تكشف إحدى وثائق الموساد السرية التي حصلت عليها وحدة الصحافة الاستقصائية بالجزيرة عن تقييم إسرائيل الحقيقي لبرنامج إيران النووي. وجاء في الوثيقة المسربة أن جهاز المخابرات الإسرائيلي (موساد) يعتقد بأن إيران لا تسعى لإنتاج أسلحة نووية. وكان هذا التحليل الذي يعود إلى عام 2012 قد كتب بعد شهر واحد من إطلاق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحذيرا من مقر الأمم المتحدة، من أن طهران توشك أن تصبح قوة نووية. 

بينما كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصدر تحذيراته في مقر الأمم المتحدة، تكشف وثيقة استخباراتية مسربة كيف خلص جهاز المخابرات الإسرائيلي (موساد) إلى الاستنتاج بأن إيران لم تكن في الواقع تصنع أسلحة نووية. 

وبعد أقل من شهر على التحذير الذي أطلقه من مقر الأمم المتحدة عام 2012 وقال فيه إن إيران قطعت 70% من الطريق نحو استكمال "خططها لبناء سلاح نووي"، أعرب الموساد الإسرائيلي عن اعتقاده بأن إيران "لا تقوم بالنشاطات اللازمة لإنتاج الأسلحة". 

وهذا فيما يبدو يناقض الصورة التي رسمها نتنياهو وأعطت انطباعا بأن إيران تسارع الخطى باتجاه امتلاك القنبلة النووية. 

تقول برقية الموساد إن إيران لم تبدأ بعد العمل المطلوب من أجل بناء أي نوع من السلاح النووي، مضيفة أن علماء الجمهورية الإسلامية "يعملون على سد الثغرات في مجالات تبدو مشروعة مثل مفاعلات التخصيب". 

غير أن هذه النشاطات "من شأنها أن تقلص الزمن المطلوب لإنتاج الأسلحة من اللحظة التي تصدر فيها التعليمات فعلاً". 

وهذا الرأي ينسجم مع تقدير صادر عام 2012 عن المخابرات الأميركية التي لم تعثر على دليل يثبت أن إيران قد اتخذت قراراً باستخدام البنية التحتية النووية المتوفرة لديها لإنتاج سلاح أو أنها أحيت الجهود الرامية إلى البحث في تصاميم الرؤوس الحربية والتي قالت الولايات المتحدة إن إيران وضعتها على الرف منذ العام 2003. 

نتنياهو عرض في الأمم المتحدة رسما قال إنه يوضح مدى تقدم إيران في تصنيع السلاح النووي (الجزيرة)

رسائل مفزعة
وكان من المفروض أن يلقي نتنياهو خطابا أمام الكونغرس الأميركي يوم 3 مارس/آذار 2012 للتحذير من التسوية في الملف النووي الذي يجري التفاوض بشأنه بين طهران والقوى الدولية. 

وتشير التقارير الصحفية والتعليقات المعلنة لبعض المسؤولين الحاليين والسابقين إلى وجود خلاف داخل أجهزة المخابرات الإسرائيلية بشأن رسائل نتنياهو المفزعة بشأن إيران. 

غير أن الوثيقة التي سربت إلى الجزيرة تبين بوضوح أن تقييم الموساد الرسمي لقدرات إيران النووية ولنواياها تختلف عن السيناريو الذي قدمه رئيس الوزراء أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. 

وكانت البرقية قد وصلت لجهاز أمن الدولة في جنوب أفريقيا بعد الخطاب الذي ألقاه نتنياهو في سبتمبر/أيلول 2012، وعرض فيها على الملأ رسماً يظهر قنبلة مزودة بصاعق محدد بخط مكتوب عليه 70% وإلى جانبه خط آخر أحمر اللون مكتوب عليه 90%. 

تمثل الخطوط معالم في نشاط إيران في مجال تخصيب اليورانيوم. ادعى نتنياهو أن اليورانيوم المخصب جزئياً (والذي بدأت إيران في إنتاجه قائلة بأنها تحتاجه وقودا لمفاعل أبحاث ينتج النظائر التي تستخدم في مكافحة السرطان) مكن إيران من قطع 70% من المسافة باتجاه تخصيب "مادة تصلح لإنتاج الأسلحة". 

وأخبر رئيس الوزراء الإسرائيلي الجمعية العامة للأمم المتحدة أنه "بحلول الربيع القادم، وكحد أقصى بحلول الصيف القادم، ستتمكن إيران إذا ما مضت قدما بمعدل التخصيب الحالي من الانتهاء من التخصيب الوسطي ثم تنتقل إلى المرحلة النهائية" التي قال إنهم سيتمكنون خلالها من إنتاج يورانيوم مخصب صالح لإنتاج الأسلحة.

الموساد أكد وجود خلاف مع نتنياهو
حول تقييم البرنامج النووي الإيراني
 (الجزيرة)

المسار الصحيح
قبل ذلك، في العام 2012 كان رئيس الموساد السابق مائير داغان قد أشار إلى وجود خلاف مع نتنياهو. في مقابلة أجريت معه في مارس/آذار حذر داغان من المبالغة في الخطر الذي تشكله نشاطات إيران النووية ومن وضع إسرائيل على طريق الحرب مع إيران. 

وقال رئيس المخابرات السابق إن شن هجوم على إيران قبل أخذ الخيارات الأخرى بعين الاعتبار سيكون "فكرة غبية"، وأضاف أن الهجوم على إيران قبل البحث في كل المقاربات الأخرى لن يكون المسار الصحيح. 

لعل تصريحاته تعتمد على معلومات قد حصل عليها من تحليل أعدته المخابرات الإسرائيلية، والتي يؤكدها ما ورد في الوثيقة التي حصلت عليها الجزيرة. 

تكشف هذه الوثيقة أنه في أكتوبر/تشرين الأول 2012 قدرت المخابرات الإسرائيلية أن لدى إيران مائة كيلوغرام من اليورانيوم المخصب حتى مستوى 20%. 

ونتيجة لذلك، وسعت إسرائيل مخزونها من اليورانيوم المخصب بعد ذلك، ولكنها وافقت فيما بعد على إتلاف تلك المواد بموجب اتفاق أبرمته مع الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا والصين وروسيا وفرنسا وألمانيا، أو ما بات يعرف بمجموعة "5+1". 

وردت تقارير في الأسبوع الماضي تتحدث تارة أخرى عن الخلاف الذي نشب حول إيران بين نتنياهو والموساد، وتصادف ذلك مع تقارير -وقع نفيها فيما بعد- تفيد بأن جهاز المخابرات الإسرائيلية كان قد حذر واشنطن من أن صدور عقوبات أميركية جديدة من شأنه أن يفسد المفاوضات النووية بين إيران والقوى الدولية. 

تسعى إيران ومجموعة "5+1" للتوصل إلى إطار يمهد لاتفاق دائم بنهاية مارس/آذار واتفاقية فنية شاملة بنهاية يونيو. إلا أن إيران تصر على أن نشاطاتها النووية مكرسة بشكل كامل للأغراض السلمية، والأساس الذي من المفروض أن تقوم عليه الاتفاقية التي يجري التفاوض بشأنها حالياً هو تعزيز الضمانات التي يمكن التحقق من وجودها والتي ستحول من الاستخدام العسكري للمواد النووية.