تكشف وثائق سرية حصلت عليها وحدة الصحافة الاستقصائية في شبكة الجزيرة عن سلسلة من الأخطاء والهفوات الأمنية في أجهزة الأمن والمخابرات والأروقة الرسمية في جنوب أفريقيا.

ويل جوردان

تركت حكومة جنوب أفريقيا وأجهزتها الأمنية الأسرار مكشوفة في كل المستويات، مما أتاح المجال للجواسيس الأجانب بأن يخترقوا كل مفاصل الدولة، بحسب ما تؤكده وثائق استخباراتية حصلت عليها وحدة التحقيقات في شبكة الجزيرة.

ويفيد تقييم أمني سري لمخابرات جنوب أفريقيا بأن عمليات التجسس لصالح الحكومات الأجنبية في ازدهار، وبأن في البلاد الآن ما يزيد على ١٤٠ جاسوسا لأجهزة مخابرات أجنبية يعملون داخل جنوب أفريقيا بينما حكومتها لا تقوم بما يكفي لحماية نفسها من الاختراق.

ويعتقد أن هؤلاء الجواسيس تمكنوا من الوصول إلى مختلف دوائر الدولة الحكومية، بما في ذلك الوزارات "وحتى الرئاسة"، ويشك في أنهم تمكنوا من اختراق مفاعلات الطاقة النووية وسرقة مخططات عسكرية واختراق أجهزة الحاسوب.

وفي بعض الحالات يحصل الجواسيس الأجانب على مساعدة من مواطني جنوب أفريقيا من الدبلوماسيين ومن العاملين في جهاز الدولة الذين "دون أن يقصدوا يزودونهم بمعلومات سرية أو يسمحون لهم بالوصول إلى مواقع محظورة".

وكان هذا التقرير السري عن مواطن الضعف في أجهزة أمن الدولة قد أعد من قبل جهاز مخابرات جنوب أفريقيا في أكتوبر/تشرين الأول ٢٠٠٩، وانتهى إلى أن أمن المعلومات "بات في خطر شديد"، مع التأكيد على أن هذه الحالة ستستمر كما هي "على المدى البعيد".

اضغط هنا لتصفح الوثائق (الجزيرة)

مكافحة التجسس
يقول التقرير إن عناصر أجهزة المخابرات الأجنبية يستمرون من خلال استخدام الغطاء الدبلوماسي في التمتع بالقدرة على الوصول بلا قيود إلى دوائر العلاقات والتعاون الدولي وبشكل خاص الدوائر المعنية منها بالتجارة والصناعة.

وتضيف الوثيقة أن هؤلاء كثيرا ما يترددون على المرافق الأمنية.

وتقول الوثيقة إن توظيف الأجانب في المرافق الحساسة ما زال يسبب إشكالا، وذلك في إشارة إلى المستخدمين العاملين في المرافق ذات الأهمية الإستراتيجية.

وتكشف برقية جاسوسية أخرى أن جنوب أفريقيا "تعرضت لسرقة مخططات طائرتها المروحية من نوع روئيفالك من قبل جهاز استخبارات أجنبي معروف" دون أن تسمي هذا الجهاز، إضافة إلى أنظمة صواريخ وملكيات فكرية أخرى سرقت "من عدة مشاريع مملوكة للدولة".

وتقول الوثيقة التي تستعرض "سلسلة من الحوادث ذات العلاقة بالأمن" إنه في ما يتعلق بالخطة لتوسيع قدرات جنوب أفريقيا في مجال الطاقة النووية فإن فرنسا والولايات المتحدة "تلهثان" منذ فترة في محاولة للتأثير على عملية تقديم العطاءات.

لم يتمكن جواسيس جنوب أفريقيا من إحباط هذه النشاطات بسبب طبيعة العمليات السرية المعقدة التي قام الجواسيس الأجانب بها، وانعدام القدرة على مكافحة التجسس لدى الأجهزة المحلية.

الشركات الأمنية الخاصة
كما أن الشركات الأمنية الخاصة توفر "وسيلة ممتازة" يعمل من خلالها الجواسيس الأجانب وكذلك "المنظمات المعادية للدولة"، بحسب ما جاء في الوثيقة التي تقول إن هؤلاء يفعلون تقريبا ما يريدون "ولصالح من لديه الاستعداد لشرائهم بالمال".

ويقول التقييم "إن مشاكل الشركات الأمنية الخاصة تكمن في أنها لا تعمل بموجب نفس إجراءات المحاسبة التي تخضع لها أجهزة المخابرات النظامية".

كما أن سياسة الباب المفتوح الدارجة بين الحكومة والقطاع الخاص تخلق مواطن ضعف ينفذ منها الخطر، حيث يقوم الجواسيس الحاليون والسابقون بالاتجار بما لديهم من معلومات وتواصل ومعارف واتصالات تراكمت لديهم أثناء عملهم لصالح أجهزة الدولة في جنوب أفريقيا.

وتقول البرقية السرية "يجري تجنيد عناصر سابقة أو حالية من عناصر المؤسسات الأمنية الحكومية للعمل لدى شركات أمنية خاصة للاستفادة من خبراتهم ومهاراتهم وما لديهم من اتصالات ومعارف أو للاستفادة مما لديهم من تواصل مع دوائر الدولة".

الفساد
في السنوات الأخيرة خاضت أجهزة المخابرات في جنوب أفريقيا معارك سياسية، مما أدى إلى استقالة عدد من كبار المسؤولين فيها أو استغنت عن خدماتهم أجهزة المخابرات، فأخذ بعضهم يؤسس شركات أمنية خاصة.

وهناك وثيقة سرية أخرى مؤرخة في عام ٢٠٠٩ عنوانها "معلومات عن مكافحة التجسس لمشروع أمن الدولة" وردت فيها تفاصيل بشأن كيفية دمج أجهزة مخابرات جنوب أفريقيا الخارجية والداخلية الخمسة في جهاز واحد لأمن الدولة، وقد حصل الانتقال إلى المركزية المقترحة فعلا ابتداء من عام ٢٠٠٩.

تقول الوثيقة إن الجواسيس الأجانب لعبوا "دورا فاعلا" في إقناع صناع القرار بينما كانوا يتمون صفقة شراء أسلحة قيمتها عدة مليارات من الدولارات في عام ١٩٩٩.

وكانت هذه "الصفقة من الأسلحة" المعروفة رسميا باسم "رزمة الدفاع الإستراتيجية" قد وقعت بهدف تحديث قوة الدفاع الوطني في جنوب أفريقيا ولشراء سفن حربية وغواصات وطائرات مقاتلة وطائرات مروحية ومعدات أخرى، ومنذ ذلك الوقت برزت المزاعم بتفشي الفساد.

ويفهم من برقيات التجسس الواردة من جنوب أفريقيا أن التلاعب بعقود الحكومة ذهب إلى أبعد من ذلك، ويوثق التقييم الأمني لحالة "جرى فيها التلاعب بوثائق حساسة تتعلق بأحد العطاءات الكبيرة".

الوثائق المسربة تحدثت عن عجز متفاقم في الأوساط الحكومية والأمنية عن حماية المعلومات (الجزيرة)

حرب الإنترنت
كما تتحدث وثيقة تقييم مواطن الضعف الأمنية عن إخفاقات خطيرة في الحفاظ على أمن نظم المعلومات التابعة للحكومة، مما كان له تداعيات إستراتيجية كبيرة وهدد المؤسسات الحكومية وجعلها عرضة للاحتيال والفساد، والأسوأ من ذلك عرضة للتجسس.

ويكشف أحد التقارير السرية عن سلسلة من الحوادث ذات العلاقة بالأمن، ومنها أن واحدا من أجهزة الحاسوب تعرض للاختراق من خلال ثمانية تطبيقات ضارة، مما عرى الأسرار العسكرية وأدى إلى فضحها.

وتحتوي الوثيقة على قائمة من الإخفاقات في أمن الحاسوب، ومن ضمن ذلك عملية غش لتسجيل عدد من العمال الوهميين في وزارة الخارجية، وفساد مستشر في مكتب تسجيل الشركات والملكيات الفكرية، وسرقة أوراق اختبارات الطيارين من سلطة الطيران المدني.

ويقول تقرير التقييم الأمني الصادر عن المخابرات إن عناصر الجريمة المنظمة يشكلون تهديدا خطيرا على الدولة وعلى الدول الأجنبية.

يقر خبراء أمن الحاسوب بأن جنوب أفريقيا هدف جذاب بسبب كونها دولة نامية، وواحدة من أعضاء ما تسمى مجموعة دول البريكس، أي البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا.

يقول مؤسس شركة أمن الحاسوب المعروفة باسم "سيانر" داني مايبورغ "نحن عراة تماما مقارنة ببعض بلدان العالم المتقدم، نحن أهداف مكشوفة ومتاحة أمام أي دولة من دول العالم المتقدم إذا كانت لا تلتزم بالتشريعات".