على مدى 42 عاما من حكم معمر القذافي لم تعرف ليبيا ساحة صحفية إعلامية بالمعنى المتعارف عليه، فقد أنشأ القذافي آلة دعائية من بضع صحف ومؤسسة للإعلام السمعي والبصري مهمتها تمجيد القائد ونظريته العالمية الثالثة.

لذلك لم يكن مستغربا أن تشهد لحظة سقوطه عام 2011 انفجارا إعلاميا، فأنشئت مئات الوسائل الإعلامية في بضعة أشهر.

لكن تشظي الساحة السياسية وانتشار الميلشيات المسلحة ضيق الخناق على الساحة الإعلامية الوليدة فتقلص هامش الحرية وأصبح الخوف من الخطف والقتل والانتقام هاجسا يؤرق الجميع.

السنة الأسوأ
هذه كانت القصة الأولى التي افتتح بها برنامج "المرصد" حلقته ليوم الاثنين (15/2/2016)، بادئا بوصف أطلقه الإعلاميون الليبيون على عام ثورتهم الخامس، الذي سموه "عام نكبة الإعلام".

يقول مذيع الأخبار في قناة النبأ عدنان درويش: 2015 كانت أسوأ سنة على الصحفيين في ليبيا، حيث وصل القتل والشروع في القتل أرقاما غير مسبوقة، مشيرا إلى أن 20 صحفيا قتلوا في السنوات الأخيرة، ثمانية منهم في بنغازي.

الصحفي معاذ الشيخ يضيف من جانبه أن بعض القنوات أغلقت نظرا لتوجهاتها السياسية، وبعض القنوات تعرضت لقصف الآر بي جي، وانتشرت ثقافة الخوف من النشر، فتجد الكاتب يحجم عن الكتابة طلبا للسلامة.

أما الصحفية نرجس الغرياني فتقول إن عام 2015 ارتفعت فيه وتيرة غلق المؤسسات الإعلامية، مضيفة أن الصراع وصل إلى اختراق موجات تلفزيونية لخصم سياسي وبث مواد منافية للأخلاق.

عناصر مليشيات محلية وتنظيم الدولة الإسلامية تولوا عمليات القتل والخطف سواء لصحفيين ليبيين أو عرب أو أجانب.

تقول نرجس الغرياني: إن مهنة الصحافة في ليبيا لا تقل خطورة عن القتال في الميدان، "رأينا صحفيين هدمت بيوتهم وآخرين خطفوا وما زال مصيرهم مجهولا، بل وصل الأمر إلى الذبح كما جرى مع طاقم قناة برقة".

أطفال الصحافة
القصة الثانية في الحلقة تعرضت لأطفال الصحافة الذين صنعوا أول آلة دعائية للجرائد وعناوينها، عرفتهم شوارع نيويورك والمدن الأميركية الأخرى قبل أن تنتقل الظاهرة إلى باقي دول العالم.

لهؤلاء الأطفال قصص معاناة وبطولات، فهم رافقوا ظهور الصحافة وكانوا أشبه بالمذيعين المتجولين الذين يجهرون بالعناوين لجذب القراء والزبائن المحتملين.

في مدينة نيويورك التي كانت تسمى عاصمة الصحافة في العالم، تأسست في الشارع رابطة أطفال الصحافة، وهي رابطة تضامنية تجمع بين أطفال مهنة واحدة.

عادت القصة إلى نهايات القرن التاسع عشر حين نفذ الأطفال إضرابا عن العمل، بسبب تخفيض أجورهم. وكان إضرابهم موجها بالتحديد إلى جوزيف بوليتزر ناشر جريدة نيويورك وورلد الذي سيصبح اسمه فيما بعد مقترنا بأشهر جائزة للصحافة حتى يومنا هذا.