- أبعاد الأزمة واستهداف الحكومة
- الشأن الداخلي والمجتمع الدولي

صهيب جاسم: مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، اندلعت أعمال عنف ومواجهات في العاصمة التيمورية ديلي في الأسابيع القليلة الأخرى وما يزال الوضع متوترا حتى هذه الساعة وقد اتهمت الحكومة بالمسؤولية وراء دفع الأمور إلى حالتها الدموية الحالية وقد تشابكت العوامل والجذور والأسباب التي صبّت الزيت على نار خلافات قديمة إضافة إلى انشقاق في الجيش التيموري الذي تحول إلى جيشين وقد قيل الكثير ضد الحكومة واليوم نستمع إلى وجهة نظر رئيس الوزراء التيموري مرعي الكثيري، السيد رئيس الوزراء ما الذي حل لبلدكم بعد أربع سنوات عن الاستقلال عنف ومواجهات وفوضى وأعمال شغب كيف تفسر ما حصل؟

أبعاد الأزمة واستهداف الحكومة

مرعي الكثيري - رئيس وزراء تيمور الشرقية: من المهم أن يثار تساؤل عن السبب وراء الأحداث الحالية بعد أربع سنوات على إعلان تيمور دولة مستقلة كقصة نجاح للمجتمع الدولي وبعد سنوات من إشراف المؤسسات الدولية والشركاء المانحين من أنحاء العالم ممن سعوا لاستقلال دولة بحكم رشيد ومؤسسات ديمقراطية ولكن فجأة تواجهننا اليوم أزمة هي في الحقيقة عميقة جدا إنه درس لنا جميعا كي نتعرف على نقاط وحالات فشلنا لنعيد النظر بجدية في السياسات الخاطئة الأهم من ذلك هو أن ما نراه اليوم هو نتيجة لخطة مدبرة مسبقا وأستطيع أن أقول إن الأمر مدبر لأننا منذ عام 2002 وبعد سبعة أشهر فقط على أداء يمين القسم كرئيس للوزراء واجهنا أول تحدي مع أن الأمم المتحدة كانت لا تزال وقتها مسؤولة عن الأمن والدفاع حينذاك كان البعض يثير أعمال عنف مع حلول ديسمبر لعام 2002 وفي عام 2003 وحتى نهاية عام 2004 استطعنا ترتيب مؤسساتنا قبل أن تعود الاضطرابات مرة أخرى مستهدفة الحكومة في عام 2005 وخاصة رئيس الوزراء واجهنا مظاهرات امتدت لفترة أطول قادها رجال الكنيسة الكاثوليكية ومنذ ذلك الوقت ونحن نواجه خططا مدبرة واستغلالا لوسائل الإعلام في تيمور الشرقية وإعلام بعض الدول الأخرى.

صهيب جاسم: ولماذا يدبر كل هذا وهل هم بعض شركائك؟

مرعي الكثيري: ليس من الممكن أن يكون وراء كل هذا أطراف محلية فقط أعتقد أن هناك تدخلا من الخارج وللأسف لا يمكنني أن أصرح بهوية هذه الأطراف أو بأسمائها لأنني مازلت أحاول أن أجمع المعلومات الكافية حول ذلك لكن الأسلوب الذي تم فيه إثارة الأحداث يظهر إحكام التنفيذ والتخطيط.

صهيب جاسم: لكن لماذا تريد بعض الدول إسقاطك لقد تعاونت هذه الدول خلال كفاحكم حتى انفصلتم عن إندونيسيا وحققتم الاستقلال فلماذا يريدون إسقاطك الآن؟

مرعي الكثيري: لم أقل إن المدبرين دول أو حكومات لم أقل ذلك ولكن في كل دول العالم هناك أناس ليسو جزء من حكوماتها لكن لديهم قوة لتدبير الكثير وما حدث في بلدنا يعود إلى أن مجموعات معينة في الخارج تريد أن تحدث اضطرابات.

صهيب جاسم: تتهم تيموريين في الخارج؟

مرعي الكثيري: ليس فقط تيموريين ولكن هناك أجانب.

صهيب جاسم: عندما تحدثنا مع معارضين لحكوماتك قالوا بأن جذور المشكلة تعود إلى السبعينيات مرورا بعام 2001 عندما شُكل الجيش التيموري على أساس عقلية حرب العصابات ولم تؤسس ثقافة جيش وطني وأن الجيش مسيطر عليه من قبل ثواركم السابقين وهناك تمييز ضد مجموعات أخرى فما قولك؟

"
لا يمكن بعد كفاح بطولي من أجل الاستقلال والذي لعبت فيه جبهتنا الثورية الدور الرئيسي أن يقال فجأة إنه لا مكان للجبهة الثورية
"
مرعي الكثيري: كل بلد له جذور وهذا البلد كافح لأربعة وعشرين عاما وجذور هذا البلد مقاتلو التحرير والشعب بشكل عام ولا يمكن تأسيس بلد كافح لربع قرن حتى استقل ثم تُقطع العلاقة بين الحكومة المستقلة ومقاتلي التحرير لأن ذلك سيحدث كارثة كبيرة ولماذا يريد البعض ممن يريدون يعرفون أنفسهم الدور الذي قام به مقاتلو الجبهة الثورية لتحرير تيمور الشرقية؟ لماذا يريدون أن يبعدوا الجبهة عن مجريات الحياة في هذا البلد المستقل؟ هذه كلها أقوال وجدليات مكررة وهذا ما يجعلني أدرك أن هناك تدخل من قِبَل الآخرين، لا يمكن بعد كفاح بطولي من أجل الاستقلال والذي لعبت فيه جبهتنا الثورية الدور الرئيس أن يقال فجأة إنه لا مكان للجبهة الثورية بعد اليوم وعلينا أن نبدأ من جديد مع أناس لم يقاتلوا من أجل الاستقلال.

صهيب جاسم: ولكن ماذا تقول عن الاتهامات بوجود تمييز في المعاملة ضد مَن هم من غرب البلاد أو من غير رجال جبهتكم الثورية؟

مرعي الكثيري: لا أريد أن أعلن موقفاً بهذا الشأن ولكنني أريد أن أذكرك بحقيقة أنه في عام 1999 عندما حصلنا على الاستقلال فعلاً كان لدينا نحو مائة مقاتل من أهل شرق البلاد لكنهم كانوا يعسكرون حينها في المرتفعات الغربية ولم يكونوا من أهل الغرب هذا واقع وقد شكلنا نواة الجيش التيموري من هذه المجموعة ولكننا سعينا مباشرة بناء على سياسة حكومتنا إلى إحداث موازنة في التجنيد بين سكان الشرق والغرب ولهذا جعلنا من مجموعة 1400 جندي هو مجموع عدد الجنود جعلنا ثمانمائة من المناطق الغربية، ما حدث مؤخراً أن ستمائة من هؤلاء الثمانمائة هجروا ثكناتهم وبقي منهم مائتان فأين التمييز؟ وإذا كانت هناك إشكالية في المعاملة اليومية توصف بالتمييز فدعونا نحلها ولكن ليس لهم أن يقولوا إننا نفضل أهل الشرق على أهل الغرب لأننا لا نؤمن بوجود هذا التقسيم فقد قاتلنا من أجل الاستقلال معاً.

صهيب جاسم: عندما ننزل إلى الشوارع وعندما نتحدث مع الناس الكل يخلط الكثير من أسباب الأحداث والقضايا ببعضها في هذه الأزمة المتعددة الأبعاد وأحد هذه الأسباب هو اتهام الناس لك بالفساد المالي والإداري والسياسات الماركسية وأنك تتزعم حكماً شمولياً فما ردك؟

مرعي الكثيري: هذا ترديد لشعارات مُدبّري المؤامرة ولأن الناس يعشون في أوضاع صعبة أما بخصوص الفساد فأقول إننا نعمل على إدارة الثروات كلها وذلك بالتعامل مع البنك وصندوق النقد الدوليين وكذلك مع شركاء التنمية ونتسلم معونات من الكثير من الدول توجّه إلى وزارتي التخطيط والمالية وكذلك مساعدات دول لقطاعات أخرى من الإدارة العامة والأهم من ذلك أنه إذا أردت ارتكاب فساد مالي أو أن أسهِّل الفساد ما كنت قد أسست صندوق نفط تيمور وهذا الصندوق أُسِّس بناءً على سياسة تفادي الفساد وإدارة الثروات بشفافية هذه كلها اتهامات ضدي دون أي أدلة وكذلك هناك مؤسسة للتحقيق في الفساد.

صهيب جاسم: لكن ألا تلاحظ أزمة ثقة عميقة تجاه حكومتك؟ لماذا لا تترك القرار للشعب ثانية؟ لماذا لا يُحَلّ البرلمان وتستقيل حكومتك وتعود لتستفتي الشعب؟

مرعي الكثيري: السبب بسيط ففترة حكمي خمس سنوات وقد بدأت منذ العام الماضي العمل على ترتيب هذا الأمر بمساعدة المجتمع الدولي أولوياتنا في السنوات الأربع الأولى كانت تأسيس أطر قانونية للبرلمان والحكومة والرئاسة وصندوق نفط تيمور حتى تؤدي هذه المؤسسات عملها وفي عامنا الأخير من فترة حكمي هذا بدأنا ترتيب الإطار القانوني للانتخابات، فلماذا يسعون الآن لعرقلتنا؟

صهيب جاسم: ولكن ألم تتأخر في إعداد هذا الأمر بعد أربع سنوات من وجودك في الحكم.

مرعي الكثيري: إذا كنت تتحدث عن الدعوة إلى الانتخابات فإنه تم إقرار أن تُجرى هذه الانتخابات بين شهري أبريل ومايو لعام 2007.



[فاصل إعلاني]

الشأن الداخلي والمجتمع الدولي

صهيب جاسم: لكننا نرى غيابا للحكومة على أرض الواقع حتى من ناحية توزيع المعونات، الجدد الأستراليون هم الذين يوزعون المعونات وليست الحكومة.

مرعي الكثيري: أنت مخطئ لقد وزعنا أطنانا من الأرز وما يقوم به الأستراليون لا يقارن أبدا بما توزعه حكومتنا وما نقوم به.

صهيب جاسم: إذاً هل لديكم المخزون الكافي من الغذاء؟

مرعي الكثيري: ما لدينا من مخزون لم ينتهِ بعد ولكن بسبب تدهور الأوضاع استوردنا ما بين ألف وخمسمائة وألفي طن وقد وصلت أولى الشحنات اليوم إلى الميناء.

صهيب جاسم: البعد الآخر في الأزمة أنه عندما يثور غضب الناس ويخرجون للثأر من آخرين الكثير من الأفكار تشوش عقولهم مع غموض الأوضاع في ظل نسبة مرتفعة لعائد العاطلين والفقراء والأميين من مجموع السكان ما الذي أنجزتموه لرفع مستوى المعيشة وتعليم الناس للارتقاء بعقليتهم خلال أربع سنوات؟

مرعي الكثيري: إنها إشكالية التعامل مع توقعات عامة الناس ففي وضع كهذا ظل الناس يكافحون لمدة أربعة وعشرين عاما ويعتقدون أن كل شيء سيجهز خلال عام أو عامين أو ثلاثة أعوام لكن ليست هناك دولة في العالم استطاعت إنجاز كل هذه الطموحات خلال أربع سنوات حتى الدول الغنية في العالم وهذه إشكالية وهناك مَن يستغلون هذه الأوضاع لصالحهم ولكنك يمكن أن تلاحظ التحسن في الريف وحتى في ديلي العاصمة وفي غير الظروف الاستثنائية الحالية استفادت العاصمة ديلي خلال السنوات الماضية كثير من الناحية الاقتصادية ولكن من المستحيل مع وجود نمو سكاني بنسبة 4% سنويا في ديلي خاصة مع الهجرة إليها من الريف ومع هذه النسبة نحن بحاجة إلى نمو في الناتج المحلي بنسبة تتراوح ما بين 6% إلى 7% لمواجهة النمو السكاني وهذا يستلزم ميزانية تبلغ مائتين وخمسين مليون دولار سنويا ولأول مرة هذا العام بدأنا تحقيق هذا المستوى المالي من الثروات ونرتب لميزانية العام المقبل بما يتراوح بين مائتين وأربعين إلى مائتين وخمسين مليون دولار وهذا جهدنا لندفع بالنمو من خلال الإنفاق العام، قبل ذلك ظللنا نعتمد كليا على المعونات الأجنبية هذا هو واقع حكومتنا في هذه المرحلة فالجهات التي تقدم المعونات الأجنبية لم تكن لتقبل بأي حال أن تقدم ميزانية سنوية تتعدى ما قدره نحو سبعين مليون دولار.

صهيب جاسم: إذاً هل تخلّى المجتمع الدولي عنكم كدولة حديثة الاستقلال؟

مرعي الكثيري: لا أقول ذلك فلهم رأيهم في أننا نفتقد القدرة على استيعاب ميزانية أكثر من سبعين أو ثمانين مليون دولار سنويا ويعتقدون أن قدرتنا على إدارة ميزانية كبيرة لا تزال بطيئة لكن هذه الإمكانات يمكن جلبها من مصادر خارجية.

صهيب جاسم: هل حصلتم أو ستحصلون على النفط الذي تسيطر عليه أستراليا؟

مرعي الكثيري: نعم وهذا هو هدف تأسيس صندوق النفط التيموري لكن هذا الصندوق بدأ عمله فقط قبل 11 شهرا.

صهيب جاسم: ألا ترى أن الاستراليين جاؤوا لحماية حكومتك طمعا في نفط البلاد؟

مرعي الكثيري: جاؤوا إلى هنا بناء على طلبنا وأفضل أن لا أخوض في مثل هذا الأمر فنحن مازلنا نتفاوض مع أستراليا وقد كانت مفاوضات صعبة للغاية حيث يعتبروني الأصدقاء الاستراليون مُفاوِضا عنيدا ولا أدرى هل يحبني الاستراليون أم لا.

صهيب جاسم: هل سيسقطونك لأنك لا تريد إعطاءهم النصيب الأكبر من النفط؟

مرعي الكثيري: لا أدرى إن كانوا يريدون بقائي أم لا لكن الغريب بالنسبة لي هو أنني أعمل ما بوسعي لخدمة مصالح الناس لكن البعض وهم قلة يقولون إنني لم أعمل لصالح هذا البلد وهذا أمر طبيعي ففي كل بلد يحدث هذا الأمر.

صهيب جاسم: كيف تقيم علاقاتك مع الرئيس زانانا جوسماو؟

مرعي الكثيري: كعلاقة شخصية تربطنا علاقة جيدة ولكن لبلد حديث التأسيس لابد من تطوير آلية تنظم العلاقة بين مؤسستي الرئاسة والحكومة وهذه الآلية شهدت فشلا إلى حد ما وخاصة خلال الشهرين أو الأشهر الثلاثة الماضية وذلك لصعوبات في التواصل بيننا ولكن هذا لا يعني أن هناك صراعا قويا على السلطات بيني وبين الرئيس وأستطيع أن أؤكد لك أنه ليس هناك صراع بيننا ما نحتاج إليه هو أن نقوي آلية التعاون والتنسيق بيننا.

صهيب جاسم: كيف تشعر وكيف ينظر الناس إليك كمسلم من أصل عربي يتزعم دولة بأغلبية كاثوليكية؟

مرعي الكثيري: دائما ما يُستغل هذا الأمر في الدعاية ضدي فأنا مسلم ومن أصل عربي وهذه هي حقيقتي لكنني أحد الذين أسسوا لهذا الاستقلال وهذه حقيقة معروفة ولا يمكن لأحد إنكارها وليس هناك الكثير ممن قاموا بتحقيق هذا الاستقلال.

صهيب جاسم: ألا تخشى حربا أهلية إن لم تتوصل أنت والنخبة السياسية إلى حل؟

مرعي الكثيري: سأفعل كل ما هو ممكن لتفادي حرب أهلية وهذه هي مهمتي الأولى لأنني أنتمى لحزب الأغلبية في هذا البلد فلدينا على الأقل مائتان وعشرون ألف عضو إضافة إلى المتعاطفين مع جبهتنا الثورية من مجموع عدد السكان البالغ مليون نسمة وهذا يعني أنه لو تعمل قيادتنا على منع هجرة الناس من الريف إلى العاصمة ومنع الانهيار الكامل فما أقوم به الآن هو منع كل هؤلاء من التدفق إلى العاصمة وسط كل هذه الأحداث.

صهيب جاسم: سؤالي الأخير إن أنت لا تريد الاستقالة ما الذي ستقوم به هل ستعلن تعديلا وزاريا أم تتفاوض مع القائد المعارض ألفريدو ما هي خطوتك القادمة؟

مرعي الكثيري: لا أعتقد أن المشكلة تكمن في الحاجة إلى تعديل وزاري أو إلى استقالتي لو قدمت استقالتي فإن كل أولئك المائتي ألف عضو في جبهتنا الثورية سيعتبرون أنني خنتهم وستحدث كارثة أكبر في هذا البلد وثانيا نحن لسنا بحاجة إلى مفاوضات ولكن إلى حوار نتفاهم من خلاله.

صهيب جاسم: حسنا شكرا لك سيد مرعي الكثيري نشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة وإلى هنا نصل إلى نهاية حوارنا مع رئيس الوزراء التيموري مرعي الكثيري وهذا صهيب جاسم يحييكم من ديلي العاصمة التيمورية والسلام عليكم.