لا يزال الجدل مستمرا بشأن حادث الهجوم على صحيفة شارلي إيبدو الفرنسية وما تلاه من ردود أفعال منددة بالهجوم، وأخرى منددة بالرسوم المسيئة التي نشرتها الصحيفة.

حلقة الاثنين (19/1/2015) من برنامج "المرصد" سلطت الضوء على هذا الجدل المثار في وسائل الإعلام خاصة الغربية، وأيضا عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن الهجوم وحدود حرية التعبير.

ورغم أن هناك إجماعا على رفض القتل في مواجهة القلم فإن الأحداث ومقاطع الفيديو التي نشرت بشأنه تطرح تساؤلات عديدة حول أسباب الفشل الأمني والاستخباري في مواجهة المهاجمين.

كما أن إصرار الصحيفة الفرنسية على إعادة نشر المزيد من الرسوم المسيئة وطباعة أعداد مضاعفة من الصحيفة يضع المزيد من علامات الاستفهام بشأن حدود حرية التعبير عندما تصطدم بحريات ومعتقدات الآخرين، وهل يستوجب ذلك إعادة النظر في سقف ما يمكن أن يصل إليه الصحفي في انتقاد الآخر.

وعقب الحادث شهدت فرنسا مسيرة ضخمة شعبية ورسمية للتنديد بالهجوم، لكنها الأخرى أثارت الجدل خاصة بعد مشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فيها، وهو المسؤول عن قتل المئات في غزة من بينهم أطفال ونساء.

كما تسبب وسم "أنا شارلي" الذي انتشر بصورة كبيرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي في جدل آخر، حيث انتشر في المقابل وسم "أنا لست شارلي"، ووسم "أنا أحمد" في إشارة إلى الضابط المسلم الذي قتل في الهجوم.

الحرية والقدسية
وفي السياق نفسه، فتح "المرصد" ملف حدود حرية التعبير المقدسة لدى الغرب واحترام مشاعر الآخرين وقدسية الأديان ورموزها، ولا سيما تجارب بعض الإعلاميين والأدباء في طريقة انتقادهم الإسلام، الديانة الكبرى عالميا.

وعرض تقريرا يمثل لمحة تاريخية عن أبرز المواجهات الفكرية والإعلامية تحت شعار "حرية التعبير"، فمن سلمان رشدي وآياته الشيطانية إلى الفيلم الهولندي المسيء إلى الرسوم الدانماركية وصولا إلى شارلي إيبدو، مراحل عدة من الإساءة وسوء الفهم وغياب الحوار أدخلت المجتمعات الأوروبية في دوامة من العنصرية والعنف.

جدل يتجدد مع كل أزمة.. كيف يمكن توصيف كل ما سبق، أهو حرية تعبير، أم تحريض أم سوء فهم للآخر؟

ولكن في المقابل، كيف تنظر أوروبا والغرب إلى مبدأ حرية التعبير الراسخ عندما يصطدم بإنكار الهولوكوست وما تسميها "معاداة السامية". الإجابة عن هذا التساؤل توضح ازدواجية المعايير في الغرب المتشدق بحرية التعبير والسخرية من الأديان والأنبياء كما تقول وزيرة العدل الفرنسية.

اسم البرنامج: المرصد

عنوان الحلقة: ازدواجية المعايير بين حرية التعبير والإساءة للمعتقدات

مقدم الحلقة: محمد مزَيمز

تاريخ الحلقة: 19/1/2015

المحاور:

-  جدل حول الهجوم على صحيفة شارلي إيبدو الفرنسية

-  حدود حرية التعبير لدى الغرب

- تطورات الساحات الإعلامية عربياً ودولياً

محمد مزَيمز: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وأهلاً بكم في حلقةٍ جديدة من المرصد وتتابعون فيها: الهجوم المسلح على صحيفة شارلي إيبدو الفرنسية يُشعل الجدل في وسائل الإعلام حدود حرية التعبير إلى الواجهة من جديد، من سلمان رشدي إلى شارلي إيبدو كُتابٌ ورسامون ومُخرجون وصحفيون أساءوا إلى الإسلام، تاريخٌ مفتوحٌ من المواجهة الفكرية وغياب الحوار، مخاطر الحروب السيبيرية الإلكترونية تُقلق الدول الكبرى واختراق شركة سوني يُشعل فتيل المواجهة بين كوريا الشمالية وأميركا، تغيير مصباحٍ كهربائي فوق برج اتصالات على ارتفاع نصف كيلومتر فوق الأرض، فيديو الأسبوع نشاهده في آخر الحلقة.

جدل حول الهجوم على صحيفة شارلي إيبدو الفرنسية

محمد مزَيمز: الهجوم الدامي على صحيفة شارلي إيبدو وما تلاه من أحداث شغل الإعلام العالمي بالتغطيات المباشرة والتحليلات مع حصيلةٍ بلغت 17 ضحيةً إضافةً إلى المهاجمين الثلاثة، مشاهدُ من فوق الأسطح وثقت الهجوم الدامي واقتحاماتٌ وتحريرٌ للرهائن على الهواء مباشرةً بدت أشبه باستعراضٍ إعلامي للقوة يُعيد الاعتبار لفشلٍ استخباراتي ما، أجمع العالم بأسره على إدانة قتل الصحفيين وتقييد حريتهم وسجنهم بشكل عام، لكن المطروح اليوم هو إعادة النظر في سقف ما يمكن أن يصل إليه الصحفي في انتقاده للآخر، فرنسا اليوم أمام مُنعطفٍ تاريخيٍ خطير وسؤال كبير تردده وسائل إعلامها ومسيرتها الحاشدة، ما الذي أوصل أبناء الجمهورية ليقتلوا بعضهم بعضا؟ الجدل الإعلامي حول حدود حرية التعبير ضمن قصتنا الرئيسية لهذا الأسبوع.

]شريط مسجل[

تعليق صوتي: مسلحان ملثمان يقتحمان مقر صحيفة شارلي إيبدو الكاريكاتيرية الساخرة ثم يلوذان بالفرار بعد أن قتلا 12 شخصاً بينهم رئيس تحرير الصحيفة و4 من كبار الرسامين فيها إلى جانب رجلي أمن، تصدر خبر الاعتداء شاشات التلفزيون وتابعته وسائل الإعلام بشكل مُنقطع النظير وهُرعت طواقمها إلى مكان الاعتداء جنباً إلى جنب مع أجهزة الأمن الفرنسية، تلك الأجهزة التي حاولت التعويض عما اعتُبر فشلاً استخباراتياً بالكشف السريع عن هويتي الفاعلين، إنهما الأخوان سعيد وشريف كواشي لتبدأ بعدها مباشرةً عملية تعقبهما إلى بلدة دمرتان، دخلت البلاد في حالة استنفار أمني وزاد من حدتها مقتل شرطية اتُهم فيها حميدي كوليبالي، لجأ الرجل المسلح إلى متجرٍ للأطعمة اليهودية في بوردو فانسان مُحتجزاً عددٍ من الرهائن في وقتٍ تداولت فيه الفضائيات والمواقع الإخبارية صورةً له مع زوجته حياة بومدين، لم تتأخر القوات الفرنسية في تنفيذ اقتحامين مُتزامنين تحت عدسات الكاميرات فانتهي اليوم البوليسي الدامي بمقتل الأخوين كواشي وحميدي كوليبالي و4 رهائن، الوقت في فرنسا الآن للتضامن والوحدة، هذا ما صرح به أكثر من مسؤول فرنسي وذهبت إليه العديد من وسائل الإعلام الفرنسية، لكن أحداث باريس الدامية جاءت فرصة سانحةً لبعض الإعلاميين والسياسيين لإثبات مواقفهم العنصرية الحادة.

FOX NEWS: يجب أن نقتلهم، علينا أن نقتلهم، المسلمون الراديكاليون الإرهابيون عازمون على قتلنا، أنتم في خطر وأنا في خطر، نحن نعيش حرباً لا تنتهي.

HOB Channel: لم يكن لدي صحيفة نيويورك تايمز الجرأة لتعيد نشر الرسوم، بينما صحيفة الواشنطن بوست فعلت ذلك، الواشنطن بوست تحلت بالجرأة بينما فضلت النيويورك تايمز الاختباء.

تعليق صوتي: في المقابل خرجت أصواتٌ إعلامية تنتقد محاولة استغلال الحادثة وتعزيز الخطاب العنصري.

TYT Channel: عندما يقتل مسلم أحداً ما يجب أن نصرخ جميعاً أنه مسلم!

تعليق صوتي: هذا الواقع دفع محللين كُثراً للحديث عن أيامٍ عصيبة تنتظر العرب والمسلمين وغيرهم من المهاجرين، ليس في فرنسا فقط بل في أوروبا كلها وقد تُرجم ذلك باعتداءات على بعض المساجد والمحلات التجارية المملوكة لعربٍ في عددٍ من الدول الأوروبية قبل أن ينجح رجال الأمن في احتوائها، بعد 3 أيامٍ من الهجوم على شارلي إيبدو شهدت باريس وعددٌ من المدن الأخرى مسيرات هي الأضخم في تاريخ فرنسا خرجت تنديداً بالهجمات المسلحة التي تعرضت لها البلاد في حشدٍ رسمي وشعبي كبير لم تخلُ اللحظة التاريخية من الجدل الإعلامي حول مشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في خضم هذا المشهد فُتح النقاش مُجدداً على شاشات ومواقع التواصل الاجتماعي حول حدود حرية التعبير لتنطلق حملة تضامنٍ تحت وسم أنا شارلي، لكنه بدا شعاراً حمالاً للأوجه وقابلاً للتأويل بالنسبة لكثيرين أدانوا قتل الصحفيين من دون أن يجدوا في أنفسهم قناعةً بما دأبت المجلة الساخرة على نشره لاسيما فيما يتعلق بالإساءة إلى الأديان وهي لا تزال مُصرةً على ذلك مع زيادة عدد النسخ أضعافاً في كل طبعةٍ تثير الجدل من خلالها.

آلان غريش/ رئيس تحرير Le Monde Diplomatique: إنها وسيلةٌ للتضامن لكن الشعار غامضٌ في رأيي، أنا لست شارلي لست معهم فيما ينشرون وقد انتقدتهم مراراً في رأيي هم عاملٌ سلبي داخل مجتمعنا لكن في نفس الوقت هم لديهم الحق في التعبير وليس لأحد الحق في قتلهم، هذا هو المهم .

ريتشارد سيمور/كاتب وأكاديمي: من السهل جداً ومن الطبيعي أن نقول نحن نتعاطف مع الذين قُتلوا ونُدين بشدةٍ الهجوم الوحشي ولكن هذا لا يعني أن شارلي إيبدو منطقيةٌ في تعاطيها مع مختلف القضايا أو أن جميع ما نشرته كان مقبولاً ومفيداً.

تعليق صوتي: لجأ بعض المغردين لوضع شعار أنا لست شارلي أو أنا أحمد في إشارةٍ إلى الضابط المسلم الذي قُتل أثناء الهجوم على الصحيفة في محاولة منهم لمنع استغلال الهجوم لإلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام، برنار أورترب أحد رسامي الكاريكاتير في شارلي إيبدو لم يكن في مقر الصحيفة خلال الهجوم سخر بشدة عبر الصحافة ممن أسماهم الأصدقاء الجدد الذين تعاطفوا مع زملائه فجأة وهم كانوا في الأصل يعارضون رسوماتهم.

بادريغ ريدي/مدير تحرير 89UP: قليلٌ من الناس المُنددين بالهجوم نشروا أو قد ينشرون مادةً كالتي عرضتها شارلي إيبدو، بعض الصحف صرحت بأنها لا يمكن أن تنشر مثل هذه المادة المُستفزة ولكني أراه رد فعلٍ لمساندة حرية التعبير.

تعليق صوتي: من هنا استمر النقاش حول حدود حرية التعبير فارضاً نفسه في وسائل الإعلام لاسيما في كيفية صون الحرية الإعلامية من دون إهانة الآخرين والتجريح بهم بعنصرية وعدوانية.

FOX NEWS: نيويورك تايمز لم تفعل ولا لوموند الفرنسية ولا التايمز اللندنية والكثير من المؤسسات الإعلامية الكبرى، فقط شارلي إيبدو ومجلتي أنا في كندا وعدد قليل آخر.

CBC NEWS: نحن مؤسسة إعلامية مسؤولة جزء من عملنا في الـ سي بي سي يتلخص في تعزيز قيم التسامح والاحترام.

تعليق صوتي: في العام 2006 تسلطت الأضواء على شارلي إيبدو على إثر نشرها الرسوم الدنمركية المسيئة للإسلام سارع حينها الرئيس الفرنسي جاك شيراك لانتقاد الصحيفة داعياً لعدم المساس بمعتقدات الآخرين خصوصاً الدينية ومُطالباً بممارسة حرية التعبير بروحٍ من المسؤولية، أما شارلي إيبدو فكانت تُبرر النقد اللاذع في رسوماتها بأنها تُساوي في ذلك بين الجميع دون تمييز أو حدود.

ريتشارد سيمور: هنا يجب أن أُذكر بأنه عندما قام موريسينا أحد كتابهم بانتقاد ابن ساركوزي  في أسلوبٍ أعتبر مُعادياً للسلمية جرى طرده من الصحيفة هذا يعني أن لديهم معايير في تعاطيهم مع المجتمعات لكن يبدو أن هذه المعايير ليست مُلزمةً لهم عندما يتناولون المجتمع المسلم في فرنسا.

تعليق صوتي: يُضاف إلى ذلك ما ذهب إليه كثيرون من أن انتقاد شارلي إيبدو لجميع الأطياف والأديان لا يعني بالضرورة انتقادهم بشكلٍ مُتساوٍ ويستشهدون على ذلك بملاحظة غلافات الصحيفة في السنة الماضية وعدم التناسب في حجم تناولها الكبير لمسلمي فرنسا مقارنةً مع تعداد هؤلاء في المجتمع، لا يمكن تبرير قتل الصحفيين فمواجهة القلم بالسلاح عملٌ مُدانٌ في كل التشريعات، الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان التي وقعت عليها فرنسا عام 50 من القرن الماضي تكفل حق حرية التعبير للجميع لكنها قارنت ذلك الحق بواجباتٍ ومسؤولياتٍ عدة منها مصالح الأمن الوطني والأمن الاجتماعي وحماية واحترام حقوق الآخرين، فهل خالفت شارلي إيبدو قوانين وقيم الجمهورية الفرنسية؟

]نهاية التقرير[

محمد مزَيمز: بعد الفاصل ازدواجية المعايير بين حرية التعبير وقوانين مُعاداة السامية في أوروبا، تاريخٌ من الإساءة للإسلام في الصحافة والأدب والفن.

]فاصل إعلاني[

حدود حرية التعبير لدى الغرب

محمد مزَيمز: أهلاً بكم من جديد، في تاريخنا الحديث شهد العالم محطاتٍ مفصلية في الإعلام وفُتح جدلٌ واسعٌ ولا يزال حول حدود حرية التعبير المقدسة لدى الغرب واحترام مشاعر الآخرين وقدسية الأديان ورموزها لاسيما تجارب بعض الإعلاميين والأدباء في طريقة انتقادهم للإسلام، الديانة الأكبر عالمياً، من سلمان رشدي وآياته الشيطانية إلى الرسوم الدنمركية وصولاً إلى شارلي إيبدو المصرة على نشر رسمها المسيئة للأديان، مراحل عدة من الإساءة وسوء الفهم وغياب الحوار أدخلت كلها المجتمعات الأوروبية في دوامةٍ من العنصرية والعنف، في قصتنا التالية لمحةٌ تاريخية عن أبرز المواجهات الفكرية والإعلامية تحت شعار حرية التعبير.

]تقرير مسجل[

تعليق صوتي: حرية تعبيرٍ أم تحريضٌ أو سوء فهم للآخر جدلٌ تاريخي يتجدد مع كل إساءةٍ للإسلام في الصحافة والأدب والفن، عند كل أزمة يسارع الإعلام الغربي للتكاتف دفاعاً عن قيم الديمقراطية والحق المقدس في التعبير في حين يلجأ المسلمون المُستفزون لردود فعلٍ ساخطةٍ في الشارع أو على المنابر الإعلامية والحكومية، فيما تلجأ قلة للرد بعنفٍ قد يصل حد الانتقام الدموي، أولى تلك الأزمات التي شغلت الإعلام كانت عام 1988 من القرن الماضي مع نشر الروائي البريطاني من أصلٍ هندي سلمان رشدي رواية آيات شيطانية والتي تعرض فيها للإسلام وتطاول على شخص الرسول الكريم لتندلع إثر ذلك احتجاجات في العالم الإسلامي، تحولت القضية إلى مواجهةٍ مفتوحةٍ مع الغرب بعد فتوى هدر دم سلمان رشدي التي أطلقها الإمام الخميني في فبراير عام 1989 ليبدأ الخطاب الإعلامي غرباً عن إرهابٍ إسلامي فكري خاصةً بعدما هوجمت مكتباتٌ وصحفٌ ودور نشر في أميركا وبريطانيا، وفي 3 أغسطس من نفس العام تعرض رشدي لمحاولة اغتيال فاشلةٍ بواسطة كتابٍ مُفخخ انفجر الكتاب قبل الموعد المحدد مما أدى إلى مقتل المهاجم وتدمير طابقين من فندق بادينغتون وسط لندن، عام 2004 قام المخرج الهولندي ثيو فان خوخ بإنتاج فيلمٍ قصير بعنوان الخضوع تحدث فيه عن سوء معاملة المرأة في الإسلام وربط تلك المعاملة بآياتٍ قرآنية، تسبب عرض الفيلم على قناةٍ تلفزيونيةٍ هولنديةٍ بغضبٍ عارم لدي مسلمي هولندا وبقية العالم الإسلامي وتلقى المخرج العديد من رسائل التهديد، في صباح 2 من نوفمبر عام 2004 تم اغتيال فان خوخ بأحد شوارع أمستردام على يد شابٍ هولندي من أصلٍ مغربي، تمكنت الشرطة من إلقاء القبض عليه وحوكم بالسجن المُؤبد، فتحت هذه الحادثة نقاشاً حاداً وعنصرياً حول مصير أكثر من مليون مسلمٍ في هولندا وبدأت بعض المنظمات اليمينية تُحذر مما أسمته المد الإسلامي في البلاد لتنتقل بعدها هذه المخاوف إلى عموم أوروبا، لكن أدوات حرية التعبير وحدودها في الغرب عادت وأخذت مُنعطفاً دراماتيكياً مع المسلمين، ففي عام 2005 أقدم الرسام الدنمركي كورت فيستر جارد  على نشر رسمٍ كاريكاتيري مسيء للرسول الكريم في صحيفة يولاندس بوسطن أدى ذلك إلى احتجاجات وغضبٍ عارمٍ لدى المسلمين حول العالم وأخذ ذلك الغضب منحاً عنيفاً، تم اقتحام وتفجير سفاراتٍ دنمركيةٍ في دمشق وإسلام آباد بالإضافة إلى قتل وجرح المئات من المتظاهرين الغاضبين في مواجهاتٍ مع الشرطة في عواصم عدة، وقد أعلنت الحكومة الدنمركية حينها أنه لا يمكنها التدخل في سياسات الصحيفة احتراما لحقها في حرية التعبير، تعرض الرسام للعديد من التهديدات بالقتل وتضامنت معه العديد من الصحف الأوروبية التي أعادت نشر رسومه المُسيئة للإسلام وأشهرها صحيفة شارلي إيبدو الساخرة، الأمر الذي اعتبره المسلمون استفزازاً غير مُبررٍ يُهدد قيم التعايش بينهم وبين المجتمعات الغربية، عام 2008 وصل الحد بغيرت فيلدرز زعيم حزب يميني هولندي إلى إنتاج فيلم مُسيءٍ بعنوان فتنة قام بنشره على شبكة الإنترنت ليعلن القسٌ الأميركي  تيري جونز عام 2013 والذي وصفته وسائل إعلامٍ أميركية بالمختل نيته حرق القرآن الكريم تزامناً مع ذكر أحداث 11 من  سبتمبر، وصفةٌ إعلاميةٌ جاهزةٌ لاستفزاز المسلمين لمن يرغب بأن يتصدر اسمه نشرات الأخبار أو من يرغب بإثارة العنصرية ضدهم تحت مُسمى حرية التعبير، صحيفة شارلي إيبدو كانت آخر من استثمر هذه الوصفة والهجوم الدموي عليها فتح سلسلةً جديدةً من الإساءة والتحريض ضد المسلمين بالرغم من الأصوات التي تدعو للسلم والتعايش واحترام الآخر، عند كل مُنعطفٍ يتساءل المسلمون عن ازدواجية المعايير الغربية مع حرية التعبير التي تعتبر حتى التشكيك بأعداد ضحايا المحرقة اليهودية هجوماً عنصرياً يُحاسب عليه القانون، هذا القانون الذي حكم على المؤرخ البريطاني ديفد إيرفينغ في النمسا بالسجن 7 سنوات لأنه أنكر وجود الهولوكوست في عهد هتلر، وكذلك حوصر المُفكر الفرنسي روجيه غارودي وتمت محاكمته بتهمة مُعاداة السامية.

]نهاية التقرير[

محمد مزَيمز: تطورات الساحات الإعلامية عربياً ودولياً نستعرضها لكم في مرصد الأخبار لهذا الأسبوع.

تطورات الساحات الإعلامية عربياً ودولياً

]تقرير مسجل[

تعليق صوتي: الأحداث الأمنية المتنقلة في أوروبا تحولت إلى مادةٍ دسمةٍ للإعلام ففي الوقت الذي كان فيه الناس يصطفون طوابير لشراء العدد الأول من شارلي إيبدو كان الإعلام الأوروبي يتناقل خبر استدعاء الشرطة الفرنسة للممثل الكوميدي ديودونيه لأنه كتب موقفاً مُناهضاً لحملة أنا شارلي اعتبرتها الشرطة اعتذاراً للإرهاب ومع إصرار شارلي إيبدو على رسومها المسيئة مزهوةً بطباعة ما يزيد على 3 ملايين نسخة بعد أن كانت بالكاد تبيع 60 ألفاً خرجت مسيراتٌ غاضبةٌ في العالم العربي والإسلامي تحت شعار أنا محمد لكن أحداها جنحت تحت العنف كما حصل في النيجر حيث قُتل 10 أشخاصٍ وأُحرقت بعض الكنائس كما صدرت مواقف حكوميةٌ عربيةٌ مُنددة بخطوة الصحيفة الاستفزازية وكان لافتاً موقف بابا الفاتيكان الذي أعلن أن لحرية التعبير حدوداً خصوصاً عندما تصل حد الاستهزاء بمعتقدات الآخرين، الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند علق بأن اللذين غضبوا من الصور المنشورة لا يفهمون حرية التعبير في فرنسا في الوقت الذي أصرت فيه وزيرة العدل الفرنسية كريستيان توبيرا خلال تأبين أحد رسامي الصحيفة أن من حق رسام الكاريكاتير أن يضحك ممن يشاء ولا يوجد مُحرماتٌ في فرنسا حتى الأنبياء والأديان يُمكن الاستهزاء بهم على حد قول الوزيرة، وكان هوريروس أحد مُؤسسي شارلي إيبدو قد انتقد أداء رئيس تحريرها شارب الذي قُتل في الهجوم وحمله مسؤولية جر باقي الفريق إلى حتفهم بسبب عناده وإصراره على مضمون رسوماته المُستفزة، وارتباطاً بحادثة شارلي إيبدو كان المذيع الشهير جيم كلانسي قد يضطر للاستقالة بعد تغريدةٍ على تويتر قادته إلى جدلٍ اعتُبر مسيئا لإسرائيل كما تعرض مراسل BBC تيم ويلكوس لهجومٍ عنيفٍ أوجب عليه الاعتذار لاحقاً بسبب إشارته إلى معاناة الفلسطينيين في خلال حواره مع ابنة أحد الناجين من الهولوكوست ربطت بين الهجوم على الصحيفة الساخرة واستهداف اليهود في أوروبا. 

تداعيات هجمات باريس أشعلت حرباً إلكترونية في العالم الافتراضي فقد قرر الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس الوزراء البريطاني ديفد كاميرون وضع إستراتيجية مشتركة للأمن الإلكتروني الذي بات يُشكل تهديداً حقيقياً للدول الكبرى وكان قراصنة تابعون لتنظيم الدولة الإسلامية قد تمكنوا من اختراق حساب تويتر التابع للقيادة الأميركية الوسطى وقد ذكرت وكالة رويترز أن المخابرات الأميركية والأوروبية تشتبه بتورط المواطن البريطاني جونيد حسين في هذا الهجوم والذي التحق قبل فترةٍ بتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، وكان تنظيم الدولة قد أعلن عن إنشاء قناة الخلافة عبر الإنترنت في تحدٍ واضحٍ للإجراءات الاستخبارتية الغربية في محاصرته إلكترونياً وعقب هجمات باريس تعرض أكثر من 19 ألف موقعٍ إلكتروني فرنسي للاختراق بواسطة قراصنة قالت الحكومة إنهم مُرتبطون بتنظيمات جهادية، كما تعرضت صحيفة نيويورك بوست ووكالة UPI الإخبارية الأميركية للاختراق حيث تمكن القراصنة من نشر أخبارٍ مفُبركةٍ ولفترةٍ وجيزة.  قضية اختراق شركة سوني تتفاعل خصوصاً بعد العقوبات التي بدأت واشنطن بفرضها ضد كوريا الشمالية، فقد أكد جون مكافي صاحب شركة مكافي المتخصصة لمكافحة الفيروسات الإلكترونية أنه توصل مع القراصنة الذين اخترقوا شركة سوني وأن لا علاقة لهم بكوريا الشمالية بل هم قراصنةٌ مُدافعون عن الحريات المدنية وضد القيود الاحتكارية التي تفرضها شركات السينما والموسيقى كشركة سوني، وشككت شركة NORSE المتخصصة برصد الهجمات الإلكترونية بأن تكون كوريا الشمالية هي المسؤولة عن قرصنة سوني وعزت السبب إلى عمل تخريبي داخلي، ولصب الزيت على نار الأزمة استغلت شركات أميركية متخصصة في ألعاب الفيديو قضية سوني وزعمت أن حواسيبها تعرضت للقرصنة مما أدى إلى تدمير لعبةٍ مثيرةٍ للجدل بعنوان الزعيم المجيد والتي تُصور الزعيم الكوري الشمالي كبطلٍ يتحدي الأسلحة الأميركية ويهاجم استوديوهات سوني لكن حسب بعض التقارير تبين أن لا وجود لأي اختراق وكل ما في الأمر أن الشركة المغمورة أرادت خطف الأضواء بسبب فشلها في ترويج اللعبة. 

استنكرت نقابة الصحفيين اليمنيين وعددٌ من المنظمات المُدافعة عن حقوق الصحفيين التهديدات بالتصفية الجسدية التي تلقاها مدير مكتب الجزيرة في اليمن سعيد ثابت عبر اتصال هاتفي من شخص مجهول ووصفت النقابة هذه التهديدات بالخطيرة والتي تأتي ضمن جوٍ مُعادٍ للحريات، كما أدانت شبكة الجزيرة الإعلامية الحادث مشيرةً إلى أن التهديدات المتواصلة التي يتعرض لها صحفيوها في اليمن لن تُثنيهم عن أداء الواجب المهني وحمّلت سلامة طاقمها للحكومة اليمنية وجماعة الحوثيين التي تسيطر على العاصمة صنعاء، وكانت مؤسسة حرية اليمنية قد سجلت نهاية العام الماضي أكثر من 350 اعتداءا ضد صحفيين ومؤسسات إعلامية في البلاد.

]نهاية التقرير[

محمد مزَيمز: ابتداءً من الحلقة القادمة سيفتح المرصد نافذة تفاعليةً معكم أنتم مشاهدينا الكرام عبر مواقع التواصل الاجتماعي للتعليق بالصوت والصورة والكلمة على مواضيع هذه الحلقة والقضايا التي سنطرحها مستقبلاً. 

سؤالنا لهذا الأسبوع كيف يمكن ممارسة حرية التعبير في الإعلام دون الإساءة لمقدسات الآخرين؟ يمكنكم التفاعل عبر فيسبوك وتويتر وموقع ALJAZEERA.NET كما يمكنكم مراسلة البرنامج مباشرةً عبر البريد الالكتروني مرصد MARSAD@ALJAZEERA.NET.

وقبل أن أودعكم أترككم مع هذا الفيديو من داكوتا الجنوبية في أميركا حيث قام المصور جوزيف تورين بتوثيق عملية تغيير مصباح التنبيه الكهربائي فوق برج إرسال بواسطة كاميرا مُثبتة على طائرةٍ من دون طيار وكان على العامل كيفين شميت أن يتسلق 460 متراً للوصول إلى رأس البرج التابع لـقناة KDLT الأميركية وتغيير المصباح ومن ثم التقاط صورة سلفي في نهاية رحلته، الفيلم من إنتاج شركة PRAIRIE ARERIAL المتخصصة في التصوير الجوي،  مشاهدة طيبة وإلى اللقاء.