تكشف الأوراق المسربة عن العلاقات "المتوترة" بين مخابرات جنوب أفريقيا والمخابرات الإسرائيلية (الموساد)، كما تكشف امتعاض أجهزة جنوب أفريقيا من الطريقة الفجة التي يتعامل بها الموساد مع الآخرين.

ويل جوربان

جواسيس جنوب أفريقيا وجواسيس إسرائيل متباغضون ولا ثقة بينهم، بحسب ما ورد في ملفات مخابراتية مسربة، حيث يصف فيها عملاء مخابرات من جنوب أفريقيا أحد الجواسيس الإسرائيليين بأنه "غاية في التكبر والغطرسة"، وأنه "قابل لأن يتلاعب به". 

تكشف برقيات سرية حصلت عليها وحدة الصحافة الاستقصائية في شبكة الجزيرة عن أن جهاز أمن الدولة في جنوب أفريقيا يعتبر نظير الإسرائيلي الموساد "جهازًا صعبًا ولحوحًا". وتذهب المعلومات المتوفرة إلى أبعد من ذلك إذ يتهم الموساد بتدبير عملية تفجير "لجذب الاهتمام إلى قضية الأمان في السفارة الإسرائيلية وفي الشركات الإسرائيلية". 

وقد لا يكون التوتر القائم بين البلدين على مستوى الحكومات مستغربا، إذا أخذنا بعين الاعتبار الموقف الداعم للقضية الفلسطينية من قبل الحزب الحاكم في جنوب أفريقيا منذ وقت طويل، وكذلك تاريخ التعاون بين الدولة الإسرائيلية ونظام البيض البائد في جنوب أفريقيا. توفر الأوراق دليلا إضافيا على أن نظام التمييز العنصري (الذي انهار في أوائل تسعينيات القرن الماضي) أعان إسرائيل في تطوير أسلحتها النووية. 

لكن الوثائق المسربة تظهر خلافات حادة في علاقات أجهزة التجسس بعد زوال نظام التمييز العنصري، وتظهر عدة مواجهات بين عملاء أجهزة المخابرات في البلدين. 

عدم الاحترام
وفي حادثة مدونة في إحدى الوثائق، خرج عميل إسرائيلي من أحد الاجتماعات غاضبا بعد أن قيل له إنه لن يعطى المعلومات التي يريدها حول شخص يشتبه في أنه يعمل مع القاعدة. 

وفي اجتماع آخر، قام عميل للموساد بالاتصال هاتفيا بالقائم بأعمال رئيس جهاز أمن الدولة في جنوب أفريقيا وطلب لقاء معه دون ترتيب مسبق، ولم يكن جهاز أمن الدولة يعلم بوجود ذلك الشخص في جنوب أفريقيا، ولم يعلم كذلك بأنه كان رئيس فرع جهاز الموساد في أفريقيا. 

وفيما بعد، اجتمع ضابط اتصال بعميل الموساد وكتب عنه قائلا إن الإسرائيلي "كان في غاية الغطرسة" ولم يبد "أي احترام للأسلوب الذي يعمل من خلاله جهاز أمن الدولة في جنوب أفريقيا"، وإن "علاقة الاتصال بناء على ذلك بدت محكوما عليها بالوبال قبل أن تبدأ". 

وتبين برقيات التجسس أن العلاقات بين أجهزة الاستخبارات في جنوب أفريقيا وإسرائيل تردت فيما يبدو بشكل كبير عما كانت عليه من تعاون وثيق في عهد نظام التمييز العنصري.

تشكو إحدى الوثائق الواردة من جنوب أفريقيا من أن بعض العملاء يتصرفون تجاه جهاز إسرائيل السري انطلاقا من "الحب والكره الشخصي، والذاكرة الانتقائية والنفور الشخصي، وهي أمور تعيق المهنية المطلوبة لممارسة لعبة الاتصال التي تعتبر غاية في الحساسية".

ادعاء زائف
من جهة أخرى، تتحدث برقيات التجسس عن كيف تمكن رئيس فرع جهاز الموساد في أفريقيا "من رؤية المدير العام لجهاز المخابرات في جنوب أفريقيا" تحت ادعاء زائف، حيث زعم أنه هو رئيس الموساد وأنه كان يعبر من خلال جنوب أفريقيا "وهو ما ثبت أنه غير صحيح".

وفي 5 سبتمبر/أيلول 2012، اتصل مسؤول الموساد في أفريقيا بالقائم بأعمال المدير العام لجهاز أمن الدولة في جنوب أفريقيا، وطلب مرة أخرى لقاءه.

أرسل ضابط اتصال للقائه في فندق بيرغرسبارك في بريتوريا ومعه أوامر ليبلغها للعميل الإسرائيلي مفادها أنه لا ينبغي له إطلاقا أن يتصل مرة أخرى "تحت أي ظرف من الظروف" بالمدير العام لجهاز أمن الدولة في جنوب أفريقيا.

كما أُعلم عميل الموساد بأنه يجب عليه -هو وزملاؤه- أن يقدموا أوراق اعتمادهم إلى جهاز أمن الدولة في جنوب أفريقيا، وأن أي لقاء مستقبلي "سيتم تحديد موعده بعد أن تكون تفاصيل علاقة التواصل وحدودها قد تحددت معالمها بشكل واضح".

وتوثق مذكرة لاحقة تفاصيل اجتماع شرح فيه مسؤولو جهاز أمن الدولة في جنوب أفريقيا لممثلي الموساد الأعراف البروتوكولية ذات الصلة، وشرحوا لهم ما هو متوقع من العملاء الإسرائيليين أثناء وجودهم في جنوب أفريقيا.

كتبت الوثيقة بهدف "إيجاد نوع من النظام" لوضع "أصبح خارجا عن السيطرة"، وتخلص الوثيقة إلى التطلع مستقبلا لـ"تبادل الأفكار حول الطريقة المثلى للتعامل مع جهاز صعب ولحوح" مثل الموساد. 

أجهزة جنوب أفريقيا يسودها الامتعاض
من تعاطي الموساد معها
 (الجزيرة)

الغرور
فيما بعد، أعدت السيدة التي تعمل ضابطة اتصال مذكرة فصلت فيها ما جرى في اجتماع الخامس من سبتمبر/أيلول. ورغم أن المذكرة مليئة بالأخطاء الإملائية والنحوية فإنها تسلط الضوء على حقيقة أن جهاز أمن الدولة في جنوب أفريقيا "شعر بأن سلوك عميل الموساد لم يكن مناسبا، وأنه لم يظهر أي احترام ولم يتبع إجراءات العرف البروتكولي". 

وكتبت السيدة التي تعمل ضابطة في جهاز مخابرات جنوب أفريقيا تقول، إن عميل الموساد "تفاخر بأنه على اتصال يومي برؤساء الدول ومديري مخابراتها في القارة الأفريقية". وأشارت إلى أن الإسرائيلي يعاني من نقطة ضعف تكمن في حبه للتفاخر، وأن "من السهولة بمكان حمله على التحدث عن نفسه بإسهاب". 

وحينما اتضح أنه لم يعد لدى عميل الموساد ما يتفاخر به، قالت له إنه يجب عليه الآن السماح لها بأن ترد على ما قال. 

ومما فعله جاسوس الموساد أنه سلم رسالة من المدير العام للجهاز الذي يعمل فيه، واسمه تامير باردو، ولم يكن فيما يبدو على علم بالتوتر الحاصل في العلاقة بين الطرفين، حيث هنأ في رسالته جهاز أمن الدولة في جنوب أفريقيا "على التعاون الرائع الذي ننعم به منكم". 

ولاحظت ضابطة الاتصال أن إسرائيل أصدرت بيانا صحفيا تقول فيه إن الهجوم بقنبلة على باص محمل بالسياح في بلغاريا، والذي تسبب في مقتل خمسة إسرائيليين عام 2012، كان قد خطط له أصلا في جنوب أفريقيا. 

وكتبت تقول: لم يحدث أن أشركوا جهاز أمن الدولة في جنوب أفريقيا في أي تفاصيل حتى يكون مستعدا في المستقبل. ما من شك في أن ذلك تعبير عن عدم الاحترام وسوء الظن. 

وأنهت عميلة المخابرات في جنوب أفريقيا مذكرتها بالقول إن رئيس فرع جهاز الموساد في أفريقيا "يبدو في تعامله متغطرسا جدا وفي غاية التكبر"، وإن تقريرها هو عبارة عن "تعبير لفظي عما دار خلال الاجتماع ولا يمثل اقتناعات ضابط الاتصال تحديدا".

وكتبت تقول إن "كلام العميل الإسرائيلي عن أنه يتعامل مع رؤساء الدول ومديري مخابراتها في كل أفريقيا يؤكد حاجته لأن يبدو مهمًّا"، والخلاصة أن مثل هذه الصفات تجعله "عرضة للتلاعب والاستغلال من قبل الآخرين". 

كما شككت في أدبه ولياقته قائلة "كم تكلم عن مراعاته للقضايا الأمنية ولكنه كسر كل القواعد بنفسه أثناء الاجتماع وعدة مرات من خلال التفاخر بما لديه من معلومات". 

كما سلم عميل الموساد هدية هي مجسم من البلور (الكريستال) يصور "جوشوا" و"كاليب" أول "جاسوسين" كان قد بعثهما النبي موسى عليه السلام لاستكشاف أرض كنعان، بحسب ما ورد في التوراة. 

إسرائيل قالت إن الهجوم على حافلة ببلغاريا فيها إسرائيليون دبّر بجنوب أفريقيا (الأوروبية)

تدبير التفجير
وتكشف برقية أخرى مختلفة أن عميلا لجهاز المخابرات في جنوب أفريقيا ذكر أن إسرائيل قد تكون هي التي دبرت عمليات مزيفة بهدف جلب اهتمام السلطات في جنوب أفريقيا والتأكيد على الحاجة إلى إجراءات حماية أكبر للسفارة والشركات الإسرائيلية العاملة فيها. 

وكان تقرير حول العلاقات بين أجهزة المخابرات في جنوب أفريقيا وإسرائيل قد ناقش هجوما شن  بزجاجة حارقة على إحدى الشركات الإسرائيلية في جنوب أفريقيا في يونيو/حزيران 2001، وقال إن "عبوة ناسفة" أخرى عثر عليها وأبطلت قبل أن تنفجر. 

كما يسلط التقرير الضوء على عدد من التهديدات بالتفجير أرسلت إلى السفارة الإسرائيلية، كان أحدها قد بلغ شخصيا من قبل شخص دخل إلى السفارة مشيًا.

يثير عميل المخابرات الذي حرر التقرير سؤالا عما إذا كان الحدث وقع تمامًا كما يبدو، متسائلا "هل فعلا مشى هذا الشخص إلى داخل السفارة أم أن ذلك كان مدبرا بهدف ضمان حماية إضافية؟"، و"هل كانت حادثة تفجير القنبلة أيضا مدبرة لجذب مزيد من الاهتمام لقضية السلامة والأمن في السفارة وفي الشركات الإسرائيلية الأخرى؟". 

لا يوجد في الوثائق ما يشير إلى أن أجهزة جنوب أفريقيا تمكنت من الإجابة عن هذه الأسئلة. 

الخروج الغاضب
وفي تقييم سري آخر لسلوك عملاء المخابرات الإسرائيلية، وصف لاجتماع عاصف عقد عام 2007 وانتهى فجأة بخروج عميل الموساد من اللقاء بشكل غاضب. 

وكان جهاز المخابرات الإسرائيلي قد أوصل معلومة إلى نظيره في جنوب أفريقيا حول شخص يعتقد أنه من عناصر القاعدة "على أمل أن تفيد المعلومة جنوب أفريقيا". 

و"كانوا يتوقعون أن تشركهم مخابرات جنوب أفريقيا في المعلومات وبما تتوصل إليه بعد الرصد والتحقيق". 

لكن عميل جهاز المخابرات في جنوب أفريقيا أخبر نظيره الإسرائيلي بكل صراحة ووضوح بأنه منع من قبل مديريه في العمل من أن يشرك أحدا في المعلومات. 

ويقول التقرير إن العميل الإسرائيلي لم يستوعب ذلك ولم يفهم لماذا لا تستطيع جنوب أفريقيا الكشف عن تفاصيل تحقيقاتها، فغضب غضبا شديدا وخرج من الاجتماع محتجًّا. 

ويظهر نفس التقييم السري أن وزير المخابرات بجنوب أفريقيا في ذلك الوقت روني كاسريلس كان في نفس الفترة قد أمر بتدقيق "المعلومات التي يجري التبليغ عنها" بين جهاز بلده وأجهزة المخابرات الإسرائيلية. 

كتب محرر التقييم السري يقول: لقد كان من شأن الموقف السياسي للوزير كاسريلس أنه أعطى الانطباع بأن مخابرات جنوب أفريقيا غير راغبة في التعاون مع الموساد، لأن أعداء إسرائيل هم حلفاء جنوب أفريقيا. بالطبع كان السيد كاسريلس يظهر خلافه السياسي مع إسرائيل ويدعم القضية الفلسطينية. 

توجهت الجزيرة بالاستفسار إلى السيد كاسريلس، المعروف بأنه يهودي ولكنه من كبار داعمي النضال الفلسطيني، حول التحقيق الذي أمر به، فأجاب الوزير السابق بأنه لم يكن يريد التعامل مع الموساد بأي شكل من الأشكال حينما كان في الحكومة، ولكنه لم يرغب في الدخول في تفاصيل العمليات.