تبين الوثائق المخابراتية المسربة التي حصلت عليها الجزيرة المسالك والدروب التي تتبعها إيران للالتفاف حول العقوبات باستخدام واجهات تجارية وقنوات دبلوماسية ورسمية.

راؤول راذاكريشنان، ويل جوردان

أثارت مساعي إيران لاستخدام القنوات الرسمية وغير الرسمية في جنوب أفريقيا للتغلب على العقوبات الغربية المفروضة عليها، حذر أجهزة المخابرات الجنوب أفريقية، حسب وثائق استخباراتية مسربة حصلت الجزيرة عليها. 

تتحدث برقيات التجسس بالتفصيل عن استخدام إيران لواجهات تجارية سرية وقنوات دبلوماسية للالتفاف حول العقوبات التجارية، وذلك بهدف الحصول على مواد تحتاجها سواء لصناعة الأسلحة أو لغيرها من الصناعات. 

يوثق تحليل عملياتي يتكون من ١٢٨ صفحة كتبه عملاء المخابرات في جنوب أفريقيا معلومات عن عشرات العملاء الإيرانيين، سارداً أسماءهم والقصص التي يستخدمونها غطاء لنشاطاتهم، وتفاصيل عن عائلاتهم وكذلك عناوينهم وأرقام هواتفهم. 

يذهب التقرير بعيداً إلى درجة ذكر أسماء المزارعين والسائقين الذين يعملون في السفارة الإيرانية، كما يجمع في ثناياه معلومات تفصيلية حول الشبكة الإيرانية المتداخلة من العلاقات والأفراد ورجال الأعمال والمجموعات الثقافية التي يزعم التقرير أنها تستخدم من قبل طهران لخدمة مصالحها وتوسيع دائرة نفوذها. 

وتكشف وثيقة أخرى لجهاز المخابرات في جنوب أفريقيا أن المسؤولين الإيرانيين قاموا "بعمليات تنظيف" لعدة دبلوماسيين في السفارة الإيرانية من الذين تثار علامات استفهام حول مدى ولائهم للرئيس أحمدي نجاد. 

كما لاحظت أجهزة جنوب أفريقيا أن أحد الدبلوماسيين الإيرانيين كانت لديه "مشكلة قمار وأنه يراقب عن كثب". ويستدل من الوثيقة على أن الشخص المسؤول عن عمليات ترقيع المشاكل التي كان يثيرها ذلك الشخص، كان يخطط لإعادة هذا الدبلوماسي إلى بلاده، "إلا أنه لم يتمكن من ذلك نظراً لما يتمتع به ذلك الدبلوماسي من علاقات سياسية". 

يشار إلى أن الجزيرة طمست بعض الكلمات في الوثائق حماية لخصوصية الأفراد المذكورين فيها وحفاظاً على هويتهم. 

الرئيس الإيراني الحالي روحاني قد يكون نفس الشخص الذي اجتمع بمبيكي عام 2005 (رويترز)

مبيكي وروحاني
كما يكشف التحليل الاستخباراتي أن إيران تواصلت مع القيادة في جنوب أفريقيا بحثا عن طريقة للالتفاف حول العقوبات المفروضة عليها من قبل القوى الدولية. وينقل عن "مصدر سري" زعمه أنه حصل في مناسبتين منفصلتين أن التقى في حينها الرئيس الجنوب أفريقي ثابو مبيكي بمسؤولين إيرانيين كبار كانوا يطلبون مساعدته في برنامجهم النووي.

بعد شهر من الاجتماع الأولي الذي عقد في سبتمبر/أيلول 2005، اجتمع وفد يترأسه السيد روحاني بالرئيس مبيكي، حسبما يقول المصدر. وروحاني هذا يحتمل أن يكون هو نفسه الرئيس الحالي حسن روحاني الذي استقال من منصبه رئيسا لمجلس الأمن القومي الأعلى بإيران في أغسطس/آب من ذلك العام.

كانت المناقشات تدور حول طلب من الحكومة الإيرانية إلى حكومة جنوب أفريقيا لمساعدة طهران في برنامجها النووي ولتوفير استشارات فنية وتقنية، حسبما تنص عليه الوثيقة.

وعلق على ذلك جاسوس من جنوب أفريقيا قائلا: لقد غدا المستوى المتقدم للتقنية في جنوب أفريقيا في قطاع صناعة الطيران والفضاء -خاصة في حقل الصواريخ الموجهة- موقعَ اهتمام بشكل متزايد لدى إيران، ومن المتوقع أن يسعى الإيرانيون لاقتناء هذه الصناعات.

ويقول عملاء المخابرات في جنوب أفريقيا إن الإيرانيين كانوا أبدوا اهتماماً بالتقنية المستخدمة في اعتراض الأقمار الصناعية وفي رقابة الإنترنت وفي اختراق أجهزة الحاسوب.

كما قيل إنهم سعوا أيضاً للحصول على الأدوات التي تستخدم في فك شفرات الترميز وحماية الأسرار الخاصة بهم على الإنترنت. وذكر التقرير أن المسؤولين الإيرانيين أجروا مباحثات مع مديرين في مركز الاتصالات القومي -المرفق المتخصص في الاعتراض الإلكتروني بجنوب أفريقيا- وذلك في العام ٢٠٠٥.

وقيل أيضاً إن الوفود الإيرانية زارت عدة مرافق تقنية أخرى، بما في ذلك مصانع الطائرات بلا طيار، وأنظمة الحرب الإلكترونية وتقنيات الاعتراض.

ولكن رغم كل هذا الاهتمام، كان جهاز الأمن القومي في جنوب أفريقيا حذراً، ونبه إلى ذلك عملاء الجهاز بالقول: ينبغي أخذ الحيطة وتوخي الحذر بشأن التعاون بين الكيانات الإيرانية والصناعات الدفاعية في جنوب أفريقيا، خاصة في ضوء ما قد يشكله ذلك من تهديد بفرض العقوبات الدولية على هذه الصناعات إذا ما بات معروفاً أنها تتفاوض مع مثل هذا البلد على إبرام صفقات في مجال الحد من انتشار السلاح وتقنية التحكم بالأسلحة.

أم.آي6 حذر نظيره في جنوب أفريقيا من تعامل شركاتها مع إيران بصورة تمس العقوبات (الأوروبية)

بريطانيا تترصد
من جهة أخرى، كان عملاء المخابرات البريطانية يرصدون النشاطات الإيرانية في جنوب أفريقيا حسبما ورد في وثيقة أخرى مسربة، سعياً منهم للتأكد من الالتزام بالقيود التي كانت المملكة المتحدة من الدول الحريصة على فرضها والتأكد من تطبيقها.

هنالك برقية واردة من جهاز المخابرات البريطاني (أم.آي6) يحذر فيها نظيره في جنوب أفريقيا من أن إحدى الشركات في بلاده ضالعة في تعاملات تجارية "متقدمة" مع "واجهة تجارية" إيرانية.

تحذر هذه البرقية التي يعود تاريخها إلى العام 2009 والموسومة بعبارة "من أجل عيون المملكة المتحدة وجنوب أفريقيا فقط لا غير"، من أن الشركة الإيرانية كانت تقوم بشكل سري "بإنتاج منصات صواريخ"، وهي "مسؤولة أيضا عن تطوير هياكل الصواريخ"، ولكنها بذلت جل ما في وسعها "لادعاء" أنها شركة مشروعة "مخفية حقيقة أنها ترتبط بصناعة الصواريخ".

وادعى جهاز "أم.آي6" أن هذه الواجهة التجارية كانت تخفي ضلوع المجموعة الصناعية الإيرانية "شاهد باغيري" التي جمدت الولايات المتحدة أموالها عام ٢٠٠٦ بسبب مزاعم بأن لها دورا في تطوير وتصنيع برنامج الصواريخ الإيراني.

وكانت المخابرات البريطانية تخشى أن يؤدي بيع الشركة الموجودة في جنوب أفريقيا للقطع والمواد إلى "زيادة قدرات إيران بشكل كبير على إنتاج الصواريخ البالستية، بما في ذلك بعض الصواريخ التي قد تكون مناسبة لحمل الرؤوس النووية".

وبيّن جهاز أم.آي6 أن الشركات خططت لكي يقوم شخص يحمل جنسيتي بريطانيا وجنوب أفريقيا برحلة عمل إلى إيران، وطلبت المخابرات البريطانية من جهاز الأمن القومي الجنوب أفريقي اللجوء إلى قانون ترخيص الصادرات "للحيلولة دون أن تتحقق الزيارات المقترحة".

وكتب "أم.آي6" يقول لشركائه في جنوب أفريقيا "نعتقد أن مثل هذا الإجراء سيكون منسجماً مع التزامات جنوب أفريقيا الدولية، كما سيكون متماشيا مع التزاماتنا نحن".

جبهات
كما تسمي تقارير جهاز مخابرات جنوب أفريقيا عدة منظمات لا تبدو مرتبطة بعضها ببعض، يعتقد أنها تستخدم لتسهيل نشاطات إيران الاستخباراتية. 

ويدعي عملاء المخابرات أن "أفرادا إيرانيين متنفذين" -خاصة أولئك الذين يعملون في "الشؤون الثقافية الدينية وفي تجارة السجاد الفارسي"- يستخدمون "لتوفير غطاء للنشاطات التي يقوم بها عملاء المخابرات الإيرانية". 

وتكشف وثيقة مؤرخة في يناير/كانون الثاني 2010 أن "من بين الجهات غير الرسمية المستخدمة غطاء للنشاطات الاستخباراتية: شركة الخطوط الجوية الإيرانية، (وهي شركات الخطوط الرسمية في إيران)، ووكالة أنباء الجمهورية الإسلامية، ومؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الجمهورية الإسلامية، وخطوط الشحن البحري في جمهورية إيران الإسلامية". 

كما يقدم عملاء المخابرات قائمة بأسماء عدد من محلات بيع السجاد ودور النشر وغير ذلك من المؤسسات التجارية التي يعتقد بارتباطها بأجهزة المخابرات الإيرانية. 

ويدعون كذلك بوجود علاقات لإيران بمجموعة تنشط في مجال مكافحة الجريمة وتجارة المخدرات تسمى "باغاد"، وكذلك بمؤسسة آل البيت-فرع جنوب أفريقيا، وهي عبارة عن معهد إسلامي ديني شيعي. إلا أن المجموعتين تنفيان ذلك نفياً قاطعاً. 

يقول المنسق الوطني لمجموعة باغاد عبد السلام إبراهيم إن مجموعته لم يحصل أن تلقت أي دعم، وقال في تصريح للجزيرة "لا يهم إن كان ذلك من إيران أو من العراق أو من المملكة العربية السعودية.. المهم أن باغاد لم تتلق أي دعم من أحد".

أنشطة إيران السرية بأفريقيا تتجاوز التجسس إلى التعاون مع عناصر تعتبرها دول كثيرة إرهابية (الجزيرة)

أوسع من مجرد التجسس
يصف جهاز أمن الدولة في جنوب أفريقيا جواسيس إيران بأنهم أفراد "لديهم حماسة شديدة ويصعب تجنيدهم، ويبدو من سلوكهم أنهم مؤدبون ومتسامحون ومقنعون، ولكنهم يطبقون إجراءات مكافحة التجسس بشكل دائم". 

وأما عن مسؤولياتهم، فيقول الجهاز إنها "أوسع من مجرد التجسس". ومما اكتشفه جهاز أمن الدولة وجود علاقات "مؤكدة" بين الجواسيس الإيرانيين ومن تصنفهم جنوب أفريقيا ضمن "المتطرفين" و"الإرهابيين". 

تناط بعناصر المخابرات الإيرانية "الذين يعملون في الخارج تحت غطاء مسؤول في العلاقات الخارجية، مسؤولية الاتصال بخلايا تابعة لحزب الله أو لحماس في البلد المستهدف" أو "تجنيد عناصر لخلية تجسسية"، حسبما ورد في التقرير. 

ويقول التقرير: تستخدم وزارة الاستخبارات ووزارة اللجان الثورية الحقيبة الدبلوماسية لإرسال السلاح إلى السفارات الإيرانية في الخارج، ومن ثم يتم الاحتفاظ بهذه الأسلحة داخل السفارة بعلم السفير الذي يكون مطلعاً تماماً على تفاصيل ذلك. 

وبعد ذلك يدربون هذه الخلايا على ضرب "أهداف محددة" يقول جواسيس جنوب أفريقيا إنها تكون "في العادة إما أميركية أو إسرائيلية". وينفذ عناصر الخلية "عمليات التخريب أو الإرهاب أو الاغتيال" ، وبذلك يصبح يسيراً على مسؤول المخابرات الإيرانية إعلان "براءة" بلاده مما جرى. 

كانت هناك ٢٤ عملية اغتيال ناجحة بين عامي ١٩٨٩ و٢٠٠٢ نفذها جواسيس إيرانيون في أوروبا وتركيا، وكلها بموافقة صريحة من الرئيس والقائد الأعلى الإيراني، حسبما تزعم الوثيقة. 

ورغم كل التفاصيل التي قدمها "التحليل العملياتي" الذي أعده جهاز أمن الدولة في جنوب أفريقيا، خلص الجهاز إلى أنه بحاجة إلى مزيد من المعلومات حتى يتمكن من تقديم "تقييم شامل للخطر" الذي يشكله النشاط التجسسي الإيراني. 

والخلاصة كما ورد في التقرير تفيد بأن "ثمة حاجة ماسة لمعرفة مدى ضلوع المخابرات الإيرانية في جنوب أفريقيا"، ويوصي الجهاز بإجراء مزيد من التحقيقات.