- سينما.. الطريق إلى فلسطين
- باريس.. مدينة الكادرات المفتوحة

المكان، غزة، الزمان صيف 1973، العنوان مخيم الشاطئ للاجئين، الحي بلوك ج.

[تعليق صوتي]

بدأت القصة سنة 1962 في غزة في مخيم الشاطئ حي بلوك ج في جو من الشعور بالكبت الناتج عن الاحتلال والرغبة الجامحة بالحياة، هنا وُلد رشيد مشهراوي وترعرع بين براءة الطفولة وحقيقة جنود الاحتلال، هذه الحقيقة التي تدفعه اليوم إلى الغوص في تعقيدات النفس البشرية حتى حدود المنظور فيبسط تعرجاتها في أفلامه بأفضل طريقة واقعية ممكنة، هذه الحقيقة جعلته أكثر إحساساً بالوضع البشري بصورة عامة ووضع الفلسطينيين بصورة خاصة ولذلك فإن إنتاجه السينمائي يتميز ببساطة التعبير وواقعية مقاربة الحدث ضمن نظرة إنسانية شاملة.

[مشهد من فيلم دار ودوار]

سينما.. الطريق إلى فلسطين

"
السينما الفلسطينية حققت وطن فلسطيني قوي لم يحققه السياسيون أو المفاوضات أو الانتفاضة، فالسينما التي قمت بها ليست ردة فعل لأي فعل يعمله الاحتلال ضدنا، بل هي فعل بحد ذاته
"
رشيد مشهراوي - مخرج سينمائي: الحالة الفلسطينية بالسينما كثير صعبة.. كثيرة صعبة لأنه الحالة الفلسطينية كثير مطروحة بالإعلام وبيهيأ للناس اللي بيشوفوها بالتلفزيونات وبيقرؤوا عنها أنهم بيعرفوا ومسيطرين وعارفين شو عم بيصير، إحنا الفلسطينيين اللي عايشين هناك بنعتقد إنه ما بيعرفوا شيء، السينما هي عملت وطن فلسطيني موجود قوي بيشمل اللي بينعش اليوم الذاكرة الجغرافيا فعملياً السينما الفلسطينية قدرت تحقق وطن فلسطيني ما قدروا يحققوه السياسيين أو ما قدروا يطلَّعوه بالمفاوضات أو حتى الانتفاضة ما قدرت تحقق الوطن اللي موجود في السينما لأنه السينما بتحافظ على الذاكرة، التلفزيون بيمحو الذاكرة، السينما الفلسطينية اللي أنا بأعملها هي مش ردة فعل لأي فعل بيعمله الاحتلال ضدنا، هي فعل بحد ذاته، يعني أنا ممكن أعمل عن الفلسطينيين كحياة كمجتمع كعلاقات كعادات وتقاليد، لو راح الاحتلال وصار فيه دولة فلسطينية كيف إحنا بنحمل خلاص بقى فيه سينما يعني مش لازم نعمل سينما، لا ده فيه شعب وفيه عادات وتقاليد وفيه لغة وفيه تاريخ وفيه جغرافيا، لازم يكون فيه سينما ما لها بشكل مباشر في الاحتلال.

[تعليق صوتي]

في الرابعة عشرة من عمره يكتشف مشهراوي ميلا للرسم ويبدأ بالتعبير عن وضعه كلاجئ عن طريق الفن ومع توالي اللقاءات والمصادفات يبدأ العمل في السينما كتِقني أو بإدخال عمله الفني وبعد بضع محاولات لصناعة أفلام قصيرة يحقق أخيرا الشهرة في العام 1988 بفيلمه (الملجأ) الذي فتح له السبيل لتحقيق ما يقارب عشرين عملا بين وثائقي وروائي، مع فيلمه الثاني دار ودور الذي أُخرج طَلبا من المحطة البريطانية (BBC) برهن مشهراوي موهبته في التجديد والابتكار في حقل السينما الفلسطينية، الفيلم تميز بكونه أول عملٍ فلسطيني يعبر عن القضية بطريقة غير مباشرة من خلال تصوير عامل تنظيف في المنازل الإسرائيلية، تغوص الكاميرا في حياة هذا الإنسان اليومية والعادية مع كل تعقيداتها وجمالها على خلفية الانتفاضة الأولى وحرب الخليج.

رشيد مشهراوي: أنا ما قررت وما حلمت أنه أنا بدِّي أكون مُخرجا يمكن قبلت على نفسي تسمية المُخرج بعد فيلمي الثاني أو الثالث، يمكن أنا بأعمل أفلام يعني أنا بأتعامل مع مواضيع فنية بالحياة بأستعين في السينما عشان أحكي الحكاية

[تعليق صوتي]

الوضع الفلسطيني العام يسمح دائما لتصوير الأفلام بسهولة، لكن ربما طبيعة رشيد الديناميكية وتقدمه رغم الصعوبات التي تعترضه هو ما جعله يحظى دائما بأشخاص يؤمنون بمقدرته السينمائية ويرفقونه في رحلة الألف ميل حتى النهاية.

مشارك أول: معه كان لقاءً سينماتوغرافيا بكل معنى الكلمة، لقد عملت على فيلم واحد مع رشيد خصوصيته أنه كان علينا التصرف بسرعة طوال الوقت في فلسطين أم في مصر، الصعوبة كانت أنه طالما نجد الإطار المناسب كان علينا التصرف، لم نكن نملك الترخيص اللازم كما لم يكن بالإمكان البقاء مطولا لدواعٍ أمنية، إنه فعلا فيلم صُنع على عَجَل.

مشارك ثاني: رشيد بالنسبة لي ينتمي إلى فئة السينمائيين أمثال ريتيبان، هو سينمائي واقعي منتج وسريع البديهة طريقته هذه تجعله يملك أشياءً كثيرة ليعبر عنها، غالبا ما يعبر عنها بطريقة عادلة.

"
بفلسطين لا توجد حركة سينمائية لعمل فيلم سينمائي، فلا توجد طواقم فلسطينية بحتة، ولا توجد مختبرات ولا مونتاج بحرفية عالية، ولا توجد دور عرض
"
رشيد مشهراوي: الطريقة اللي أنا بأعمل فيها الأفلام تبعي أنا ما اخترتها هي صارت .. صارت يعني فيه عدة عناصر وُلدت هكذا نواة سينما، أولا لأن بفلسطين ما فيه حركة سينمائية ما فيه أجهزة اللي تقدر تعمل فيلم سينمائي، ما فيه كوادر طواقم اللي تقدر تبدي معها فيلم سينمائي، بأحكي طواقم فلسطينية بحتة، يعني أكيد ما فيه مختبرات وما فيه مونتاج بمستوٍ عالٍ، ما في دور عرض اللي تقدر بعد ما تخلَّص الفيلم تقدر تعرضه بالسينما، لما بأقول ما فيه دور عرض يعني ما فيه دار عرض واحدة، يعني زيرو فنيا، إحنا ما عندنا حكاية جاهزة اللي نحكيها للعالم إن حياتنا كالتالي واحد اثنين ثلاثة أربعة وكالتالي لا، إحنا بفلسطين حالة والحالة هاي مش ثابتة يعني الحالة هاي ممكن بُكرة تنقلب أو بعده تنقلب فأنا بالأفلام عندي دائما فيه مجال مفتوح بالفيلم الروائي السينمائي الطويل اللي بيكون مكتوب له سيناريو دائما بيكون فيه مساحة للواقع أنه يتدخل..

[مشهد من فيلم تذكرة إلى القدس]

[تعليق صوتي]

تذكرة إلى القدس أُنتج عام 2002، قصة الشخصية الرئيسية في الفيلم مستوحاة من مسيرة رشيد مشهرواي الشخصية لأنه هو نفسه كان خَلَف سينما متجولة تنطلق فكرتها بعرض أفلام في عدة مدن وبلدات فلسطينية لا وجود للسينما فيها، تصوير الفيلم متقطعٌ وانتقائيٌ حسب الظروف الموضوعية المحلية ومزاج الجنود على الحواجز الإسرائيلية، من هنا يحاور الفيلم الحدود بين الروائي والتسجيلي فمن قصة الشخصية الرئيسية التي تريد عرض أفلام لأطفال فلسطينيين إلى واقع الحواجز الإسرائيلية أين يبدأ الخيال؟ وأين يقف الواقع؟ هذا السؤال الذي يعجز عن إيجاد جواب له هو تلقائي أمام أي فيلم يصوَّر في وضع معقَّد مثل الوضع الكائن في الأراضي المحتلة في فلسطين.

[مشهد من فيلم]

رشيد مشهراوي: كوننا فلسطينيين وعندنا مشاكل سياسية مع إسرائيل وعندنا قضية عادلة هذا ما بيعطينا نعمل سينما منيحة ولا بيساعد السينما أنت بدك تعمل الأول سينما هذا ممكن يساعد القضية الفلسطينية ويخليها تطلع فإذا أنت الأول لازم تكون سينمائي بعدين تكون عربي بعدين تكون فلسطيني بعدين بتتعامل مع مواضيع سياسية أو شغلات هيك، أنا بأحب السينما يعني أنا بأحب السينما لأنه أنا مديون كثير للسينما في حياتي، السينما ساعدتني أتحمل عبء الاحتلال، السينما أعطتني فرصة أحكي عن أشياء اللي لو ما كانت السينما صعب كان أحكي معها.

[فاصل إعلاني]

[تعليق صوتي]

السينما ليست وسيلة لسرد قصة فقط ولكنها أيضا وقبل كل شيء طريقة تعبير عن مكنونات النفس بالصورة والصوت وهكذا فإن رشيد مشهراوي حقق عدة أفلام تجريبية تخرج عن النطاق الفلسطيني الملتزم، هذا العمل الفني يجعله متجذرا في مجال الخلق والإبداع السينمائي، ميزة السينما التجريبية تكمن تماما في البحث الدائم عن طريقة جديدة وفردية في استخدام السينما كوسيلة فنية لإيصال رسالة معينة حيث تعجز الوسائل الأخرى عن إيصالها.



[مشهد من فيلم توتر]

باريس.. مدينة الكادرات المفتوحة

رشيد مشهراوي: يعني من ضمن الأفلام التجريبية اللي أنا عملتها في فيلم قصير اسمه (توتر) اللي هو مدته تقريبا نصف ساعة، الفيلم توتر هو انعمل بالفترة اللي بين الانتفاضتين يعني بالفترة اللي كان كثير ناس بالعالم بيفكروا أنه (OK) المشروع الفلسطيني بدأ يمشي والسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين بدأت تمشى وهاي عم يصير فيه وزارات ومؤسسات ووزراء ومجلس تشريعي ورؤساء وانتخابات إلى آخره وكل الدلالات اللي بالخارج توحي أنه فيه كيان فلسطيني وبنفس الوقت بتشوف كمان ممارسات إسرائيلية أنه مستوطنين عم يُطخوا بالخليل للفلسطينيين بالشارع والجنود الإسرائيليين معهم وهذا كان كله بنفس الفترة فإحنا بحرب ولاَّ إحنا بسلام ولاَّ إحنا بانتفاضة ولاَّ إحنا بدولة ولاَّ ما كانت واضحة هاي الحالة، من هون إجا فيلم توتر اللي حاولت أنا من خلال الفيلم هذا بدون كلام بدون حَكي بالصمت أعبَّر عن هاي الحالة وأهم شيء كان بالنسبة لي البشر لأنهم أهم شيء موجود يعني البشر فهمني كثير في توتر أنه الكاميرا عن جد تدخل لنفوسهم لمشاعرهم لعيونهم لأحاسيسهم لأفكارهم بدون كلام.

[مشهد من فيلم]

[لا أحاول أن أبرهن إنسانية الفلسطيني فهو كذلك]

[تعليق صوتي]

باريس عاصمة الفن والثقافة، باريس عاصمة الشعر والرومانسية، باريس مسرح الحرية وملتقى الحضارات، مدينة الكادرات المفتوحة على كل المخيلات التي يمكن أن تخطر ببال أي سينمائي في المنفى، هنا وفي هذا الجو العابق بالفن وجد رشيد نفسه حيث اختار أن يقيم منذ ثلاث سنوات غير أن علاقة مشهراوي مع باريس تعود لما يقارب عشر سنوات تعاون خلالها المُخرج مع منتجين وفنانين فرنسيين وهنا وجد الجو المثالي للعمل في كتابة وإنتاج أفلامه.

رشيد مشهراوي: باريس بتجمع بين أنه أنت كيف ممكن تكون بين آلاف الأشخاص ولوحدك وهذا شيء أنا كثير بأحبه لأنه أنا بني آدم بأحتاج أكون لحالي كثير وما بأقدر أكون بمكان ما فيش فيه حركة أو ما فيش فيه حياة أو ما فيش فيه ناس أو يعني أنا من ناحية واحدة عشان أستمر بأحتاج مدن كبرى وفيها حركة وحياة، من ناحية ثانية أنا بدِّي أكون لحالي كمان حتى لو كنت في مقهى مزدحم بالناس بشارع مزدحم بالناس بأقدر كمان أكون لحالي، باريس بتقدر تعطيني هاي الحكاية، فيه فرق المخرج الفلسطيني اللي موجود بفلسطين وعايش الحياة اليومية الفلسطينية هناك أو أنه عايش بفرنسا الحياة اليومية هون وعم بيعمل أفلام لفلسطين أو عن فلسطين أو أدواته مأخوذة من فلسطين، أنا بأشوف أنه إذا أنت مش هناك مش مشكلة أنت وين يعني حتى لو بدولة عربية ثانية أو بأي دولة ثانية مش مشكلة أنت يا هناك يا مش هناك مالهاش فرنسا بالموضوع هذا، بس الاختلاف اللي ممكن يؤثر بين أنك أنت عم تعمل سينما وأنت موجود هناك أو عم تعمل سينما وأنت موجود بره هي رؤيتك للتفاصيل الصغيرة تبع الأشياء مثلا ممكن وأنت موجود بفلسطين الحياة اليومية والأحداث اللي عم بتصير بشكل يومي تدخل موضوعك تدخل السيناريو تؤثر على فيلمك القادم أو اللي عم تكتبه أو اللي عم تصوره وممكن وأنت موجود بره تقدر تشوف الأشياء أكثر وتشوفها بتفاصيل أكثر وتقدر تتعامل معها فنيا سينمائيا أكثر.

[مشهد من فيلم انتظار]

[تعليق صوتي]

انتظار، الفيلم الأخير لرشيد مشهراوي صُنع كليا خارج فلسطين، يتناول هذا الفيلم موضوع الفلسطينيين اللاجئين في الخارج وخصوصا في الأردن وسوريا ولبنان، عالج فيه ملفات شبه عبثية، ماذا لو استطاع بعض الفلسطينيين اللاجئين خارج البلاد العودة إلى الوطن حتى ولو لمرة واحدة للمشاركة في مسرحية غير أنه وعبر التساؤلات في الفيلم فإن النظرة الشمولية لفلسطين ونبض الفيلم بالذات الذي يتأرجح بين الفكاهة والمرارة لا يسعنا إلا أن نتلمس إحباط مُخرج في المنفى وإحساس إنسان ممنوع من العمل في بلده بالظلم.

رشيد مشهراوي: هو قصة الفيلم كلها إجت من أنه أنا فيه فترة الإسرائيليين منعوني أرجع لرام الله، فترة طويلة يعني فترة ثلاث سنوات تقريبا اللي أنا كنت أقدر أوصل بفلسطين فقط غزة، بس حياتي في رام الله يعني وبيتي برام الله مكتبي برام الله كل شيء برام الله فكان صعب كثير فالشخصية الرئيسية في فيلم انتظار هو شخص تارك فلسطين حابب يطلع من هذه الفوضى وها الدمار لدرجة أنه باع بيت أهله عشان يترك وبيلتقي بفلسطينيين آخرين من بره حلمهم العودة لفلسطين، هون يصير الصدام تبع الشخصية الرئيسية وتبع الناس اللي بيلتقي فيهم.

[مشهد من فيلم انتظار]

رشيد مشهراوي: أنا لمَّا بأكتب سيناريوهات للأفلام تبعي بأرجع كثيرا للوراء، بأرجع لحياتنا يعني مثلا أبوي كان هوايته التليفزيون لما كان بالسبعينات ييجي بالتليفزيون كل الرؤساء العرب والأجانب ويخطبوا لتحرير فلسطين ولمناصرة الشعب الفلسطيني وللنضال الفلسطيني كان يتف على التليفزيون، يتف يعني يبصق على التليفزيون وأخوي.. فيه عندي أخ اسمه خميس كان يروح يمسحها فعمليا نشرة الأخبار عندنا في البيت كانت تصير كالتالي، فلان يقول وسوف والشعب الفلسطيني وسوف نحرر والنضال و.. وفأبوي يتف، قوم يا خميس.. خميس يمسح بشريطة ويقعد فمرة بأتذكَّر أنه مسكني خميس وقال لي يا أخوي شو رأيك نركب للتليفزيون مساحات زي تبعون السيارة على أساس أنه خلال نشرة الأخبار ما أضل رايح جاي على التليفزيون لحاله يعني نكبس على الزر، فأنا بفيلمي القادم مدخَّل مشهد من ها الشكل وعامل عن جد مسَّاحات للتليفزيون رغم أنه هذا المشهد صار قبل عشرين سنة، أنا شخصيا بيتهيأ لي صعب.. صعب أتراجع عن مشروع السينما لآخر حياتي، صعب أتراجع عن مشروع السينما طول ما أنا بأقدر أبادر في مشاريع وبأقدر ألاقي الإمكانيات أنه أقدر أنفذها فأنا هأستمر أعمل سينما، البديل الوحيد اللي ممكن يكون أنه أساهم بحالة سينمائية فلسطينية أنه فلسطينيين آخرين كمان يقدروا يعملوا سينما فهذا ممكن أنا كمان أعطي وقتي إليه بدل ما أكون أعمل فيلم أكون عم بأعمل مخرجين وهذا بالنهاية بيصب في أنه فيه سينما فلسطينية عم بتنعمل وأنا مساهم فيها يعني بما أنه السينما هي مزيج من الواقع والخيال فأنت بتقدر تأخذ من الواقع صعوبته وقساوته وتأخذ من الخيال هيك جماله، فإذا أنا عندي السينما بأقدر أرسم الوطن اللي أنا بأحبه وهذا يكون أرض واقف عليها وبأمشي عليها وبيقويني ضد الاحتلال.