- تمرّد الطوارق في الشمال
- العلاقات الدولية والتنمية


تمرّد الطوارق في الشمال

أحمد ولد أحمدو مامين: تحية طيبة مشاهدي الكرام والسلام عليكم. نلتقي في هذه الحلقة السيد أمدو توماني توريه رئيس جمهورية مالي. السيد الرئيس أهلاً بكم. السيد الرئيس، هنالك متمردون في شمالي البلاد قاموا بعدة هجماتٍ على مواقع عسكرية، ما هو تقييمكم للوضع في الشمال؟

أمدو توماني توريه: بدايةً، هنالك مبالغةٌ كبيرة حول حقيقة ما يجري في مالي. الواقع أنه في الثالث والعشرين من مايو، أيار 2006 واجهت بلادنا مشاكل نتيجة قيام مجموعةٍ من الطوارق، كانوا أعضاءاً في التحالف مع الحكومة، قاموا بتقديم مطالب من خلال مهاجمة مركزٍ للجيش في مدينة كيتال شمالي مالي. وأعتقد أنه بعد المحادثات التي أجريناها وقّعنا ما سُمي باتفاقات الجزائر، بمشاركة مالي والجزائر والمجموعات المتمردة. تم عبر الاتفاقات تأكيد الأطراف الثلاثة على الحفاظ على الأمن والتنمية، ليس فقط لمنطقة كيدال، بل لجميع المناطق الأخرى. وقد عقدنا ندوةً دولية في كيدال، لأننا ندرك جيداً أن مشاكل الشمال المالي مشاكل تنموية بالأساس. غياب التنمية، وهو بالمناسبة لا يخص هذه المناطق وحدها وإنما مشكلةٌ مطروحةٌ لعددٍ كبيرٍ من الدول الأفريقية ولمناطق جنوب مالي، لكن الشمال عندنا يعاني بشكلٍ أكثر قسوة، لذا فكّرنا في أن نجعل من تنمية الشمال إجابةً على أشكالٍ مختلفة من الإحباط، يمكن أن نلاحظها هنا وهناك. وفي هذا السياق دعونا إلى منتدى في الجزائر يأخذ بشكلٍ كبير بانشغالات التنمية، ليس فقط لمنطقة كيدال، وإنما أيضاً يُشرك مناطق تمبكتو وكاو، لذلك عندما أُوَاجَه بالسؤال عمّا إذا كان هناك تمردٌ في شمالي مالي، أقول لا يوجد تمرد. هنالك مجموعةٌ صغيرةٌ من شخصين أو ثلاثة يقودهما اثنان أو ثلاثة وبعض الشبان يعيشون على هامش مجموعتهم، انسحبوا إلى الجبال وقاموا بالاعتداء مرتين على مواقع عسكرية. لكن منذ ثلاثة أشهر تقريباً هنالك هدوءٌ كبير أتمنى أن يستمر على هذه الجبهة، وأعتقد أن دولاً صديقة وشخصياتٍ من مجموعة الطوارق يبذلون جهوداً للحيلولة دون سلوكنا لطريق الحرب وتشجيع نهج العقل والبحث عن حلٍّ أخويٍّ وسلمي.

أحمد ولد أحمدو مامين: المتمردون الطوارق يطالبون بسحب القوات من بعض المناطق بشمالي البلاد، ما هو رأيكم؟

"
المحافظات الشمالية جزء من مالي نحن نعيش ونعمل معاً ولدينا كوادر من الطوارق في حكومتنا ونواب في البرلمان ولدينا كادرٌ من الطوارق منهم رئيس المجلس الأعلى للمجموعات المحلية
"
أمدو توماني توريه: أقول لكم إننا لن نسحب قواتنا من الشمال، نحن بلدٌ يتمتع بالسيادة. مالي ملكٌ للطوارق والبمبارة وللفَلاَن والهاوسة، بلدنا متعدّد الأعراق والألوان منذ قرون، يسكنه البيض والسود. لا يمكننا أن نفهم كيف أن عدداً من الرجال، ليسوا حتى متمردين، إنهم عبارةٌ عن متمردٍ واحد، إبراهيم بهانغا الذي يطالب بسحب وحدات الجيش المالي من محافظات الشمال. نقول للسيد بهانغا إن المحافظات الشمالية جزءٌ من مالي وليس ملكاً لبهانغا أو لي شخصياً. نحن نعيش ونعمل معاً ولدينا كوادر من الطوارق في حكومتنا ونوابٌ في البرلمان ولدينا كادرٌ من الطوارق منهم رئيس المجلس الأعلى للمجموعات المحلية، وآخرون في جميع الوظائف السامية في مالي. لماذا إذاً يزعج انتشار الجيش المالي السيد إبراهيم بهانغا؟ لا أرى سبباً في ذلك. هنالك سكانٌ من الطوارق غير بهانغا في هذه المناطق. وجود الجيش المالي مرتبطٌ، أولاً بتجسيد حضور الدولة، وفي المرحلة الثانية لضمان أمن المواطنين الذين لا علاقة لهم بهذه الوضعية. إذا كان بهانغا يريد العيش في الشمال، فهو يعيش هناك، أما إذا قال أنه على الجيش الانسحاب فعليه أن يقدّم لنا الأسباب. إن الوضعية تتطلب مزيداً من التنمية، والجيش المالي المنتشر في مواقع متقدمة، يقوده ضباطٌ من الطوارق غير متّفقين مع إبراهيم بهانغا. لقد قابلتم أعضاء التحالف وعبّروا لكم عن رؤيتهم للأمور، وخلال وجودكم في كيدال لاحظتم أنكم تشعرون بالأمان أكثر من العاصمة داماكو، وهذا يبرهن على أنه لا وجود لمتمردين، ولا وجود لغير قضايا التنمية التي هي أمرٌ مُلحٌّ ومطلبٌ مشروع.

أحمد ولد أحمدو مامين: السيد الرئيس، هذا هو ثالث تمردٌ يقوم به الطوارق في شمالي مالي، ألا ترون أن تكرار هذا التمرد مؤشرٌ على أن الحكومات التي تعاقبت على البلاد، بما فيها حكوماتكم، لم تُوَفَّق في حلٍّ نهائي لهذه المشكلة؟

أمدو توماني توريه: التاريخ حافلٌ بالمشاكل. أود أن أذكّر فقط بحقبة الإمبراطوريات وحتى بعد ذلك. ففي عام 1916 وقعت انتفاضة ويلت ميندين مع فيلو الكبير ضد الاستعمار الفرنسي، وفي عام 1960، 1964 وقع تمرّد آذرفورس، وفي 1990، 1991 وقع التمرد العربي الطارقي، وأؤكّد لكم أن المشكلة لا تتعدى غياب التنمية. ليست لدينا الوسائل لتنمية هذه المناطق، لكننا متفقون على أن محافظات الشمال تعاني من أوضاعٍ أكثر تعقيداً وأكثر صعوبة. هنالك 3500 عنصرٍ من الجيش والجمارك والشرطة من الطوارق، انخرطوا في الجيش المالي. إذاً ليس هنالك أي ضابطٍ من العرب أو الطوارق أراد الانضمام إلى هذه المجموعة. لا يمكن إيجاد حلٍّ نهائي لمشاكل التنمية. ولديّ القناعة بأنه ليس بالحرب تُحلّ مشاكل التنمية، إنما بالعمل. هل يُعقل أن نلجأ في الجنوب، على سبيل المثال، إلى التمرد أو الانتفاضة لنقصٍ نعانيه في بعض أمور الحياة؟! هذا أمرٌ غير معقول. عدوّنا الأول في الشمال، كما في الجنوب، هو التنمية ونقصها، والحل الوحيد هو التنمية المستدامة.

أحمد ولد أحمدو مامين: هل، تعتقدون، السيد الرئيس، أن هناك دول في المنطقة تدعم حركة التمرد هذه؟ وهل تعتقدون أيضاً أن هناك روابط بين المتمردين في مالي، والمتمردين في النيجر؟

أمدو توماني توريه: لا أعرف. لكنني أدرك أنه في منطقة تنيسما، وهي الجزء المالي المتاخم للحدود المالية مع النيجر، تنتمي بعض الفصائل إلى نفس القبيلة والعشيرة، لكن حتى الساعة لم نجد صلةً ملموسةً بين الحركتين. ورغم ذلك فقد لاحظنا أن هنالك هجماتٍ وقعت داخل الأراضي المالية بقيادة بهانغا شاركت فيها عناصر غير مالية. لا يمكننا القول أن هذه العناصر من طوارق النيجر، لكننا متأكدون أن من هاجمونا كانوا بنسبة 70 بالمائة غير ماليين. أما الآن فلا نستطيع توجيه أصابع الاتهام لانعدام الأدلة إلى الطوارق في النيجر أو غيرهم، لكن عدداً كبيراً من المهاجمين لم يكونوا ماليين، وهذا أثار انتباهنا.

أحمد ولد أحمدو مامين: السيد الرئيس، تتحدث بعض التقارير الغربية عن وجود ما يُسمى بحركاتٍ إرهابية وجماعاتٍ سلفية تنشط في شمالي بلادكم، هل أنتم على علمٍ بهذا الموضوع؟ وما هو رأيكم بالتحديد حول هذه القضية؟

أمدو توماني توريه: كما تعلمون، المنطقة الشمالية في مالي تمثّل شريطاً ساحلياً صحراوياً، وهذا الشريط يمتد من موريتانيا وشمالي مالي وشمالي النيجر والحدود الجزائرية، وصولاً إلى تشاد، بمحاذاة جزءٍ من ليبيا، إنها منطقةٌ مهمة. وأتذكّر جيداً عندما قال لي قائد الثورة الليبية معمّر القذّافي ذات مرة، إذا لم نتخذ إجراءاتٍ لتنمية هذه المنطقة في إطار تجمّع دول الصحراء والساحل (س. وَ. ص)، فإننا قد نواجه يوماً ما مشاكل في هذا الشريط المشترك الذي يمتد داخل دولنا، وأعتقد أنه مع مرور الوقت سيصدّق التاريخ رؤيتنا. وأمام الوضع الراهن أقرّ بأن الوضع يتطلّب كثيراً من الصبر، لكنه يجب أيضاً أن يُعالج من زاوية تحقيق التنمية لهذه المناطق. ما حصل في السابق كان تمرداً، لكن ما يحصل اليوم مختلفٌ تماماً. غير أن ما قلتم يجب الرجوع فيه إلى أن مالي ذات مساحةٍ شاسعة، لا تستطيع الاستثمار فيها للتنمية. لا يخفى عليكم أن مساحة الشمال تتجاوز 700 ألف كيلومترٍ مربع، وأنتم قطعتم مئات الكيلومترات من الصحارى القاحلة ولم تجدوا أي حركةٍ للإنسان. الشريط الساحلي تحوّل إلى نقطةٍ لعبور الجماعات الأصولية وتهريب الأسلحة ومهربي المخدرات وملجأً لاختباء بعض الجماعات في طور التشكّل، وهذا لا يخصّ مالي وحدها، بل ينسحب على الشريط الساحلي.

أحمد ولد أحمدو مامين: فاصلٌ قصير مشاهدي الكرام، ونعود للحديث مع السيد أمدو توماني توريه رئيس جمهورية مالي، ابقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

العلاقات الدولية والتنمية

أحمد ولد أحمدو مامين: أهلاً بكم من جديد. نعود للحديث مع السيد أمدو توماني توريه رئيس جمهورية مالي. ما هو موقفكم، السيد الرئيس، من القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا، أفريكوم، وهل تم الاتصال بمالي بغرض فتح قاعدة أو مراكز عسكرية في بلدكم؟

"
مالي دولةٌ حرة ومستقلة وذات سيادة، هنالك برنامج للتعاون مع أميركا يطلق عليه، بَن ساحل، يخصّ كامل منطقة الساحل، يتعلق بالتدريب والتأهيل وتكوين الجيوش مع وحداتٍ أميركية
"
أمدو توماني توريه: لا أعرف، لم يطلبوا منا أي شيء. أريد التوقف عند هذا الحد. مالي دولةٌ حرة ومستقلة وذات سيادة، نحن نتخذ قراراتنا وفقاً لمصالحنا أولاً، هذا يجب أن يدركه الجميع. القرارات لا تُتخذ في الخارج، قراراتنا تُتخذ في باماكو، صحيحٌ أنه لدينا تعاونٌ مع أصدقاءٍ نحترمهم. على أية حال، الولايات المتحدة لم تأتِ للمحاربة في مكاننا ولم يعطنا الأمريكان أي قطعة سلاح، كل ما في الأمر هو أن هنالك برنامجاً للتعاون مع الولايات المتحدة يُطلق عليه، بَن ساحل، يخصّ كامل منطقة الساحل، يتعلّق بالتدريب والتأهيل وتكوين الجيوش مع وحداتٍ أمريكية. الأمريكيون لم يأتوا لمساعدتنا عندما نحارب. ليس للولايات المتحدة أي دورٍ أو دخلٍ في الوضع الراهن في مالي. هذا البرنامج موجودٌ قبل اندلاع التمرد، إنه تعاونٌ عسكري مع الولايات المتحدة يرجع إلى عام 1961. لقد أُتيحت لي شخصياً قيادة وحدة مظليين أشرف على تكوينها الأمريكيون. إذاً الأمر يتعلق بتعاونٍ عسكري وتدريب الرجال وتعزيز القدرات على غرار البرنامج الفرنسي للتعاون مع دول المنطلقة المعروف بريكام، الخاص بتعزيز القدرات.

أحمد ولد أحمدو مامين: ألا ترون، السيد الرئيس، أن وجود أمريكا قد يضايق حليفكم التقليدي والمستعمر السابق فرنسا؟

أمدو توماني توريه: مشكلتنا ليست في فرنسا أو الولايات المتحدة، نحن مشكلتنا تخصّنا كماليين. الإجراءات التي نتخذها خاصة بمالي وتنطلق من مصلحتنا. والدول التي تريد مساعدتنا في إطار دعم هذا التوجه لا ترى مشكلةً في ذلك. وأقدّم لكم مثالاً يتعلق بالتنمية، مثلاً التعاون مع البنك الإسلامي للتنمية، وهو مصرفٌ كبيرٌ تملكه أمتنا الإسلامية ومنظمة المؤتمر الإسلامي. في مجالات التنمية تقوم هذه المؤسسة بإنجاز مشروعاتٍ كبيرة ومتميزة في مالي، والغريب أننا ننسى الجوانب التنموية ونهتم بالمسائل الأمنية، وأؤكد لكم أننا نتولى حماية الأراضي المالية وليست عندنا قوةٌ أخرى عوضاً أو زيادة على الجيش المالي.

أحمد ولد أحمدو مامين: هنا في باماكو، خلال هذه السنة وبموازاةٍ مع قمة الدول الغنية، انعقد بماكو تجمعٌ كبير للفقراء، ومالي، كما تعرفون وكما يعرف الجميع، من البلدان التي تعاني من مشاكل كثيرة في مجال الصحة، هنالك الملاريا التي تقتل كل دقيقة عدة أشخاص، وهنالك مشاكل أخرى عديدة. ألا ترون أن هنالك تقصير من طرف الدول الغنية تجاه الدول الفقيرة؟

أمدو توماني توريه: أعتقد أن مطالبة الدول الغنية بأن تكون سخيةً تجاه أفريقيا أحياناً هذا أمرٌ طبيعي. فهنالك دولٌ غنية عديدة، حقّقت الرخاء والرفاهية على حساب المواد الأولية الأفريقية. لكن علينا الآن ألاّ نتطلّع إلى الكثير في هذا المجال، السخاء الذي عرفناه في السابق انتهى. المهم الآن ليس الجوانب الإنسانية فحسب، وإنما المصالح. لكننا نحن لا نريد الحديث أو التوجه إلى الدول الغربية وإنما إلى الدول العربية الخليجية الشقيقة وفي الشرق الأوسط، إلى هؤلاء نريد الحديث. ارتفاع سعر برميل النفط يقوّض اقتصادياتنا الضعيفة أصلاً، ما يطرح لنا المزيد من التحديات والمشاكل. أعتقد أنه بفضل تضافر الجهود، التي يتعيّن القيام بها من قِبل الأمة الإسلامية والبنك الإسلامي للتنمية والبنك العربي للتنمية الاقتصادية في أفريقيا من أجل مساعدتنا على مواجهة مشاكل التنمية. نحن أعضاءٌ في منظمة المؤتمر الإسلامي وفي البنك الإسلامي والمصرف العربي للتنمية الاقتصادية في أفريقيا. فبدل مطالبة الآخرين بمساعدتنا علينا أن نتوجه إلى أشقائنا الذين نشاطرهم الدين والقرابة والانتماء إلى أمةٍ واحدة لمساعدتنا. مساعدة البنك الإسلامي للتنمية مثالية، كذلك البنك العربي للتنمية الاقتصادية في أفريقيا، رغم ذلك فدولنا تواجه مشاكل ومصاعب متفاقمة.

أحمد ولد أحمدو مامين: وما هو تقييمكم، السيد الرئيس، للتعاون مع البلدان العربية؟

أمدو توماني توريه: التعاون مع الدول العربية جيد، لكنه يحتاج إلى أن يكون مثالياً ونموذجياً. لذلك فأنا أعدّ لزيارة عددٍ من الدول الخليجية، خصوصاً في الكويت وقطر والعربية السعودية، وأبو ظبي التي تقيم معها مالي علاقاتٍ ممتازة وتقدّم لنا مساعدات. زيارة هذه الدول للسلام عليها وللدفع بالتعاون معها نحو آفاقٍ أرحب. الحقيقة أن هذه الدول يجب أن تفعل المزيد، لأن مشاكلنا في تفاقم، كلما ارتفع سعر البرميل تدهورت أوضاعنا وزادت مشاكلنا الاقتصادية.

أحمد ولد أحمدو مامين: السيد الرئيس أنتم الآن تشنّون حملةً ضد الرشوة وضد الفساد، وقد وصفتها الصحافة المحلية في مالي بأنها حملةٌ خطيرة قد تؤدي إلى مشاكل عدة، هل أنتم ماضون في هذا الاتجاه؟

أمدو توماني توريه: أعتقد أن محاربة الرشوة تحتل مكانةً محوريةً في الحكامة الرشيدة الدائمة التي نعمل بها. لم نتوقف عن محاربة الرشوة، رغم أنها تتغير من حيث الأساليب والشكل، ونحن نعي ذلك جيداً ونواصل جهودنا للتكيّف مع ذلك. مواردنا محدودةٌ جداً، وهنالك بعض الدول تمنحنا ثقتها وتقرضنا أموالاً لإقامة الطرق والمستشفيات وآبار المياه والمدارس للسكان الفقراء، ويجب علينا أن نمنع اختلاس هذه الأموال، وفرض تسييرٍ شفافٍ لها. لقد وضعنا آلياتٍ لمواجهة الرشوة أو الاختلاس، نسعى لتعزيزها شيئاً فشيئاً. طرق الرشوة وأساليبها تتطور، ونحن نعمل بمؤازرة ذلك على تطوير أساليب التصدي لها. تصميمنا على محاربة الرشوة ربما ليس له مثيلٌ في أفريقيا، فقد عيّنا مدققاً عاماً يساعده 15 مدققاً يتمتع بالاستقلالية التامة، فهو لا يتبع للرئيس أو البرلمان أو الحكومة، يتوفر على حرية التحرك أينما وجدت أموال الدولة، معيّن لمدة سبع سنوات، وينشر للعموم نتائج عمله في تدقيق الحسابات واستخدام أموال الدولة وأشغالها. أعتقد أن هذا الأسلوب نادرٌ، إن لم يكن غير موجودٍ في أفريقيا، هذه إرادةٌ لمكافحة الرشوة واحتوائها.

أحمد ولد أحمدو مامين: سؤال أخير يا سيدي الرئيس. خرجتم من السلطة قبل أكثر من عشر سنواتٍ وعدتم إليها من جديد. هل تغيّرت نظرتكم لممارسة السلطة؟ وهل تعتقدون أن الخروج القادم من السلطة يؤدّي إلى رؤية مغايرة للأمور؟

أمدو توماني توريه: بالضبط. لقد جئت صدفةً في عام 1991 إلى السلطة عبر انقلابٍ عسكري. لقد جئنا لأن بلدنا كان في وضعيةٍ في غاية الصعوبة، كان إخوتنا العرب وغيرهم قلقون إزاءها. لقد كانت ثورةٌ للشعب في الجنوب، كما قام التمرد في الشمال. لقد تدخّل الجيش وتم تعييني رئيساً للمجلس الانتقالي لخلاص الشعب، ومكثتُ 14 شهراً في السلطة مع زملائي المدنيين والعسكريين، قمنا بتنظيم الانتخابات، وتركتُ السلطة، حيث بقيتُ عشر سنوات في الجيش. كان لي شرف القيام بمساعٍ حميدة ووساطاتٍ في أفريقيا لحل نزاعاتٍ وكمبعوثٍ خاصٍ للأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثٍ للاتحاد الأفريقي وموفدٍ لإزالة الألغام للمنظمة العالمية للفرانكفونية، ووسيطٍ بين رواندا والكونغو الديموقراطية. وعملت مشرفاً على التحقيق في المجازر في رواندا، وقمت أيضاً بأنشطةٍ إنسانية في مجال محاربة وباء دودة غينيا والحصبة. كان ذلك طيلة عشرة سنواتٍ بعيداً عن السياسة. لكنني بعد انتهاء ولاية الرئيس السابق، ألفا عمر كوناري، أدركت أن ثمّة مؤشراتٍ غير مطمئِنة على الوضع في البلاد. كانت طبقتنا السياسية في البلاد منقسمة وترسل إشاراتٍ تبعث على القلق وكان الناس منهمكين في الصراع على السلطة، أكثر من اقتراح برامج وحلولٍ لمشاكل التنمية، لذا قررت الترشح للانتخابات الرئاسية بعد تقاعدي من الجيش كجنرال، مرشحاً مستقلاً وفزت بالانتخابات، ودعوت الجميع، أحزاباً وجمعياتٍ، إلى إدارة البلاد وفقاً لإجماع، وقلت أنه لكل طرفٍ دورٌ في إدارة شؤون البلاد وعلى كل طرفٍ أن يُسهم بكفاءته، بغضّ النظر عن الحزب أو الجهة أو مدى الولاء لي، المهم أن نجلس معاً. صحيحٌ أنني طوال السنوات العشر اكتسبت تجربةً جديدة، حيث زرت دولاً تعاني من الحروب ودولاً صناعية، وأتيحت لي فرصة معرفة الكثير وقراءة الكثير والتفكير والسفر والتعلم.

أحمد ولد أحمدو مامين: هكذا مشاهدينا الكرام ينتهي هذا اللقاء مع السيد آمادو توماني توريه رئيس جمهوية مالي. إلى اللقاء والسلام عليكم.