أن تكون صحفيا في قناة الجزيرة فذلك عبء عليك ثقيل، فقد باتت القناة وصحفيوها أهدافا للتشهير والتهديد والتصنيف من أطراف عدة، منها ما ظهر علنا وما خفي منها أعظم؛ فمنذ عقدين والاتهامات تلاحق الجزيرة تخف حينا وتشتد أحيانا كثيرة.

"أعتقد أن  الجزيرة سبب رئيسي من أسباب الحصار المفروض على قطر"، هذا ما قاله رئيس مجلس إدارة شبكة الجزيرة الشيخ حمد بن ثامر آل ثاني، الذي أكد أن هناك حملة تشويه كبيرة تتعرض لها القناة من قبل أجهزة الإعلام الرسمية  والمخابرات في أكثر من دولة عربية.

"الجزيرة منصة الإرهاب"، ليس هذا الاتهام وليد اليوم بل يعود إلى عام 2001 عندما كانت الجزيرة تنقل -وحيدة- الصورة من على أرض أفغانستان حيث القاعدة وطالبان. وارتبطت اتهامات الجزيرة في أفغانستان باسم مراسلها السابق هناك تيسير علوني، لأنه أجرى حوارا مع زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن.

وبحسب علوني فقد كان بن لادن يستدعي في السابق صحفيين أجانب ويجري معهم مقابلات كروبيرت فيسك، لكنه في تلك الفترة لم يكن لديه خيار لأن  الحرب كانت تجري على قدم وساق، ولم يكن يوجد أي صحفي تلفزيوني سوى تيسير علوني، فطلب منه أن أجري مقابلة معه.

وبعد أن امتنعت الجزيرة عن نشر المقابلة على شاشتها لأسباب تحريرية، كانت المفاجئة أن شبكة "سي أن أن الأميركية" بثت مقاطع منها بجودة ضعيفة، فقد تسربت المقابلة عبر التنصت على الأقمار الصناعية وتذرعت الشبكة بأن لديها اتفاقا للتبادل الصحفي مع الجزيرة.

ثمن تغطية الجزيرة في أفغانستان لم يقتصر على اتهامها بتوفير منصة للإرهابيين، بل تعداه إلى قصف مكتبها، ثم ملاحقة مراسلها تيسير علوني في إسبانيا حيث حكم عليه بالسجن سبع سنوات.

اختبار جديد
بعد الحرب على أفغانستان، كانت الجزيرة مع اختبار جديد وهو "الحرب على العراق" التي بدأت في مارس/أذار 2003، وكانت التهمة هذه المرة أن الجزيرة قناة نظام صدام حسين، في المقابل كان النظام العراقي يمنع صحفييها من العمل ويتهمهم بالتسويق للأميركان.

مدير قناة الجزيرة ياسر أبو هلالة أكد أنه لا توجد تهمة إلا ألصقت بالجزيرة، بداية باتهامها بأنها تابعة للقاعدة وتنظيم الدولة والموساد والمخابرات الأميركية، وخلال الحرب على العراق كانت تتهم بأنها قناة صدام حسين لأنها كانت تغطي الحرب بعيون غير أميركية.

الكل يهاجم الجزيرة ويتهمها بالانحياز إلى الطرف الآخر ويريدها أن تكون على مقاسه، لكن الاتهامات لم تكن بغلاف سياسي فحسب، بل طالتها اتهامات بمخالفة المعايير المهنية عندما قامت بنشر صور لعدد من الأسرى الأميركيين لدى الجيش العراقي.

دفعت الجزيرة ثمنا باهظا في العراق، فقد استشهد مراسلها طارق أيوب بعد قصف الطائرات الأميركية مكتبها في بغداد، واستمرت تغطيتها حتى بعد الاحتلال الأميركي حيث وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع الضغوط الأميركية.

خلف الكواليس
تكشف وثائق ويكيليكس أن معركة خلف الكواليس كانت تدور رحاها بعيدا عن الشاشة وارتبطت بواحد من أكثر الشخصيات جدلا والذي أسندت له إدارة شبكة الجزيرة في تلك الفترة وضاح خنفر، فبحسب الوثائق فقد التقى خنفر مع مسؤولة أميركية ووعدها بتغيير تغطية الجزيرة لما يجري في العراق.

لكن خنفر نفى ذلك قائلا "استمعت إلى عدد من الملاحظات التي جاء بها الأميركيون، وعلاقتنا بهم كانت في غاية التوتر وكانوا قد رصدوا ووثقوا كل ما تقوم به الجزيرة من خلال لجنة من الصحفيين موجودة في مقر السفارة الأميركية في قطر وفي مقر وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، وكانوا يصدرون تقريرا يوميا عما يعتبرونه تجاوزات مهنية في تغطية الجزيرة للشأن العراقي؛ عندما جاءنا هذا الملف قلت لهم سننظر فيه وإذا كان هناك تجاوزات مهنية سنتراجع عنها".

قطر هي الدولة التي حظيت بسبق إطلاق قناة حركت المياه الراكدة وكسرت القيود وتجاوزت الحدود، فقد فتح  إطلاق الجزيرة في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 1996 بابا لم يغلق بعد أمام موجات من الاتهامات ضد الجزيرة، حيث يربط المنتقدون القناة وتغطياتها بسياسات الدوحة وتناقضاتها.

ووفقا لرئيس مجلس إدارة الجزيرة، فإن من أسباب نجاح الجزيرة هي أنها أعطيت هامشا واسعا من الحرية والعمل ولم تستخدم كأداة سياسية، مضيفا تأتينا اتصالات وملاحظات من دول كثيرة عربية وغير عربية -ومنها قطر- تعترض أو تتحفظ على تغطيات الجزيرة، ونحن نتقبل تلك الاتصالات بصدر رحب.

الربيع العربي
ومع اندلاع شرارة الربيع العربي، بدأت الاتهامات ضد الجزيرة تتوسع وتأخذ أبعادا جديدة، فقد اتهمت القناة بتحريض الشارع وإثارة الفتن بين الأنظمة العربية وشعوبها، حينها انقسم الشارع العربي بنخبه وعامته بين مدافع عن الجزيرة ورسالتها ومعادٍ يتمنى اليوم الذي تغيب فيه الجزيرة أو تغيب عن الشاشة.

ومع كل تغطية كبيرة لأحداث سياسية مفصلية تحضر التساؤلات حول ممارسة الجزيرة أدوارا خفية حول الكاميرا، فقد اتهمت بالوقوف وراء الربيع العربي وإثارة الفتن الطائفية ورعاية الإرهاب والعنف والتحريض على زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة.

ياسر أبو هلالة رد على هذه الاتهامات قائلا "نحن عندما غطينا الربيع العربي كان هناك تعاطف عالمي مع الشعوب العربية، وعُبِّر عنه على مستوى رسمي ومستوى شعبي وعلى مستوى الثقافة والفنون والسينما، ونحن نتشرف أننا انحزنا للشعوب ولم نقف مع الاستبداد".

دفعت الجزيرة وصحفيوها ثمنا باهظا، فمنهم من رحل في ميادين التغطيات وآخرون اعتقلوا أو يلاحقون بأحكام مختلفة وصلت حد الإعدام، وتصاعدت الاتهامات ودخلت الجزيرة في مرحلة ما سمي بالثورة المضادة، التي انتقل فيها الحمل إلى مركز القناة في الدوحة بعد أن أغلقت مكاتبها في عدد من الدول العربية.