عرض برنامج "الجهات الأربع" في حلقة جديدة وثائقيا يتحدث عن الجهاديين الأجانب الذين قدموا إلى سوريا، ويسلط الضوء على تجربة "أبو غريب" الجهادي الهولندي من أصل مغربي.

"أبو غريب" هو اسم من نسج الخيال سيبقى صاحبه متنكرا لأسباب متعلقة بالسلامة، ولأن أسرته ما زالت تعيش في الغرب.

يقول أبو غريب "كانت أمي على دراية بأنني سأنضم إلى الجهاد لأنني أطلعتها على ذلك عدة مرات، وقلت لها أيضا إنها قد لا تراني بعدها أبدا، "لم أودعها ولم أقل وداعا إلى هذا اليوم".

دلفت الهولندية
قتل مراد ابن مدينة دلفت الهولندية في سوريا وكان عمره عشرين عاما، وقد يكون أول جهادي هولندي يقتل هناك حاملا السلاح ضد نظام بشار الأسد.

يذكر أحد شبان دلفت أن القصة بدأت ببرنامج إذاعي، ويضيف أن عددا من أصدقائه غادروا المدينة فجأة متوجهين إلى سوريا.

يسرد أبو غريب حكايته مع فكرة الجهاد قائلا "بدأت أشعر بالقلق الحقيقي بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، كان ذلك المنعطف الكبير في حياتي حيث بدأت أنتبه إلى المعايير الغربية المزدوجة".

ويرى "المجاهد الهولندي" أن العالم ينقسم إلى فسطاطين: المؤمنين والكفار، حزب الله وحزب الشيطان الذي يحارب الإسلام دوما.

غادر أبو غريب هولندا ذات شتاء، ركب السيارة وانطلق مبتعدا، وبدأت هولندا تختفي عن ناظره، لم يخامره شك في أنه سيرحل، فهو يعتبر أنه يستطيع الذهاب إلى حيث يكون على سجيته.

عندما وصل إلى تركيا بدأ يشعر بأن لا عودة إلى الوراء، كثيرا ما كان يفكر في أسرته في الأشهر القليلة الأولى، قبل أن يبدأ ذلك في الاضمحلال شيئا فشيئا.

طلب الجهاد
ينضم الكثير من المسلمين الأجانب إلى الكتائب الإسلامية في سوريا طلبا للجهاد، وعادة يدخلون سوريا بفضل اتصال مع شخص سوري.

الترتيب يتم مسبقا مع المهربين الذين يعرفون ما جاء من أجله المجاهدون، يصطحبونهم إلى الأراضي السورية بكل احتراف.

يقول أبو غريب "عندما وصلنا إلى سوريا أول مرة كان الجو باردا، في إحدى المراحل أخذونا إلى مخبأ في بيت آمن وفي اليوم الموالي زارنا أمير المنطقة ونقلنا إلى مسكن آخر فيه مجاهدون أجانب".

ويتابع المجاهد ذو الأصول المغربية "في إحدى المرات كنت طرفا في عملية حررنا خلالها أحد السجون، رأينا كومة من القتلى كلهن نساء، كانت كلاب ضالة تحوم حول جثثهن، وشاهدنا أمواتا تنهش أجسادهم الكلاب وأشخاصا اختفت أطرافهم، أعوان بشار يمارسون التعذيب بطرق بشعة".

ويختم أبو غريب الذي اختار أن يبقى متنكرا بالقول "إن سوريا في حالة حرب وأولويتنا هي إسقاط بشار، وعندما يهوي نتمكن من تأسيس الدولة الإسلامية مجددا، أما الآن فلا فائدة من بنائها".

ويضيف "بشار واحد من مستبدين كثر عندما يرحل فلن أكتفي بالقعود، حينها يجد الجد، سأذهب حيث يوجد الجهاد، سوريا اليوم والمغرب غدا ربما، وإذا كان الجهاد في أطراف الأرض فسأذهب إلى هناك، وإن لم أكن أنا فأولادي أو أحفادي".

اسم البرنامج: الجهات الأربع

عنوان الحلقة: الطريق من هولندا إلى سوريا

ضيوف الحلقة: عدة ضيوف

تاريخ الحلقة: 8/5/2015

المحاور:

- التخطيط للجهاد في سوريا

- ردود أفعال أمهات الجهاديين

- دوافع الجهاد وغاياته

- رحلة العبور إلى سوريا

- شهود على مجازر النظام السوري

- ما بعد إسقاط الأسد

- الشهادة في سبيل الله

فلور/مراسلة صحفية: هل لك أن تخبرني يا أبا حسن كيف التقيت الهولندي أبا غريب؟

أبو حسن: كيف التقيت فيه؟ والله كان لقائي فيه عابر في الطريق فالتقيت فيه شفت هذا الأخ مُصاب، والله وقفت معه سلمت عليه سألت عنه وسألته عن حاله، قال والله أُصبت أنا في سوريا هيك هيك الحال، والله كان في تلفون في سوريا في سؤال عن هذا الشخص، قالوا لي أنه هذا الشخص من الأشخاص المتمتعين بأخلاق الإسلام مقاتل والله أُصيب في المعارك وهذا شخص كثير كثير كويس تعامل معه وكن معه.

فلور: سلام معك فلور، بخير، سماع صوتك يسعدني، كيف الأحوال؟ من الغريب جداً التحدث إلى رجلٍ هولندي بعيداً عن مدينة داوزت مستعداً لمقاسمة تفاصيل قصته، أبو غريب اسمٌ من نسج الخيال سيبقى متنكراً لأسبابٍ متعلقةٍ بالسلامة ولأن أسرته لا تزال تعيش في الغرب، تقول أنك غادرت هولندا منذ زمنٍ طويل، هل ذلك صحيح؟

التخطيط للجهاد في سوريا

أبو غريب/مقاتل في جبهة النصرة: كانت أمي على درايةٍ بأنني سأنضم إلى الجهاد لأنني أطلعتها على ذلك عدة مرات وقلت لها أيضا أنها قد لا تراني بعدها أبداً.

فلور: لكنك لم تودعها.

أبو غريب: كلا لم أودعها ولم أقل وداعاً إلى هذا اليوم، تحدثت إلى والديّ بعد انقضاء شهورٍ على وصولي إلى هنا اتصلت بهما بعد أن خلوت بنفسي بعيداً عن المقاتلين، وكان عليّ معاودة الاتصال مراراً لأن الصوت كان رديئاً، التقطت أختي سماعة الهاتف كانت مرحةً ودخلت معي في دردشةٍ خفيفة كما لو أنّ الأمور كانت طبيعية، ثم جاءت أمي إلى الهاتف قالت كيف حالك؟ وأين أنت؟ سألتني أين أنت إلى غاية هذه اللحظة؟ بدا كل شيءٍ عادياً إلى أن صارحتها انهارت تماماً وقطعت الاتصال.

تعليق صوتي: قُتل مراد ابن مدينة دِلفت في سوريا كان عمره 20 عاماً وقد يكون أول جهادي هولندي يقتل هناك حاملاً السلاح ضد نظام الأسد.

يذكرنا ذلك بمجموعة روزفلت منذ 10 سنين شبان في الـ20 من العمر فاشلون دراسياً.

قوة هولندية كبيرة من المتطرفين الذين يقاتلون في سوريا لا يناهضون الأسد فقط، العديد منهم على صلةٍ بأشد الحركات الإسلامية تطرفاً "النصرة".

فلور: بدأت القصة ببرنامجٍ إذاعي غادرت مجموعة أصدقاء مدينة دلفت فجأةً متوجهين إلى سوريا، نشأت في دلفت وعرفت عدداً منهم في الحي نحن أبناء المدينة نفسها ومن جيلٍ واحد، لكنهم بدئوا يغيبون عن الأنظار تدريجياً، لم أكن أصدق الصورة التي رسمتها وسائل الإعلام عنهم، لكن لماذا يخوضون حروباً ليس لهم فيها ناقةٌ أو جمل وفي مكانٍ قصيٍ في بلدٍ مجهول؟

سلمان- 21 عاماً: عشت في دلفت 16 سنة ونشأت في مقاطعة غليس، عرفت أُناس هم رهن السجن لأنهم ضلوا الطريق، خلطت عملاً حسناً بآخر سيء وخالطت أشخاصاً سيرتهم غير قويمة، كلكم أصدقاء سوء.

أحد الهولنديين: قدوةٌ سيئة، كلا ولكن تكلم باسمك فقط، لماذا تخالطنا؟

عبدي- 18 عاما: اسمعني يا أخي من غير الجائز أن تقول عن شخصٍ أنه أخطأ من غير أن يرتكب شيئاً معيناً لا يجوز لك أن تصف ما فعله كان ضلالاً، العنف غير مفيد ومع ذلك من لم يرتكب فعلاً بعينه لا يسعك أن تقول أنه ضل السبيل.

محمد- 19 عاماً: عرفت شباناً ذهبوا إلى هناك كانوا طيبين وكنا وقتها يافعين في الـ15 ربما، هذه هي دلفت وهذه هي شوارعها كتلةٌ من البؤس، هذه هي الفرقة 015.

أبو غريب: كانت حياتي في هولندا كبقية الناس؛ المدرسة والعمل والتنزه، كنت عضواً في نادٍ لكرة القدم ألعب أيام السبت وأتسكع مع أصدقائي ليلاً، كنا نقصد موقف سياراتٍ شاسعاً ونمارس بعض الأنشطة كالتزحلق والتزلج ونركب سيارات الملاهي، كنت أظرف أفراد المجموعة وأًضحكهم دوماً كنا نهرب عندما تحضر الشرطة تلك هي الحياة الاعتيادية لهولندي من أصلٍ مغربي رقيق الدين، ثم تعرفت إلى أخوةٍ متدينين فقلت في نفسي كثيراً ما يكون الملتزمون دينياً أكبر سناً منا نحن لم يكونوا متحمسين للإسلام ولم يكن بمقدورهم أن يجيبوك عن المقصود بالإسلام الحقيقي، لكنني تعمقت وفي سعيي ذاك التقيت أخوة قدموا إليّ يد العون إلى هذه اللحظة الحالية.

ردود أفعال أمهات الجهاديين

فلور: تحدثت مع أمهات الشباب الصغار الذين ذهبوا إلى سوريا ولم يوافقن على تصويرهن لذا استبدلن قصصهن بمشاهد تمثيل.

والدة أحد الشباب: كان يذكر الجهاد أحياناً لكن لم يخطر على بالي أبداً أنه سيجرؤ على شد الرحال، سألت قريباً له عما إذا ينبغي أخذه على محمل الجد، طلب مني أن لا أقلق وعليه نسيت الأمر ولم أعرف كيف أتعامل مع الأمر أو إلى من ألجأ، الله وحده يعلم ما إذا كان شخصٌ ما زّين له الذهاب إلى سوريا أو ذهب من تلقاء نفسه.

أحد الهولنديين: سأريك خدعة.

محمد: ماذا عسى المرء يقول؟ لا علم لنا بما يدور في خاطره له ولدان وأصدقاء وأناسٌ يحبهم هنا، أن يطرح ذلك كله وراء ظهره ليس اعتباطاً أو دون سبب لا يمكن رميه بالجنون لقد غادر وكان ذلك قراره، ماذا بوسعنا أن نفعل؟ من السهل على الأغراب أن يقولوا معدنهم خبيث لكن لو أنك عرفتهم لما تحدثت بهذا الأسلوب، معدنهم طيب وكذلك قلوبهم.

أحد الهولنديين: لكنني أعلم أنه لو استأذن والديه لما أذنا له.

عبدي: على كلٍ كان ذلك شيئاً بينه وبين خالقه ليس بوسعنا أن نتدخل، يجب عدم الحكم عليهم أتفهم؟ من السهل إطلاق الكلام على عواهنه فماذا صنعنا؟ لم نحرك ساكناً تركناه يفعل مثلما يشتهي.

أبو غريب: ينقسم العالم إلى فسطاطين: المؤمنون والكفار، حزب الله وحزب الشيطان، الشيطان يحارب الإسلام دوماً وللشيطان أعوان أُناس همهم تدمير الإسلام.

فلور: لست مسلمة لكني لا أريدك أن تموت.

أبو غريب: نعم أنتِ لا تريدين لكن حكومتي تريدني ميتاً.

فلور: أذلك ظنك بها؟

دوافع الجهاد وغاياته

أبو غريب: متأكد وإلا لما ذهبوا إلى أفغانستان ومالي والعراق؟ إذاً حكومة بلادك تفكر بطريقةٍ مختلفة وقد تفكرين أنتِ بطريقةٍ مغايرة، لكن الحكومة التي اخترتها تفكر بطريقةٍ مستقلة وتتصرف بطريقةٍ مختلفة، بدأت أشعر بالقلق الحقيقي بعد هجمات الـ11 من سبتمبر كان ذلك المنعطف الكبير في حياتي حيث بدأت أنتبه إلى المعايير الغربية المزدوجة.

[شريط مسجل]

جورج بوش: على كل أمةٍ في كل منطقة أن تقرر إما أن تكون معنا أو مع الإرهابيين.

أبو غريب: فإذا قُتل مئات الآلاف أو ملايين المسلمين تقتيلاً فذلك لا يعني شيئاً، وإذا مات 3 آلاف أميركي يهتز العالم أجمع لغاية اليوم، كل هؤلاء الموتى لم يتحرك أحدٌ من أجلهم ولا أحد يكترث لحالهم ثم تحين لحظةٌ تتصلب فيها مواقفك من الآخرين.

هولندي 1:عليك سؤال نفسك اسأل نفسك لماذا قُتل هذا الرجل بلا مبرر؟ لماذا؟ فلنقلب المسألة ونغير سياسة الهجرة قليلاً فقد يتحسن الوضع والناس يشعرون بالتهميش.

هولندي 2: نحن الهولنديين يجب أن نبقى طلقاء التفكير وأن نعرب عما يجول في فكرنا لا أن نتحدث عن شخصٍ ما جاء بدينٍ جديد منذ 5 آلاف عام وكأنه تحفة يجب أن لا تقربها يدنا باللمس، أليس هذا مثيراً للسخرية؟ كف عن هذا.

أبو غريب: إذا كان المواطنون الهولنديون الجدد يريدون التعبير عن محبتهم عن أيديولوجيا ولدت في الصحراء في القرن الـ7 الميلادي فليفعلوا ذلك في بلدٍ مسلم وليس في هولندا، غادرت البلاد في الشتاء وأذكر جيداً ذلك، ركبت السيارة وانطلقت مبتعداً وبدأت هولندا تختفي عن ناظري، لم يخامرني شكٌ بأنني سأرحل على الأقل أستطيع الذهاب إلى حيث أكون على سجيتي، شقّ عليّ ترك أسرتي ورائي أكثر مما شقت عليّ مغادرة هولندا، وعندما وصلت إلى تركيا بدأت أشعر بأن لا عودة إلى الوراء، كلما ابتعدت عن بلدك كلما توارت أسرتك عنك، كثيراً ما كنت أفكر فيهم في الشهور القليلة الأولى، ثم بدأ ذلك يضمحل شيئاً فشيئاً.

والدة أحد الجهاديين: ذهب إلى صلاة الفجر وكان عادةً ما يرجع إلى البيت بعدها لكنه يومها لم يرجع، فقلت في نفسي إنّ في الأمر خطباً ما، أحياناً أشاهد الأخبار عن سوريا وأتفحص الوجوه علنّي أتعرف عليه، ومن بعدها أُطفئ التلفاز إذ لم أعد أُطيق مشاهدة تلك الصور.

رحلة العبور إلى سوريا

أبو غريب: أذكر أننا لما وصلنا لم يكن المُهرب موجوداً، المنطقة تحت مراقبةٍ شديدة عيون العالم مسلطةٌ عليها بحيث أصبح المرور أصعب، وفي لحظةٍ ما شعرت أنه إذا بقينا هنا فترةً أطول فسيقبض علينا، لذلك مشينا قليلاً نحو الجبال لكي ننتظر هناك وبما تيسر أوقدنا ناراً، وبعدها قضينا الوقت في الانتظار والحمد بعد أن منَّ الله علينا باستكمال الرحلة، يتم الترتيب مسبقاً مع المهربين الذين يعرفون ما جئنا من أجله، يصطحبوننا هناك بكل احتراف.

فلور: ينضم الكثير من المسلمين الأجانب إلى الكتائب الإسلامية في سوريا طلباً للجهاد، عادةً ما يدخلون سوريا بفضل اتصالٍ مع شخصٍ سوري، أبو حسن جهادي يساعد المقاتلين الأجانب على دخول سوريا وهو لا يريد الكشف عن هويته مثل ذلك الهولندي لأسبابٍ أمنية ولأنّ ذلك يتضارب مع دينه.

أبو حسن: ولست بكلمة ما صنف جهادي الذي يصنف في الغرب إرهابي، أنا جهادي في سبيل بلدي في سبيل أرضي في سبيل وطني في سبيل أهلي، والله لا أرفع قبعة، طبعاً نحن ولا أي شخص نقبله، مثلاً جاء شخص من هولندا يوجد معنا نراقبه نشوف سلوكه نحكي تلفون على هولندا نأخذ باسبوره معلومات شخصية، دققت أشوف أنه هذا في هولندا شو وضعه شو ترتيبه أستفسر عنه، يوم اثنين ثلاثة أربعة ممكن شهر يظل تحت المراقبة ما يخوض معنا عمليات ولا شيء يكون خاضع لدورة المراقبة إلى فكرة المراقبة وخطى معنا كل الخطى، وإن كان شخص سيء يعود إلى بلاده من حيث أتى، والله لا يستطيع دخول سوريا كلها لأنه نحن عندما يكون شخص سيء قد أتى من الخارج نُعلم جميع الفصائل وجميع الكتائب وجميع الألوية هذا فلان الفلاني بالصورة الفلانية والله نصوره بذقن وبدون ذقن، لما يجيء إذا فات سوريا مرة ثانية جيبوه هذا معناها جاسوس.

[فاصل إعلاني]

فلور: لا أستطيع دخول سوريا بمفردي لذا أعطيت بعض الناس كاميرا صغيرة لأرى بلداً تخوض غمار حربٍ من خلال وجهة نظرهم.

أبو غريب: عندما وصلت إلى سوريا أول مرة كان الجو بارداً واليوم كالحاً ظلامٌ في ظلام، في إحدى المراحل أخذونا إلى مخبئٍ في بيتٍ آمن غزاه البعوض جوٌ كريه، كانت تلك أول ليلةٍ هناك جو لا دفء فيه، يخيم عليه التوتر أسوأ مما توقعت، في اليوم الموالي زارنا أمير المنطقة ثم أخذونا إلى مسكنٍ آخر فيه مجاهدون أي مهاجرون من الخارج بحيث نتآلف مع بقية الرجال، كل واحد منهم يريد أن يعرف من أين جئت وكيف كانت الرحلة وما آخر أخبار المكان الذي جئت منه، كذلك كانت أيامنا الأولى.

فلور: وصلت مع مجموعة شباب هل استطعت التواصل مع أي سوري؟

أبو غريب: ليس في البداية، عليكِ أن لا تنسي أن البلد كان غارقاً في الحرب وكانّ لبشار موالون في القرى، لذلك كان أميرنا شديد الحرص على المقاتلين المهاجرين لم نكن نستطيع الخروج لوحدنا بل في مجموعاتٍ من 5 أو 6 كلهم مسلحون، في البداية لم نكد نخالط الناس لكن كان من بين المقاتلين سوريون أيضاً واقتصر تواصلنا عليهم هم فقط خلال الشهرين الأولين وليس مع السوريين العاديين.

فلور: العديد من القرى التركية الحدودية يسكنها سوريون الآن، أحمد البوي مقاتلٌ فرّ مع أسرته إلى تركيا وهو يعايش الحرب في بلاده كل يوم ويرى مسلمين أجانب يعبرون الحدود وينضمون إلى القتال. ماذا تعرف عن هؤلاء الأجانب الذين يتدفقون إلى بلادك؟

أحمد البوي- 30 عاماً/مقاتل في الجيش السوري الحر: دائماً يجيئون عن طريق تركيا على أساس سياح، يجيئون على أساس ما نعرفهم هويتهم يقول لك أجنبي بس ما نعرف من أين مبعوث أنه جاء يجاهد، قليلهم ما نقول كلهم مندسين مبعوثين عن طريق أمن عن طريق مخابرات، بس إلا في منهم نيتهم صافية قلبهم صافي، متواصلين جماعة مع بعضهم قال له جماعته يصل واللهِ قد إني تصاوبت، دق دق، شو صار شو صار؟ ألقت مضبوط.

مجاهد: إن شاء لله، إن شاء الله ميسرة، السلامُ عليكُم مرحبا..

أبو غريب: أطلقتُ أولى رصاصاتي وأنا مع قناص، كُنتُ مُستلقياً هُناك عِدةَ ساعات، عندما رأيتُ العدوَ ينتقلُ إلى الجانب الآخرِ من المبنى التقطتُ سلاحي، إن استخدامَ مِنظارِ البُندقيةِ أول مرة يُشعرُكِ بالانفعال لأنهُ سيقتلُ إنساناً، كُنتُ متوتراً في لحظةٍ ما الأمرُ عاديٌّ بكُلِ بساطة.

مجاهد 1 عبر اللاسلكي: آه خالو.

مجاهد 2: ألو خال.

مجاهد 1: شلون الوضع؟

مجاهد 2: الوضع...

مجاهد1:  شلون الوضع؟ آه آه ماشي وبس يجيء الرقم دقوا لنا.

مجاهد2: ماشي..

فلور: هل كانَ مُقاتلاً؟

أحد المرافقين لأحد المصابين في الحرب: لا مدني، مدني، مدني، كُلهم مدنيين، فيش عندهُم تقريباً الجيران كُلهُم مدنيين.

مرافق آخر: العالم الموجودة عطشانة، جوعانة.

أحد المرافقين: طيب إيش الأوضاع اللي بدك تساويها أنتَ؟

مرافق آخر: بدنا نتصرف..

شهود على مجازر النظام السوري

مواطن سوري 1: أيام أسمع أصوات مدينتي عم تحترق يعني، بلدي يحترق، اللي طلعت ونشأت منهُ يعني مشتاق للحارة، مُشتاق للقعدات نشرب شاي ونتهرج واليوم الجار والجار كانت أيامنا حلوة، أتمنى نرجع مثل أيامنا بس أنهُ ما هو موجود هذا النظام هذا اللي هو حط ودخل الطائفية بيننا.

مواطن سوري 2: لك دمرنا يا عمي دمرنا، راحوا راحوا الأولاد راحوا كُلهُم راحوا، دمرونا، ما خلوا شيء، بيوتنا دمرهُم.

أبو غريب: عندما ترى تلكَ الصورَ ترى دكتاتوراً سفاحاً، رجلٌ يقتلُ النساءَ والأطفال وهو أمرٌ يحزُ في النفس بالأسلحةِ الكيمائية، في إحدى المرات كُنتُ طرفاً في عمليةٍ حررنا خلالها أحدَ السجون، رأينا كومةً من القتلى كُلهُن نساء وكانت كلابٌ ضالةٌ تحومُ حولهُن، وشاهدتُ أمواتاً تنهشهُم الكِلاب وأشخاصاً اختفت أطرافهم، لأولِ مرةٍ أرى مثلَ ذلكَ المشهد، هزني ذلكَ من الأعماق، مُنِحَ جنودُ بشار كذلكَ الضوءَ الأخضرَ ليصنعوا مثلَ ما يحلو لهُم، لا قانونَ يحكُمُهم، وحوشٌ كاسرة، أعوانُ بشار يمُارسونَ التعذيبَ بطُرقٍ بشعة، نحنُ لا نُعذبُ الناس بل نُطلقُ عليهمُ الرصاص، خلاصٌ سريع، قاتلوا العدوَ إلى أن يختفي وعندما يكفُّ يدهُ عنا أتوقفُ أنا أيضاً وعندها ينتهي كُلُ شيء، وإن لم يفعل أستمر.

مُقاتل: اللهُ مولانا ولا مولى لهُم.

مُقاتلون: اللهُ مولانا ولا مولى لهُم.

مُقاتل: تكبير.

مُقاتلون: اللهُ أكبر.

مُقاتل: تكبير.

مُقاتلون: اللهُ أكبر.

أبو غريب: أغلبُ مَن في مجموعتي مُتعلمون ومنهُم قِلةٌ لم تُنه تعليمها، كُلهُم يذهبوا إلى الجبهةِ ولهُم كلمةٌ في الموتِ والحياة، ليسوا أغبياء بل يُمكنُ العملُ معهُم، منهُم مَن لم يكُن يُحبُ المدرسةَ أو كانت لهُ طموحاتٌ أُخرى لكنَّ غالبيتهُم ترددت على مقاعدِ الدراسة وباستطاعتهم اتخاذُ القرارات.

فلور: هل مِن يومٍ في الجبهةِ لن تنساهُ ما حييت أو يومٌ لهُ وقعٌ خاصٌ في نفسك؟

أبو غريب: كُنا في الجبهةِ 3 شهور وكُنا نتعرضُ للقصفِ ليلَ نهار لكن كانَ علينا انتظارُ أمرٍ من الأمير لكي نشُنُ هجوماً، كانَ الموقفُ نصراً أو شهادة، سيُفجرُ أخونا نفسهُ هُنا، ستقتحمُ المجموعةُ البنايةَ من جهةِ المُستشفى، استفقتُ مُتعباً مُنهكاً، تمنيتُ لو أنني استطيعُ الذهابَ إلى بيتي وأستحمَّ وأخلُدَ إلى الفراش، هاجمنا مُجدداً ثُمَّ سمعنا مَن يقول نجحَ الهجومُ وانتهى وكانَ الناسُ يهتفون ويُطلقونَ الرصاصَ في الهواءِ ويُكبِّرون وجاءَ الأُخوةُ يقودونَ دباباتٍ ترفعُ علمَ العدو، كانَ كُلُ واحدٍ يغترفُ من الغنائم، أمضينا وقتاً مُمتعاً، إن مَن يدخلُ معركةً كأنهُ يضغطُ زراً فيدخلُ جوَّها وعندما نرجع أعودُ بعدها ذلكَ الرجُلَ المرح الذي يُحبُ الانبساطَ مع زوجتهِ وإخوانهِ.

ما بعد إسقاط بشار الأسد

 فلور: وعندما تنتصرونَ على بشار هل يتوقفُ الجِهاد؟

أبو غريب: سوريا في حالةِ حرب، أولويتنا هي إسقاطُ بشار وعندما يهوي نتمكنُ من تأسيسِ الدولةِ الإسلاميةِ مُجدداً أما الآن فلا فائدةَ من بنائها، بشار واحدٌ من مُستبدينَ كُثُر أعني أنهُ عندما يرحل فلن أكتفيَ بالقعود حينها يجُدُ الجد سأذهبُ إلى حيثُ يوجدُ الجهاد، سوريا اليوم والمغربُ غداً ربما وإذا كانَ الجهادُ في أطرافِ الأرض فسأذهبُ إلى هُناك وإن لم أكُن أنا فأولادي أو أحفادي، الجهادُ ماضٍ إلى يومِ القيامة.

أبو حسان/مقاتل في الجبهة الإسلامية- 27 عاما: اليوم سوريا بلاد الشام يعني نُقطة الالتقاء بالجنة يعني اللي يكون بنية صادقة وصافية يعني يعتبر حالهُ يعني خلص دخل الجنة من أوسع أبوبها، مُليء بالأعمال الصالحة وكانَ الشخص يستشهد في سبيل الله فسينال أعظم الدرجات وهي الجنة، الجنة، 70 من أهلهُ يعني أنا إذا كُنت شهيد وقبِلَني رب العالمين أمي، أبي، أخوتي، الـ Family تبعي كُلهم، زوجتي، أبنائي، أقربائي، 70 شخص يدخُل الجنة معي، أنا أخذهُم معي، أنا أتشفع لهُم يعني أنا أكون شفيع لهُم، أُدخلهُم الجنة.

والدة أبو غريب: الكثيرُ من المجموعات التي تتقاتلُ في سوريا سُنةٌ وشيعةٌ وعلويون وليسَ بمقدوركَ أن تعرفَ مَن منهم على حق، كُلهُم يُقاتلُ تحتَ مُسمَّى الجِهاد، المُسلمونَ في سوريا لا يُقاتلونَ النظامَ وحدهُ، بل يتقاتلونَ فيما بينهُم، المُسلمُ الذي يقتلُ المُسلمَ حِسابهُ عسيرٌ يومَ القيامة ولستُ أدري أينَ هو ابني لكني أشعرُ أنهُ على قيدِ الحياة وأدعو اللهَ أن يعودَ سالماً، أشتاقُ إليهِ كثيراً.

أبو غريب: نموتُ وتُكتبَ لنا الحياة، نموتُ لنحيا ولا تبدأُ الحياةُ إلّا بعد ما أموت، العالمُ زائل، كم نعيشُ فيه؟ 50، 60، 70سنة، 100 سنةٍ على الأكثر ثُمَّ نموت، ثُمَّ تبدأُ حياةٌ لا يحُدُّها زمن حيثُ كُلُ شيءٍ أبديّ فإما السعادةُ الأدبية أو الشقاءَ الأبديّ، أُريدُ الموتَ لمُلاقاةِ وجهِ ربي لتبدأُ الحياةُ الحقيقية.

الشهادة في سبيل الله

فلور: أنتَ تُقاتلُ لكي تموتَ تبدأَ حياتُكَ الحقيقة، ألستَ بهذا أنانياً؟ تحسبُ نفسكَ مركَزَ العالم؟

أبو غريب: لماذا تعتبرينها أنانية، أفعلُ ذلكَ مِن أجلِ مَن حولي، أُمي مثلاً أستطيعُ الشفاعةَ لها يومَ الحساب، ذلكَ يومٌ يُحاسبُ فيهِ الناس لكنَّ ذنوبَ الشهيدِ تُغفرُ لهُ.

أحد المجاهدين: صبراً يا نفسي معنا الله، صبراً يا نفسي معنا الله ورياحُ الشامِ صرخت آه، أتذكرُ لمّا ودعتُكِ يوماً وبكيتِ عليَّ من الإشفاق، قُلتِ يا ولدي لا تكوي كبدي تحرقُني الذكرى والأشواق، وخرجتُ لأني أُبصرُ في بلدي كُفراً يتسلطُ في الأجواء، وحملتُ سلاحي ورفعتُ لوائي وخرجتُ أُقاتلُ في الأعداء، في الجنةِ أشدو وأُغني وأحدو وأُرتلُ آياتَ القُرآن وأُقابلُ فيها زوجي وبنيها وأُعانقُ أُمي والأخوان..

مواطن1: شو؟ لا يا الله، حسبي الله ونعم الوكيل، يلا شوي وسأجيء.

مواطن2: استشهدوا شباب مبارح.

مواطن1: استشهدوا...

مواطن2: من المجموعة اللي مبارح أسعفنا واحد والله.

مواطن1: إيه.

فلور: كيفَ حدثَ ذلك؟

مواطن2: شو؟

فلور: How did it happen؟

مواطن2: استشهدوا وهُم عم يُداهموهمُ، قناص ضربهُم الاثنتين، كانوا يروحوا مع المُجاهدين، مع الجيش الحُر يعني أول شيء صار عندهُم قُدرة، كانوا هُم عبارة عن مُجاهرين يأتي المُهاجر العالم تحترمهُ وتفوتهُ بيتهُ، مُهاجر جاءَ يا أخي من دولة لدولة لدولة جاءَ لعندنا فهمت عليّ من شان يُقاتل طلع صاحبنا نيتهُ غير نية، نيتهُ يسرق، نيتهُ فساد، نيتهُ ما تعرفين شو بهِ، هذا أخوه شهيد، كُل شوي تضرب شهيد، كُل شوي تضرب شهيد.

مواطن1: أقول يكفي شُهداء، يكفي شُهداء، قضيتنا شُهداء تموت، عالم تموت وعالم ترزَّق وعالم تجيء تستلم على المرتاح، هذهِ البلد واحة من الثوار، إيه والعمل شو؟

مواطن2: في عندكُم...

مواطن1: كُلنا...

مواطنة سورية/زوجة مجاهد: نقول يا أحمد تعال وأنتَ بدك تظل تروح، يعني أنا أكون هربان وأنتَ تروح تُكمِل.

الطفلة: ماما قاعدة أقول لهُ ما يمشي، ماما..

المواطنة: آه والله ما في روحة قولي لهُ، ما بدنا إحنا شيء بس ظل يمنا.

الطفلة: إحنا ما بدنا شيء بس أنتَ ظل يمنا، ولا تروح إذا متت هذهِ ماما تموت حالها،ماما..

المواطنة: إيه.

الطفلة: أنا ما أحكي معك.

المواطنة: تروح ولا لأ؟

المجاهد: ما أقدر يعني، ما أقدر..

مواطنة: لأنهُ أولادي يعني صغار اثنين وبدي أكون شوي أنا قوية يعني، من شان ما أخلي أولادي يضعفوا، بنفس الوقت يناموا أقوم أبكي، ما أقدر أنام، أندار من محل لمحل يعني، مرة أفوت على المطبخ مرة أفوت على الغُرفة الثانية ما أقدر، أحمد يعني هيك أحس دُنيتي كُلها تنطفئ، يعني حياتي ما يظل بها نور.

المجاهد: إيه، والله والله، يلا..

فلور: ربما أنتَ لا تخشى الموت لكن ماذا عن مَن تركتهُم ورائك؟ زوجتكَ حامل وستُرزق بولد، ماذا أنتَ قائلٌ لابنك عندما تذهب؟

أبو غريب: أقول لهُ يا بُني أبوكَ مُجاهد، والدُك اختارَ سبيلهُ، جاء والدُكَ من مكانٍ بعيد وأُريدكَ أن تسلُكَ أنتَ أيضاً سبيلهُ لأن أباكَ اتبعَ سُبُلاً لم تقُدهُ إلى أيِّ شيء، يُريدُ أبوكَ أن يُجنبَّكَ الكثيرَ من الأُمور، أتمنى لكَ كُلَّ خير لذا لا تحزن بل أبشِر، ففي الحياةِ الأبدية سنبقى معاً إلى الأبد.