- المعالجة السينمائية لهموم الوطن
- واقعية خيري بشارة.. نافذة للحياة


المعالجة السينمائية لهموم الوطن

[تعليق صوتي]

من أصل جنوبي ونشأة في حي شبرا الشعبي النابع بالحياة والدفء والمليء بزخم تراث إنساني ديني ثقافي، وُلد المخرج خيري بشارة وتشبع بهذا العالم المحيط وبدأ عشقه للفن السينمائي وإحساسه بهموم وطنه، بعد رحلة طويلة مع السينما المصرية كواحد من صناع الواقعية الجديدة يقف الآن المخرج خيري بشارة يتأمل حصاد السنين الطويلة بعد أن أصبح بعيدا عن السينما التجارية السائدة.

خيري بشارة - مخرج سينمائي: أنا جئت شبرا تقريبا سنة 1953، كان عندي ست سنين وأول ما جئنا شبرا لغاية ما سبتها كنت ساكن في نفس العمارة دي، أعتقد إن شبرا يعني شكلت مدرستي الحقيقية في الحياة، هي اللي شكلت ممكن كمان نظرتي، إزاي علاقتي بالآخر لأن شبرا فيها الجار يعني تفتح الشباك، تفتح البلكونة، تبص من المنور، مطرح ما أنت بتتحرك في جارك، أنت بتعيش مع جارك وأولادك بيعيشوا مع جارك، الحياة فيها تداخل يعني مدهش، حياتي في شبرا بكل ما فيها من أفراح وكل ما فيها من آلام هي صنعتني كمخرج، هي عملت مني خيري بشارة اللي في الأفلام دي، ما أعتقدش.. يعني أعتقد بدون شبرا أبقى واحد ثاني مش نفس الشخص.. أعتقد.

[تعليق صوتي]

ولد خيري بشارة عام 1947 وتخرج بالمعهد العالي للسينما بالقاهرة عام 1967، إنه مخرج من جيل تفتح وعيه على الصدمة الكبرى عام 1967 وأراد أن يغير مصر وكان سبيله إلى ذلك تغيير السينما التي تُصنع في مصر.

خيري بشارة: بداية انهيار الحلم القومي، كل الأحلام الكبيرة كل المشاريع الوطنية والقومية الضخمة اللي بُنيت في عصر عبد الناصر وكانت زي ما بنقول حلم الجماهير العريضة، حلم كل الشعوب العربية بدأت من 1967 في طريق الانهيار، أعتقد إن الهزيمة ممكن تكون صدمة أكبر عند جيل في الأربعينات أو الخمسينات بيحس إن هو مسؤول.. مسؤول عن الهزيمة، إحنا ما كناش بنحس إن إحنا مسؤولين عنها كعشرينات، إحنا عاوزين نأخذ البلد في سكة ثانية، إحنا مش عاوزين نتكلم عن الحاجات الكبيرة، إحنا عاوزين نتكلم عن الحاجات الصغيرة ومن الحاجات الصغيرة ومن التفاصيل الصغيرة ممكن نلاقي طريق أفضل لحياتنا ولأحلامنا.

[مشهد من فيلم طبيب في الأرياف]

[تعليق صوتي]

وكانت البداية الطبيعية من خلال السينما التسجيلية خاصة مع إنشاء المركز القومي للأفلام التسجيلية عام 1967 وبعدها أصبحت الفرصة متاحة للإعلان عن جماعة السينما الجديدة والتي كان خيري أحد أعمدتها.

[مشهد من فيلم طبيب في الأرياف]

خيري بشارة: الفيلم ده اللي حفر فيَّ بعمق لأن أنا صورت في قرية العامرية الشرقية محافظة المنيا قرية معزولة في حضن الجبل على الضفة الأخرى من النهر وهي مش معزولة بس عن.. هي معزولة عن الزمن، هي كأنها مش في القرن اللي إحنا عايشين فيه، مش في الزمن اللي عايشين فيه خالص، هي قرية فيها كل تلخيص للتخلف لكل المشكلات اللي بيعيشها الواقع العربي.



[مشهد من فيلم طبيب في الأرياف]

واقعية خيري بشارة.. نافذة للحياة

خيري بشارة: أنا عاوز أتكلم عن الناس دي، الناس دي تثرني أكثر من أي نجم في الدنيا، تثرني أكثر من الناس المتذوقة وحاطة مكياج، أنا عاوز أتكلم عن الناس البسيطة دي اللي عايشة في القرية وبتحلم بكهرباء، بمياه نظيفة، بأنها تعالج كويس، إنها تلاقي رزقها، يعني عاوزة تتعلم، أنا كان ده حسيت إن ده انحيازي، أنا منحاز لده.. للقضايا دي.

[تعليق صوتي]

وقد اعتبر النقاد فيلمه الثاني العوامة 70 عام 1982 هو بداية للواقعية الجديدة في السينما المصرية.

[مشهد من فيلم العوامة 70]

"
يعتبر خيري بشارة وثلاثة من المخرجين  عاطف الطيب ومحمد خان وداود عبد السيد من مؤسسي الواقعية التي أعطت للسينما المصرية خلال العشرين سنة الماضية أجمل وأروع أفلامها
"
رفيق الصبان

رفيق الصبان - ناقد سينمائي: خيري بشارة قدم أفلام ذات هم اجتماعي.. يعني أنا أقدر أقسِّم أفلام خيري بشارة لزمر، في أفلام تكلمت عن الهم الاجتماعي اللي كان هو يؤرقه جدا وده ظهر بشكل واضح في أول أفلامه العوامة 70، إذا أردنا أن نعرف خيري بشارة الحقيقي فيجب دائما عند المخرجين الكبار نعود إلى أفلامهم الأولى، العوامة 70 اللي كانت تمثله تماما لأن هي أيضا مزيج بين التسجيلية وبين الواقعية الجديدة اللي يعتبر هو وثلاثة من المخرجين النيين عاطف الطيب ومحمد خان وداود عبد السيد من مؤسسي هذه الواقعية اللي أعطت للسينما المصرية خلال العشرين سنة اللي فاتت أجمل أفلامها وأروع أفلامها.

[مشهد من فيلم العوامة 70]

خيري بشارة: العوامة رقم 70 أنا كنت بأتكلم عن نفسي وعن جيلي، بطلي مخرج تسجيلي بيحاول يعمل فيلمه الروائي الطويل الأول، كان الفيلم عبارة عن نوع من تصفية حساب مع الذات ومحاولة أن أنا أتكلم عن مش بس نفسي عن أصحابي ومش ما أقدرش أقول 100% ده أنا ولكن أقدر أقول ده أنا ودول أصحابي بس بخيالي وأعتقد أني ربما في فيلم العوامة 70 تقدمت أغرب نهاية.

[مشهد من فيلم العوامة رقم 70]

[تعليق صوتي]

إنه مخرج من جيل الثمانينيات الذي تأثر بالعوامل السياسية والاقتصادية المحيطة به وأهم التقنيات التي يفضلها خيري والتي من خلالها رصد الواقع المرير الذي شكل رؤاه وأحلامه هي الخروج بالكاميرا إلى الشارع وإلى المواقع الحقيقية للحدث واهتمامه بمعالجة المهمشين العشوائيين.

[مشهد من فيلم يوم حلو ويوم مر]

خيري بشارة: يوم حلو ويوم مر هو ذكريات شبرا.. يعني حتى فيه تفاصيل خاصة، مثلا لما سيمون بتحرق نفسها كان واقعة وأنا صبي في شارع شارعين من هنا عن بنت حرقت نفسها والحاجات دي بتبقى في الذاكرة غامضة وبيبقى الخيال بينسج حواليها حاجات مش حقيقية.

[مشهد من فيلم يوم حلو ويوم مر]

[فاصل إعلاني]

[تعليق صوتي]

السينما لديه ليست هي موضوعا وإنما هي الوسيلة الثقافية والطليعية عبر الإيقاع والإضاءة وطريقة السرد الدرامي في رؤية نافذة للحياة في لحظات معينة.

رفيق الصبان: سينما خيري بشارة تمتاز بالجماليات.. الجماليات أحيانا المغرقة في جماليتها وغارقة في شاعرية خاصة هو يعرف إزاي ينظمها وإزاي يوازنها وإزاي يعطيها الوقع الموسيقي اللي يخليها شديدة التأثير على المتفرج، هو الحقيقة يعرف تماما إزاي يخلق الجو، خلق الجو الريفي الصعيد في الطوق والإسورة، خلق الجو الإسكندراني في أيس كريم في جليم بواحدة من أحسن التجارب السينمائية اللي عملها عمرو دياب، خيري بشارة عرف إزاي يضعه في إطاره الملائم ضمن جو خاص بإسكندرية، خلق الجو القروي الرغبة المتوحشة، خلق جو أحياء شبرا الفقيرة في يوم مر ويوم حلو، خيري بشارة مهندس الأجواء السينمائية وشاعر للتفاصيل، يعني إذا أردنا أن نرى كيف تلعب التفاصيل السينمائية دور باهر في سينما خيري بشارة فما علينا إلا أن نعود وأن نتأمل تحفته الكبيرة الطوق والإسورة.

[تعليق صوتي]

يتناول الفيلم حياة الجنوب القاسية وفقره وعاداته وتقاليده البالية.

[مشهد من فيلم الطوق والاسورة]

"
فيلم "إشارة مرور" أخذت جائزة الهرم الفضي في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي
"
 خيري بشارة

خيري بشارة: بعد الرحلة دي من 1974 لقيت نفسي في سنة 1996 مش قادر، خفت أكره السينما، حسيت بصراحة في سنة 1996 إن أنا أجهدت، كل الأحلام اللي أنا بأشتغل عليها سنين وسنين ما بتتحققش واللي بيتحقق حاجة ثانية، كنت عملت فيلم إشارة مرور وقشر البندق وفيلم إشارة مرور أخذ جائزة الهرم الفضي في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي والعجيب رغم هذا ما يبدو نجاح فأنا ما كنتش سعيد لأن أنا وأنا نازل على السلم بعد ما أخذت الجائزة كنت مقرر إن أنا أدور ظهري للسينما، كنت عايز أبعد عايز طيب أدور على نفسي بقى، يعني أدور على نفسي كمواطن عادي له أسرة وله حياته الخاصة وله أشيائه الخاصة، كان لازم أعمل لنفسي تنشيط.. إعادة تنشيط فقررت إذاً أنا أبدأ آخذ بالي من نفسي، يعني أنا على قد ما بأعشق السينما أنا كمان بأعشق الحياة.

[تعليق صوتي]

ويبتعد خيري بشارة عن هموم المواطن البسيط إلى سينما أقل قتامة مما سبق.

خيري بشارة: قررت إن أنا في الفترة دي اللي وقف وبعدت إن أنا أتعلم حاجات كثير بدأت أتعلم إزاي أصور بالكاميرا الديجيتال، بدأت أعلم نفسي إزاي أسجل صوت، إزاي أمنتج، النهاردة أنا حاسس عن أي وقت إن أنا 100% حر، في الفترة اللي فاتت مثلاً أنا ما ابتعدتش عن السينما أنا ابتعدت عن السينما التجارية ولكن أنا عملت في الفترة دية عملت فلمين ما ظهروش,, مش مهم، لكن هما لهم وجود فعلي ويوماً ما أي حد ابني أو غيره هيعرضهم والناس هتشوفهم، فعملت فيلم بين فرنسا وأميركا اسمه ضوء الأيام الأخرى ولكن اللي أنا مستمتع به إن أنا أعرف وأعرف وأعرف وفي نفس الوقت أمنتج الأفلام اللي هي مجرد تعبير شخصي، ما يهمنيش إنها تنجح، ما يهمنيش إنه يقولوا عليا إن أنا مخرج عظيم أو مخرج موهوب أو مخرج زفت المهم إن أنا أعمل الأفلام اللي أنا بأحبها وأنا حر إني أعملها بفلوسي.

[مشهد من فيلم ليلة في القمر]

خيري بشارة: أكبر جريمة ارتكبت في حق الشعب ده عدم احترام الثقافة، الثقافة هي حياة بلد، الثقافة مش معناها فقط كتاب بأقرأه معلومات عارفها وإنما هي أسلوب حياة، نمط حياة، أنا رغم الصورة اللي تبدو إن أنا بأعطي صورة أو رصد للواقع يبدو متشائم أو يبدو الأسود فيه أكثر من الأبيض بس أنا بأعتقد إن التركيبة المصرية تركيبة الإنسان العادي تركيبة فيها يعني فضائل كثير وفضائل كثير عن المستوى الإنساني والأخلاقي، أعتقد دي اللي هتنقذ شعب أو بلد من إنها تنهار، لازم بلد بالجمال ده وناس بالحلاوة دي لازم هينهضوا، لازم هيلاقوا مكانهم الحقيقي على الخريطة كما يستحقوا.