حصلت وحدة التحقيقات في شبكة الجزيرة على مئات الوثائق الاستخباراتية السرية من وكالات المخابرات حول العالم. إنه التسريب الأكبر على الإطلاق لوثائق استخباراتية سرية منذ تسريبات إدوارد سنودن. اعتبارا من نشرة التاسعة من مساء اليوم، ستبدأ الجزيرة بالتعاون مع صحيفة الغارديان البريطانية في إماطة اللثام عن برقيات التجسس المسربة. في التقرير التالي لمحة عما في حوزتنا من وثائق.

تمكنت وحدة الصحافة الاستقصائية في شبكة الجزيرة من الحصول على مئات الوثائق المصنفة عالية السرية صادرة من أجهزة مخابرات عالمية، مما يتيح فرصة نادرة لمتابعة ما يجري بين الجواسيس من حوارات وتفاعلات.

وتحتوي الوثائق التي حصلت عليها الجزيرة على ملفات رقمية لمئات الوثائق الاستخباراتية السرية الصادرة عن شبكات التجسس العالمية، والتي تتيح فرصة غير مسبوقة للتعرف على التعاملات الميدانية بين العاملين في عالم التجسس المرتبط ارتباطا وثيقا بكواليس السياسة.

وتختلف هذه التسريبات عن تلك التي تنسب إلى إدوارد سنودن وموقع ويكيليكس، حيث إن الأخيرة كانت تركز على برقيات استخباراتية إلكترونية يشار إليها في عالم الاستخبارات بكلمة "سيغنت" (SIGINT)، بينما تعتمد برقيات التجسس التي نحن بصددها على المعلومات التي يجمعها وينقلها البشر وتعرف بكلمة "هيومنت" (HUMINT).

في الأيام القادمة ستنشر وحدة الصحافة الاستقصائية في شبكة الجزيرة بالتعاون مع صحيفة ذي غارديان البريطانية برقيات التجسس. ويعود تاريخ البرقيات إلى الفترة بين عام ٢٠٠٦ وديسمبر/كانون الأول ٢٠١٤، وتحتوي على تقارير مفصلة وتحليلات كتبها عملاء يعملون في جهاز أمن الدولة في جنوب أفريقيا المعروف اختصاراً باسم "أس أس أي".

كما تكشف البرقيات عن المراسلات السرية بين جنوب أفريقيا ووكالة المخابرات الأميركية (سي آي أي)، وبينها وبين كل من المخابرات البريطانية (أم آي6) والمخابرات الإسرائيلية (موساد) والمخابرات الروسية، وكذلك بينها وبين عملاء المخابرات الإيرانية، إضافة إلى العشرات من أجهزة الاستخبارات الأخرى حول العالم من آسيا إلى الشرق الأوسط إلى أفريقيا.

وتكشف برقيات التجسس معلومات مثيرة للاهتمام كإبلاغ الموساد الإسرائيلي حلفاءه بأن إيران لم تكن في الحقيقة تعمل على إنتاج أسلحة نووية، وذلك قبل شهر فقط من التحذير الذي وجهه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأن إيران كانت على بعد عام واحد من إنتاج سلاح نووي.

كما تكشف الوثائق التي حصلت عليها الجزيرة تفاصيل محاولة المخابرات الأميركية التواصل مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بشكل مباشر، رغم أن الحكومة الأميركية تضع الحركة على قائمة المنظمات الإرهابية.

إلى جانب ذلك تتناول الوثائق حرب المخابرات بين الغرب وكوريا الشمالية، وكيف سعت المخابرات البريطانية لمساعدة جنوب أفريقيا في عملية تجنيد مسؤول من كوريا الشمالية رفض في السابق عرضاً مالياً للتعاون معها.

العنصر البشري
وبالعودة إلى طبيعة الوثائق التي تنشرها سلسلة "برقيات التجسس"، فهي معلومات استخباراتية على مستوى الحديث الذي يدور في مقر العمل يومياً، وقد يكون هذا المقر في بعض الأوقات شبيهاً بأي مقر عمل آخر، حيث ينشغل الجواسيس في تجميع المعلومات وترتيبها وتصنيفها ثم أرشفتها.

وقد تصدر عن العاملين شكاوى من فقدان بعض الوثائق، بينما يتجادل آخرون بشأن بعض القضايا الشخصية. كما أن بعض المراسلات أو الاتصالات بين الأجهزة الاستخباراتية والمخابراتية المختلفة قد تكون مجرد دعوات إلى اجتماعات تنسيقية أو عبارة عن تقارير ترفعها وكالة إلى أخرى.

وتتضمن الاتصالات والمراسلات بين الوكالات الاستخباراتية "طلبات تعقب" لأشخاص أو لأرقام هواتف، إلا أن مجموعة من البرقيات الموجهة من داخل سفارة الجزائر في جنوب أفريقيا تتعلق بموضوع أبعد ما يكون عن ذلك، حيث تطالب بوضع لافتات (لوحات مرورية) تقول "ممنوع التوقف" في الشارع الذي يطل عليه مبنى السفارة.

وتشير هذه البرقيات إلى أن السفارتين البريطانية والأميركية تتمتعان بهذه الميزة، وتطالب بشمول السفارة الجزائرية في هذه الخدمة.

ومن الضروري الإشارة إلى أن "برقيات التجسس" لن تكون سردا لقصص أشبه ما تكون بأفلام السينما الجاسوسية التي تقدم أجهزة المخابرات بصورة عملاء يتمتعون بقابليات متميزة على القتل والوحشية، بل تقدم في الواقع مشهداً للحياة العملية اليومية لأناس طالما غلفت السرية جل نشاطاتهم.

ضرورات تحريرية
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الضرورات التحريرية اقتضت طمس بعض الكلمات أو الفقرات الواردة في البرقيات.

إن اتخاذ هذا القرار لم يكن سهلا، حيث ستظل مئات البرقيات قيد الحفظ بدل النشر، فبعد التأكد من صحة البرقيات كان علينا أن نقرر ما إذا كان نشر برقية ما سيكون في الصالح العام أم لا، وذلك بالتشاور مع خبراء في المجال ومع المحامين ومع شركائنا في صحيفة ذي غارديان. وبغض النظر عن النصيحة التي حصلنا عليها، فإن قرار النشر قرار اتخذته الجزيرة وحدها.

ونعتقد أنه من الأهمية بمكان توفير درجة أكبر من الشفافية في مجال الاستخبارات، حيث تبين من أحداث العقد الماضي عدم كفاية الرقابة التي تمارس على النشاطات التي تقوم بها أجهزة المخابرات حول العالم، الأمر الذي أتاح المجال أمام البعض ليتصرف خارج نطاق القانون، وفي كثير من الحالات في انتهاك صريح للقانون الدولي.

إن نشر هذه الوثائق -بما في ذلك تفاصيل تتعلق بالعمل الميداني وبالحرفة ذاتها- ما هو إلا مساهمة ضرورية في سبيل زيادة الرقابة الشعبية على نشاطات عملاء المخابرات. وتكشف برقيات التجسس أنه في حالات كثيرة تعمد أجهزة المخابرات إلى المبالغة في إضفاء صفة السرية على المعلومات، وفي الاختفاء بدون أدنى ضرورة وراء جدار من السرية.

إن جدار السرية المبالغ به ينتج عنه بدون شك إحباط قدرة المجتمع والمؤسسات على إقرار النشاطات التي تمارسها أجهزة المخابرات، وعلى توفير ما يكفي من إجراءات الرقابة والمساءلة للحدّ من تغول هذه الأجهزة.

تحتوي برقيات التجسس على أسماء كثيرة وتفاصيل شخصية وأسماء حركية لعناصر مخابرات فاعلين في مختلف الأجهزة العالمية يعملون متخفين.

واجهنا احتمال أن يؤدي نشر الهويات التي تكشف عنها البرقيات إلى إلحاق الضرر بأناس أبرياء، فاتفقنا على أن نشر أسماء العملاء السريين قد يشكل خطراً كبيراً على أشخاص كثيرين حول العالم، ربما كانت لهم اتصالات أو علاقات بريئة بهم. نعتقد أن بإمكاننا تحقيق غايتنا من توفير درجة أكبر من الشفافية دون الكشف عن هويات العملاء السريين الذين يرد ذكرهم في البرقيات.

ولهذه الأسباب فقد طمسنا أسماءهم، كما طمسنا بعض الفقرات التي قد يشكل نشرها خطراً على عامة الناس، مثل بعض المعادلات الكيميائية لصناعة المتفجرات.

وأخيراً.. لقد تم حفظ بعض برقيات التجسس للنشر في مناسبات قادمة، لأنها بحاجة إلى سياق يناسب محتواها. وبغض النظر عما سينشر، فإننا سنطبق نفس المعايير حينما نقرر طمس أي من محتويات البرقيات المسربة.