- الفيلم الوثائقي وإبراز القضية الفلسطينية
- السينما ومحاكاة الواقع الفلسطيني

 

[تعليق صوتي]

الفيلم الوثائقي وإبراز القضية الفلسطينية

اسمه نزار حسن، مخرج فلسطيني من مواليد المشهد إحدى ضواحي الناصرة عام 1960، اختار السينما أداة تعبير وتحليل وسلاح مواجهة، تعاطى مع الفيلم الوثائقي بأسلوب جديد شكلا ومضمونا ونالت أعماله إعجابا عربيا وعالميا واسعا في المهرجانات مثل لايبزك، إدفا، مارساي، مهرجان العالم العربي والإسماعيلية.

نزار حسن - مخرج فلسطيني: ببلدنا بيحكوا حكاية والحكاية يمكن صارت ويمكن من الخيال نسجوها وما بأحكي إلا نص من أحد نصوصها والحكاية بتقول.

[تعليق صوتي]

منذ بدأ مسيرته السينمائية عام 1990 عايش نزار حسن فلسطيني 1948 وشكلت عدسته مرآة تعكس قصص هذا المجتمع وتناقضاته مع الذات والعدو.

نزار حسن: كالعادة يوم قبل ذكرى استقلال إسرائيل رفعوا العلم.. علم إسرائيل على صف من هذه الصفوف، ثاني يوم الصبح فاتوا ما لاقوه والبلد والمختار خافوا أنه الحاكم العسكري يتهمهم بعملة ما بتنعمل، أهل البلد دوروا ودوروا وما لاقوه، ابتلعته الأرض.

[تعليق صوتي]

بين العالم العربي وفلسطيني 1948 أسلاك واحتلال وتواصل مقطوع، فكيف لنا أن نلتقي بسينمائي يعيش هنالك، حملنا الكاميرا وأسئلة وشهادات من لبنان وذهبنا إلى الأردن، في عمَّان يتوجه السائق مجدي إلى جسر الشيخ حسين ليأتي بنزار حسن.

نزار حسن: مجدي صباح الخير.

مجدي: صباح الخير، كيفك أستاذ نزار؟

نزار حسن: اسمع لسه أنا طلعت من الناصرة، بأفكرش أني راح أتأخر طيب..

مجدي: أنا بدي ساعة زمن إن شاء الله بأكون على الجسر إن شاء الله.. وصلت؟

نزار حسن: أه مجدي، وين صرت أنت؟

مجدي: حمد الله على السلامة، أنا هنا على باب المعبر.. السلام عليكم..

ضابط المعبر: حمد الله على السلامة..

مجدي: الله يسلمك..

ضابط المعبر: معلش الهويات والجوازات إذا سمحتم..

[تعليق صوتي]

لا يسعك وأنت تستعد لتصوير فيلم عن مخرج ما إلا أن تتخيل مكان نشأته، مع أن فلسطين هي خبزنا اليومي إلا أن صورتها تبدو في الخيال غير واضحة..

بيار أبي صعب - ناقد سينمائي: أنا عندي الإحساس بالحرمان الدائم بكل شيء له علاقة باكتشاف الثقافة الجديدة بفلسطين وخصوصا فلسطين المحتلة بـ 1948..

[تعليق صوتي]

الأسئلة عن فلسطين كثيرة الناقد بيار أبي صعب حملنا البعض منها لنطرحه على نزار حسن..

بيار أبي صعب: هو وين عاش؟ وين اشتغل؟ وين تعلم؟ وين عرض أول أفلامه؟ وين صور؟ وأي جيل في حواليه جيل مثله؟ أنا بأحب أسأل عن فلسطينيته كمان، أيش يعني اليوم لو واحد مثل نزار حسن يكون فلسطيني..

نزار حسن: فلسطيني أكيد يعني ومنزعج أنه فلسطين بعدها محتلة ومش رايح انبسط بحياتي إلا لما فلسطين ترجع كلها مش جزء منها.

[مشهد من فيلم أسطورة]

[تعليق صوتي]

صفوري هي القرية الفلسطينية المدمرة والتي لا تبعد أكثر من أربعة كيلومترات من المشهد مسقط رأس نزار حسن وصفوري هي حكايات الجدات والأمهات التي رافقت طفولته..

نزار حسن: من جهة أمي أربيت أنه.. وهذا السر الكبير اللي حكت لي إياه، أنا بأحكي بسنوات الستين كان عمري أربع سنين وسكرت علينا الباب أنا وأخوي وأختي وحكت لنا، بدي أحكي لكم قصة وممنوع تحكوها على الإطلاق، بريت البيت لأنه أكيد المخابرات الإسرائيلية موجودة في كل محل واللي حكته أنه ما فيش شيء اسمه إسرائيل، هاي إسرائيل الدولة اللي قامت على احتلال فلسطين، هون كانت فلسطين وحكت لنا التهجير وحكت لنا شو صار، أبوي كان كثير يهتم بشغلة ثانية بقصة أنه إحنا عرب، كان دائما الكبار كانوا يخافوا، كانوا يحاولوا يخفوا أنهم فلسطينية وعرب دائما.

[تعليق صوتي]

فلسطين عربية.. هذا ما يخبره الأهل لأبنائهم في السر، هذا ما يعبر عنه الأولاد في العلن.

[مشهد من فيلم الاستقلال]

[تعليق صوتي]

على بعد كيلومترات من المشهد تقع الناصرة حيث اكتشف المخرج الحب والفن والسياسية.. حيث اكتشف الحياة.

"
الناصرة هي بيتي وأحبها ولكنني أخجل منها لأن أهلها يخلطون بين العربي والعبري كتقليد أعمى للإسرائيليين
"
      نزار حسن
نزار حسن: الناصرة هي بيتي، وين ما أفر بالدنيا أنا بدي أرجع على الناصرة، بس الناصرة قد ما الواحد بيحبها قد الواحد ما بيكرهها لأن فيها شيء بيخجل، بيخذل الواحد يعني لما بيسمعهم بيحكوا بيخلطوا بين العربي والعبري، تقليد أعمى يعني للإسرائيليين، مش كل أهل الناصرة هنا فلسطينية لأن في ناس اختاروا يسيروا ما يسمى عرب إسرائيل للأسف الشديد.

[مشهد من فيلم استقلال]

نزار حسن: من جهة ثانية الناصرة هي كل شيء ثقافي فلسطيني طلع منها، كل شيء وطني طلع منها.

[تعليق صوتي]

في الناصرة أيضا سحر شاشة وعتمة صالة أخذا نزار حسن إلى عالم الخيال، تلك كانت سينما ديانا.

نزار حسن: في سنوات السبعين كان في سينما في الناصرة مهمة كثير اسمها سينما ديانا اللي هناك حضرنا كل الأفلام دكتور جيفاكو وجريز، بس يمكن حضرت فيها أهم فيلم أثر علي وانبسط فيه اللي هو أبي فوق الشجرة، كان فيلم بيجنن، كمان وقتها تعرفنا على السينما العربية لأنه كانوا يعرضوا سينما عربية كثير.

[تعليق صوتي]

في أواخر السبعينات غابت سينما ديانا وتحولت إلى متجر لا يشبه فلسطين ولا الصالة المظلمة التي شكلت الوعي الأول للمخرج السينمائي، في الناصرة أيضا قمع واحتلال وشاب لا يسعه إلا أن يحتج على وضعه.

نزار حسن: أنا دائما كنت مفكر أكتر أترك ولما خلصت الدراسة الثانوية رحت عملت (Passport) على أساس أطلع على أوروبا ومن أوروبا أروح على الدول العربية حتى أنضم وأصير فدائي لأني لما شفت أمي فهمت إن أنا شوي جبان وهي ده كانت اللحظة اللي ما عملت شيء، أنا لما ما قدرتش أكمل في السياسية توجهت للسينما وأهم شغلة كانت بالنسبة لي لما جئت على السينما إن ما أكونش سياسي فاشل أجئ على السينما.

[تعليق صوتي] jvأترأت

هكذا تحول نزار حسن من مشروع فدائي شاب إلى سينمائي، ذهب إلى صناعة الأفلام مختزن في قلبه فدائيا يقرأ فلسطين بلغة سينمائية تخاطب العقل والوجدان والمستقبل، في أفلامه الأولى بحث نزار حسن في عمق الجرح لدي أجيال من فلسطيني الأرض المحتلة الذين فرض عليهم منذ عام 1948 الاحتفال بمأساتهم بالنكبة أو بعيد يوم استقلال إسرائيل.

[مشهد من فيلم استقلال]

نديم جرجورة - ناقد سينمائي: واحد من أهم المواضيع اللي كان مصر نزار حسن بين معظم أفلامه يحكي عنها هي مسألة علاقة الفلسطيني ببلده، بيحكي عن مجتمع فلسطيني يعيش في دولة إسرائيل.. اللي هو سؤال الهوية بس إنما سؤال هكذا معلق.

[تعليق صوتي]

بحث المخرج في الهوية الممزقة بين راية دولة الاحتلال أو راية الانتماء إلى الوطن.

نديم جرجورة: أدى نزار حسن أفلامه بصورة عن الفرد الفلسطيني اللي هي عملياً واقع، طبعا هذا الفرد مش دائماً حلو بس طريقة الشغل كانت حلوة، طريقة الأسئلة مهمة وبنظري صدامية أحياناً من دون أي تفكير إيديولوجي وتنظير ونضال إلى ما هنالك.

[تعليق صوتي]

طوال مسيرته السينمائية حاول نزار حسن الاقتراب من صورة الإنسان الفلسطيني مبتعداً عن الصورة النمطية.. صورة الضحية التي كان يراها في معظم الأفلام التي عالجت القضية الفلسطينية.

نزار حسن: ما فيش حدا مش ضحية، خلينا نبدأ.. ما فيش حدا هو مش ضحية، المشكلة الكبيرة إنه الضحية يتقمص أيديولوجية الضحية.. يعني بيحول الشيء لحالة قدرية، إذا هي حالة طبيعية وحالة قدرية معناته ما في مسؤولية أمام هاي الشغلة، يعني إنه ما هو مسؤول عن مصيره.. مش مضبوط، أول مرة تعاملت مع هاي الشغلة مع ياسمين.. فيلم ياسمين أكثر شيء.

[تعليق صوتي]

ياسمين امرأة فلسطينية مسجونة بتهمة قتل شقيقتها بدافع الشرف.

[مشهد من فيلم ياسمين]

[تعليق صوتي]

يجري المخرج تحقيقاً معها، تظهر ياسمين في البداية مظلومة وضحية للمجتمع الذكوري الذي أوصلها إلى هذه الحالة، يطلب المخرج المحقق إطلاق سراح السجينة ليوم واحد ويرافقها إلى قبر شقيقتها، هناك تنكشف حقيقة ياسمين وتتحول من ضحية أُجبرت على القتل إلى جلاد شارك في الجريمة وتقر بمسؤولياتها.

[مشهد من فيلم ياسمين]

[تعليق صوتي]

نزار حسن: وياسمين ما كانت ضحية ولا كانت جلاد.. كانت الاثنين مع بعض.

[فاصل إعلاني]

السينما ومحاكاة الواقع الفلسطيني

[مشهد من فيلم ياسمين]

[تعليق صوتي]

لا يعزل نزار حسن قصة ياسمين عن قصة مجتمع فيه نساء ورجال وعلاقات قائمة فيما بينهم مسببة لجرائم شرف، التحقيق يطاله هو أيضاً فيجد نفسه في قفص الاتهام من قِبل أخته.

أخت نزار حسن: أنا مش راح أكون مساوية لك.. أنا مجبورة أعيش هون، لأنه أنا لو بدي أرجع على البلد شو وظيفتي تكون؟ إني أكوي لك، إني أحضر لك أكلك.

نزار حسن: أنا؟

أخت نزار حسن: أه أنت.

نزار حسن: أنا؟

أخت نزار حسن: من عشر سنين إحنا نبدأ أخي إن كان ناسي.. شو ناسي؟ أنا بأتمنى تكون عندي المقدرة إني أكون في البلد وأعمل الأشياء اللي بنفسي أعملها، إني أناضل زي ما بأناضل، إني أتعلم.

نزار حسن: اعملي اللي بدك إياه، سوي اللي بدك إياه وكل هذه الأشياء.

أخت نزار حسن: ماشي كأنك أنت عم بتسمحي لي يعني؟

نزار حسن: مش بأسمح، ما أنتي بتقولي لي كأني أنا ما بسمحلكيش.

[تعليق صوتي]

وبذلك ينتقل المخرج من متهِم وراء الكاميرا إلى متهَم أمام الكاميرا موسعاً دائرة النقد انطلاقاً من ذاته.

نزار حسن: فهمنا بهذه اللحظة اللي فيها إنه الكل متهم.. الكل متهم حتى يعمل لتغيير الواقع.

[تعليق صوتي]

"
يسعى نزار حسن إلى بناء واقع سينمائي يحث المجتمع والمشاهد على التحليل والمساهمة في تغيير الواقع
"
    تقرير مسجل
يسعى نزار حسن إلى بناء واقع سينمائي يحث المجتمع والمشاهد على التحليل والمساهمة في تغيير الواقع، شخصياته أناس عادين، يكرهون ويحبون، يقاومون ويتقاعسون، إنها شخصيات تشبه أناس الحياة.

نزار حسن: الرجل مش قصة واحدة والفقر مش قصة واحدة، الحب والكره مش قصة واحدة، ما فيش قصة فلسطينية واحدة.. فيه مليون قصة.

[تعليق صوتي]

السينما التي تريد أن تشبه الحياة تتعامل مع القصة بوصفها مجموعة متداخلة من القصص، هذا ما حاوله نزار حسن في فيلمه أسطورة.

[مشهد من فيلم أسطورة]

[تعليق صوتي]

أسطورة هو فيلم يسرد فيه الخرج قصص أفراد عائلة فلسطينية تشتت في عام 1948 بسبب النكبة، ينطلق المخرج إلى الحكاية من خلال ألبوم صور العائلة ويتسلل بين أفرادها الموزعين ما بين فلسطين وألمانيا والأردن، السرد السينمائي يبحث في جغرافيا شتاتهم وقصصهم الفردية فيجيء متقطعاً كالشتات.

نزار حسن: أكثر من هيك إنه للوهلة الأولى الأشياء ما إنها هناك بس بالنهاية بتتركب، زي يعني السجاد اللي في هون قطعة وهون قطعة وهون قطعة وبعدين بيصير شكل كامل وبيتركب.

[مشهد من فيلم أسطورة]

[تعليق صوتي]

هناك يوسف وخضرة في الأردن ومحمود في ألمانيا..

[مشهد من فيلم أسطورة]

[تعليق صوتي]

وسليم الذي بقي مع جدته في فلسطين وكان المبادر في جمع شمل العائلة وإعادتها إلى الوطن وعند العودة تجتمع قصص الأفراد لتكِّون قصة العائلة فيأتي ألبوم الصور أغرب من الخيال.

[مشهد من فيلم أسطورة]

[تعليق صوتي]

ظروف شتت عائلة فلسطينية وفيلم أعاد جمعها، كأن الخيال وحده قادر على صياغة فلسطين.

نزار حسن: السينما التحدي تبعه هو الخيال، إنك تقدر تتخيل عالم، إنك تقدر تتخيل خطوة، إنك تقدر تتخيل بني آدم.

[تعليق صوتي]

قد يكون ضربا من الخيال أن ترى جندي إسرائيليا يجلس قبالة شاشة ليعلق على مجزرة شارك في ارتكابها.

[مشهد من فيلم اجتياح]

[تعليق صوتي]

عام 2002 وبعد مرور ساعات على انتهاء اجتياح جنين يدخل نزار حسن المخيم ويصور الموت والحياة في إطار واحد، وسط الدمار تتوقف عدسته عند إشارات وضعها جنود الاحتلال على جدران المخيم، الإشارات نفسها استخدمها النازيون خلال الحرب العالمية الثانية لاضطهاد اليهود، فكيف يتصرف على هذا النحو من عانى المحارق النازية؟

نزار حسن: أنا حاولت أفهم كيف الشر هذا بيصير؟ كيف الشر بيدافع عن حاله؟ كيف الشر بيواجه حاله؟

[تعليق صوتي]

بحثا عن جواب سأل المخرج جنديا إسرائيليا عما ارتكبت يداه في جنين.

[مشهد من فيلم اجتياح]

نزار حسن: أنا مخرج اللي عندي قوة هائلة عليه زي ما كان عنده هذا البلدوزر الرهيب قوة هائلة على أهل المخيم أنا عندي السينما.

[تعليق صوتي]

أتى فيلم اجتياح مواجهة سينمائية جريئة بين نزار حسن والجندي أمام شاشة تظهر للجاني قصص أناس أرادوا ما يريده كل إنسان.. الطمأنينة، البيت الدافئ، الحب والأحلام الصغيرة، لكن الاجتياح وقف حاجزا بوجههم وأجل الحياة.

[مشهد من فيلم اجتياح]

[تعليق صوتي]

هل وعى هذا الجندي الإسرائيلي أنه مات هو أيضا في جنين وتخلى فيها عن جزء من روحه وإنسانيته وأضاع طمأنينته إلى الأبد؟

نزار حسن: أنا باعتقادي الإسرائيلي ما له علاقة بها الوطن، عنده تساؤل كبير على علاقته مع الوطن.. هو بيجبر على حاله، بيحب هذا الوطن أو يكرهه.

[تعليق صوتي]

الشمس لحظة الغروب، يغادر نزار حسن إلى فلسطين، لا نعرف متى سنلقاه من جديد، هل الحدود، الاحتلال، الأسلاك الشائكة سوف تسمح بذلك؟

نزار حسن: الأشياء اللي بتلتقي بالفيلم ما بتلتقي إلا بالفيلم.

[تعليق صوتي]

غداً يوم جديد، سوف نلتقي نزار حسن في فيلمه الجديد، فيلم يحيي فيه فلسطين، سيدتنا فلسطين التي منها عرفنا أن على هذه الأرض ما يستحق الحياة.