- معايشة الحرب وأثرها
- السفر لدراسة السينما ثم العودة لصناعة الأفلام

معايشة الحرب وأثرها





زياد دويري- مخرج سينمائي: ما بأتذكر في فترة من حياتي من زمني من وقت الطفولة في شيء ثاني كان بدي أعمله غير السينما، لا.. لا بتذكر لما كنت صغير كان بدي أكون أطفاجي، بعدين من الأطفاجية اتغيرت بدي أعمل غطاس تحت البحر بس أنجا بعرف أتسبح فقلت يمكن في الشتاء هابقي بأعوم.

[مشهد من فيلم ويست بيروت]

زياد دويري: أوقات الحرب كنت أقضيها كثير على السطوح، بعندنا بالبناية كنت أقضي كثير وقت على السطوح لأنه كان وحتى أنا وصغير ما كنت أعملها قصد، كنت بشكل عفوي أطلع على السطح لأنه كان يبعدني عن الخراب تحت.

[تعليق صوتي]

في الثالث عشر من أبريل عام 1975 انطلقت الشرارة الأولى لحرب لبنان من خلال ما عُرف بمجزرة بوسطة عين الرمانة وفي عام 1999 بعد أعوام عدة على انتهاء حرب الخمسة عشر عاماً في لبنان انطلق عرض فيلم لمخرج لبناني شاب من الجيل الذي عُرف باسم جيل الحرب يتطرق إلى حادثة عين الرمانة تلك وإلى بدايات ومعاناة تلك الحرب، كان همه الأول منصباً على تحقيق فيلم ذاتي يروى من خلاله فصلاً من صباه فوجد نفسه أمام فيلم يحرك الأقلام ويجعل من مخرجه نجماً مبكراً من نجوم السينما العربية فاستحوذ ذلك الشاب بين فيلم وضحاه على اهتمام الصحافة العالمية وانهالت عليه الجوائز، بدءاً من مهرجان كان وصولاً إلى البحرين، فكان فيلماً واحداً كافياً لاندلاع النقاشات حول بداية جديدة للسينما اللبنانية إنه فيلم ويست بيروت للمخرج زياد دويري.

زياد دويري: السينما بالنسبة لي عالم كثير كبير، لحتى أقدر أحدده بجملة واحدة السينما لازم تكون بنفس الوقت تعبير شخصي عن الخبرات اللي أنت عشت فيها، عن المجتمعات اللي أنت عشت فيها، عن القصص اللي بتقرأها أو الأشياء اللي بتوحي لك وبنفس الوقت قضية.

[تعليق صوتي]

تحول ويست بيروت إلى فيلم يشكل مرجعاً عن الحرب اللبنانية قد يعود ذلك إلى بساطة المعالجة التي اتسم بها الفيلم، إذ لم يشأ زياد أن ينحصر في شؤون السياسة اللبنانية المحلية، أراد ترك الأمور بسيطة فروى حكاية الحرب من خلال الحياة اليومية وليس من خلال المعارك السياسية، فكان بدء الحرب فرصة للهو وللغياب عن المدرسة وهي فرصة لا تعوض للمراهقين خصوصاً أن خوف الناس وبطالتهم يؤديان إلى خلخلة في النظام.

إبراهيم العريس- ناقد سينمائي: فيلم زياد دويري تعاطى مع الحياة تعاطي جديد مختلف لأنه هو جاء من بره هذه الحياة ومن جواها.. يعني بالاوعي تبعه كان جواها للحرب كطفل.. يعني بيعيش الاوعي، أما بالوعي تبعه صار خارجها، فصار يقدر يفصل حاله عن الشخصية اللي هو عم بتمثله على الشاشة واللي عم بتمثل كل واحد منا، فيصير مثل اللي عم يتطلع بمرآية.. يعني مضاعفة عشر مرات لمكانه هو خلال هذه الحرب يعني.

[مشهد من فيلم ويست بيروت]

كارمن لبس- ممثلة: فيا أشبه أنا شغلة زياد بسيد درويش.. يعني بمحل سيد درويش بيسموا الأغنية نوع الأغنية الموسيقي تبعيته طقطوقة بس هي مش طقطوقة، اللي هو بيبسط القصة.. بيبسط الموضوع ليوصل للعالم.

[شريط مسجل من فيلم ويست بيروت]

[تعليق صوتي]

يروي الفيلم حكاية ثلاثة أطفال على أبواب المراهقة وبلاد على أبواب الضياع، هم يودّعون الطفولة وهي تستقبل المجهول، رغبات المراهقة تجتاح الأطفال ومحرمات العقل يستبيحها المقاتلون.

[شريط مسجل من فيلم ويست بيروت]

جويل توما- كاتبة سيناريو: أنا وزياد عندنا شغلة إنه بنشتغل كثير مليح سوى وهذه شغلة نادرة.. يعني إنه بيفتكر حظ إنه ضبطت معنا، أول مرة جربنا نشتغل سوى فيه أخذ وعطا كثير قوي بيننا ما فيه نوع من إنه أنا أحسن من وأنت أحسن وهاي فكرتها وهاي فكرتك.. يعني هاي ده كله كثير بيزعج، ما بيقدروا اثنين يشتغلوا مع بعضهم إذا بدهم يشتغلوا على ها الأساس، ما عندنا أبداً ها المشكلة، كل واحد بيزيد على الثاني، نتناقش بكل شيء.. بكل فكرة إحنا عم نكتب سيناريو كل فكرة بتطلع بدنا نتناقش فيها، اللي بيقنع الثاني راح تبقى أو ما راح تبقى.. يعني فيه نوع من الغربال يعني.

السفر لدراسة السينما ثم العودة لصناعة الأفلام



[تعليق صوتي]

عشق زياد دويري الصورة فسافر إلى الولايات المتحدة عام 1983 لدراسة التصوير السينمائي، دخل إلى هوليوود وعمل كمصور سينمائي مع عدة مخرجين عالمين لعل أبرزهم كوينتن ترانتينو ما ساهم في نضوج رؤيته السينمائية، طال غيابه عن بيروت فعاد إليها ليصور أول أفلامه بنظرة وتقنية أكثر خبرة وربّما أكثر أميركية الصنع، فأصبح زياد البعيد القريب دوماً عن مدينته.

[شريط مسجل من فيلم ويست بيروت]

زياد دويري: الفترة اللي الإنسان بيعيش فيها المراهقة طبيعته هي الفترة اللي بتبقى أكثر شيء برأسه، مثل نوع الأكل اللي بتأكله بظهرك بأول حياتك هو النكهة يا اللي بتركب على جسمك أكثر شيء رغم إنه فيه كثير مثلاً مطابخ غربية مليحة وبتظل بتحن على الأكل اللبناني أكثر لأنه تعودت له، لأنه كبرت أنا وعم بأكله مش لأنه أحسن، الأشكال.. الأشخاص اللي أنت بتتعلق فيهم، بيروت أكثر شيء بتبقى بعقلي يمكن مش علشان أحلى مدينة أكيد مش أحلى مدينة فيه مدن أحلى بكثير من بيروت بمائة مرة بس بأفتكر بتعلق ببيروت لسبب إنه ربيت فيها أول سنين حياتك ففي على طول نوع من (Nostalgia).

[شريط مسجل من فيلم ويست بيروت]

[تعليق صوتي]

نجح زياد في ترجمة الواقع والمجتمع اللبناني على الشاشة الكبيرة بدقة ملفتة على الرغم من حرصه على الابتعاد كلياً عن الرمزية الدرامية للشخصيات التي طالما طالعت السينما اللبنانية والعربية بشكل عام، فجاءت شخصية الطفل عمر على الرغم من خفتها تجسيداً بارعاً لصورة المواطن اللبناني المتماشي دائماً مع التيار.

"
فيلم "ويست بيروت" نجح لبنانيا وأوروبيا، ولعله الفيلم اللبناني الوحيد المعروف على نطاق الغرب
"
إميل شاهين
اميل شاهين- ناقد سينمائي: ويست بيروت أنا بأحطه كمحطة خاصة بالسينما اللبنانية أولاً من ناحية نجاحه لأنه ها الفيلم قدر ينجح لبنانياً، قدر ينجح أوروبياً وقدر يتوزع أميركياً.. يعني هو فيك تقولي يمكن الفيلم الوحيد إلا معروف بنطاق الغرب عن.. من الأفلام اللبنانية.

[تعليق صوتي]

حقق ويست بيروت نجاحاً جماهيرياً ونقدياً كبيرين إذ عرض الفيلم في 82 مدينة ولاقى نجاحات لافتة في عروضه اللندنية والباريسية كما في لوس أنجلوس ونيويورك ليحصل من بعدها على أكثر من 15 جائزة دولية منها جائزة أسبوعا المخرجين في مهرجان كان وجائزة مهرجان ترونتو في كندا وتايتي في الصين وبهذا توج الفيلم كأحد أهم أفلام السينما اللبنانية، كيف ذا وهو الفيلم الذي نجح في إظهار سحر وجمال مدينة وهي في عز هذيانها.

[مشهد من فيلم ويست بيروت]

[فاصل إعلاني]

[تعليق صوتي]

بعد النجاح المميز الذي عرفه ويست بيروت كان متوقعاً أن يتمكن دويري بكل سهولة من العثور على تمويل لمشاريعه التالية، إلا أن التوقع كان خاطئاً، إذ ها هو زياد دويري يحقق فيلماً ثانياً ولكن في فرنسا وبأموال لا علاقة لها لا بلبنان ولا بمواضعه، فقد وقع كتاب هكذا قالت ليلا بين يدي زياد فأعجبه كثيراً وبدأ بالعمل مع جويل توما على اقتباس القصة في سيناريو، فيما جرى تمويل من قِبل منتجة الجزء الثالث من سلسلة العراب مارينا غفتر، الفيلم يروي باختصار حكاية تمتد جذورها إلى العلاقة بين الرجل والمرأة والخيال الجنسي الذي يتحكم بها من خلال العلاقة التي تربط بن الشاب شيمو والفتاة ليله على خلفية تجربة شاب عربي في فرنسا، ليله تروي قصصاً لشيمو لا يفهمها، تمرر له رسائل مخبئة في طيأت ألفاظ غير معهودة، تعلن الحب لكن على طريقتها كصبية غامضة وحساسة.

زياد دويري: قعدنا فترة بالبداية نرجع.. قضينا فترة نركّب القصة بس اللي عجبنا فيه إنه.. مش في الكتاب في السيناريو وإحنا عم بنكتبه جربنا ندخل بعض الأشياء من بعد 11 أيلول لما نيويورك انضربت، حسينا.. شوي بشوي ما كنا بنعملها أصلاً وشوي شوي صارت تيجي إنه ليش ما نعمل من وقت لوقت استعارة.. نستعير من الحوادث اللي بعد 11 أيلول، ففجأة صار عندنا قصة، بنت غربية شقراء بتتعرف على واحد عربي من أصل مسلم عربي خلقان بفرنسا، مجرد ما يكون عندك هذا المحتوى صار عنك خلاف في الحضارات.

جويل توما: بالأول فيه معطيات بالأول أنت بتحطيها، إنه هيك بدها تكون البنت، هيك الشاب هيك، بس بعد شوي شوي بتبلش الشخصية هي لأنها بتقوى ولأنه بيصير عندها أكثر.. بيصير عندها قصة، كثير هي لحاله بتحط لك الحدود تبع شو فيها طعم شو ما فيها طعم، شو فيها تقول شو ما فيها تقول، مش راح تقعد ليله تحكي إباحي بلا حدود، لا، بتحس هي تقول له هون هلا راح أعطيه شويه غير شيء.

[تعليق صوتي]

انتقل دويري في فيلمه إلى فرنسا إلا أنه لم يبتعد كلياً عن الأجواء اللبنانية، فنقل جغرافية الأحداث من باريس كما ينص الكتاب إلى الجنوب الفرنسي على ضفة المتوسط لقربها إنسانياً واجتماعياً من المكان الذي نشأ فيه، فسعى إلى نقل أجواء الأحياء العربية معه من الغسيل المعلق على حبال الشوارع الضيقة إلى وجوه الشباب الخائفة من ضجر اليوم وغد مجهول.

كارمن لبس: تجربتي مع زياد حسستني إنه الممثل له أهمية، له دور.. يعني الممثل مش أداة لينفذ شو بده المخرج أو ليقول الكلام اللي كاتبه السيناريو.. اللي عم بيقوله السيناريو، بيترك لك مساحة إنك.. بيقول لك شو بده.. يعني أهم شيء لزياد بيوصل لك الفكرة آخر شيء أنت عندك هاي المساحة اللي بتلعبي فيها ما بيخنقك وهاي شغلة بأعتقد كثير عظيمة وهي بتخلق العفوية.

"
الفيلم الذي صوره دويري بفرنسا جاء بنفس الحساسية الموجودة في فيلم بيروت الغربية من ناحية الموضوع ومن ناحية علاقة المخرج بالشخصيات
"
إبراهيم العريس
إبراهيم العريس: فيلمه اللي هو.. يعني هكذا قالت أو هكذا تكلمت ليلا هو فيلم أنضج من الناحية الفنية، لكن كأنه عمله.. الشكل الخارجي له كأنه عمله مخرج ثاني تماماً، مش بس إنه جاء تطوير للفيلم الأول بيروت الغربية جاء مختلف تماماً عنه بالشكل الخارجي بس، فمن الناحية لغته السينمائية، من ناحية تعامله مع الممثلين، من ناحية.. بس الغريب إنه هذا الفيلم اللي لا يمت إلى زياد الدويري وحياته ظاهرياً بصلة ولا بمرجعية حتى جغرافية لأنه بيدور بمارسيليا في فرنسا إلى آخره أتى كمان على نفس صدق ونفس الحساسية الموجودة بفيلم بيروت الغربية من ناحية الموضوع ومن ناحية علاقة المخرج بالشخصيات اللي عم يصورها الفيلم.

[تعليق صوتي]

لاقى هكذا قالت ليلا بدوره نجاح جماهيرياً ونقدياً لافتاً في كل من أوروبا والولايات المتحدة، فشكل قفزة إلى الأمام في مشوار دويري الواعد، عرض الفيلم في 33 بلد وعدة مهرجانات دولية كمهرجان ساندينس وميامي وتورونتو ومهرجان فيرونا الإيطالي حيث حصل على جائزة التحكيم الخاصة ومهرجان ديغون في أسبانيا حيث حصد ثلاث جوائز دفعة واحدة هي جائزة أفضل فيلم وأفضل سيناريو وأفضل ممثل، إلا أن نجاح هكذا قالت ليلا في الخارج طرح مشكلة ابتعاد دويري عن المواضيع اللبنانية والعربية، خاصة وأن جرأة الفيلم حالت دون عرضه سوى في ثلاثة دول عربية هي لبنان، فلسطين والمغرب.

اميل شاهين: أنا برغم إعجابي هكذا قالت ليلا بأقول شغلة إنه يمكن زياد دويري أصاب أكثر مع ويست بيروت، لأن ويست بيروت بينحط بالأفلام المميزة بالسينما اللبنانية وهو بين الأوائل بالسينمائيين اللي عم بيعالجوا مواضيع لبنانية بينما هكذا قالت ليلا رغم كل جودته الفنية بيبقى نقطة ببحر أفلام أوروبية أو غربية بكثرة مهمة.

زياد دويري: الشغل زي ما قلت لك بييجي من جوه.. يعني لما تشعري إنه عندك قصة قوية بدك تخبريها، ما بأعود القصة إلى جنسية أو ما بأعود لها هوية، تكتبي قصة مش لأنه بالك تكتبي قصة، لأنه إنفعلت بشكل ما لأنك إنغرمت بشخص بيوحي لك ببعض الأشياء، لأنك عشت بسفرة أوحت لك أشياء أو يمكن وقعت على كتاب فيه قصة كثير بتهمك، بس أقول إنه بدي أرجع هلا على لبنان، لا، ما عندي هلا بالوقت الحاضر عم بأقول ما عندي فكرة بتحصل بلبنان، جوال على فكرة بتحصل بلبنان بس أنا ما عندي إياها، بالمستقبل أكيد.

[تعليق صوتي]

لا تزال مخيلة زياد السينمائية محملة بمواضيع العالم العربي، فهو انتهى من كتابة سيناريو عن المحادثات السرية التي حدثت قبيل مؤتمر مدريد، غير أن الفيلم واجه العقبة التقليدية التمويل.

جويل توما: نحن عم نفتش عن تمويل بفرنسا وبأميركا، مش هين إنه الواحد بده يركض لأنه هاي قصتي بس أنتم بدكم تدفعوا لتخبروني إياها، مفروض العرب يمولوها، بالنهاية بيقولوا خليها على جنب وضلي عم بأفتش وراح أجرب أكتب قصة وأخبر قصة بتهمهم هم بالبلدان الغربية لكي أقدر أمولها وأعمل شغلة وأنبسط كمان بمهنتي بي النهاية.

زياد دويري: أنا (كلمة غير مفهومة) على العالم العربي، أنا فقدت أمل إنه المشاهد.. ما عم بأحكي على المشاهد عم بأحكي على الأنظمة أو عم بأحكي على الرقابة العربية، الدليل إنه المشاهد أخذني بفجأة.. تفاجئت إنه المشاهد العربي يتجاوب بشكل كثير إيجابي للفيلم.

[تعليق صوتي]

لا شك في أن زياد دويري يُعبّر من خلال رؤيته وأحلامه السينمائية عن أحلام جيلاً يعيش أشكال واقع الثقافة العربية المريب، فنراه يتنقل في بقاع الأرض كطائر يبحث عن هواه، يحمل الكاميرا كفنان شرس يعيش داخل الصورة وخارجها ويبتعد عن لعبة القدر محاولاً التغلب عليه.