مقدم الحلقة:

حسن جمول

ضيوف الحلقة:

محمد الأمين خليفة: رئيس المجلس الأعلى للسلام السابق
رياك غاي: رئيس مجلس تنسيق الولايات الجنوبية
رمضان محمد عبد الله: متحدث بأسم الحركة الشعبية في الخرطوم
موسى المك كور: قيادي جنوبي
رمضان حسن: قيادي جنوبي

تاريخ الحلقة:

17/12/2003

- نظرة عامة على السودان
- مراحل التفاوض بين الحكومة والحركة منذ اندلاع الحرب الأهلية

- المطالب الحقيقية للحركة الشعبية لتحرير السودان

- اختلاف انتماءات أبناء الجنوب السوداني

- مدى موافقة جنوبيي الداخل على اتفاق السلام بين الحكومة والحركة الشعبية

حسن جمول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أعزائي المشاهدين.

منذ بداية الحرب الأهلية في السودان قبل عقدين من الزمن أصبح أكبر الدول العربية من حيث المساحة في واجهة الأحداث حيناً وفي الظل أحياناً، ولكن السودان اليوم ومع اقتراب ساسته من التوقيع على اتفاقٍ للسلام يُؤمل أن يُنهي الحرب التي استنزفت موارده البشرية والاقتصادية عاد ليزاحم بقية النقاط الساخنة في العالم لما يعنيه أمر تحقيق السلام في حد ذاته وانعكاسات ذلك على مختلف الصعد المحلية والإقليمية والدولية.

ورغم ستار السرية الذي تضربه الحكومة والحركة الشعبية على تفاصيل ودقائق المفاوضات التي تجري في كينيا منذ فترة إلا أن المؤشرات توحي بأن السلام أصبح قريباً.

ولكن كيف يأتي هذا السلام؟ وما هي تفاصيله؟ وهل سيحقق الأمل المنشود؟ وهل ستتأسس فعلاً تجربةٌ ديمقراطيةٌ جديدةٌ في السودان؟ ذلك هو مربط الفرس.

(الجزيرة) وخلال حلقات برنامج (المشهد السوداني) تحاول أن تقدم لمشاهديها التداعيات المختلفة للحرب الأهلية في السودان وانعكاساتها على مختلف الصعد مع الحديث عن تاريخ المحاولات المختلفة لإنهائها، ونحاول الغوص في تفاصيل المنطقة الصعبة المتعلقة بتقاسم السلطة والثروة والنظام السياسي والشريعة الإسلامية، وغيرها من الأسئلة السودانية التي تنتظر الإجابة عليها.

نظرة عامة على السودان

تقرير/ جواد العمري: يقع السودان في شمال شرق القارة الإفريقية، ويحتل مساحة تزيد عن مليونين ونصف المليون كيلو متر مربع، وقد استقل عن الإدارة البريطانية المصرية المشتركة في الأول من يناير/ كانون الثاني عام 1956، وأصبحت جمهورية السودان بعد نيلها الاستقلال عضواً في جامعة الدول العربية وفي منظمة الأمم المتحدة.

تحيط بالسودان تسع دول، هي إريتريا، وإثيوبيا، وكينيا، وأوغندا، والكونغو الديمقراطية، وجمهورية إفريقيا الوسطى، وتشاد، وليبيا، ومصر، كما يحاذي البحر الأحمر من جانبه الشرقي، وتمتد حدوده مسافة سبعة آلاف وستمائة وسبعة وثمانين كيلو متراً، تمتاز التركيبة السكانية في السودان بالتنوع العرقي والديني واللغوي، فهناك الزنوج الذين يشكلون غالبية السكان بنسبة 52% والعرب 39%، والبيجا 6%، وأعراق مختلطة 3%.

ودينياً يشكل المسلمون السُنة 70%، معظمهم في شمال البلاد، والوثنيون والأحيائيون 25%، و5% مسيحيون يعيشون في العاصمة الخرطوم وفي جنوب البلاد، وتعد العربية اللغة الرسمية، وهناك لغات محلية سائدة كالنوبية وبعض اللغات المحلية واللغة الإنجليزية، ويعاني من الأمية 39% من إجمالي عدد السكان، ونصف عدد الإناث.

يتركز معظم سكان السودان البالغ عددهم ثمانية وثلاثين مليوناً في النصف الشمالي من البلاد حيث يلتقي رافدا نهر النيل، النيل الأبيض والنيل الأزرق، وتغلب الطبيعة الصحراوية وشبه الصحراوية على الجزء الشمالي والشرقي من البلاد في حين تغطي الغابات والمساحات الخضراء معظم أجزاء الجنوب الذي يحوي أيضاً جزءاً من النفط والثروات الطبيعية، لكن مواسم الجفاف وعدم استغلال المناطق الزراعية جراء الحرب الأهلية تسبب في كثير من المجاعات في أجزاء واسعة من البلاد مما استدعى تدخل منظمات الإغاثة الدولية.

يتولى الحكم في السودان الفريق عمر حسن البشير (رئيس الجمهورية) الذي وصل إلى السلطة عام 89 إثر انقلاب عسكري أطاع حكومة الصادق المهدي قادته الجبهة القومية الإسلامية، وتولى رئاسة مجلس قيادة ثورة الإنقاذ، ثم عيَّنه المجلس رئيساً للجمهورية عام 93 لينتخب في عام 96 رئيساً للجمهورية لمدة خمس سنوات، وهو يتولى الحكم الآن في فترة رئاسة ثانية.

تتألف السلطة التشريعية من برلمان منتخب لمدة أربع سنوات، ويمثل الحكم المحلي أحد ركائز الحكم، إذ تُقسَّم البلاد إلى ستٍ وعشرين ولاية تتمتع كل منها بسلطات تشريعية وتنفيذيةٍ واسعة، ويقتصر دور الحكومة المركزية على التخطيط وإقرار السياسات العامة، وكذلك تعيين الولاة، وهو أمر يثير خلافاً كبيراً.

الصادرات الرئيسية للسودان تتمثل في البترول، والقطن، والسمسم، والمواشي، والجلود، والصمغ العربي، ولديه ثروات معدنية غير مستغلة، ومساحات شاسعة من الأراضي الخصبة غير المزروعة، ولعل الاقتتال على الثروة والسلطة حرم الشعب السوداني لعقودٍ طويلة التمتع بخيرات الوطن الدفينة.

مراحل التفاوض بين الحكومة والحركة منذ اندلاع الحرب الأهلية

حسن جمول: يرجع تاريخ التفاوض مع الحركات المتمردة على الحكومة السودانية يرجع إلى نشأة هذه الحركات، ويقول كثيرون إن (جون جارانج) زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان، هو نفسه كان قد بُعِثَ من جانب الرئيس الأسبق جعفر النميري للتفاوض مع المتمردين عند ظهورهم، ولكنه انضم إليهم، كما يشير بعض المهتمين بالشأن السوداني إلى أن تعاقب الحكومات على السودان كان في كثير من الأحيان سبباً في إطالة أمد الحرب الأهلية، أيضاً فإن الحركة الشعبية لتحرير السودان غيَّرت مطالبها كثيراً قبل أن تثبت على ما تتفاوض لتحقيقه الآن، وتعد حكومة الفريق عمر البشير الأطول عمراً في التفاوض مع الحركة الشعبية.

تقرير/ محمد الكبير الكتبي: اندلعت شرارة الحرب الأهلية التي يعيشها السودان حالياً في مايو عام 83، ولم يكن لها في ذلك الحين علاقة بالشريعة الإسلامية، لأنها لم تكن مطبقة آنئذٍ في أي جزء من السودان، ولم يكن لها علاقة بالمسيحية لأن الحركة الشعبية لتحرير السودان التي أوقدت الحرب كانت تحمل عند نشأتها أجندة شيوعية واضحة، وكان الاتحاد السوفيتي المتفكك من أبرز مؤيدي وداعمي طرح الحركة في ذلك الوقت.

وفَّر الرئيس الإثيوبي السابق (منجيستو هايلا مريم) الماركسي التوجه للحركة الملاذ والدعم المطلوبين، وقد حاربت الحركة الشعبية بعد سقوط نظام الرئيس الأسبق جعفر النميري كل الحكومات المتعاقبة على السودان، وظلت تُغيِّر أجندتها بين فترة وأخرى، وقامت حوارات في مراحل مختلفة، وبأشكالٍ مختلفة بينها والأحزاب السياسية الحاكمة في السودان ولم تتوصل إلى نتيجة، يعتقد على نطاقٍ واسع أن انقلاب الثلاثين من يونيو عام 89 والذي عُرِفَ لدى أهله بثورة الإنقاذ الوطني أجهض جهود سلام بذلتها الحكومة التي سبقتها وكادت أن تسفر عن سلام حقيقي عبر ما عرف حينها باتفاقية الميرغني –جارانج ولكن كما أطاحت الثورة بالديمقراطية الوليدة أطاحت أيضاً بالسلام الوشيك ثم أعلنت في بيانها الأول أنها جاءت لتحقيق السلام العادل والشامل والدائم في السودان.

في الرابع من يوليو عام 89 أصدرت الإنقاذ الوطني عفواً عاماً عن كل من حمل السلاح منذ مايو عام 83 وأعلنت الحكومة بعد ذلك وقف إطلاق النار كبادرة لحسن النوايا وتمهيد الطريق لبداية حوار بينها وبين متمردي الحركة الشعبية لتحرير السودان، وفي التاسع عشر من أغسطس من نفس العام عقد في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا اللقاء الأول بين حكومة الإنقاذ الوطني والحركة الشعبية، وترأس وفد الحكومة العقيد محمد الأمين خليفة (عضو مجلس قيادة الثورة)، وترأس وفد الحركة (لام آكول)، جاء اللقاء برأي الكثيرين كخطوةٍ مهمةٍ لخلق الثقة وحُسن النوايا، ولكن الشاهد أن الحرب استمرت بل وانتقلت إلى مراحل أكثر ضراوة وبدأت مختلف البيوت السودانية تدفع ثمنها وظهرت آثارها الاقتصادية والاجتماعية على مختلف صُعد الحياة في السودان.

عقدت الإنقاذ الوطني في الخرطوم مؤتمر الحوار الوطني حول قضايا السلام في الفترة من التاسع إلى الحادي والعشرين من أكتوبر عام 89 وجمع المؤتمر سياسيين وأكاديميين واختصاصيين لتقديم رؤىً لحل مشكلة الحرب الأهلية في السودان على ضوء الرؤى الشمولية للإنقاذ الوطني، قدم المؤتمر توصياتٍ تحدثت بجرأة عن الأسباب الجذرية للنزاع في جنوب السودان في مختلف الحقب والأزمان، وظن كثيرون أنه لامس لأول مرة موطن الداء في الصراع، وبحث المؤتمر أيضاً المعالجات السابقة وحصر ما استطاع آثار الحرب وتقصى عن أسباب فشل المعالجات السابقة.

في نهاية نوفمبر عام 89 طرح الرئيس الأميركي الأسبق (جيمي كارتر) مبادرة للسلام في السودان، وتفاوض الطرفان على مبادرة كارتر في نيروبي، ولأول مرة ظهرت خلافات الطرفين حول الشريعة الإسلامية والجيش القومي في السودان واقتسام السلطة، ولم يكن موضوع الثروة مثاراً لأن البترول لم يكن مستغلاً في السودان آنئذٍ، ولكن أوار الحرب الأهلية ظل متقداً ويزداد يوماً بعد يوم رغم جلسات المباحثات العديدة التي عُقِدَت في أوغندا ونيجيريا ومحاولات كينيا منتصف عام تسعين عقد لقاء بين البشير وجارانج وفشل اللقاء على الرغم من ذهاب الرئيس السوادني وجون جارانج لكينيا في آنٍ واحد.

ولكن كينيا منذ ذلك الحين استضافت عدداً من جولات المباحثات بين الحكومة والحركة الشعبية وكانت المباحثات تصطدم دائماً بعقبات كَأداء نتيجة إصرار الطرفين على مواقفهما وابتعاد المرونة بينهما كما لم تتوفر في البداية عناصر دولية تحرص على السلام في السودان، وغابت جامعة الدول العربية تماماً عن مشهد الحرب الأهلية في السودان.

قدمت مصر وليبيا في أكتوبر عام 2000 ما سُمِّي بالمبادرة المشتركة ورحبت بها الحكومة السودانية وغضَّت الحركة الشعبية لتحرير السودان الطرف عنها على الرغم من أنها كانت ترمي لتحقيق المصالحة بين الإنقاذ الوطني ومختلف أطياف المعارضة السودانية وبينها الحركة الشعبية لتحرير السودان ولكن المبادرة لم تتقدم وكانت هي الجهد العربي الوحيد في تاريخ الحرب الأهلية في السودان.

ومع استمرار مفاوضات كينيا بين الحكومة والحركة برعاية منظمة (إيجاد) الإقليمية وبروز قوة ضغط أميركية وبريطانية كبيرة لتحقيق السلام حقق الطرفان قفزة هامة بتوقيع اتفاق مشاكوس في العشرين من يوليو عام 2002 وقد حسم ذلك الاتفاق الكثير من القضايا الخلافية وعلى رأسها علاقة الدين بالدولة وحق تقرير المصير لمواطني جنوب السودان بعد سنواتٍ ست وإن أبقى على خلافاتٍ أخرى أساسية وهي المتعلقة بالسلطة والثروة، وأضفى لقاء الرئيس السوداني عمر حسن البشير وزعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان جون جارانج وجهاً لوجه عقب اتفاق مشاكوس أضفى الكثير من المصداقية لمفاوضات الطرفين وإن تعثرت أحياناً وتقدمت أحياناً أخرى ليصل الجميع إلى هذه المرحلة من نيباشا بكينيا التي يحاول فيها علي عثمان محمد طه (النائب الأول للرئيس السوداني عمر البشير) وجون جارانج (زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان) رسم الملامح الأخيرة للنزاع وإسدال الستار على واحدة من أكبر الحروب الأهلية ليس في إفريقيا وحدها بل في العالم بأسره.

المطالب الحقيقية للحركة الشعبية لتحرير السودان

حسن جمول: ومعنا في استوديوهاتنا في الخرطوم السيد محمد الأمين خليفة (رئيس المجلس الأعلى للسلام السابق) وهو وإن كان من معارضي حكومة الفريق عمر البشير حالياً إلا أنه الرجل الذي قاد أكثر جولات التفاوض وفي أصعب مراحلها أيضاً.

سيد محمد، إذا كان الإسلام والمسيحية ليسا هما السبب الرئيسي في اندلاع النزاع، كيف تحولت العلمانية إذن إلى مطلبٍ للحركة الشعبية لتحرير السودان، وكيف أُدخِلَ هذا الدور الديني في هذا النزاع السوداني؟

محمد الأمين خليفة: بسم الله الرحمن الرحيم، نعم ليست المسيحية ولا الإسلام طرفان في الأزمة السودانية، ولكن كما تعلم أن الحركة الشعبية لتحرير السودان بتضع أوراق مواقف في كل مرة في طاولة المفاوضات فإذا ما تخطت.. تخطى المفاوضون تلك العقبة يضعون عقبة أخرى حتى يستطيعوا أن يتحصلوا على أكبر قدرٍ من المكتسبات في طاولة المفاوضات فعندما اندلعت الحرب.. التمرد الثاني عام 1983 لم تكن هنالك قضية.. لم تكن هنالك الشريعة الإسلامية مطبقة في السودان ولكن بعد جولات التفاوض قد وضعت الحركة الشعبية قضية الشريعة الإسلامية في التفاوض وكذلك المسيحية فهذه الأديان هي عناصر موحدة للأمة الواحدة كالسودان وليست عناصر مفرقة..

حسن جمول[مقاطعاً]: نعم.. لماذا.. نعم.

محمد الأمين خليفة: أما العلمانية.. نعم.

حسن جمول: لماذا كانت الحركة الشعبية لتحرير السودان تعمل دائماً على رفع سقفها التفاوضي وتعرقل المفاوضات والآن يبدو أنها أقرب إلى التوصل إلى تفاوض، ما الذي يعني تغير منذ السابق وحتى اليوم؟

محمد الأمين خليفة: الحركة الشعبية تريد أن تتحصل على أكبر قدر من المكاسب في طاولة المفاوضات لذلك تضع العراقيل أحياناً وتضع بعض القضايا التي تثير الجدل في الوسط السوداني، وعندما وضعت الحركة الشعبية مثلاً قضية الشريعة الإسلامية لاشك أن المسلمين في الشمال بصفة خاصة سيبحثون عن مخرج لهذه القضية التي وضعت في طاولة المفاوضات، لذلك الحركة الشعبية تكسب من هذا الأمر حتى تضع أيضاً نقطة أخرى في اتجاه التفاوض.

حسن جمول: نعم، طيب هل.. هل تعتقد فعلاً بأن تَعاقُب الحكومات السودانية وتغيير إذن الحركة لمطالبها هما السبب في عدم التوصل إلى اتفاق أم أنه كانت هناك ضغوط خارجية مثلاً ومن يعني يزيد من نار الحرب من الخارج؟

محمد الأمين خليفة: أعتقد عدم وجود الاستقرار السياسي بسبب الحرب التي اندلعت قبل أن يرفع الاستقلال في السودان هو السبب الأساسي في عدم الوصول إلى حل شامل وعادل للقضية السودانية، إن كانت هنالك قضية أساسية لابد من حلها هي قضية الجنوب، إذا حُلَّت هذه القضية ووُضِعَت لها الأسس الشاملة لاشك أنه سيكون هنالك استقرار سياسي، إذا كان هنالك استقرار سياسي في السودان فهذا يعني أن القضية الآن قد حلت تماماً ولكن نسبةً لعدم وجود.. لعدم حل القضية الأساسية لم يكن هناك استقرار سياسي بالتالي تتعاقب الحكومات كل مرة وأخرى وكل حكومة تأتي تحاول أن تبحث عن حل هذه القضية المحورية الأساسية.

حسن جمول: محمد الأمين خليفة، من استوديوهاتنا في الخرطوم شكراً جزيلاً لك.

[فاصل إعلاني]

اختلاف انتماءات أبناء الجنوب السوداني

حسن جمول: أبناء الجنوب السوداني انقسموا منذ اندلاع الحرب إلى مجموعات، بعضهم أيَّد الحكومات المتعاقبة في السودان، وبعضهم احتفظ بعلاقات مع الحكومة وقاتل بموجب ذلك الحركة الشعبية لتحرير السودان، على الرغم من عدم اتفاقهم مع طرح الحكومة، وبعض أبناء الجنوب انشقوا عن الحركة الشعبية، وانضموا للحكومة، وبعضهم يعارض الحكومة والحركة الشعبية معاً، وبقية مواقف جنوبيين آخرين غير واضحة، ومجمل هذه المعطيات جعلت من انتساب أبناء جنوب السودان في المرحلة القادمة سؤالاً حائراً يبحث عن إجابة.

تقرير/الطاهر المرضي: مع بوادر تحقيق السلام النهائي لمشكلة جنوبي السودان تحت مظلة منظمة الإيجاد تبدو الأطراف السياسية في السودان أكثر قلقاً لمعرفة تفاصيل ما سيُتفق عليه في خاتمة المطاف.

منبع هذا القلق لبعدها من طاولة المفاوضات المباشرة التي تنحصر حتى الآن بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان، وبسبب السرية المضروبة على ما يجري من تفاوض.

لكن أبناء جنوب السودان أصحاب الأولوية في هذه المفاوضات ربما انقسموا إلى ثلاث مجموعات، فمنهم من آثر حمل السلاح، وبعضهم انشق عن الحركة الشعبية وقرر العودة إلى السودان معارضاً من الداخل، وآخرين ائتلفوا مع الحكومة السودانية، وحتى الحركة الشعبية لتحرير السودان بدأت تمارس نشاطها علناً في الخرطوم عندما رفعت الحكومة السودانية قيودها وظهر أتباعها يحملون شعاراتها إيذاناً ببداية عهد جديد.

رمضان محمد عبد الله (المتحدث باسم الحركة الشعبية في الخرطوم): عملية السلام قد تكون صيغة يعني تفاوضية، هذه الصيغة التفاوضية قد يعني في بعض الظروف لا تتيح الفرصة للآخرين في مرحلة التفاوض، لكن في مرحلة ما بعد التفاوض وفي عملية صنع السلام يجب أن يكون المشاركة للجميع، المشاركة للجميع بعبر الممارسة الديمقراطية السليمة بما يمكن الآخرين إنه يشارك بصورة فاعلة.

الطاهر المرضي: ويبدو أن هذه التقسيمات تشكل معضلة أمام خبراء التفاوض في تقريب وجهات النظر بينهم في ظل اختلاف رؤاهم الفكرية والفلسفية لكيفية حكم الجنوب والمشاركة في السلطة مستقبلاً، ومع ذلك شهدت الخرطوم نشاطاً محموماً لجنوبيي الداخل لمعرفة وضعيتهم في الخارطة السياسية في الاتفاق المرتقب.

قيادي جنوبي: التحفظات بتتمثل في فكرة تسليم الجنوب للحركة الشعبية حكماً وإدارة، هذه الفكرة من حيث الأساس خطأ، لأنه تسليم الجنوب للحركة الشعبية (بغرض) إنها كان مناضلاً أو مقاتلاً هذا لا يمد بسلام لسلام.

الطاهر المرضي: التحفظات التي يبديها جنوبيو الداخل في التعامل مع الحركة الشعبية لتحرير السودان ترجع إلى شكوكهم في أن الحركة لم تكن ديمقراطية خاصة وأن طرحها السياسي لم يكن مقنعاً بوجهة نظرهم لكثير من أبناء الجنوب.

رمضان حسن (قيادي جنوبي): أي استعجال في التوقيع طول ما الناس يزيل الفوارق الموجودة، أنا أفتكر ما هيدِّي غرض السلام لما يكون صحيح، إحنا ما نستعجل في سلام، إحنا السلام دا حقه إحنا يعني نمشيه بطريقة يعني تكون ثابتة، ما تكون سلام استعجال بكرة الناس هنا ينتكسوا، ففيه أشياء مفروض تتحل قبل توقيع السلام، إحنا أول شيء إحنا ندِّي فرصة إنه جنوبيين.. الجنوبيين أنفسهم يجلسوا يتحاوروا وينسوا الماضي، بعدها الناس حتى لو شهر واحد الناس هيوقع السلام وبيكون سلام دائم وشامل.

الطاهر المرضي: ويبدو أن الاستقطاب الحاد للجماعات الجنوبية في الساحة السياسية ربما يخلق المزيد من التباين، ويشكل عقبة أمام ائتلاف شامل.

موسى المك كور (قيادي جنوبي): الحركة والحكومة لما رأوا التباين والتنوع في الجنوب خصوصاً مسؤولية مسؤولي.. مسؤولي الجنوب يعني، الحكومة لم تشركهم في الحوار مع الحركة، ولم تتذكر ما حدث للمسلمين في 72، وما نخشاه مخاوف المسلم الجنوبي في الشارع السوداني الآن الموجودة هو من متطرفو الحركة الذين يعترضون أن.. كما يصفوا الشمال بأنه أصولي، فهم بالتأكيد هينظروا للمسلم الجنوبي باعتباره أشبه بالطابور الخامس، بخائن للقضية.

الطاهر المرضي: وتبقى الضمانات لسلام بات في حكم المؤكد هاجساً يؤرق خبراء التفاوض خاصة وأن من يوقعون على الاتفاق لا يمثلون إلا القليل من الشعب السوداني.

عملية إرضاء كل الأطراف الجنوبية حول وثيقة السلام السودانية تبدو شبه مستحيلة دون تقديم تنازلات حقيقية من جميع الأطراف، وهو دور ينتظر خبراء التفاوض للتوصل إلى سلام آمن ومستقر.

الطاهر المرضي –(الجزيرة)- لبرنامج (المشهد السوادني)- الخرطوم.

مدى موافقة جنوبيي الداخل على اتفاق السلام بين الحكومة والحركة الشعبية

حسن جمول: ونستضيف رياك غاي (رئيس مجلس تنسيق الولايات الجنوبية) وهو بصفته هذه من جنوبيي الداخل، رغم سابق انتمائه لمعارضي الحكومة.

سيد رياك، كيف يمكن إشراك أبناء جنوب السودان باتفاقٍ لم يشتركوا في صياغته ولم يوافقوا عليه مسبقاً؟

رياك غاي: شكراً جزيلاً، حقيقة نحن ما عندنا أي خلاف حول مشاركة جنوبيي الداخل في عملية المفاوضات، لأنه نرى إنه نحن كجنوبيي الداخل يتم تمثيلنا تمثيلاً كاملاً عبر وفد الحكومة المفاوض حالياً في نيباشا، فكلما سيتفق عليه الحكومة والحركة الشعبية ستكون مقبولة بالنسبة لأبناء الجنوب، فما نلاقي أي مشكلة في..

حسن جمول[مقاطعاً]: ولكن هناك الكثير.. نعم، سيد رياك هناك الكثير من الفصائل التي لم تُشرك في بنود هذا الاتفاق، وربما تكون متحفظة ربما حركة الاستقلال واحدة من هذه الفصائل؟

رياك غاي: لأ الأهم هو الإشراك في عملية تنفيذ الاتفاقية في نهاية الأمر، بمعنى آخر مشاركة كل القوى السياسية الجنوبية أو الشمالية في إدارة.. تنفيذ الاتفاقية في نهاية الأمر، لكن عملية التفاوض لابد من أنه تنحصر بين الفصيلين المتحاربين حالياً اللي هو الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان..

حسن جمول [مقاطعاً]: هل.. هل تعتقد أن هذين الفصيلين يختصران بقية الفصائل؟

رياك غاي: لا.. لا أعتقد ذلك، لا أعتقد ذلك، لأن الكل يدرك أهمية الحل الشامل والجذري والعادل لهذه المشكلة، حتى نطوي هذه الصفحة إلى الأبد إن شاء الله..

حسن جمول[مقاطعاً]: إذن كيف.. كيف يمكن إذن.. نعم، كيف يمكن إذن ضمان أن هذه الفصائل ستقبل بالاتفاق، إذا لم تُسأل عنه؟

رياك غاي: لابد من إنه هذه الفصائل تجد مشاركتها في تنفيذ الاتفاقية عبر الآليات التي سيتم تكوينها في مرحلة التنفيذ، مثلاً في الجنوب لابد من مشاركة القوى السياسية الجنوبية الداخلية في عملية الحكم في الجنوب بعد.. بعد الاتفاقية، وكذلك..

حسن جمول[مقاطعاً]: كيف.. كيف يتم ذلك.. كيف يتم تحقيق هذا الإشراك؟

رياك غاي: آه طبعاً لابد من قسمة العدل للسلطة في إدارة الجنوب.

حسن جمول: نعم، طيب هناك من يقول إن المثقفين الجنوبيين وهم لهم دور رئيسي إما أن يكونوا وزراء أو مسؤولين أو لا يكونون من ضمن هذا الحل، ولهم تأثير في الشارع الجنوبي السوداني، كيف يمكن إشراك هؤلاء المثقفين أيضاً؟

رياك غاي: لا طبعاً دي قول باطل لأن كثير من الجنوبيين تركوا مناصبهم الوزارية وفضَّلوا أن يقودوا معارضة سواء كانت معارضة مسلحة أو خارج البلاد، فهذا قول لا.. لا صحة فيه، ونحن نعتقد إنه لو تم مراعاة مشاركة كل القوى السياسية الجنوبية الداخلية وكذلك القوى الجنوبية الخارجية المعارضة لحركة التمرد في إدارة الجنوب وتنفيذ الاتفاقية وعدم فصل الاتفاق المقبل لتناسب فقط حجم الحركة الشعبية فقط، وكذلك إعطاء فرصة للديمقراطية والانتخابات في الفترة الانتقالية لاختيار القيادات الجنوبية عبر المواطنين الجنوبيين دون أن يُكرِّس السلطة في يد الحركة الشعبية عبر اتفاقية السلام.

حسن جمول: نعم، سيد.. سيد رياك غاي شكراً جزيلاً لك.

وبهذا مشاهدينا نصل وإياكم إلى نهاية هذه الحلقة من (المشهد السوداني)، إلى أن نلتقي في الحلقة المقبلة هذه تحية، وإلى اللقاء.