سيل من الرسائل انهمر على جنوب أفريقيا من أجهزة مخابرات أجنبية للتحذير من خطر القاعدة على جنوب أفريقيا إلا أن أجهزتها لا ترى تهديدا مباشراً محدقا بالبلاد.

ويل جوردان و راحول راذاكريشنان

ادعت المخابرات الروسية في فبراير/شباط من عام ٢٠١١ أن القاعدة أسست "وحدة بحرية" في شمال أفريقيا وأنها تنوي استخدام قوارب سريعة كـ "قنابل عائمة"، حسب ما ورد في وثائق سربت إلى وحدة الصحافة الاستقصائية في شبكة الجزيرة.

كانت تلك واحدة فقط من عشرات البرقيات المفزعة التي أرسلتها وكالات الاستخبارات الأجنبية إلى نظرائهم في جنوب أفريقيا الذين رفضوا تبني الادعاء بأن القاعدة باتت تشكل تهديداً مباشراً على أمن جنوب أفريقيا. 

وتشتمل برقيات التجسس على العديد من الوثائق التي تعطي بالفصيل أخبار مطاردة أجهزة المخابرات للقاعدة، ومن هذه الأجهزة: المخابرات البريطانية إم آي 6، والمخابرات الإسرائيلية الموساد وجهاز أمن الدولة التابع لجنوب أفريقيا.

وتستعرض هذه الوثائق نشاطات المجموعة، وتخص بالذكر أفراداً مشتبهاً فيهم وتوجه تحذيرات من مخططات محتملة.

كما تتحدث البرقيات عن محاولة من قبل الدول الأكبر والأقوى لتأسيس رواية تعتمد على التخويف من الإرهاب من خلال قصف أجهزة المخابرات في الدول الأصغر بالإنذارات للتأثير على ترتيب أولوياتها.

 أجهزة جنوب أفريقيا لم تشاطر نظيراتها الأجنبيات الرأي حول وجود تهديد للقاعدة في بلادها (الجزيرة)

رأي مغاير
ويبدو أن أجهزة الاستخبارات الغربية غير مبالية بتقييم جهاز أمن الدولة في جنوب أفريقيا والذي يرى بأن نشاطات القاعدة في البلد محدودة ومقتصرة على عدد قليل من الأفراد، وهم في الأغلب عابرون في طريقهم إلى دول أفريقية أخرى.

كانت برقية المخابرات الروسية إف إس بي هي الأكثر إثارة للقلق، فإضافة إلى الحديث عن خطة تحويل القوارب السريعة إلى قنابل عائمة، جاء في البرقية الروسية أن القاعدة أجرت تجارب على الأسلحة البيولوجية وأنها تسعى إلى "عزل الجرثومة التي تسبب الإصابة بطاعون الرئة" - الأمر الذي كانت له عواقب كارثية.

وكتب جهاز إف إس بي يقول إن مقر القاعدة الذي أجريت فيه التجارب أصبح ملوثاً مما أسفر عنه مقتل ٤٠ مقاتلاً والتخلي عن ذلك الموقع في شرق الجزائر. 

وحذرت برقية إف إس بي من "الخطط المستقبلية" للقاعدة في أفريقيا والتي تتضمن "توسيع نطاق النشاطات العملياتية" لشن هجمات في منطقة البحر المتوسط. ووصفت البرقية وجود "وحدة بحرية" فيها ما يقارب ٦٠ رجلاً "بما في ذلك عناصر انتحارية جرى تدريبها على تقنيات  التخريب تحت الماء (مثل زراعة الألغام المصنعة محلياً تحت قعر السفينة) واستخدام القوارب السريعة كأسلحة هجومية (أو قنابل عائمة) ضد الأهداف المحمولة على الماء. 

كما ادعى جواسيس روسيا أن القاعدة حاولت ولكن بلا نجاح تطوير أسلحة بيولوجية "لأغراض الإرهاب" في قاعدة في شرق الجزائر. 

لقد حاول الإرهابيون عزل جرثومة طاعون الرئة (ييرسينيا بيستيس). إلا أنهم في عام ٢٠٠٩ بعد حدوث تلوث أدى إلى مقتل ما يقرب من ٤٠ عنصراً بسبب الأحوال غير السليمة داخل المختبر، تم التخلي عن القاعدة.

أجهزة جنوب أفريقيا أك\ت أن مسلمي البلاد بعيدون عن أي تطرف ديني (الجزيرة)

التنظيم الأساسي
وحذر جهاز إف إس بي نظراءه في جنوب أفريقيا بأن قادة "التنظيم الأساسي في القاعدة" كانوا يحاولون تعزيز نفوذهم في القارة من خلال "النيل من البنية التحتية للاقتصاد في البلدان الأفريقية وللشركات الأجنبية بما في ذلك شبكات الأنابيب الحيوية ومصانع البيتروكيماويات وصناعات المناجم وأنظمة الخدمات الأساسية." 

جاء التحليل الروسي قبل أقل من عامين من قيام مقاتلين مرتبطين بالقاعدة بشن هجوم على حقل إن أميناس للغاز في الجزائر، والذي أسفر عنه مقتل أربعين شخصاً على الأقل، وكبدهم هم ٢٩ إصابة وأسر منهم ثلاثة مقاتلين. 

في الوثائق السرية يعرب جواسيس روسيا عن"اهتمام بالتعاون المشترك لاستهداف جماعات تتخذ من أفريقيا مقراً لها" مثل القاعدة وكذلك" بتبادل أي معلومات يمكن أن تربط هذه الجماعات بالعصابات التي ما تزال نشطة في شمال القوقاز". 

ويقول الملف أيضاً إن القاعدة في المغرب العربي تتعاون مع عصابات تهريب المخدرات في أمريكا اللاتينية "كمصدر بديل للدخل" بينما تقوم أيضاً بارتكاب جرائم "مثل السرقة والسطو المسلح وقطع الطرق وسرقة السيارات".

الشباب المجاهدون
ولجماعة الشباب الصومالية نصيب كبير في التحذيرات التي تلقتها جنوب أفريقيا. فبعد ثلاثة أسابيع من هجوم المجموعة في أغسطس/آب ٢٠١٠ على فندق منى في مقاديشو، حيث قتل انتحاري يسانده مسلحون في لباس عسكري ما لا يقل عن ٣٢ شخصاً، حذر جهاز المخابرات الإسرائيلي الموساد من أن "الشباب يبحثون أيضاً عن استخدام أسلحة صغيرة في عمليات إرهابية على نمط الهجمات التي حصلت في مومباي بالهند في عام ٢٠٠٨". 

أثبت هذا التحليل مصداقيته حينما ادعى الشباب المسؤولية عن هجوم سبتمبر/أيلول ٢٠١٣ على مركز تسوق ويستغيت مول المملوك لإسرائيليين في نيروبي بكينيا، حيث كان المهاجمون مسلحين بالقنابل والبنادق الهجومية وكانوا يرتدون ملابس مدنية. قتلوا يومها ٦٧ شخصاً وجرحوا ١٧٥ شخصاً آخر.

ورغم السيل المنهمر من التحذيرات، تكشف برقيات التجسس عن توترات بين رؤساء أجهزة المخابرات في جنوب أفريقيا ورؤساء أجهزة الدول الأجنبية المتحالفة معها في تقييم مدى ما تقوم به القاعدة من نشاطات في بلادهم.

وتكشف التقارير عن أن جهاز أمن الدولة في جنوب أفريقيا كان يصر على أن البلد مجرد محطة عبور لعناصر القاعدة، بينما كانت أجهزة المخابرات الأجنبية تحذر من أن الخطر أكبر مما كانوا يظنون. 

في إحدى البرقيات السرية، يحذر جهاز المخابرات الإسرائيلي الموساد نظراءه في جنوب أفريقيا من أن "القاعدة قد تسعى للتأثير على العناصر الفاعلة في القارة الأفريقية لشن هجمات في الولايات المتحدة أو في أوروبا أو ضد المصالح الغربية في الخارج".

وتتضمن البرقيات عروضاً من دول كثيرة بما فيها الهند وإسرائيل وروسيا لمساعدة جواسيس جنوب أفريقيا في التغلب على خطر القاعدة. 

جهاز أمن الدولة راقب مسلمي البلاد وتأكد أنه لا يوجد بين صفوفهم أي تنظيمات غير قانونية (الجزيرة)

هجوم وشيك
وفي برقية سرية للغاية مؤرخة في أغسطس/آب ٢٠١٤، يحذر الموساد  من أن "مصدراً لا يمكن التأكد من صدقيته" حذر من هجوم وشيك بسيارة مفخخة يستهدف المعابد اليهودية في جنوب أفريقيا ومن المفروض أن ينفذ في الشهر التالي، ولكن لم يتمكن الجهاز من إعطاء "أي معلومات إضافية لتأكيد التقرير". 

كانت تلك البرقية واحدة من سلسلة من البرقيات كانت تحذر من هجمات لم يقع أي منها. 

وفي عدد من الوثائق يبدو جهاز أمن الدولة في جنوب أفريقيا كما لو أنه تعرف على عدة أشخاص اشتبه في أنهم من عناصر القاعدة الذين كانوا يسافرون عبر جنوب أفريقيا أو كانوا يعيشون في البلاد.

ومن هؤلاء الذين ذكرتهم البرقيات سامانثا لويز ليوثويت التي تعرف في وسائل الإعلام بلقب "الأرملة البيضاء" وسط تخمينات بأنها لعبت دوراً مسانداً للمجموعة التي هاجمت ويستغيت مول في نيروبي. ويقر التقرير بأنها استخدمت اسم ناتالي فاي ويب - وهي هوية مسروقة من مواطنة بريطانية - وأنها كانت تعيش في جنوب أفريقيا وتعمل في محل للفطائر. 

توجد بين البرقيات عروض باور بوينت، يظهر أحدها كيف عمل جواسيس جنوب أفريقيا على تعقب آثار ليوثويت ومتابعة تحركاتها، وكيف رسموا تصوراً لعلاقاتها بمجوعة من الأشخاص وكيف حللوا خطوط سفرهم وتنقلهم. وكانت الصورة الناجمة عن ذلك تثبت أن العناصر المشتبه بانتمائها للقاعدة  كانت تمر بجنوب أفريقيا مروراً ولا تستهدف البلد بهجماتها ولا لأغراض التجنيد ولا لأغراض التدريب. 

قال روني كاسريلس، وزير الاستخبارات في جنوب أفريقيا من ٢٠٠٤ إلى ٢٠٠٨ في مقابلة مبكرة مع الجزيرة ودون أن يعرف بحصولها على برقيات التجسس "هل هناك خطر مؤكد وواضح المعالم من القاعدة على جنوب أفريقيا؟ كما تعلم، هذه مجرد تخمينات". وأضاف إنه يعتقد بأن التحذيرات من تهديدات تشكلها القاعدة على جنوب أفريقيا مجرد "دعاية".

وقال كاسريلس "وكأننا في قاعة جدرانها مصنوعة من المرايا فيما يتعلق بهذا الأمر، ولهذا يحتاج المرء عند التعامل مع هذه القضية أن يغلب العقل ويتسم بالاتزان". 

يؤيده في ذلك الرئيس السابق لجهاز المخابرات باري غيلدر الذي قال في مقابلة مع الجزيرة "كنت في الحكومة في ذلك الوقت. وكان تقديرنا أننا لم نكن نرى القاعدة مصدر تهديد بالذات في جنوب أفريقيا، رغم أننا مضينا قدماً في المراقبة. 

كاسريلس التحذيرات من القاعدة مجرد "دعاية"  (الجزيرة)

رصد المجموعات المسلمة
يكشف عرض باور بوينت سري يعود لعام ٢٠٠٩ أن جهاز أمن الدولة في جنوب أفريقيا قام أيضاً برصد المجموعات المسلمة المحلية مثل جماعة التبليغ، وهي حركة دينية غير سياسية تحظى بوجود كبير في جنوب أفريقيا منذ خمسينيات القرن الماضي. 

لم يجد الجواسيس أي دليل يربط هذه الجماعة بالقاعدة ومع ذلك فقد استنتجوا أن جماعة التبيلغ لديها "نقطة ضعف" يمكن أن تجعلها "عرضة للاختراق والتلاعب من قبل عناصر متطرفة".

كما حذر جهاز أمن الدولة في جنوب أفريقيا من أن هذه المنظمات من مثل جماعة التبيلغ يمكن أن تستخدم "أداة تقييم" من قبل الجماعات المسلحة للتعرف على إمكانيات التجنيد من بين صفوفها. 

رغم ما ساور جهاز أمن الدولة من شكوك إلا أن التقرير خلص إلى أن "المعلومات المتوفرة لا تربط أياً من أعضاء جماعة التبليغ في جنوب أفريقيا بأي نشاطات لها علاقة "بالتطرف" أو "بالإرهاب". 

وفي مقابلة مع الجزيرة، قال إبراهيم بام وهو من علماء المسلمين في جنوب أفريقيا "من السخف مجرد التفكير بأن جماعة التبليغ لها أي ارتباطات بالقاعدة، فالجماعة لا تمارس السياسة بتاتاً، ولا علاقة لها من بعيد أو قريب بأي نشاطات إرهابية. ولا علاقة لها بالانتماء لأي مجموعة أخرى".