- الموقف التركي من الثورات العربية وتطورات المنطقة
- حول الوضع في ليبيا وإيران ومستقبل الدور التركي

 
عمر خشرم
 عبد الله غل

عمر خشرم: مشاهدينا الأعزاء أهلا ومرحبا بكم في هذا البرنامج الخاص الذي نلتقي فيه فخامة الرئيس عبد الله غل رئيس الجمهورية التركية، الرئيس غل يعرف منطقة الشرق الأوسط جيدا ويدرك توازناتها بشكل جيد لأنه عاش فيها فترة معينة. فخامة الرئيس أهلا بكم.

عبد الله غل: أهلا وسهلا.

الموقف التركي من الثورات العربية وتطورات المنطقة

عمر خشرم: سؤالنا الأول فخامة الرئيس حول التطورات التي تعيشها منطقتنا حاليا، في عدد من البلدان العربية هناك تحركات جماهيرية ومكثفة وأدت إلى نتائج تغييرية، منذ البداية أنتم كان موقفكم واضحا، تقولون الشعب يريد تقرير مصيره الشعب تولى زمام المبادرة. أنتم هل أنتم منحازون إلى جانب الشعب رغم أن الحكام يقولون إن الشعب هو يتحرك بفعل تأثيرات خارجية؟

عبد الله غل: في البداية أقول إن ما حصل ليس مفاجأة فالذي يقرأ التطورات في العالم ويرى آخر التطورات في مجالات الاتصال ونظم تبادل المعلومات عليه أن يتوقع حصول ما يجري الآن، كان هناك تقرير للأمم المتحدة عن الدول العربية عام 2002 يتضمن المشاكل التي تعانيها هذه الدول وأنا خلال مناصبي التي توليتها منذ عام 2003 في تركيا سواء كرئيس للوزراء أو وزير للخارجية أو رئيس للجمهورية تحدثت مرارا عن ضرورة الإصلاحات الجذرية في البلدان الإسلامية وخصوصا في مجالات السياسة والاقتصاد وقلت إنه إذا لم يقم القادة بهذا العمل فإن الشعوب ستتولى زمام المبادرة وتقوم بالإصلاحات بنفسها، قلت ذلك في البلدان الإسلامية وليس في باريس أو لندن، وفي اجتماع منظمة المؤتمر الإسلامي في طهران عام 2003 تحدثت بكل صراحة عن ضرورة ترتيب بيوتنا من الداخل وقلت إن مبادئ العدالة والشفافية ليست مبادئ خاصة بالغرب فقط بل هي من صميم تعاليم الدين الإسلامي وبالتالي هي من قيمنا الأصلية. ومن هذا المنطلق بدأنا في تركيا القيام بإصلاحات جذرية سياسية واقتصادية ولا شك أن هناك المزيد لفعله في هذا المجال والآن للأسف الكثير من الدول الشقيقة والصديقة تأخرت في القيام بهذه الإصلاحات ولذلك برز الشباب المتحمسون جدا للتغيير. أنا أقول إن ما حصل انفجار كبير وهو انتفاضة للشباب والشعوب العربية من أجل كسب الكرامة مجددا ولا داعي لحصر ذلك في أسباب سياسية واقتصادية محدودة بل علينا إضفاء معنى أوسع على ما حصل فالنظر إلى الثورات الحالية على أنها ردة فعل محدودة لبعض التجاوزات السياسية سيؤدي إلى فهم خاطئ وبالتالي إلى نتيجة خاطئة. الذي نريده هو نجاح هذه التطورات دون هدم للدماء وصراع الإخوة وحروب أهلية أي تجاوز المرحلة بأقل خسائر من أجل أن تسعد الشعوب وشبابها وتكون كل الدول العربية قوية وليست ضعيفة، ومصدر القوة لأي دولة ليس جيشها أو قوتها المسلحة بل النظام السياسي الذي يتكامل فيه الشعب وجيشه وهذا يعني الديمقراطية ووجود الديمقراطية والشفافية وسيادة القانون وقوة الاقتصاد وعدم وجود الفساد عناصر تقود إلى دولة قوية قادرة على المحافظة على مكانتها بشكل دائم. المرحلة التي نعيشها حاليا غير عادية وأتمنى أن تستقر الأمور في نهايتها. ليس من الصحيح الإجابة على سؤالكم بشكل قاطع كأبيض وأسود فنحن نعيش تضامنا مع كل شعوب المنطقة بأطيافها المختلفة ولا شك أننا نبلغ أفكارنا هذه إلى قادة المنطقة عند كل لقاء لنا معهم سواء سريا أو علنيا، أنا أؤمن بضرورة خروج العالم الإسلامي والأمة العربية بشكل قوي من هذه المرحلة.

عمر خشرم: فخامة الرئيس أنتم قمتم بزيارة لمصر وفي مرحلة حساسة جدا التقيتم هناك مع الذين في الحكم ومع المعارضة والتقيتم أيضا مع الشبان الذين قاموا بالثورة، كيف كانت انطباعاتكم من خلال هذه اللقاءات، برأيكم هل ستكون مصر نموذجاً ديمقراطيا في المنطقة أم ما زالت تحتاج لفترة انتقالية طويلة بعد؟ وهل تنوون بعد هذه الزيارة لمصر أن تزوروا أيضا بلدانا أخرى مثل تونس أو دول أخرى تشهد تحركات جماهيرية مماثلة؟

عبد الله غل: قمنا بزيارة لمصر وهي الأولى لرئيس جمهورية يزور مصر بعد ثورتها الشعبية، عدت سعيدا جدا من هذه الزيارة التي التقيت خلالها المشير محمد طنطاوي رئيس المجلس العسكري الأعلى وكل أعضاء المجلس أيضا وتحدثت معهم بكل صراحة بحكم أن التجربة التركية عاشت أيضا مراحل انتقالية متشابهة، كنت صريحا معهم كأحد أفراد العائلة، سررت عندما رأيت المشير طنطاوي ورفاقه سعداء بحديثي. علي أن أقول إن السياسة من اختصاص المدنيين وعلى العسكريين أن يكونوا محترفين ويحافظوا على قوات مسلحة قوية والقوات المسلحة المصرية يجب أن تكون قوية دائما لذلك من الضروري أن تهتم بعملها بشكل احترافي وهذا ما أتوقعه. نحن كإخوة لهم حدثناهم عن ضرورة الانتقال إلى ديمقراطية دستورية في أسرع وقت خلال هذه المرحلة الانتقالية وهذا أصلا ما يطالب به الشعب ومن يمثلونه من الشباب. لاحظت أن السيد طنطاوي يشاطرني الرأي فهو ورفاقه يريدون استكمال هذه المرحلة من أجل الوصول إلى مصر الديمقراطية الحرة وإعادة بنائها وتنميتها مجددا وهذا ما أسعدني، بعد ذلك التقيت السياسيين الآخرين والتقيت الشباب المتحمسين الذين فجروا هذه الثورة الشعبية الكبرى، قلت لهم إن المسؤولية الآن تقع على عاتقهم لذلك يجب أن تكون تطلعاتهم واقعية وأن يتم الاهتمام بالاقتصاد المصري وتقويته وأبلغتهم ضرورة عدم الضغط كثيرا على الإدارة الانتقالية الحالية استعجالا لتحقيق مطالب شعبوية تحتاج لوقت لتحقيقها وأكدت لهم على ضرورة العمل من أجل الوصول إلى مصر القوية التي يسودها القانون وذات الاقتصاد القوي النامي باستمرار. سعدت جدا عندما شاهدت أن الجميع في مصر سواء عسكريين أو مدنيين لديهم نوايا طيبة وأهداف عملية، هذا أمر سار لأن مصر هي أكبر وأقوى دولة عربية والأكثر تأثيرا في محيطها، ومصر القوية ستقود بالتأكيد إلى عالم إسلامي قوي وكلما تمسكت مصر بنظام ديمقراطي شفاف يسوده القانون ومنفتح على العالم فإنها ستتطور بشكل أسرع وأفضل، أقولها بصراحة إن هذه الانتفاضة كانت كفاحا من أجل الكرامة لجميع المصريين. بالنسبة للزيارات ليس لدينا الآن خطط لزيارة البلدان الأخرى وزيارة مصر جاءت باعتبار أن هذا البلد يعيش مرحلة حساسة جدا وكان من المهم جدا إيصال الأفكار والآراء إلى المعنيين في هذه المرحلة، والحقيقة أن الذي جرى وسيجري في مصر سيجعل النور يسطع على البلدان العربية ويكون مصدر إلهام كبيرا لها ومع ذلك نحن على اتصال دائم مع كل البلدان وخصوصا تونس على مستوى الوزراء والحكومات نتعاون ونبذل كل ما نستطيع لتسهيل تجاوز هذه المرحلة الصعبة.

عمر خشرم: مشاهدينا الأعزاء نلتقي بعد فاصل قصير.

[فاصل إعلاني]

حول الوضع في ليبيا وإيران ومستقبل الدور التركي

عمر خشرم: مشاهدينا الكرام أهلا بكم في تتمة هذا اللقاء الخاص مع الرئيس التركي عبد الله غل. فخامة الرئيس، التغيير مر في تونس وفي مصر أيضا دون أحداث دموية -نسبيا على الأقل- لكن ما نشهده الآن في ليبيا يبدو أن الأحداث تسير نحو تطورات دراماتيكية ومأساوية، برأيكم أنتم كسياسي خبير في شؤون المنطقة برأيكم ماذا سيحصل في ليبيا ماذا ستؤول إليه الأمور حسب وجهة نظركم؟

عبد الله غل: المؤسف كثيرا حقا بأن خسائر الأرواح وسيل الدماء كان أكثر في ليبيا مقارنة بما حصل في تونس ومصر، نحن لا نريد لليبيا أبدا أن تعيش حربا أهلية وصراع إخوة، ليبيا بلد لديه أطول ساحل على البحر المتوسط ومن الدول العربية الأقرب جغرافيا إلى أوروبا، كان على ليبيا أن تكون منفتحة أكثر فليس من الممكن عزل أي بلد عن العالم مهما كانت السياسات المنتهجة، التكنولوجيا اليوم تسمح بمتابعة الأخبار من الهاتف النقال حتى لو منعت اللاقطات الفضائية وبالتالي يمكن للإنسان أن يعرف ما يحدث حوله حتى لو كان محاصرا. نأمل ألا تسيل الدماء أكثر في ليبيا وأن تنتهي أزمتها بالشكل الذي يريده الشعب الليبي وشبابه، فالاضطرابات تزيد من عدم الأمان والثقة في البلاد وهذا ما دفع الكثير من البلدان ومن بينها تركيا لإجلاء رعاياها من ليبيا ونحن نساهم الآن في إجلاء رعايا الدول الشقيقة والصديقة مثلما خصصنا سفننا لإجلاء الإخوة المصريين وساعدنا في إجلاء 3500 شخص من 25 دولة من بينها دول غربية والشرق الأقصى، نحن سنواصل المساعدة لكن نأمل ألا يتفاقم الوضع ويتعقد أكثر في ليبيا التي تمر بمرحلة حساسة جدا، نحن على اتصال دائم مع الطرفين هناك ونوصيهما بتحكيم المنطق السليم.

عمر خشرم: وفي الشأن الليبي أيضا هناك بعض أوساط الأمم المتحدة وبعض أوساط الدول الكبرى الدول العظمى تتحدث عن احتمال تدخل عسكري في ليبيا إذا دعت الضرورة مثل إقامة منطقة حظر جوي أو حماية المدنيين من هجمات الجيش الليبي أو الجيش التابع للنظام الليبي، عندما يحدث تدخل عسكري فإنه سيتم عن طريق حلف الناتو، أنتم كدولة مهمة جدا في حلف الناتو، الجيش الثاني في حلف الناتو بالتأكيد سيكون لكم دور، كيف تنظرون إلى مسألة تدخل حلف الناتو في ليبيا؟

عبد الله غل: أقول أولا إنه إذا ظهر احتمال هدر الدماء بشكل واسع أو حدثت مذابح مثلما حصل في البوسنة فلا يمكن السكوت على ذلك أو السماح به أو حتى التأخر في منع وقوعه، لكن التدخل العسكري في دولة أخرى موضوع حساس جدا وما حصل في العراق يعطي دروسا كثيرة لذلك لن يحدث ذلك إلا في إطار القوانين الدولية، حلف الناتو لا يذهب إلى أي دولة ويتدخل عسكريا إلا بقرار وتفويض دولي مثلما حصل في أفغانستان وكذلك فإن التدخل العسكري الأجنبي من الخارج قد يؤدي إلى اضطرابات أكبر من الواقع، الشرعية الدولية شرط أساسي لكن ومع ذلك فإن المعارضة الداخلية في ليبيا سترفض أي تدخل أجنبي كي لا تظهر متعاونة مع جهات خارجية لتحقيق مآربها بينما هي في الحقيقة تطالب بالحرية. هذه مواضيع حساسة جدا ويجب التعامل معها بحذر فدخول حلف الناتو في أي عمل عسكري في أي دولة في الشرق الأوسط سيؤدي إلى ردود فعل ومواقف مغايرة في العالم الإسلامي وأنا أؤكد مجددا على ضرورة تخطيط أي خطوة ضمن القوانين الدولية والاستناد إلى الشرعية الدولية، أما إذا حصلت مذابح كبيرة مثلما حصل في البوسنة أو ظهرت مؤشرات على احتمال ذلك عندها يجب التدخل بسرعة لحماية المدنيين.

عمر خشرم: تلاحظون أن المنطقة تشهد تطورات متسارعة وبالتأكيد سيكون لها تأثير على توازنات المنطقة بشكل عام، هنا كيف سيتأثر دور تركيا الذي تقوم به حاليا أو الذي تخطط للقيام به من الناحية الإستراتيجية في علاقاتها مع العالم العربي، كيف سيتأثر هذا الدور وفق التطورات الحالية؟

عبد الله غل: المطلب الأساسي لتركيا هو رؤية عالم إسلامي وعالم عربي آمن ومستقر وحر ونام اقتصاديا وسائر في ركب التنمية، موقف تركيا صريح وواضح فهي تعتبر شعوب المنطقة شقيقة من نفس الدين والثقافة وأمة كبيرة لديها تاريخ مشترك، نحن نريد سعادة إخواننا وقوة دولهم. ما نقوم به حاليا هو الاهتمام بمنطقتنا ورعايتها، هل يعقل أن يكون هناك اهتمام من قارات أخرى ومعتقدات وثقافات أخرى بمنطقتنا ولا يكون لتركيا الحق في ذلك والحق في إبداء الرأي؟! هذا من حقنا الطبيعي من منطلق لعب دور بناء يسعى لمستقبل زاهر للمنطقة، في الحقيقة إنني أعتبر ما يجري حاليا حصل متأخرا، فبعد انهيار الاتحاد السوفياتي وهدم جدار برلين لو تم القيام بإصلاحات جذرية في المنطقة من قبل قادتها لاختلف الوضع تماما ولكانت هذه الدول أكثر تقدما لكن هذا الذي يحصل الآن ويجب اعتباره عودة المنطقة إلى طبيعتها مع التمني أن يكون ذلك دون دماء ولا آلام.

عمر خشرم: ماذا عن إيران في خضم هذه التطورات؟ قبل فترة أنتم زرتم إيران وخلال الزيارة كانت هناك أحداث شعبية أيضا، إيران شهدت بعض التحركات الشعبية وما زالت، كيف ستتأثر وكيف ستؤثر إيران بعد هذه التطورات في المنطقة وكيف ستتأثر العلاقة مع إيران وتركيا من خلال أو على ضوء هذه التطورات؟

عبد الله غل: هناك نظام مختلف ووضع مختلف في إيران فحتى لو أنها لا تشبه الدول الأخرى في الديمقراطية من حيث المعايير الكونية فهي نظام يشهد انتخابات وفيه معارضة وحراك سياسي شهد انتخاب خمسة رؤساء في عدة مراحل وهي دولة مؤسسات كبيرة، المطالب في إيران تتركز حول المزيد من الحريات للشعب وعند الحاجة يتظاهر الناس ويعبرون عن مطالبهم، وإيران لا يمكنها عزل نفسها عن العالم فمنع لاقطات الأقمار الاصطناعية لا يعيق الحصول على المعلومات من مصادر أخرى، أنا أعتقد أن هناك حاجة لإصلاحات اقتصادية مهمة في إيران وفي زيارتي الأخيرة أبلغتهم بذلك بصراحة لأن لديهم نظاما اقتصاديا مغلقا فيه عوائق جمركية كبيرة وبعيد عن المنافسة.

عمر خشرم: هل تقبلوا منكم نصيحتكم أو اقتراحكم بشأن هذا الموضوع تحسين الاقتصاد أو تحسين مجال الحريات هناك؟

عبد الله غل: في الحقيقة أنا قلت وأقول دائما بكل صراحة وأخوة ما أعتقد بصحته لكل الزعماء فأنا لا أقول ذلك كأنني أعطيهم درسا من الخارج بل أقول كشخص وأخ يؤمن بأن تركيا ما زالت بحاجة إلى إصلاحات اقتصادية جذرية ويؤمن بضرورة مواصلة هذه الإصلاحات.

عمر خشرم: فخامة الرئيس نشكركم على هذا اللقاء. مشاهدينا الأعزاء بهذا نختتم معكم هذا اللقاء الخاص الذي أجريناه مع فخامة الرئيس عبد الله غل رئيس الجمهورية التركية. هذه تحية من عمر خشرم وإلى لقاء آخر.