ويل جوردان

يشك جواسيس جنوب أفريقيا في أن الصين تقف وراء سلسلة من حوادث الاقتحام لمرفق نووي كبير، ويقولون إن العملاء سرقوا تكنولوجيا بهدف تحقيق تقدم في مجال جديد من نوعه لتوليد الطاقة النووية، حسب ما تكشف عنه وثائق سرية سربت إلى وحدة الصحافة الاستقصائية في شبكة الجزيرة.

غير أن التصريحات العلنية والمراسلات والاتصالات الدبلوماسية لحكومة جنوب أفريقيا حول الموضوع تجنبت أي إشارة إلى تورط الصين المزعوم في القضية. 

تناقض الوثائق الاستخباراتية المزاعم التي صدرت عن مسؤولين في حكومة جنوب أفريقيا وفي القطاع النووي الذين اعتبروا الحوادث التي وقعت في عام ٢٠٠٧ في مركز أبحاث بيليندابا النووي مجرد "عمل إجرامي عشوائي" وفقط "محاولة للسطوة". 

كما فندوا النظرية التي تناقلتها بعض وسائل الإعلام الأميركية، ومفادها أن اللصوص كانوا جزءا من "مجموعة إرهابية" تسعى "لصناعة سلاح نووي". 

الشكوك حامت حول الصين بعد أن تقدمت على جنوب أفريقيا رغم أنها بدأت بعدها بعام كامل (الجزيرة)

هجوم مسلح
استنتج جواسيس جنوب أفريقيا أن الصين أرسلت مجموعتين من الرجال المسلحين الذين قطعوا السياج المحيط بالمرفق النووي، وعطلوا أجهزة الإنذار وأطلقوا النار على رجل قاطعهم. 

ظل الرجل ملقى في حالة حرجة، بينما فر المهاجمين وفي حوزتهم حاسوب محمول سرقوه من غرفة التحكم، ولم يتم القبض على الفاعلين.   

بعد ذلك مضت الصين قدما في تطوير تكنولوجيتها الجديدة التي كانت قيد البحث في مركز بيليندابا رغم أنها بدأت مشروعها بعد عام كامل من بداية جنوب أفريقيا التي تخلت عن خططها لتطوير هذا النوع من المفاعلات في ٢٠١٠ متعذرة بعدم وجود اهتمام استثماري في الموضوع.

كان ممثل جنوب أفريقيا في الوكالة الدولية للطاقة الذرية عبدول منتي قد اعتبر الحادث مجرد محاولة سطو، بينما قلل رئيس مؤسسة الطاقة النووية الوطنية (نيكسا) من أهميته، واعتبره مجرد "إجرام عشوائي". 

غير أن تقريرا سريا لمخابرات جنوب أفريقيا حول مكافحة التجسس مؤرخ في ٢٠٠٩ يعطي شرحا أفضل للقضية. 

يقول التقرير إن جنوب أفريقيا كانت تطور تكنولوجيا جديدة لتوليد الطاقة النووية في مركز أبحاث بيليندابا، حيث يوجد معمل الوقود اللازم للمشروع. 

ويمضي التقرير قائلا: لقد أبدت عدة أجهزة مخابرات أجنبية اهتماما بالتقدم الذي كانت تحققه جنوب أفريقيا في هذا المجال. ويشك بأن السرقة وعملية السطو التي حصلت كانت تهدف إلى تمكين الصين من تحقيق نقلة في مشروعها المنافس الذي يسمى تشينارجي. وقد تمكنت الصين فعلا من تطوير مشروعها وباتت متقدمة سنة كاملة عن مشروع جنوب أفريقيا.

عملية السطو على بيليندابا حدثت في عام ٢٠٠٧ (الجزيرة)

دعاية الإرهاب
بعد عملية السطو التي حصلت في بيليندابا في عام ٢٠٠٧ على المرفق النووي خارج جوهانسبرغ قالت بعض وسائل الإعلام إن الجناة ربما كانوا مهتمين بالحصول على المواد النووية لصناعة قنبلة.

يقال إن المدير السابق للمخابرات الأميركية (سي آي أي) جورج تينيت أبلغ مقدم برنامج ٦٠ دقيقة في تلفزيون "سي بي إس" مايكل كرازيس بينما كانا يتناولان الطعام معا في أحد مطاعم واشنطن "ينبغي أن تكون قصتك التالية حول الإرهاب النووي، ليست المسألة إذا فجر الإرهابيون قنبلة ذرية في مكان ما من الولايات المتحدة وإنما هي ببساطة مسألة متى!". 

عمل برنامج ٦٠ دقيقة بنصيحة رجل "سي آي أي"، وفي أواخر عام ٢٠٠٨ كان لدى هذا البرنامج التحقيقي قصة حول اقتحام معمل نووي في جنوب أفريقيا. وأعطت محطة "سي بي إس" للموضوع عنوانا مثيرا على النحو التالي "هجوم على بيليندابا"، وحذرت المشاهدين من أن القصة "هي من النوع الذي يبقي الرئيس بلا نوم طوال الليل". 

وقال مقدم البرنامج سكوت بيلي للمشاهدين إن ما حدث "يصلح لأن يكون فيلم سينما مثيرا"، قصة من قصص هوليوود مكتملة الأركان من النوع الذي يقوم على بطل واحد هو المنقذ الذي يحول دون وقوع كارثة نووية من خلال تحديه مجموعة من الرجال المسلحين. 

كان برنامج ٦٠ دقيقة في غاية الوضوح، إذ أعلن عمن يظن أنهم قاموا بالعملية، حيث كتب منتج البرنامج "في أسوأ الأحوال إنهم مجموعة من الأشرار يضعون أيديهم على يورانيوم صالح لإنتاج السلاح النووي". 

جنوب أفريقيا صنفت دخول بيليندابا عنوة على أنه عمل إجرامي لا إرهابي (الجزيرة)

ويكيليكس
يرد ذكر عملية اقتحام مركز بيليندابا في تسريبات ويكيليكس للبرقيات الدبلوماسية الأميركية. 

تبين مذكرة أميركية سرية مؤرخة في يناير/كانون الثاني ٢٠٠٩ أن المسؤولين في جنوب أفريقيا أخبروا الحكومة الأميركية أنهم يعتبرون حادث اقتحام بيليندابا في نوفمبر/تشرين الثاني ٢٠٠٧ عملا إجراميا وليس عملا إرهابيا.

لم يرد ذكر الصين في تلك المذكرة ولا عمليات تجسسها، فهي أكبر شريك تجاري لجنوب أفريقيا، وتحتفظ بريتوريا بعلاقات دبلوماسية وثيقة مع بكين.

وتقول برقيات ويكيليكس إن تقرير محطة "سي بي إس" ترك جنوب أفريقيا في وضع حرج بسبب "حساسية أمنها النووي". 

وخلصت الوثيقة إلى القول إن "هذا يصعب على المسؤولين في جنوب أفريقيا متابعة عرض من الولايات المتحدة للمساعدة في تحسين أمن مواقع الاختبارات النووية والإشعاعية".