- المعالجة السينمائية للإرث الثقافي المغربي
- التوجه للتلفزيون لمخاطبة الجمهور المغربي العريض


[تعليق صوتي]

وضع محمد عبد الرحمن التازي نُصب عينيه منذ بداية ولعه بالصورة عنصراً هاماً يتمثل في إخضاع الإرث الثقافي والعمراني للمسائلة البصرية عبر السينما، لذلك كان تناوله جوانب من التراث أحد أهم الفصول التي حمل مشعلها السينمائي بالمغرب الأقصى، لم يكن هذا العشق من محض الصدف بل جاء نتيجة وسط عائلي منغمس في نخاع مدينة فاس العاصمة العلمية للمغرب التي تربى في أحضانها، بعدما أنعشته فكرياً استوطنت مدينة فاس بعمرانها وتاريخها وحكاياتها مخيلة المخرج إلى الأبد.

المعالجة السينمائية للإرث الثقافي المغربي

محمد عبد الرحمن التازي - مخرج سينمائي: عندما كنت في ثانوية مار يوسف أذكر أن الوزارات من جيش وشرطة كانت يومياً تطلب تلامذة للالتحاق بها، أما أنا فكان لدي هاجس التواصل والسينما لم تكن موجودة سوى على شكل محليات مغربية من أنباء مصورة وبعض الأشرطة القصيرة فقط، لذا عندما توجهت إلى باريس كان الخيار بالنسبة لي هو دارسة إدارة التصوير.

[تعليق صوتي]

قبل أن يشتد عُوده سينمائياً ويعود للانقضاض على هذا الإرث العريق تقلب محمد عبد الرحمن التازي في مدارس مختلفة كان أبرزها تكوينه الأكاديمي في المعهد العالي للدراسات السينمائية في باريس وخلافاً للكثير من الطلبة القادمين من المغرب العربي أرسى التازي تكوينه في إدارة التصوير كقاعدة أساسية لتربيته الجمالية قبل النزوح نحو الإخراج السينمائي، بعد عودته إلى المغرب انضم عام 1970 إلى المخرجين حميد بناني وأحمد البو عناني ومحمد السقاط لإنشاء مؤسسة إنتاجية هي سيجما تليتي إلا أن هذه المجموعة لم تثمر سوى عن فيلم طويل واحد هو وشمة الذي بقي أسير المكتبات رغم قيمته الفنية، بعد تجربة وشمة بعشرة أعوام جاء ابن السبيل أو (كلمة بلغة أجنبية) عام 1980 ليكون الفيلم الأول الذي يحمل توقيع التازي كمخرج سينمائي زرع فيه أولى بذور أفكاره عن الترحال ومغامرة الحياة التي غالباً ما ترمي بأبناء المغرب في مياه المتوسط المتقلبة الأمواج وفي اتجاه غير محدد المصير، فانطلق في الشريط برحلة مع سائق شاحنة محملة من جنوب المغرب إلى أن يصل إلى شماله خالي الوفاض.

[مشهد من فيلم ابن السبيل]

محمد عبد الرحمن التازي: ابن السبيل كان محطة ارتحالية للانتقال من إدارة التصوير إلى الإخراج السينمائي وكما نرى في الفيلم إنه شريط متنقل، ليس فيه مكان محدد أو شخصيات يرتكز عليها باستثناء سائق الشاحنة، كان عملاً مصوراً لمحطات من مشواره من الجنوب إلى الشمال وكان بالنسبة لي أول تجربة في التعامل مع الممثلين.

[مشهد من فيلم ابن السبيل]

محمد عبد الرحمن التازي: كيف يمكن للإنسان أن يتواصل مع الشخص الآخر وبين منطقة مغربية وأخرى، قد لا يحصل هذا التواصل سواء بسبب عائق اللغة أو الحياة أو الضغوط الاجتماعية، هذه كانت الفكرة العامة في الفيلم.

[تعليق صوتي]

بدأ المخرج في التازي يطغى على مدير التصوير أكثر فأكثر مع فيلمه الثاني باديس إذ بدأت تظهر المعالجة الدرامية لقصة متشابكة الفصول والشخصيات، تدور أحداث القصة عام 1974 في بلدة أسبانية على الأراضي المغربية، إلى هذا المكان البعيد الذي تختلط فيه الهويات اختار أن ينتقل مدرس من كزابلانكا لكي يتمكن من مراقبة زوجته التي يشتبه بوفائها، بالرغم من احتجازها في البيت تربط الزوجة علاقة صداقة بفتاة من البلدة تعاني هي الأخرى من سجنها الخاص إلى أن يأتي يوم تحاولان فيه الفرار.

[مشهد من فيلم باديس]

محمد عبد الرحمن التازي: إنها شبه الجزيرة اُحتلت من قبل الأسبان في القرن السادس عشر وإلى حد الآن لا تزال مستعمرة، بالنسبة إلي عندما رأيت هذا المكان وجدت أنه بمثابة منصة أو حتى خشبة مسرح، فقلت إن مسرحي لابد أنه سيكون في هذا المكان.

[مشهد من فيلم باديس]

بعد فيلم باديس قرع المخرج على باب التفاصيل المجتمعية المغربية الذي وقف على عتبته في محاولاته الأولى فجاء البحث عن زوج امرأتي عام 1993 ليحقق ما لم يحققه أي شريط مغربي وُزِعَ في صالات العرض المجهزة في البلاد، حيث حطم رقم ثمانمائة وخمسين ألف متفرج في منتصف التسعينيات إضافة إلى موضوعه الأصيل وديكوراته التي قدمت خدمةً للتراث العمراني الفاسي كان أسلوبه الفكاهي فاتحة خيرٍ على مخرج أبان على قدرات كبيرة في الانغماس في الوسط المجتمعي بحنكة وذكاء بحيث تناول موضوع تعدد الزوجات من وجهة نظر شخصية الحاج موسى الطريفة، فهذا الأخير على الرغم من محبته الكبيرة لزوجته الثالثة هدى لم ينقذه انفعاله من طلاقها للمرة الثالثة مع ما يتوجب بعد ذلك من إجراءات مؤلمة لاستردادها.

[مشهد من فيلم البحث عن زوج امرأتي]

"
تناولت موضوع تعدد الزوجات بطريقة فكاهية فقدمت فيلم "البحث عن زوج امرأتي"
"
محمد التازي
محمد عبد الرحمن التازي: أفضل وسيلة هي أن أحكي قصة تتعلق بي وبعائلتي وبيتي في مدينة فاس وأن أطرح موضوعاً مهماً جداً وهو تعدد الزوجات لكن بطريقة فكاهية لأن الجمهور متعطش لقصص مغربية، هذا لا شك فيه، لكن أبقى في إطار الاحترام للمتفرج وللشخصية المغربية.

[مشهد من فيلم البحث عن زوج امرأتي]

أميدو – ممثل: أعوام طويلة لم تكن للجمهور أية علاقة بالسينما المغربية، كانت الأفلام إما عربية مصرية أو أميركية ولكن في البحث عن زوج امرأتي وبفضل موضوعه المأخوذ من صميم المجتمع المغربي استطاع التازي أن يحقق نجاحاً من أروع ما يكون.

[مشهد من فيلم البحث عن زوج امرأتي]

[تعليق صوتي]

هكذا مرةً أخرى في نهاية الشريط يضع التازي شخصيته في عرض البحر في رحلة بحث جديدة ستفتح لها آفاق تجارب أخرى وللتازي عقبة جزء ثانٍ لقصة بقيت عالقة في بدايتها.

[فاصل إعلاني]

[تعليق صوتي]

على غير عادته سيشهد الوسط السينمائي المغربي لأول مرة في تاريخه ولادة جزء ثانٍ لشريطٍ حطم حينها كل الأرقام، ففي عام 1996 أخرج محمد عبد الرحمن التازي الجزء الثاني للبحث عن زوج امرأتي بعنوان للاحبي الذي تناول من خلاله البحث المتتالي للبطل الحاج بن موسى عن زوجته الثالثة في الوسط المغربي العربي المقيم في أوروبا مع معالجة تروم الكوميديا السوداء في التعامل مع هذه الحكاية الشعبية وكان اللاعب الممثل المغربي أميدو دور الحاج.

[مشهد من فيلم للاحبي]

محمد عبد الرحمن التازي: التحدي كان بالنسبة للقصة وبالنسبة للتصوير خارج البلد فهو صعب جداً، كذلك بالنسبة لاستمرارية تلك القصة ولكن شخصياً أجد في الجزء الثاني عمقاً أكثر من الأول خصوصاً في اتجاهه لمعالجة قضية العنصرية ومشاكل الجالية المغربية في الخارج.

[مشهد من فيلم للاحبي]

[تعليق صوتي]

الحاج بن موسى في بلجيكا جاء تجسيداً لوضع الإنسان العربي أو المغربي الذي يُضطر حيناً إلى تمويه هويته للعبور بسلام.

أميدو: عندما اقترح علي أن أمثل الدور في الجزء الثاني بدل الممثل سكيرج قلت في نفسي إنها فرصتي الثمينة لأعود إلى السينما المغربية.



[مشهد من فيلم للاحبي]

[تعليق صوتي]

التوجه للتلفزيون لمخاطبة الجمهور المغربي العريض

بالرغم من أبعاده السياسية ونهايته المحيرة بدورها لم يحظ للاحبي جماهيرياً بالنجاح نفسه الذي حصده الجزء الأول البحث عن زوج امرأتي.

[مشهد من فيلم للاحبي]

محمد عبد الرحمن التازي: لدينا مدن كثيرة في المغرب تفتقد بشكل تام للقاعات السينمائية وبعض هذه المدن يتعدى عدد سكانها مائتي ألف منها الورززات والخميسات وعدد من المدن، لكن طرق التوزيع والبث والعرض قد تطورت.

[تعليق صوتي]

إلى جانب همومه السينمائية محمد عبد الرحمن التازي ملتزمٌ منذ عدة أعوام بالوسيط الأعرض جماهيريةً أي التلفزيون، فهو يشغل منصباً إدارياً في محطة دوزام المغربية المحلية ويرى في عالم التلفزة مسرحاً مهماً للتواصل والتخاطب مع القاعدة الجماهيرية الكبيرة خصوصاً في المغرب العربي حيث تندر الصالات السينمائية.

محمد عبد الرحمن التازي: لا نعتمد على مدخول الأفلام من الجمهور، الفيلم يجب أن يصل إلى المتفرج دون بالضرورة أن يحصد مدخولاً، لذا أظن أن الاشتراك مع القنوات التلفزيونية قد يثمر عن إنتاج بعرض في القاعات قبل أو بعد عرضه على التلفاز وهذا لاحظته لأن القناة الثانية تنتج حوالي فيلمين في الشهر وعدد المتفرجين هو حوالي خمسة أو ستة ملايين متفرج يشاهدون هذه الأفلام على تنوع جودتها، عندما قرأت رواية الأستاذ أحمد توفيق أعجبت بها وبالسرد الأدبي فيها، لديه كتابة تصويرية جميلة، فاتصلت به هاتفياً قلت له إنني معجب بالرواية ولابد أن نجد حلاً لتطويرها إلى فيلم سينمائي.

[تعليق صوتي]

بالرغم من التعاون القائم الآن ما بين المشتغلين في الأدب ونظرائهم العاملين في السينما إلا أن هذه العلاقة ظلت عصيبة لفترة زمنية طويلة عاتب من خلالها الروائيون جهل السينمائيين لأعمالهم وكسلهم المزمن تجاه الأدب، محمد عبد الرحمن التازي من بين أولئك السينمائيين الذين قرروا تحطيم جدار الصوت والعمل على أمهات النصوص الأدبية المغربية المعاصرة عبر نقلها للسينما وذلك لما تختزنه هذه النصوص من فكر وما تزيل عنه الستار من إرثٍ تراثي كبير قليلاً ما أزالته عنه عدسة السينما، جارات أبي موسى للروائي الوزير أحمد التوفيق، إحدى هذه الأعمال التي اقتبسها محمد عبد الرحمن التازي.

محمد عبد الرحمن التازي: كنت على ثقة أنه لدينا كفاءات تقنية إن كان بالنسبة للأزياء التي صممتها ماريا صديقي، أم بالنسبة للديكور والأماكن وكذلك التمثيل بل هناك جرأة في هذا الميدان، كان من الصعب تصوير الرواية على الطريقة السينمائية خصوصاً أنها تجري في أزقة تحتلها الآن الصحون اللاصقة والأسلاك التي تشكل صعوبة في التصوير لذا كان التصوير على طريقة الديجيتال هو الوسيلة الأحسن.

[مشهد من فيلمم جارات أبي موسى]

[تعليق صوتي]

القصة الشعبية قدمت للتازي العذر ليغوص قدر ما يشاء في التراث المغربي مع ما يمتزج فيه من واقع وتاريخ ومن خرافة وأساطير.

محمد عبد الرحمن التازي: المشكلة بالنسبة لكاتب السيناريو هي الاندماج والتواصل بين جميع الفئات التي تكوون الطاقم السينمائي ولذلك لا يمكن أن يكون بدون منتجين.

[مشهد من فيلم جارات أبي موسى]

"
السينما هي مرآة للحضارة وهي فرصة لجعل الأشياء الموجودة حاليا تبقى للأجيال المقبلة، والسينما ظرف لكي يظهر المغرب داخل وعبر هذه الأفلام
"
التازي
محمد عبد الرحمن التازي: السينما هي مرآة للحضارة وهي فرصة لجعل الأشياء الموجودة حاليا تبقى للأجيال المقبلة، بغض النظر عن المهرجانات، السينما ظرف لكي يظهر المغرب داخل هذه الأفلام وعبر هذه الأفلام وفي هذه الأفلام.

[مشهد من فيلم البحث عن زوج امرأتي]

[تعليق صوتي]

يبقى محمد عبد الرحمن التازي الرجل مقبلاً على الحياة بشغف كبير عاشقاً لأصالة وطنه وتراثه الحضاري المتجذر في القِدم ويبقى عشقه للحياة عشقاً فريداً لا يوازيه إلا عشقه لتلك السينما الداعية إلى السلم والمحبة والناظر في مكامن الأخلاق في القصص الضاربة في التاريخ أو في القصص المعاصرة، سينما تنتهي دائماً بالبحث كما تبدأ به على غرار عدم لا يعرف أن يلتزم بإجابات محددة وحياة لا تكف عن المفاجئة.

محمد عبد الرحمن التازي: عام 1998 مررت بأزمة صحية إذ أجريت عملية في القلب وابتداء من ذلك العام وكأنها ولادة جديدة، نوع من رؤية وكأن كل يوم هو ربح بالنسبة لي ولحياتي ورؤية جديدة بالنسبة للتعامل مع الحياة والتعامل مع الأشياء التي تأتيك من دون انتظار.