- التأثر بالسينما المصرية والانطلاقة الأولى
- بين الحلم السينمائي والالتزام بقضايا الوطن

رضا الباهي - مخرج سينمائي: من النادر أن يهتم تلفزيون أوروبي بسينمائي من الجنوب وأن يطلب منه إخراج شريط عن علاقته بالسينما أيام كان طفلا، كيف لي أن أتحدث عن طفولتي؟ كيف أتلافى تجميل أبطالها وتشويههم؟ ما الذي ستحتفظ به ذاكرتي وما الذي ستهمل؟ لماذا تعود بي رائحة القهوة دائما إلى القيروان؟

 

التأثر بالسينما المصرية والانطلاقة الأولى

[تعليق صوتي]

لم يكن في بال شوارع القيروان ولا أهلها أن ينشأ فيها الفتى رضا الباهي ليصبح أحد أهم المخرجين في الساحة السينمائية العربية حاملاً معه صور القيروان الأولى التي انطبعت في ذاكرته منذ أن ولِد فيها عام 1947.

رضا الباهي: الولادة إيطالية ولدتني وجابتني بالدنيا وبالتالي أول ما صرخت وصحت كنت في أيدي إيطالية، كذلك المدرسة الابتدائية وأنا طفل ضُربت لأني ما حفظتش القرآن وهذه كذلك ما أنساها لأني ضربت مائة وخمسين ضربة على ساقيّ وكان الوالد كذلك مربي فراح تخاصم هو والمعلم هذا زميله وشالني وحطتني في مدرسة، مدرسة الراهبات.. مدرسة يعني فيها مجموعة من الفرنسيين والإيطاليين واليهود وبعض الطبقة يعني البرجوازية المحلية، هو مكان مش محرَّم مكان مقدس مكان الأم مكان أمي، أمي تستاهل فيلم وأفلام لحالها لوحدها، صمت أمي فقط صمتها عندي أنا يتعمل فيلم عن صمت أم بقطع النظر إنها ترمز إلى الأرض ترمز، ترمز لكن هي الأم هي مخزون وهي في نفس الوقت هي اللي تعاني وفي نفس الوقت تعرف ضعف الرجل وفي نفس الوقت عندها تلك القدرة على الحب وعلى العطاء رغم ما تعانيه ولكن اللي أنا دائما كان يحزّ فيّ أن أعرف أن الأم كانت مثلا كانت تبكي وتخرج ما غير ما نشوف دموعها لكن نعرف أنها كانت تبكي فكان هذا يقطعني من الداخل تقطيع تعرف يمزقني تمزيق، كنا مثلا نشاهد أبوي يضحك في القهوة مع أصحابه وأصدقائه وإذا به لما يدخل في البيت يصبح ذاك صامت واللي يفرض على الآخرين الصمت والرهبة والخوف فتنبهت أنا إني أقول كنا نشوف الوالد يضحك ويفلق مع أصحابه ونقول يا ريت أمي دي تشوفه كما أنا قاعد أشوفه يعني نحلم أنه أمي تشاهد والدي يضحك.

[مشهد من فيلم صندوق العجائب]

رضا الباهي: كانت تلك أول مرة أشاهد أبويّ يتعانقان وكانت الأخيرة أيضاً، يومها تعلمت كيف أخفي مشاعري عن العيون، قيروان صامتة كذلك مثل الأم قيروان قاعد في الحياة الجدران تهترئ لكن فيها نوع من السخرية نوع من أنها تقول للناس مُروا مُروا أنا باقية لأنه حاليا قيروان مشوهة، مشوهة أولاً بنوعية من السكان اللي ما بيحترموهاش وما بيعرفوش تاريخها ولا يحترموا أزقتها ولا الأسماء حتى المكتوبة على الأزقة بتاعتها وهذا الجري واللهاث وراء البني هذا الهامشي والجري واللهث وراء ربح المصاري خلى أنه القيروان تشوهت زربيتها تشوهت، المقروض أصبح لا يأكل لأنه غير هو المقروض الحلويات القيروانية، أتذكر أسرار الناس فيلم لفاتن حمامة وكان تاريخ عمري أربع سنوات، أتذكر الدمعات الأولى اللي شوفت يعني نزلوا في السينما وهبطت دموعي كانت على الفيلم هذا العربي اللي هو أسرار الناس نسيت حتى المخرج لكن كنت مستغرب من دموعي هابطة في حكاية ما تهمنيش لأني أنا معاقب لأني أنا صارت لي حاجة لكن نبكي فكانت هذه كذلك من الحاجات اللي أثرت فيّ ولحد الآن دائما وخاصة أتذكر صندوق مسّاح الأحذية اللي صنعه لي الوالد والدي لما كذبت عليه وكنت قلت له ماشي عشان أشوف في فيلم على الحج واكتشف أنه كان فيلم يعني مش على الحج.

[مشهد من فيلم صندوق العجائب]

مشارك أول: رضا الباهي هو دائما أفلامه مسكونة بمرجعية سينمائية وخاصة مرجعية عربية، السينما المصرية حضرت في أفلام رضا الباهي وحتى الموسيقى المصرية.

"
تأثرت بالسينما المصرية، فالأفلام العربية القديمة بالأبيض والأسود لصلاح أبو سيف وهنري بركات ومحمود ذو الفقار وكمال الشيخ، هزت وجداني
"
رضا الباهي: أنا صلاح أبو سيف، هنري بركات، محمود ذو الفقار، الأفلام القديمة العربية الأبيض والأسود، كمال الشيخ، كل هؤلاء الأفلام اللي كونت وجداني أنا شخصياً فيلم شاهين باب الحديد من الأفلام اللي كذلك هزت كياني، بداية ونهاية لصلاح أبو سيف من الأفلام الأساسية الأول بقدر ما أنطونيو أثّر فيّ بقدر ما برغمان لاسورس بقدر ما صلاح أبو سيف بداية ونهاية فعندي تواصل مع السينما المصرية.

سمير فريد - ناقد سينمائي: أنا رضا الباهي يعني عرفته في تونس 1972.. في مهرجان قرطاج 1972 أيام ما كان المهرجان في ذروته يعني بعد عرض فيلم عتبات ممنوعة اللي هو كان عتبات ممنوعة وكان فيلم ممنوع أيضا، وقتها يعني أدهشني الفيلم بجرأته وفرحت بمنعه لأن السينما الحقيقة اللي بدون أفلام ممنوعة سينما ميتة.. ميتة.

رضا الباهي: أنا ابن القيروان والموضوع يحكي عن الكبت الجنسي في مدينة مثل القيروان ومدينة فيها السواح ما عندهمش عادة البقاء وعادة المكوث والالتقاء بسكان المدينة، فالفيلم كان بقطع النظر عن الاغتصاب وما الاغتصاب كان كذلك يحكي عن الوحدة أو عن الكبت الجنسي عند طبقة معينة وعند ناس معينين.

[تعليق صوتي]

وجرت الانطلاقة الكبيرة مع فيلم العتبات الممنوعة الذي أطلق الباهي بإعترافاً من مهرجانات عالمية كمخرج المواضيع الشائكة في خضم اعتراضاً وشجب رسمي من دولة تونس التي رأت في الفيلم رؤية معارضة لسياستها السياحية آنذاك.

رضا الباهي: السياحة عندي أنا في تلك الفترة يعني هجمت هجوم يمكن تركزت لكن الشباب ما يعرفش لكن في الستينات فعلا كانت في صدمة.

[مشهد من فيلم العتبات الممنوعة]

رضا الباهي: لو كان صومعة الجامع ليس لها الحرمة ولا المكانة لكنت اخترت اغتصاب في أي مكان آخر لكن لأن هي مقدسة ولأن هي تمسني بالذات ولأن السائح هو اللي يغتصب الجامع ومش بائع البطاقات البريدية المهزوم المكبوت الجاهل، الجاهل بدينه والجاهل بالتعامل يغتصب، فهي.. يعني أنا هنا نأخذ فسحة مثل الصوفية يعني الصوفي أحيان ممكن يقول لك جمله فالجملة هذه تحدث صدمة عند القارئ العادي لكن عندها مفهوم ودلالات أخرى، فأنا الاغتصاب في الجامع مش اغتصاب شخصية بائع البطاقات البريدية للسائحة بقدر ما هو اغتصاب السائحة التي تدخل عارية أو شبه عارية أو باستهزاء من الثقافة العربية فهذا هو الاغتصاب الحقيقي، الاغتصاب الحقيقي هو ما يقوم به السائح في أماكن مقدسة، الاغتصاب الحقيقي هو لما يكون فيه فريق سينمائي يجئ يصور في جامع القيروان ويغتصب ذاك المكان.

[مشهد من فيلم صندوق العجائب]

رضا الباهي: يظل المخرج الملتزم مش هو اللي يطرح قضايا سياسية في أفلامه بقدر ما هو المخرج الملتزم هو اللي يعبر عن أحاسيس الشعب اللي هو ينتمي له والأرض اللي ينتمي لها، أنا لما عملت العتبات أو شمس الضباع نحس أن سياسة السياحة دمرت البلاد هذا إحساسي ودمرت ركائز الهوية.



[فاصل إعلاني]

بين الحلم السينمائي والالتزام بقضايا الوطن

[مشهد من فيلم شمس الضباع]

[تعليق صوتي]

في تجربته شمس الضباع الذي اختير في أسبوعي النقاد في كان عام 1977 ونال نجاحاً جماهيرياً كبيراً في الغرب ذهب الباهي في نوع من الكوميدية الدرامية أبعد وأعمق في موقفه من التدخل السياحي، تدور أحداث الفيلم حول قرية صيادين تتهدم بنيتها الأساسية الاجتماعية والاقتصادية من جرّاء بناء فندق يحوّلها إلى مركز سياحي فيشغل سكانها بوظيفة خدماتيه بحتة.

[مشهد من فيلم شمس الضباع]

مشارك أول: علاقة رضا الباهي بالآخر في العتبات الممنوع في أيضاًَ هذا الفيلم الذي يعتبره فيلماً مهماً ولم يأخذ حظه كما مفروض وهو الذاكرة الموشومة ورأوا كيف أنه معمرين يريدوا يغادروا تونس عشية الاستقلال وابنهم يرفض مغادرة هذا البلد.

[تعليق صوتي]

اتهم الذاكرة الموشومة بنوع من الحنين إلى حقبة الاستعمار بسبب تناوله للمقاومة الوطنية بحق آخر المستعمرين دون أن يقصد الباهي إدانة لتاريخ ما وإنما اعترافاً بآخر.

[مشهد من فيلم الذاكرة الموشومة]

رضا الباهي: هواجسي وكما تكبدت في طفولتي وفي مراهقتي من عذابات ومن تعب ومن أشياء خلتني أني.. يعني السينما وأنا ارتبطوا أكثر من الشعارات السياسية وخاصة أنا كنت لما كانت التيارات في 1968 و1967 والهزيمة العربية وفي تونس (كلمة بلغة أجنبية) عمري ما دخلت في تحزّبات، كنت بالعكس دائماً مش منزوي قدر ما إني متفرغ لأني يعني ولحد الآن مثلاً يعني ما ندخلش في تجمعات سياسية أو في تجمعات حتى فكرية وثقافية قدر ما أنا نفضل التأمل أو نفضل أني نشاهد وأفلامي تعبر عن هذه المشاهدة طبعاً بحسي وبطريقتي الشخصية.

[مشهد من فيلم الذاكرة الموشومة]

[تعليق صوتي]

"
استعان الباهي بممثلين عالميين أمثال جولي كريستي وباتريك برويل وبنغا زارا، ليوظفهم بأسلوب يناسب طروحات أفلامه شكلاً ومضموناً
"
         تعليق صوتي

في خط موازي بين الحلم الذي تقدمه السينما وبين الالتزام بالقضايا التي تعنيه لم يتردد رضا الباهي في الاستعانة بممثلين عالميين أمثال جولي كريستي وباتريك برويل وبنغا زارا، اختار العمل مع هذه الأسماء ليوظفها بأسلوب يناسب طروحات أفلامه شكلاً ومضموناً.

مشارك أول: تطورت السينما إمكانية السينما وضرورية السينما وتراتيب السينما تطورت بطبيعة الحال لكن روح بذرة التمرد دائماً نجدها في رضا الباهي وبذرة أنه الإنسان المتحفز لالتقاط ما يجري من مشاكل سواء في تونس أو على مستوى المشهد العربي دائماً رضا الباهي نجده في الموعد وله الفضل في كثير من الشهادات.

[تعليق صوتي]

مع تقرّبه من الفلسطينيين وأدبهم وبموازاة مع الانتفاضة الأولى ولوح أفق المفاوضات انشغل المخرج بمشروع فيلم عن احتمالية السلام فجاء فيلم الخطّاف لا يموت في القدس شهادة سينمائية صادقة قابلتها نيران انتقادات إسرائيلية وعربية.

مشارك أول: أهم لقطات في الخطّاف لا يموت في القدس الذي أنجز سنة 1994 هي لقطات مأخوذة من التلفزة وكأنها سمة وضعت على محك جديد ورهان جديد أنه لا بد أنه السينما تدخل في حوار مع التلفزة لكي ربما تفضح ما هو مغلوط في الصورة التلفزية وتعاكس الصورة التلفزية وتحاول السينما أن تخلق صورتها.

[مشهد من فيلم الخطّاف لا يموت في القدس]

رضا الباهي: في ناس وفي أطروحات فلسطينية كذلك تقول لك لو بقى الفلسطيني ما خرجش في 1948 كان الواقع الفلسطيني اليوم مختلف.

[مشهد من فيلم الخطّاف لا يموت في القدس]

[مشهد من فيلم صندوق العجائب]

رضا الباهي: في هذه المرحلة العصيبة أي دور لشريط سينمائي يحتفي بمباهج طفولتي الخاصة هل هو طريقي للانصراف عن كل ما يثير استنكاري وغضبي أم أنه على العكس وسيلة رائعة تمكنني من مقاومة بشاعة العنف السائد اليوم تمكنني من مقاومة القبح والموت واللامبالاة الآخرين.

[تعليق صوتي]

رغم كل النجاحات والإحباطات في شريط حياته يستمر الباهي في عشقه للسينما فهل تبادله السينما هذا العشق؟