حيث كانت العمليات العسكرية التي أطلق عليها حرب الاستنزاف لا تروي ظمأ التواقين إلى يوم نصر حقيقي بعد الهزائم المتكررة وبدورها لم تكن الخطط الأميركية للتسوية لا ترضي طموح الشعوب أو القادة العرب، حتى الحليف السوفيتي لم يكن سجله ناصعا في دعمه للقضية العربية التي أقلقت العالم كله وهنا نواصل البحث عن الأدوار المختلفة للأطراف ذات المصالح في المنطقة العربية وكيف دارت الألعاب السياسية في الأيام الأخيرة قبل حرب تشرين الأول/أكتوبر من عام 1973، كان الخطاب المعلن يتراوح بين الصلف الإسرائيلي والإصرار العربي والتسويف الأميركي والتذبذب السوفيتي والانقسام العالمي حول الحقوق العربية في الأرض والحقوق الإسرائيلية في الأمن وهو ما اتفقت عليه الأطراف كلها وتوحدت أهدافهم لمنع قيام الحرب من جديد في تلك البؤرة الأكثر سخونة واشتعالا في العالم. وهنا نحاول من خلال قراءة متعمقة في الوثائق المُفرج عنها حديثا في الأرشيف الغربي والسوفيتي أن نكشف التفاصيل الدقيقة التي تشرح محاولات التسوية التي تراوحت بين الجهود السابقة والمؤامرات الفادحة بحسب أهداف وتحالفات كل طرف ومصالحه التي هي كالعادة عصب السياسة وقلبها النابض.

يكشف أرشيف الأمن القومي الأميركي عن المذكرة التي تعرض لاجتماع كيسنغر والسفير الإسرائيلي في واشنطن المنعقد في مكتب المساعد العسكري في البيت الأبيض يوم الاثنين في العاشر من سبتمبر عام 1973 تحدث كيسنغر عن أهمية إطلاق مبادرة لتسوية مؤقتة بين العرب وإسرائيل واستراتيجية التفاوض وكيفية التأثير على الرأي العام الأميركي قائلا المشكلة هي أن الجمهور الأميركي لا يفهم أن حقيقة ما يعرضه العرب كشرط مسبق للمفاوضات أن يكون هناك تخل من جانبكم عن جميع الأراضي في مقابل إنهاء حالة العداء وهو الأمر الذي لا يمكن تمييزه عن حالة وقف إطلاق النار القائمة حاليا وهم يعتقدون أن الأمر إنما هو تصلب إسرائيلي وأغلب الناس لا يفهمون ولذلك فإن مبادرة إسرائيلية يمكن أن يكون لها على الأقل ميزة تجسيد ما يطالب به العرب وليس لدي مقترح محدد ولكنني قد أرهقت لو دوك تو وهو يقصد المفوض الفيتنامي.. في العام الماضي بإعطائه في تلاحق سريع خمس مقترحات مختلفة كانت كلها تبدو مناسبة ولكن لم يكن أيها يتضمن تخليا عن موقف أساسي إننا لن نطيح بثيو وهو الزعيم الفيتنامي المؤيد للأميركيين وفي حالة ما إذا كانت المفاوضات قد أخفقت فقد كان في استطاعتنا أن نُظهر أنه رفض ليس موقفنا الأقصى وإنما جميع المقترحات الخمسة.

فيتسلاف موتوزوف– مستشار في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي ورئيس رابطة الصداقة العربية الروسية: أمام كيسنغر هناك كانت المهمة الرئيسية هي أن ينزلوا الضغط الدول العربية على أميركا كيف وكانت مواجهة الاتجاه الأول ضغط على مصر كالدولة الرئيسية في معركتها مع إسرائيل ضغط على سوريا ضغط على الأردن ضغط على السعودية كصاحبة القرار البترولي.

جدعون روز– مدير تحرير مجلة الشؤون الدولية بأميركا: هذا هو التناقض في شخصية كيسنغر فهو أكبر متلاعب في هذا العصر وقد تم كل ذلك بحثاً عن السلام، السلام في فيتنام السلام بين أميركا والاتحاد السوفيتي، السلام بين العرب وإسرائيل، شيء غريب للغاية لأنك تظن أن السياسة التي هدفها السلام لابد وأن تكون سياسة جيدة وسليمة سياسة واضحة وصادقة وأن كيسنغر يجب أن يكون شخص صادق شريف وواضح ولذلك فقد حاول استخدام نماذج ازدواجية للوصول إلى حلول معتدلة.

[تعليق صوتي]

وفي لقائه مع السفير الإسرائيلي يقسِّم كيسنغر أطراف الصراع إلى فريقين، نحن مسؤولون أميركيون مؤيدون لإسرائيل.. إسرائيل، اليهود، هم العرب، شركات النفط، المؤيدون للعرب.

"
هناك أناس في مناصب رفيعة المستوى في أميركا يعرفون منطقة الشرق الأوسط ولكن لا أحد يصغي لآرائهم بسبب قوة اللوبي الصهيوني ونفوذه
"
 ديفد واتكين

ديفد واتكين– عضو البرلمان البريطاني من حزب المحافظين وقت الحرب ببريطانيا: أنه لا يوجد في الولايات المتحدة من لا يعارض اللوبي الصهيوني فثمة أناس شجعان في تلك البلاد كانوا ومازالوا يعارضون هذا اللوبي ويتصدون له وهناك أيضا أناس في مناصب رفيعة المستوى في أميركا يعرفون منطقة الشرق الأوسط ولكن لا أحد يصغي لآرائهم بسبب قوة اللوبي الصهيوني ونفوذه بالطبع.

[تعليق صوتي]

وبالإضافة إلى ضغوط اللوبي الصهيوني المعروفة وتدعيما لها كان حكم الرئيس ريتشارد نيكسون يكاد يتهاوى تحت تأثير فضيحة ووتر جيت وتنشر الأهرام المصرية نبأ استقالة أحد مستشاري نيكسون احتجاجا على هذه الفضيحة.

إيفي شلايم– متخصص في الصراع العربي الإسرائيلي وأستاذ في جامعة أوكسفورد ببريطانيا: هنري كيسنغر وريتشارد نيكسون كانا من رجال الحرب الباردة وكان همهما الصراعات الكونية مع الاتحاد السوفيتي. ولم تكن تفاصيل المنطقة بذاتها مهمة بالنسبة لهما ولم يكنا مهتمين وبخاصة بالصراع العربي الإسرائيلي وتفاصيله، المهم لهما كان توازن القوى بين القوتين العظمتين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة.

[تعليق صوتي]

يواصل كيسنغر طرح أفكاره حول الصراع قائلا للسفير الإسرائيلي أما اهتمامي الاستراتيجي الثاني فهو أن نجد طريقة لإحداث الانقسام بين العرب وكذلك تفتيت الضغوط القائمة في هذا البلد ويعني هنا الولايات المتحدة فليس في إمكاننا أن يكون لدينا كل هذه الضغوط مجتمعة، شركات النفط والمؤيدون للعرب ضد اليهود وفي استطاعتنا أن نحاول إقصاء السعوديين, منذ ثلاثة أعوام جاء قادة شركات النفط إلى هنا كانت القضية عندئذ هي فعل شيء ما إزاء مدينة القدس لقد أرادوها أن تكون مدينة محايدة وأنا أعلم أن هذا ليس مقبولا من جانبكم ولكنني أتساءل لماذا لا يمكن أن تكون هناك صيغة ما لنوع من تجاوز قضية السيادة على الأرض إضافة إلى توفير نوع ما من الطريق للوصول إلى المدينة.

إيريك رولو- مراسل صحفي بالمنطقة فترة الحرب: الأميركان طبعا دائما كان سياستهم أنه تعزل يعزلوا البلاد العربية اللي في ساحة المواجهة مع إسرائيل من بقية البلاد العربية هذه سياسة يعني دائمة حتى اليوم وطبعا السعودية كانت أيامها ولسه مازالت إلى اليوم حليفة مهمة بالنسبة لأميركا، كانت تريد أن الملك فيصل لا يشترك من بعيد أو من قريب في هذه الحرب.

فيتسلاف موتوزوف: هنري كيسنغر يلعب دور في هذا الإطار دورا كبيرا وسياسته خطوة بخطوة كانت يهدئ الأمور على جانبه العربي حتى لا يسمحوا غضب يتجاوز الحدود المسموح لأميركا.

[تعليق صوتي]

تفاصيل الحوار المدون في وثيقة البيت الأبيض تكشف أبعاد مخطط كيسنغر للمنطقة قبل شهر واحد من الحرب حيث يرد على سؤال دينيس حول إمكانية تحويل العرب عن موقفهم المطالب بالالتزام بالانسحاب الشامل كشرط مسبق لإجراء مفاوضات بقوله إن استراتيجيتي هي أن أُرهق العرب ولقد كنا نفعل ذلك ولكن في كل مرة كان واحد ما من جماعتنا ينسحب بعيدا ولكن هل في إمكاني أنا أن أفعلها، الأمر الغريب أن المصريين لم يلجؤوا إلى تسريب فحوى مفاوضاتي مع إسماعيل هذا يظهر أنهم لم يتخلوا بعد عن العمل من خلال توجهي.

ويليام كوانت- عضو مجلس الأمن الأسبق فترة الحرب: كيسنغر لم يكن مقتنعا حينها بأن السادات هو الشخص الذي يجب أن يؤخذ على محمل الجد لذلك من وجهة نظره لم يجد لهذا اللقاء أي هدف محدد.

إيفي شلايم: أميركا كانت تعارض تسوية بالتفاوض لأن حالة الجمود لا تضر بإسرائيل ولا بالولايات المتحدة ولهذا لم تكن إسرائيل مستعدة لأي تنازل من أجل تحقيق السلام، على سبيل المثال لم تكن مستعدة للتخلي عن الضفة الغربية أو سيناء أو مرتفعات الجولان.

[تعليق صوتي]

وحين يقاطع دينيس كيسنغر بالحديث عن اعتقاد العرب بأن النفط يمكن أن يحقق لهم ذلك يرد كيسنغر إذا كان في إمكاننا أن نتصور طريقة ما لإقصاء السعوديين بعيدا أن الأردن قد أقصى بالفعل والسوريين لن يفعلوا ذلك ولكن مصر راغبة بالفعل في تحقيق سلام منفصل.

إيريك رولو: من زمان إحنا كنا نعلم أنه خاصة بعد 1967 بعد حرب 1967 أن الملك حسين كان يتمنى أن يقوم بسلام منفرد مع إسرائيل قبل السادات ولكن وأنا كنت يعني عندي معلومات دقيقة عن هذا الموضوع كل مرة كان يعرض الإسرائيليين أن تقوم مفاوضات مباشرة كان الإسرائيليين يفرضوا شروط لا يمكن أن يقبلها، مثلا قصة القدس أنه لم يكونوا عايزين يرجعوا له ولو متر مربع من القدس فطبعا الملك حسين تراجع.

فيكتور غوراليوف- موظف في سفارة الاتحاد السوفييتي في سوريا وقت الحرب: تفهمون أنه من المهم كما كان معروفا وحدة العالم العربي ضد أعدائه وبما في ذلك القوى الإمبريالية، العرب لم يكونوا صفا واحدا في هذا الاتجاه.

جدعون روز: الشيء الهام في شخصية كيسنغر هو أنه كان يحب السيطرة على مقاليد الأمور الدولية والداخلية أيضا داخل الإدارات والبيت الأبيض فالشيء الذي تظهره الوثائق ويعلمه كل تلاميذه في الدبلوماسية والذي يجده هو محرجا هو أنه كان دائم المناورة فكان هو من يتخذ القرارات في النهاية وكان يملك كل الخيوط في يده ويقوم بتحريك الجميع كالدمى كان يرى نفسه البطل الوحيد للأحداث وكان يتحكم في الموقف ككل داخليا وخارجيا.



[تعليق صوتي]

استبعاد شن السادات للحرب

وكانت الجبهتان المصرية والسورية خلال ربيع عام 1973 قد شهدتا تحركات للقوات العسكرية أثارت شكوك العواصم الغربية وإسرائيل حول احتمال قيام الحرب لكنها استسلمت في نهاية المطاف لتقديراتها التي تستبعد شن السادات للحرب على الأقل في المدى القصير.

جون شليسنغر- وزير الدفاع الأميركي وقت الحرب: السبب في ذلك أن المسؤول عن التقييم الإجمالي للمعلومات الاستخباراتية كان مقربا من الإسرائيليين وطلب رأيهم بتلك المعلومات فما كان منهم إلا أن استبعدوا نهائيا احتمال شن الحرب.

[تعليق صوتي]

كان الجنرال أحمد إسماعيل وزير الحربية المعيَّن في بداية سنة 1973 يعمل في سرية تامة مع الرئيس السادات لإعداد الخطة الهجومية وقبل تعيينه وزيرا للحربية كان الجنرال إسماعيل يتولى منصب مدير المخابرات وكان هو من أنشأ أول خط دفاعي سنة 1967 من بور سعيد إلى السويس وفي سرية تامة قام الرئيس السوري حافظ الأسد في إبريل/نيسان بزيارة سرية إلى مصر والتقى الرئيس السادات الذي كان معه اللواء حسني مبارك قائد القوات الجوية آنذاك في مدينة برج العرب في منطقة الصحراء الغربية وتداولا الرأي حول الموعد المناسب للحرب ومن الحادي والعشرين إلى الثالث والعشرين من أغسطس/آب عُقد في مدينة الإسكندرية أول اجتماع للمجلس الأعلى المشترك للقوات المصرية السورية وتم خلاله وضع اللمسات الأخيرة على خطة الهجوم. توخى الرئيس السادات زيارة سوريا يوم التاسع والعشرين من أغسطس ضمن جولة شاملة لعدد من العواصم في الشرق الأوسط ودول الخليج وتناولت وسائل الإعلام المصرية والعربية أبعاد الزيارة في سياق سياسي عام هدفه توحيد الصفوف العربية والتشاور حول الأوضاع التي تجتاز المنطقة وتنسيق المواقف العربية ولكن زيارة السادات إلى سوريا كانت تجري في سياق آخر إذ اتفق خلالها الرئيسان الأسد والسادات وخلال لقاء جمعهما في نجع الزبداني الصيفي على موعد السادس من أكتوبر لبدء الهجوم وأطلق عليه يوم ياء في التعبير العسكري كما أكد ذلك الرئيس السادات في مذكراته.

فيكتور غوراليوف: وبعد هذا اللقاء بأقل من أسبوع تبادل السادات وبريجنيف الرسائل حول الأمور في بلديهما وفي المنطقة بشكل تقليدي لم تكن الرسائل متعلقة بالحرب إنها كانت شكلا تقليديا بين الزعيمين.

[تعليق صوتي]

وبعد أسبوع آخر التأم لقاء القمة الثلاثي ضم الرئيسين السادات والأسد والملك الحسين عاهل الأردن وعلى هامشه التقى السادات والأسد سرا ووضعا آخر ترتيبات الهجوم المشترك وجرت ذلك من دون مشاركة الملك حسين الذي لم يكن يخفي معارضته للحرب ومخاوفه من قيامها وتكرار التداعيات الخطيرة لحرب سنة 1967 على المملكة الأردنية حيث تعرض وثيقة مجلس الأمن القومي الأميركي المعدة في بداية مايو هذه الفقرة تصريح لمسؤول عسكري أردني رفيع المستوى أن اجتماع رؤساء هيئات الأركان العرب في القاهرة بين الحادي والعشرين والخامس والعشرين من أبريل ساده اليأس والتوجس نتيجة لإصرار مصر على الذهاب إلى الحرب بغض النظر عن العواقب ولقد عبَّر الملك حسين عن قلقه الشخصي من خطورة الموقف إلى الإسرائيليين.

إيريك رولو: الملك حسين كان راضي جدا إنه السادات وحافظ الأسد لو يقولوا له حاجة أبدا عن هذه الحرب وكمان ما كانوش بيثقوا فيه كانوا خائفين، الوحي ممكن يلهم الرغبة كانوا خائفين إن الملك حسين يوصل الخبر للإسرائيليين.

"
قبل حرب يوم الغفران كل المعلومات كانت بيد المخابرات ووصلت إلى استنتاج شبه مؤكد بأنه لن تكون هنالك حرب ولذلك الجيش والدولة كانا في مفاجأة كاملة عندما اندلعت الحرب
"
عمنون ريشيف

عمنون ريشيف- قائد وحدة مدرعات إسرائيلية في حرب أكتوبر: قبل حرب يوم الغفران كل المعلومات ذات العلاقة كانت بيد المخابرات وماذا حدث؟ وهذه هي المأساة إن المخابرات فسرت وشرحت المعلومات التي كانت تصلها ووصلت إلى استنتاج أن من شبه المؤكد أنه لن تكون هنالك حرب ولذلك الجيش والدولة كانا في مفاجأة كاملة عندما اندلعت الحرب.

[تعليق صوتي]

ولكن الملك حسين عاد في مقابلته مع التايم الأميركية في نهاية أيلول سبتمبر ليؤكد أن إسرائيل لم تفعل شيء من أجل السلام ثم أعادت سوريا العلاقات الدبلوماسية مع الأردن قبيل الحرب والتي كانت قد قطعت إثر أحداث أيلول الأسود عام 1990.

ريتشارد باركر- دبلوماسي أميركي سابق: كنا نعرف تماما بما يفكر فيه المصريون لم نكن لنتفق معهم ولم نستطع أن نقنعهم كانت المسألة بوضوح ما هي الشروط الإسرائيلية للانسحاب؟ وقد قلنا للمصريين بأن الإسرائيليين لن ينسحبوا دون اتفاقية للسلام من نوع ما، عليكم أن تجلسوا مع الإسرائيليين وتوقعوا على الوثيقة نفسها.

[تعليق صوتي]

وفي الأيام القلائل التي سبقت الهجوم المصري السوري شغلت قضية تهجير اليهود من أوروبا والاتحاد السوفيتي اهتمام وسائل الإعلام الإسرائيلية والمصرية والأوروبية فقد قامت بعض المجموعات الفلسطينية بعملية اختطاف رهائن في النمسا مما أسفر عن قرار المستشار النمساوي بونو كرايسكي بإغلاق مكتب تجمع المهاجرين اليهود إلى إسرائيل وهو معسكر شوناو في النمسا وجبل قوي وحملات عالمية ودبلوماسية بين القاهرة وتل أبيب وتبعث الوكالة اليهودية التي كانت تدير المعسكر ببرقية إلى كرايسكي قائلة إن قرارك يمكن أن يؤدي إلى قيام اليهود بأعمال إرهابية ضد الشعب النمساوي في كل أنحاء العالم وهي قطعا فكرة غير سارة بالنسبة إليك. وتكشف إحدى الوثائق البريطانية وهي رسالة السفير البريطانية أدامس في القاهرة إلى وزير الخارجية في لندن بتاريخ السابع من أكتوبر أن السفير البريطاني في القاهرة وبعد مرور يوم واحد من الحرب لم تكن لديه معلومات يقينية حول ظروف التخطيط للحرب وموعدها ومن بدأ بها وحيث يقول السفير من الصعب جدا التنقل والقول إنه تحت أي نقطة أو موعد كان التخطيط لهذه العملية وصدور القرار حولها ومع ذلك فمن الوارد أن القرار حولها من حيث المبدأ قد صدر قبل شهور ويواصل السفير إلى ذلك كان هناك افتراض لزمن طويل بأن السادات يفتقد الموارد التي تؤهله للقيام بعدوان ولكن من المفترض أن يشعر الآن باليقين من دعم مالي كاف سعودي ليبي وفي الوثائق الأميركية والتي تسجل محضر اجتماع فريق وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنغر يوم الثالث والعشرين من أكتوبر في مقر وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن تكشف الوثيقة أن كيسنغر تطرَّق لموضوع الخلل الاستخباراتي الذي وقع قبل بدء الحرب وكيف كانت المخابرات الأميركية تستبعد وقوع الحرب واعتبر الخداع عنصراً جديداً في استراتيجية العرب ويواصل ملاحظاته لم نكن أبدا نسمح بخسارة إسرائيل ولكن علينا في الوقت نفسه ألا نجعل سياستنا رهينة للإسرائيليين.

ريتشارد باركر: كان فشلا للاستخبارات الإسرائيلية بالدرجة الأولى لأننا لاحظنا بعض الإشارات التي توحي بأن المصريين يخططون لشيء لم نعرف ماهيته ولكن الإسرائيليون استبعدوا ذلك ولم يشعروا بالقلق ولم يفعلوا شيء وكانت ردة فعلنا بأنه إذا لم يقلق الإسرائيليون فلماذا نقلق نحن؟

إيريك رولو: الحرب في 1967 اللي كسبوها بسهولة أنا في نظري أثارت نوع من العنصرية ضد العرب أن العربي مش ممكن يكسب فخليه.. وبعدين كمان كان فيه نوع من الشكوك أي أخبار بتوصلنا بس ده كلام مش هيعملوا حرب.

[تعليق صوتي]

ومن أرشيف الأمن القومي الأميركي نستخرج مذكرة ويليام كوانت مستشار الأمن القومي الجديد في البيت الأبيض الأميركي إلى برنت سكاو كروفت بتاريخ السادس من أكتوبر حول اجتماع مجموعة العمل الخاصة التي شكلها الرئيس نيكسون والخاصة بموضوع الحرب في الشرق الأوسط والمنعقد صباح يوم السبت في البيت الأبيض في غياب كيسنغر الذي كان لا يزال في نيويورك واستناداً إلى نفس الوثيقة فإن راي كلاين مساعد وزير الخارجية لشؤون الاستخبارات قال في وقت لاحق أن المطب الذي وقعنا فيه يُفسَّر في جانبا منه بأننا تعرضنا إلى غسيل مخ من قبل الإسرائيليين والذين كانوا ضحية غسيل المخ الذاتي.

ويليام كوانت: فكرنا أنه إذا اعتقدت إسرائيل فعلاً أن الحرب قائمة فهي لديها الدافع الأكبر لتقصي الحقائق أكثر من أميركا كما أن لديها معلومات جيدة وهي تعرف الكثير عن هذه الأمور لذلك فإذا كان الأمر لم يقلقهم لم يكن ليقلقنا نحن أيضاً.

[تعليق صوتي]

وفي اليوم نفسه في السادس من أكتوبر ينقل السفير كيتينغ عن مائير رسالتها إلى كيسنغر أنها هبته بقولها قد نكون في خطر وأضاف أنها قدمت له عرضا لمجمل الوضع بشأن الحشود العسكرية المصرية والسورية خلال الأسابيع القليلة الماضية ورد عليها السفير الأميركي قائلا لقد كنا بادرنا في مرات للحديث إلى المسؤولين العسكريين الإسرائيليين في مناسبات عدة وقيل لنا أن الوضع لم يكن خطراً، ردت مائير لقد كان تقديراً صائباً في حينه ولكن الوضع أصبح على مدى الساعات الاثنتي عشر الأخيرة خطرا جدا وتتوافر لدى إسرائيل معلومات من مصادر موثوقة تماما بأن سوريا ومصر تخططان لشن هجوم منسق ضد إسرائيل اليوم في ساعات المساء.

ريتشارد باركر: على مدى السنوات لم أثق بتحليل الإسرائيليين للنوايا العربية والتحليل العربي للنوايا الإسرائيلية، أعتقد أن كلاهما متأثران بمخاوفهم وتجاربهم السابقة إنك بحاجة إلى شخص مستقل لا يمكنك الاعتماد على العرب ليخبرونك ماذا سيفعل الإسرائيليون أو على الإسرائيليين ليخبرونك بما سيفعله العرب.

[تعليق صوتي]

وأضافت مائير أن معلومات وصلت إلى تل أبيب حول ترحيل السوفيت لرعاياهم وعدد من مستشاريهم في مصر وسوريا وأشارت إلى أن إسرائيل ظنت في بداية الأمر أنه قطعا للعلاقات الدبلوماسية مع مصر لكن تبين أن عدد من الخبراء السوفيت يخططون للبقاء وأن الرحيل الجماعي السوفيتي سببه رد فعل سوفيتي سلبي على الهجومات التي تخطط لها مصر وسوريا.

فيكتور غوراليوف: الاتحاد السوفييتي.. ومن المصادر لم يكن على علم وثيق بأن الحرب ستنطلق في أكتوبر أو ربما ستنطلق بشكل عام خاصة وأنكم تعلمون أن الحرب بين إسرائيل وأية دولة عربية يمكن أن تبدأ آنذاك لأي دافع من الدوافع.

جون شليسنغر: كان الأمر سوء فهم إذا كان الاعتقاد بأن السوفيت أمروا بترحيل موظفيهم خشية اندلاع مواجهة في الشرق الأوسط.

ريتشارد باركر: ما حصل أنه قبل الحرب بيومين بدأ السوفييت بالمغادرة لأنهم كانوا يعلمون أن الحرب ستبدأ وذهبوا ولم ننتبه كلية لأهمية ذلك ولا أدري لماذا غفلت استخبارتنا عنه؟

جدعون روز: في بعض الأحيان يكون لديك بعض المعلومات ثم بعدها تقول نعم كان يجب أن أرى ذلك يحدث لكن حتى يحدث ذلك فإنك تظن إنه من الجنون أن يحدث لكن ذلك يرجع في الحقيقة إلى الفشل في فهم كيف يفكر عدوك وبماذا يفكر وتبقى عقلك متقبلاً لأكثر التصورات جنونا هو فشل في ربط الأمور ببعضها البعض.

[تعليق صوتي]

فهل تعطي ملاحظات غولدا مائير مؤشراً على أن الجانب السوفيتي سرَّب قصة رحيل خبرائه من مصر ووضعها في هذا السياق.

ويليام كوانت: لم نعرف قد يكون معنى ذلك أن الحرب آتية وأنهم أرادوا الفرار ولكن لو أن الحرب آتية هل كانوا ليتصرفوا على هذا النحو؟ لأنه كان بإمكانكم كشف المخططات ولو أنني كنت مصرياً أو سورياً لم يكن ليريحني أبدا كشف المخططات.



[فاصل إعلاني]

[تعليق صوتي]

حقيقة علم السوفييت بالحرب وتضليل أميركا

كانت الصحف الفرنسية أيضا لا تصدق أن السوفييت لم يكونوا على علم بموعد الحرب إذ تنشر في أثناء الحرب تعليقا يؤكد ظهر منذ البداية أن السوفييت كانوا على علم بالعملية المصرية السورية وفي خبر آخر نجد عنوانا يقول الكريملن على ما يبدو كان يعلم منذ فترة طويلة بالهجوم العربي، تساؤلات عديدة تثير الشكوك حول دور السوفييت في هذه اللحظات الدقيقة من تطور الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط فهل كان السوفييت على علم مسبق بالحرب ولماذا سحبوا خبراءهم قبل يومين من الحرب وما هي التفسيرات التي قدموها عندما كشف الأمر؟

ويليام كوانت: كانت لنا طريقتنا في تفسير ذلك الأمر الأولى هي أن السوفييت قد عرفوا شيئا ما جعلهم يعتقدون بأن الأزمة قادمة وقرروا الخروج مسبقا وهذا الإجراء كان يسبق دائما الأزمات والتفسير الثاني هو أن هناك أزمة سياسية وكان السادات قد طرد الخبراء السوفييت في صيف 1972 لأنهم لم يكونوا متعاونين معه ووجودهم كان يثير المشاكل داخل مصر.

[تعليق صوتي]

أسئلة كان للبريطانيين أجوبتهم عنها عبر ما يكشفه الأرشيف الوطني البريطاني حيث تكشف رسالة من السفير البريطاني في نيويورك ميتلاند إلى وزير الخارجية دوغلاس هيوم في لندن بتاريخ السابع من أكتوبر أن تل أبيب أخبرت البريطانيين والأمين العام للأمم المتحدة صبيحة يوم السادس من أكتوبر بالهجوم الوشيك عليها وتحمل الوثيقة البريطانية ملاحظات حول شكوك الدبلوماسي البريطاني ميتلاند إزاء دور الروس ومدى علمهم بموعد الحرب وتقول الوثيقة ولكن سلوك الروس يبقى ملتبسا بالغموض فمن المعروف الآن عامة بأن المئات من المدنيين الروس بما فيهم الأسر قد تم إجلاءهم في الأيام القليلة الماضية وقد قيل إن من بينهم خبراء بمصانع حلوان للصلب وهذا يوحي على الأقل بمعرفة سوفيتية مسبقة وقد التقى زميلي السفير الروسي السادات ثلاث مرات في الأيام العشر الماضية وهناك إشاعة قوية وثابتة بأن السادات قد قام بزيارة قصيرة إلى موسكو.

فيكتور غوراليوف: الاتحاد السوفيتي رسميا علم بالحرب قبل يومين من وقوعها فالخبراء السوفييت الذين كانوا يعملون في مصر على دراية بأن الحرب لا تقتصر على ارتداء البزة العسكرية والدرع الواقي فمن الطبيعي أن يدركوا ذلك انطلاقا من التحضيرات العسكرية المصرية للحرب.

ويليام كوانت: الآن نحن متأكدون من أن السوفييت تم إخبارهم يوم الثالث من أكتوبر بأن الحرب يوم السادس من أكتوبر لذلك قرروا سريعا إجلاء مواطنيهم من المنطقة وكان قرارا خطرا لأنه كان يمكن أن يكشف خطة الهجوم.

[تعليق صوتي]

وتلتقي الوثيقة البريطانية في وصفها للحالة وتقديرات للدبلوماسيين البريطانيين في القاهرة لأوضاع اليوم الأول من الحرب مع التقديرات التي كانت لدى الأميركيين، لكن رسالة تل أبيب إلى واشنطن كانت مختلفة بمضمونها فعلى ضوء المعطيات المستجدة طلبت مائير المساعدة الفورية من الولايات المتحدة الأميركية في محاولة لاستباق الأعمال العدائية وطلبت نقل الرسائل التالية إلى السوفييت والمصريين بأقصى سرعة ممكنة، أولا إن إسرائيل لا تخطط لمهاجمة سوريا أو مصر وقد نشرت قواتها لحماية نفسها في حال الهجوم وإنها على سبيل الاحتياط للطوارئ تقوم حاليا باستدعاء بعض الاحتياط وليس تعبئة عامة، ثانيا إن إسرائيل على علم بكافة الترتيبات العسكرية لمصر وسوريا وإذا قامت مصر وسوريا بالهجوم فسوف تخسران كما تلقى تأكيدا بذلك هذا الصباح مثل وزير الدفاع ديان على الرغم من أن المهاجمين يمكن أن يسببوا دمارا ويوقعوا إصابات ترغب إسرائيل في تجنبها.

ويليام كوانت: كانوا واثقين بأنهم عسكريا لا يحتاجون لبدء الحرب وأنهم قادرون على احتواء الضربة الأولى وقد اعتقدوا أيضا أنه سياسيا أن توالي حربين حرب 1967 وهذه الحرب وأن تبدأهما إسرائيل في حين لم يكن يعتقد فعلا بأن العرب يخططون لشن الحرب كان ذلك سيظهرهم بمظهر المعتدين وهذا ما لم يكن بإمكانهم تحمله.

[تعليق صوتي]

وأكد السفير الأميركي أنه تلقى ردا واضحا من مائير عندما سألها وقالت له إن إسرائيل لن تشن هجوما وقائيا ولكنها ستدافع عن نفسها بنجاح إذا هوجمت وهي ترغب في تجنب إراقة الدماء ومن جهته يضع السفير الأميركي في ختام الرسالة توصية مضمونها انه يثق بإخلاص مائير في تجنب إراقة الدماء من دون جدوى وبأننا الأميركيون نستطيع مد يد العون في هذا المسعى وطلب إبلاغه خلال الساعات القليلة المقبلة ردا ليبلغه بدوره إلى مائير.

ويليام كوانت: وهذا ما فعلناه قمنا بإرسال رسالة على الفور تفد بأن إسرائيل لن تقوم بأي هجوم وحاولنا إقناع مصر وسوريا بعدم القيام بأي شيء.

[تعليق صوتي]

وينقل كيسنغر أجواء اتصاله بدوبرينين السفير السوفيتي في واشنطن في الساعة السابعة وأربعين دقيقة أبلغ كيسنغر السفير السوفيتي بالرسالة الإسرائيلية وطلب إليه إبلاغ القيادة السوفيتية وأصدقائكم العرب بأن الإسرائيليين لا توجد لديهم أية خطط للقيام بهجوم وأضاف كيسنغر قائلا للسفير دوبرينين ولكن إذا قام المصريون والسوريون بالهجوم فإن الرد الإسرائيلي سيكون قويا للغاية ويبدو أن عبارة قويا للغاية كانت مزيجا من رسالة مائير وما يعتقده كيسنغر أن واشنطن ستفعله وترك كيسنغر لدوبرينين قائلا بأن الأميركيين يعملون من جانبهم على ضبط الإسرائيليين كي لا يحدث من جانبهم أي تصرف غير محسوب.

فيكتور غوراليوف: من المعروف أن كل دولة تنطلق من مصالحها في تحديد سياساتها وكثيرا ما تحقق مصالحها وأهدافها بغض النظر عن الضرر الذي يمكن أن يجلبه ذلك على دول أخرى واشنطن وتل أبيب حليفتان وآنذاك كان ينظر إلى إسرائيل في الاتحاد السوفيتي كما في العالم العربي كدولة عدوانية احتلت أراضي عربية بشكل غير قانوني.

ريتشارد باركر: كان الانطباع السائد في إسرائيل والولايات المتحدة ومعظم أوروبا الغربية أنه ليس بمقدرة المصريين فعل أي شيء، ليس لديهم القدرات العسكرية لقد هزمتهم إسرائيل تماما وهذا ما أعطى ذلك الانطباع.

[تعليق صوتي]

وكان دوبرينين تحت وقع المفاجأة مما أبلغه إياه كيسنغر وحالة النوم فكان يستوعب بصعوبة ما يقوله كيسنغر ويكرر كلامه مما جعل كيسنغر يقول له إذا استمر الأمر بهذه الطريقة فإن الحرب سوف تندلع قبل أن تفهم رسالتي قال كيسنغر ذلك وهو لا يدرك أن الحرب ستقع في أقل من ساعة بل أنه وصف وقع المفاجأة عليه انطلاقا من تقديراته غير الدقيقة إذ قال لدوبرينين قبل ساعة واحدة من الآن لم أكن قد أخذت الموضوع على محمل الجد ولكننا تلقينا رسالة عاجلة من القدس تقول إن الإسرائيليين يعتقدون أن الهجوم سيقع خلال ست ساعات وهم يقومون بحشد قواتهم. وأضاف كيسنغر مخاطبا دوبرينين إلى حدود الأمس كان تقديرنا أن المصريين والسوريين يقومون بعمل استعدادات عسكرية ولكننا اعتقدنا أن هذه عملية تهويش أخرى من تلك التي يقومون بها. ويضيف كيسنغر قائلا هل تفهم ويرد عليه دوبرينين أفهم. ومن جهته يقرر أناتولي دوبرينين السفير السوفيتي في واشنطن ما ورد في مذكرات كيسنغر حيث يقرر في مذكراته هاتفني كيسنغر من نيويورك صباح السادس من أكتوبر في وقت مبكر واستنادا إلى التطور الخطير للوضع في الشرق الأوسط طلب مني إبلاغ القيادة السوفيتية بأن الولايات المتحدة مثلها مثل الاتحاد السوفيتي وبنفس الدرجة لها مصلحة في منع إشعال صدام عسكري جديد وكبير في الشرق الأوسط وأن واشنطن لا تمارس أي لعبة مع موسكو بل تنطلق من ضرورة القيام بأفعال جذرية حتى لا يخرج الوضع في الشرق الأوسط من تحت السيطرة وأثر محادثته مع دوبرينين أجرى كيسنغر اتصالا مع موردخاي شاليف نائب السفير الإسرائيلي وكان يعاتبه على عدم إبلاغه شخصيا بتقرير وصل إلى وزارة الخارجية في واشنطن في مساء اليوم السابق وكان يتضمن توقعات بهجوم مصري سوري وشيك وطلب إليه أن يبلغ تل أبيب بأن اتصالاته مع الجانب السوفيتي تجعله يقول أنهم سيقومون بالضغط على الجانب العربي وشدد عليه بأن تلتزم إسرائيل من جانبها بضبط النفس.

ويليام كوانت: كان الرأي العام الأميركي وخاصة المؤيد لإسرائيل يرى أن السوفييت كانوا على علم بهذه الحرب وربما خططوا لها أيضا.

فيتسلاف موتوزوف: لا أتصور أن موسكو كانت في ذلك الحين يلعب دور معادي للعرب أنا لا استثني أنه في القاهرة الاتحاد السوفيتي يمكن أن يبذل جهود لا يسمحوا للأحداث يتطور ويخرج من إطار المراقب ومن إطار شرعي.

[تعليق صوتي]

وفي حدود الساعة السابعة اتصل كيسنغر بوزير الخارجية المصري حسن الزيات الذي كان في زيارة إلى واشنطن وكان آخر من التقاه في اليوم السابق ولاحظ كيسنغر في مذكراته أن الزيات لم يكن على علم بموعد الحرب وفي المحادثة أبلغ كيسنغر الزيات بالمعلومات التي وصلت إليه وقال له إذا كانت الحشود المصرية نتيجة خوف من هجوم إسرائيلي فإن إسرائيل لا تنوى الهجوم وإن من مصلحة الجميع ضبط النفس.

"
بدا واضحا في حرب 1956 أن إسرائيل تملك تفوقا عسكريا وبالذات في حرب 1967 وبالتالي فالهجوم عليها وهي المتفوقة عسكريا سيكون مخاطرة إن لم يكن انتحارا بالنسبة للدول العربية
"
        جون شليسنغر

جون شليسنغر: كان الاعتقاد السائد بأن إسرائيل تملك تفوقا عسكريا وهو ما بدا واضحا في حرب 1956 وبالذات في حرب 1967 وبالتالي فالهجوم عليها وهي المتفوقة عسكريا سيكون مخاطرة إن لم يكن انتحارا بالنسبة للدول العربية بمهاجمة إسرائيل المتفوقة عسكريا.

[تعليق صوتي]

وواصل كيسنغر اتصالاته الماراثونية والتي شملت خمسة وعشرين محادثة هاتفية في أقل من ثلاث ساعات ضاف خلالها هاتفيا بأركان الإدارة الأميركية والدبلوماسيين السوفييت والإسرائيليين ووزير الخارجية المصري وكورد فالدهايم أمين عام الأمم المتحدة.

ديفد واتكين: أنهم يرون في إسرائيل ذلك الشرطي الحارس للمصالح الأميركية في الشرق الأوسط هذا هو الوضع بلا أدنى شك.

[تعليق صوتي]

وكان كيسنغر يسابق الزمن واتصل بالعاصمتين السعودية والأردنية مستخدما نفوذه ليطلب إليهما التدخل لدى الرئيسين المصري والسوري كي لا يبدأ بالهجوم وحذر من المخاطر الكبيرة التي ينطوي عليها البدء بالحرب مؤكدا أن ضبط النفس يمكن أن يفتح الباب في الأيام المقبلة نحو السعي إلى حل سلمي للصراع العربي الإسرائيلي كما جاء في الرسالة التي وجهها كيسنغر إلى ملكي السعودية والأردن.

فيتسلاف موتوزوف: هم استعملوا أصدقاءهم في العالم العربي مش مباشرة أحيانا ولذلك النفوذ الاقتصادي مثلا دول الخليج ملك السعودية ملك الأردن.

[تعليق صوتي]

ويلاحظ في نص الرسالة كيف وضع كيسنغر أجندة زمنية قريبة جدا عندما تعهد للجانبين السعودي والأردني بالتحرك في غضون الأيام المقبلة من أجل إيجاد حل سلمي للصراع العربي الإسرائيلي بينما تشير الوثائق إلى أن كيسنغر في لقاءاته في الفترة التي سبقت الحرب وكان أخرها لقائه مع الزيات يوم الخامس من أكتوبر في نيويورك يعتبر أن التحرك من أجل تسوية نزاع الشرق الأوسط وارد في أجندته لكنه غير وارد في الأجل القريب.

ويليام كوانت: خلال فترة الصيف سمع من الروس أن مصر وسوريا محبطتان للغاية وأنه ستكون هناك حرب قبل نهاية العام في الواقع أبلغنا بريجينيف بذلك وهذا ما جعل كيسنغر قلقا بعض الشيء لدرجة أنه في سبتمبر 1973 بدأ يطلب إعداد دراسات حول أزمة محتملة في الشرق الأوسط ولكنه لم يكن يتوقع حربا.

[تعليق صوتي]

وتُظهر الظروف التي أحاطت بالدور السوفيتي في تلك الأيام أن معلومات البيت الأبيض كانت غير دقيقة عما يقول به السوفييت مع الجانب العربي ويوضح ذلك إلى أي حد كانت واشنطن فاقدة للسيطرة على الأوضاع ولم يكن السوفييت أفضل حالا كما تدل على ذلك مؤشرات عديدة من الوثائق السوفيتية. يقول كربتشينكو وهو أحد ضيوف هذا الملف ومسؤول المخابرات السوفيتية في القاهرة في مذاكرته إن موسكو علمت بشكل عام بأن الحرب ستقع ولكنها لم تعلم بالموعد المحدد للحرب من السادات ويقول أيضا إن الاستخبارات السوفييتية كانت على علم أيضا بالمحادثات السرية التي يجريها السادات مع الأميركيين.

فيتسلاف موتوزوف: مصر كانت دولة أساسية في العالم العربي ما كان مهيئا للحرب هذا كان أحد الحسابات السوفييت ذلك الحين أنه عمليا سوريا كانت وحيدة مع خلاف استراتيجي مع العراق.

[تعليق صوتي]

ومن جهته يكشف السفير السوفيتي في القاهرة فلاديمر فونغرادوف في مذكراته تفاصيل عن اتصالات اليومين الأخيرين بين موسكو والقاهرة ودمشق بالرغم من أن السادات وعد موسكو بالتشاور على مسألة بداية الحرب وإبلاغه بالتاريخ المحدد لبدأ العمليات القتالية إلا أنه لم يبلغه ببداية العمليات العسكرية إلا قبل أربع ساعات فقط من بدايته في يوم السادس من أكتوبر ويضيف السفير قائلا علاوة على ذلك كانت معلومات السادات هذه مائعة وغير محددة حيث قال لنا إن الاستفزازات الإسرائيلية تتزايد ويمكن توقع أحداث وحسب رواية دوبرينين فإن موسكو حصلت تقريبا على معلومات ببداية العمليات العسكرية في الوقت نفسه أيضا من القاهرة ودمشق إلا أن الاختلاف كان في أن المعلومات الواردة من مصر وسوريا كانت تؤكد على أن إسرائيل هي التي بدأت العمليات الحربية وفي مذكراته يروي السادات تفاصيل الاتصالات مع السوفييت قبيل بدء الحرب بيومين. في يوم الثالث من أكتوبر كان يوم أربعاء اجتمع الرئيس السادات وباتفاق مع الرئيس الأسد بالسفير السوفيتي في القاهرة وأبلغه بقرار مصر وسوريا ببدء العمليات العسكرية ضد إسرائيل وقال له إننا لم نتفق بعد على موعد بدء الحرب ولكنه في حقيقة الأمر كان قد اتفق مع الأسد ليجتمع مع السفير السوفيتي في اليوم اللاحق أي في الرابع من أكتوبر ويخبره بالموعد لأن علاقات السادات بالسوفييت كانت سيئة كما يؤكد السادات ذلك وفي يوم الخامس من أكتوبر رحّلت روسيا رعاياها من عائلات مدنية في مصر وسوريا عبر أربعة طائرات ضخمة من مطار عسكري ورصدتها الرادارات الإسرائيلية التي اعتقدت أنها إمدادات بالسلاح.

ريتشارد باركر: كان هذا مثالا لما نسميه نحن رجال الاستخبارات بالتأكيدات الزائفة والسبب أنه كانت لدينا ثقة عمياء في قدرات الاستخبارات الإسرائيلية ولطالما قلت لجماعتي إنكم لا تفهمون الإسرائيليين ماهرون في جمع المعلومات ولكنهم ليسوا بنفس المهارة في تحليلها.

عمنون ريشيف: نحن على سبيل المثال كنا في الميدان أنا كنت على القناة ورأينا التحضيرات والجلبة والحركات للجيش المصري ودخلنا في حالة تأهب وأبلغنا عن ذلك قالوا لنا إن هذه مناورة وليس حالة حرب.



[تعليق صوتي]

الخداع المصري السوري لإخفاء موعد الهجوم

وعلى صفحات الأهرام في الثامن من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1973 عرض محمد حسنين هيكل مقابلته مع الجنرال أحمد إسماعيل الذي كشف عملية الخداع الاستراتيجي التي اعتمدها المصريون والسوريون للتمويه عن موعد شن الهجوم.

عمنون ريشيف: الموضوع هو أن قرارات الحكومة تتغذى من تقديرات المخابرات التي كانت تقديراتها أنه لن تندلع الحرب ويذكر أنه في ربيع عام 1973 كانت هنالك معلومات عن نية مصر البدء في الحرب والجيش الإسرائيلي أعلن حالة التأهب وأجرى تحضيرات مختلفة في كثير من الوحدات مثل التزود وغير ذلك من تحضيرات نهائية تتعلق بالحرب ثم لم يحدث أي شيء واتهم الجيش بأنه أهدر المال العام.

ويليام كوانت: قال البعض حينها أن ما حدث في الربيع سيتكرر وأن هذه الاستعدادات ما هي إلا للابتزاز النفسي وأن الرسالة من ورائها أننا إذا أردنا وقف هذه الحرب يجب علينا أن نفعل شيئا وبسرعة.

[تعليق صوتي]

تم تسريب أنباء في الصحافة المصرية عن زيارة وزير دفاع رومانيا إلى مصر يوم الثامن من أكتوبر وتمت إذاعة بلاغ عن فتح باب تسجيل الضباط والجنود للقيام بأداء العمرة. ومن آخر خدائع السادات إصراره لمبعوثي رؤساء الدول أنه سيزور الأمم المتحدة في أكتوبر لطرح مبادرة للسلام في الشرق الأوسط.

جون شليسنغر: كانت لدينا مؤشرات واضحة على وجود نشاط كبير على الجبهتين السورية والمصرية وعدم تصديقنا للأمر يعود لعدة أسباب منها أولاً أن الأميركيين كانوا يشاركون الإسرائيليين الاعتقاد بأنه لا يمكن للدول العربية أن تشن أي حرب قبل أن تؤمن تفوقاً جوياً وبما أنهم لم يؤمنوا ذلك فقد كان الافتراض من الجانب الإسرائيلي والأميركي باستبعاد الهجوم وبالطبع لم يضع الإسرائيليون بالحسبان صواريخ أرض جو التي عدلت بشكل رئيسي كفة التوازن والنقطة الثانية هي تكذيب الاستخبارات الأميركية التي علمت بالنشاطات على الجبهتين السورية والمصرية.

[تعليق صوتي]

وبحسب رواية الجنرال أحمد إسماعيل للأهرام فإن الاعتبارات التي اختير على أساسها موعد بدء الحرب كانت كالتالي تقدير سياسي للظروف السياسية التي تميزت بتأييد عالمي يصل إلى ذروته، تقدير لقوة السلاح، تحديد للظروف العملية، ليلة مقمرة يتصاعد فيها القمر معنا في الساعات الحاسمة ليلة يكون تيار القناة فيها مناسباً للعبور من ناحية السرعة، ليلة يكون عملنا فيها بعيداً عن توقعات العدو، ليلة لا يكون فيها العدو نفسه مستعداً للعمل، ساعات اتجاه الشمس في مصر وسيناء سوريا والجولان وتظهر هذه التفاصيل والمعطيات الفجوة الكبيرة في المعلومات عن الأوضاع التي كانت تواجه الأميركيين خلال حرب أكتوبر وكان من أهم أسبابها اعتمادهم شبه التام على المصادر الإسرائيلية.

سيرجي بوادوفي- مدير مكتب ميشيل غوبير رئيس الوزراء الفرنسي وقت الحرب: نعم فوجئنا مثل الجميع ولكننا كنا نعرف في نفس الوقت أن السياسة التي سميت بسياسة على طريقة كيسنغر أي سياسة تكمن في إبقاء الطريق المسدود على الوضع في الشرق الأوسط هي سياسة لن تدوم طويلاً.

[تعليق صوتي]

ومن جانبهم اعترف عدد من المسؤولين الإسرائيليين بسوء التقدير الذي أصاب الأجهزة الإسرائيلية واعترف موشي ديان وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق فيما بعد بأن عمليات الخداع الاستراتيجية التي نفذها الجانبان المصري والسوري انطلت على الإسرائيليين.

إيريك رولو: حكوا لي بعض رؤساء تحرير الصحف كان عندي علاقة بهم حكوا لي قصة عجيبة قالوا لي إنه في أوائل الحرب لما الجيش الإسرائيلي كان بيُهزم الجنرال ديان عقد جلسة خاصة لرؤساء التحرير الإسرائيليين وحسب الكلام اللي سمعته من رؤساء التحرير أن ديان كان منهار وقال لهم إحنا مش عارف هنعمل إيه هنضطر إنه نسحب جيوشنا من سيناء من أغلبية سيناء والجولان تقريبا خسرناها وقال لهم أنا ناوي أقدم استقالتي.

عمنون ريشيف: الجيش فوجئ عندما كانت أغلبيته في قوات الاحتياط في البيوت أو في الكنس والجيش النظامي على الحدود وأستطيع أن أقول لك أنه بالنسبة لكتيبتي فقد كنا على مدى أيام حوالي الأسبوع قبل الحرب على أهبة الاستعداد لعدة أيام. وقد كنا بكامل لباسنا وأحذيتنا وكنا جاهزين ولكنني أميز بين التحضير العتادي الفني والتهيؤ الفكري النفسي وللأسف الشديد أنه حتى بعد اندلاع الحرب كان هناك جنود لم يستوعبوا أن الحرب الحقيقية قد اندلعت لأنهم كانوا في حالة استرخاء.

[تعليق صوتي]

في اليوم الموعود وفي التاريخ والساعة والدقيقة ذاتها ضربت كل من القوات المسلحة المصرية والسورية ضربتها المشتركة وأفاق العالم كله من غفوته ولكنه لم يستفق من صدمته كيف استقبلت العواصم المختلفة أنباء الساعات والأيام الأولى للقتال؟ كيف تحركت الدبلوماسية العالمية للدفاع عن مصالحها التي عصفت بها الأخطار؟ كيف كانت ردود أفعال ومواقف دول المنطقة ذاتها من ذلك الحدث الكبير؟ أسئلة عديدة حول تاريخنا لا يزال أرشيفهم يقدم لها إجابات جديدة.