- أبعاد توتر العلاقات الروسية الجورجية
- مستقبل العلاقات الخارجية الجورجية


عمرو عبد الحميد: السلام عليكم ورحمة الله أحييكم من العاصمة الجورجية تبليسي إلى هذه الحلقة من برنامج لقاء خاص الذي نستضيف فيها الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي، السيد الرئيس لنبدأ من تداعيات الأزمة الجورجية الروسية التي يراقبها العالم بقلق وأعني هنا أزمة الضباط الروس الذين اعتقلتموهم واتهمتموهم بالتجسس ثم أفرجتم عنهم، برأيكم هل انتهت الأزمة عند هذا الحد؟

أبعاد توتر العلاقات الروسية الجورجية

ميخائيل ساكاشفيلي - رئيس جورجيا: باعتقادي أن الأمر المتعلق بالضباط وجد طريقه للحل فقد سلمناهم ولم يكن هناك داعي لكل تلك الإثارة والضجة من جانب روسيا فمنذ أن ألقينا القبض على هؤلاء الضباط اتصل بنا أصدقائنا في الغرب البولنديون والأوكرانيون والليتوانيون وعلى الفور كان ردنا إيجابيا على مقترحاتهم بالوساطة أقصد تسليمهم الضباط ليتم بعد ذلك ترحيلهم إلى روسيا وهو ما تم بالفعل، إذاً الضجة كانت مقصودة من السلطات الروسية وموّجهة منها للرأي العام الداخلي، أعلم أن الأوضاع في روسيا صعبة في ظل اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية ومهاجمة جورجيا هي موضة سيما من قبل بعض الساسة الروس الذين يشعرون بحنين للأيام الخوالي التي كانت فيها جورجيا جزء من الإمبراطورية الروسية، ما أريد قوله بشأن قضية الضباط الروس هو أننا في جورجيا وفي روسيا أيضا تعلّمنا درسا جيداً ومن الآن فصاعدا يتعين على الجميع توخي الحذر في تصرفاته.

عمرو عبد الحميد: هذه الأزمة اشتعلت عقب عودتك من نيويورك حيث ألقيتم خطابا حاداً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة انتقدتم فيه روسيا بشدة، كثيرون وفق لذلك يقولون أنكم حصلتم على ضوء أخضر من واشنطن لمهاجمة روسيا.

ميخائيل ساكاشفيلي: بداية لقد مللنا إقناع موسكو بأن سياسية جورجيا لا توّجه من قبل الولايات المتحدة، الشعب الجورجي هو من يوّجه قيادته لأنه انتخبنا ويتوجب علينا مراعاة مصلحته، إنها فكرة عتيقة تلك التي تقول أن الدول الكبرى تُملي أوامرها على الدول الصغرى، نعم لدينا علاقات جيدة من الأميركيين والأوروبيين ومع كل جيراننا عدى روسيا لماذا؟ لأن روسيا تعاني عقدة الجغرافيا، العديد من الساسة الروس لا يزال يجهل ربما عن عمد أين تنتهي حدود روسيا تلك هي المشكلة، أقول لكم بكل ثقة إننا لا ننسق مع أحد فيما يتعلق بسيادتنا عدى ما نراه مفيدا لمصالحنا القومية إنها قاعدة أساسية للقادة المنتخبين ديمقراطيا، لقد تشاورنا مع أصدقائنا الأميركيين والأوروبيين بشأن الضباط الروس وأردنا التشاور مع روسيا لكن موسكو لم ترغب في فتح قناة حوار، نعم استمعنا لرأي أصدقائنا بخصوص حل القضية دبلوماسياً، لقد نصحونا ولم يأمروننا، روسيا لجأت إلى الولايات المتحدة فتلقت رداً واضحا عليكم التفاهم مع الجورجيين فنحن لا نستطيع فرض شيئا عليهم وقد أصاب الأميركيون لأنهم لا يأمروننا ونحن نملك القدرة على حل مشكلاتنا بأنفسنا.

عمرو عبد الحميد: كيف ترون القرار الأخير الذي اتخذته روسيا بوقف جميع وسائل النقل مع جورجيا؟

ميخائيل ساكاشفيلي: عشنا في الماضي مثل هذه المشكلات وأعتقد أنها ستُحل خلال فترة قصية، لقد مررنا بمشكلات تتلق بالطرق البرية والبحرية والجوية وسنجد لكل مشكلة حلاً، الجورجيون في الوقت الراهن يسافرون إلى تركيا والدول الأوروبية أكثر من سفرهم إلى روسيا وأتمنى أن يتوجهوا مستقبلا إلى الدول العربية أيضا، بهذه الطريقة سيُدرك الروس عدم جدوى وسائل الضغط التي اختاروها ربما هذه مجرد انفعالات عصبية لن تؤثر على العلاقات بيننا.

عمرو عبد الحميد: من الواضح أنكم ترغبون في خروج قوات حفظ السلام الروسية من منطقتي النزاع مع أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية لكن ألا يعد ذلك مقدمة لتدخل عسكري جورجي؟

"
هدفنا الأساسي هو دعم اقتصادنا، فمعدلات النمو لدينا تزداد تدريجيا بفضل الاستثمارات الأجنبية وبخاصة الأوروبية، وأؤكد أننا لا نفكر في شن حرب فبلدنا في حاجة إلى الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي
"
ميخائيل ساكاشفيلي: كلا على الإطلاق، هدفنا الأساسي حاليا هو دعم اقتصادنا، معدلات النمو لدينا تزداد تدريجيا بفضل الاستثمارات الأجنبية وبخاصة الأوروبية لا نرغب في أن نفقد ذلك كله لو نشب نزاع عسكري، الوقت في صالحنا هل تعلمون أن ستين ألف شخص فقط يعيشون في منطقتي النزاع في أبخازيا وفي أوسيتيا الجنوبية بينما يبلغ عدد سكان جورجيا خمسة ملايين نسمة، لذا أعتقد أن هؤلاء وهم أغلبية سيتحلون بالصبر وسيواصلون السعي لتحسين ظروف حياتهم ليأتي اليوم الذي يحمل حلا لهاذين النزاعين بعد ثلاثة أو خمسة أعوام ربما، الوقت في صالحنا والمتاجرة بهذه القضية لا معنى لها، ثمة مَن يردد دوما أننا نهاجم أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية بعد شهر أو شهرين، أسمع هذا الكلام منذ اليوم الأول لتسلمي الحكم وكما ترون لم يحدث شيء لكننا في الوقت نفسه لا نرغب أن يقوم أحد باستفزازنا، المنطقة لا تحتمل حرباً أهلية جديدة والحديث عن الحرب في حد ذاته غير مقبول، أؤكد أننا لا نفكر في شن حرب فبلدنا في حاجة إلى الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي.

عمرو عبد الحميد: هل ترون قوات حفظ السلام الروسية عامل استقرار بين طرفي النزاع؟

ميخائيل ساكاشفيلي: لا نعتبرها عامل استقرار لذا نرغب في رحيلها، وجود هذه القوات يتسبب في مشكلات عديدة وأنا أضمن أن رحيلها لن تترتب عيه تداعيات سيّئة، السكان في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية مواطنون جورجيون وما جرى من نزاع مسلح في أبخازيا بداية التسعينيات يمكن علاجه بفتح قنوات حوار وبناء علاقات إنسانية وتجارية لكن وجود القوات الروسية يعيق ذلك، إني واثق من رحيلها عاجلاً أم آجلاً كما هو الحال بالنسبة للقاعدتين العسكريتين الروسيتين في جورجيا، بالمناسبة نحن لا نعترض أن يكون للروس دور في حل مشكلتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية لكن شريطة أن يتم ذلك دون المساس بسيادتنا أو استقلالنا.

عمرو عبد الحميد: أتعتقدون أن روسيا تسعى لانفصال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية عن جورجيا؟

ميخائيل ساكاشفيلي: إنه ليس اعتقادنا نحن فقط الروس أنفسهم يعلنون ذلك بوضوح تام، قد يكون مجرد انفعال منهم إذ أن حظوظ انفصال هاذين الإقليمين معدومة، إننا نسيطر على 30% من أبخازيا وأكثر من 60% من أوسيتيا الجنوبية لذا يبدو من المستحيل عملياً انفصالهما عن التراب الجورجي، ما يردده القادة الروس بهذا الصدد مجرد متاجرة سياسية وأنا كسياسي أتفهم دوافعهم، الأفضل أن يمتنعوا عن تصريحات من هذا النوع لأن العواقب قد تكون وخيمة، نحن مستعدون للحوار معهم رغم صعوبة ذلك لكن عموماً لا شيء مستحيل في عالمنا.

عمرو عبد الحميد: هل أنتم واثقون من دعم الغرب لكم في حال مناقشة أزمة أبخازيا في مجلس الأمن؟

ميخائيل ساكاشفيلي: متأكد تماماً من سلامة وأحقية وقفنا وكلي ثقة من دعم أصدقائنا الأميركيين والأوروبيين وهم ليسوا الوحيدين الذين يدعموننا، في آخر مناقشة لهذه القضية رجح صوت جواتيمالا الكفة لصالحنا، الدول الصغيرة أيضاً تتفهم موقفنا وفي النهاية لن يصح إلا الصحيح.

عمرو عبد الحميد: لنعد من فضلكم إلى قضية الضباط الروس التي أشعلت الأزمة مع موسكو، هل من رسالة أردتم توجيهها إلى روسيا؟

ميخائيل ساكاشفيلي: لقد حذّرنا الروس عدة مرات كي يتوقفوا عن الأعمال التخريبية في جورجيا، للأسف ثمة من في موسكو من لم يستمع لتحذيراتنا لذا كنا مضطرين لاتخاذ هذه الخطوة سيّما وقد أصبحنا على قناعة تامة بأنهم يخططون لشيء ما، بلدنا مستقر ومستوى الجريمة فيه منخفض جداً ونحن لا نرغب بالطبع فيما يمكن أن يؤثر على أمن بلدنا ومواطنينا، إنه درس جيد ومفيد للجميع وقبل كل شيء استفادت منه أجهزتنا الأمنية ونظيرتها الروسية، أعتقد أن الروس سيتوخون الحذر في المرة القادمة.

عمرو عبد الحميد: السيد الرئيس متى تنوون الانضمام إلى حلف الناتو وهل تعتقدون أن حظوظكم كبيرة في هذا الخصوص؟

ميخائيل ساكاشفيلي: أعتقد أن حظوظنا كبيرة جداً لكننا في الوقت ذاته ندرك أنها عملية تتطلب وقتاً طويلاً، لسنا في عجلة من أمرنا ولا نصر أن نحصل غداً على عضوية الناتو قد يحدث ذلك خلال السنوات القليلة القادمة، طبعاً أتمنى حدوثه في عهدي لكنه ليس الهدف الأوحد لدينا أهداف أخرى مثل الاندماج في أوروبا وتحقيق نمو اقتصادي كبير، اندماجنا في أوروبا سيعيدنا إلى جذورنا الحقيقية التي فصلنا عنها الاتحاد السوفيتي، هل تعلمون أننا حُرمنا التواصل مع جارتنا تركيا طيلة العهد السوفيتي وهكذا الحال بالنسبة لجيراننا من الدول العربية، كل هؤلاء كانوا خارج نطاق معرفتنا والذنب ليس ذنبنا كنا مجبرين على ذلك، أعتقد أن اندماجنا مع أوروبا سيفتح لنا قنوات حوار وسيساعد في بناء علاقات مع جيراننا وسيعيدنا إلى جذورنا المشتركة.

عمرو عبد الحميد: عندما تتحدثون عن الانضمام للناتو تنسون كبار السن من الجورجيين الذين واجهوا أعداء الاتحاد السوفيتي على الدوام.

ميخائيل ساكاشفيلي: لم يحارب أحداً منّا ضد حلف الناتو وعدا ذلك فقد شعبنا عدداً كبيراً من أبنائه في معسكرات التعذيب في سيبيريا إبان عهد ستالين، الحقيقة أن جورجيا كانت تسعى منذ زمن طويل لنيل الاستقلال ولا يشعر الجورجيون بما فيهم كبار السن بحنين إلى العهد السوفيتي، جدي وجدتي ما زالا على قيد الحياة وأؤكد لكما أنهما لا يشعران بحنين للحقبة السوفيتية أما أنا فقد نشأت في هذه الأجواء.

عمرو عبد الحميد: مشاهدينا فاصل قصير نعود بعده لمتابعة لقاءانا مع الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي ابقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

مستقبل العلاقات الخارجية الجورجية

عمرو عبد الحميد: أرحب بكم من جديد ونواصل هذا اللقاء الذي نجريه مع الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي، على الدوام يقف خلفكم علم الاتحاد الأوروبي جنباً إلى جنب مع علم جورجيا في أي مرحلة يسير اليوم انضمامكم للاتحاد الأوروبي؟

ميخائيل ساكاشفيلي: إنها عملية متفاعلة لا عودة عنها لقد انتهينا من اتفاقية تقارب مع الاتحاد الأوروبي تتيح لنا منافذ للسوق الأوروبية إضافة لتوطيد العلاقات في مجالات شتى، عندما نتحدث عن توجهاتنا نحو الاتحاد الأوروبي فليس المقصود فقط الانتماء الجغرافي لأوروبا بل لأنظمتها الديمقراطية الشفافة ولما فيها من حريات عامة وحرية لاختيار المعتقدات الدينية، نعم الأمور ليست وردية في بعض الدول الأوروبية لكننا نشعر حقاً بأننا أوروبيون، هناك عوامل كثيرة تجعلنا نتبنى التوجه إلى أوروبا.

عمرو عبد الحميد: وزير الدفاع الروسي السيد إيفانوف اتهم أعضاء جدد في الناتو بإمداد بلادكم بأسلحة سوفييتية الأمر الذي يعد غير قانوني، ما تعليقكم؟

"
نسعى بكل قوة ليصبح جيشنا محترفا ومجهزا بالأسلحة الأوروبية والأميركية رغم صعوبة ذلك بسبب ارتفاع أسعار هذه الأسلحة ووجود حظر على بعض أنواعها
"
ميخائيل ساكاشفيلي: لو نظرتم إلى جيشنا ستجدونه أصغر جيش في المنطقة مقارنة بجيش أرمينيا وجيش أذربيجان فما بالك بجيش أوكرانيا أو روسيا ومع صغر حجم جيشنا إلا أنه جيش حديث لذا آخر همنا الحصول على أسلحة سوفييتية، نسعى بكل قوة ليصبح جيشنا محترف ومجهز بالأسلحة الأوروبية والأميركية رغم صعوبة ذلك بسبب ارتفاع أسعار هذه الأسلحة ووجود حظر على بعض أنواعها ومع ذلك نواصل العمل لإعادة تأهيل جيشنا وبالتأكيد لن يتم ذلك بواسطة الأسلحة السوفييتية العتيقة التي فقدت مميزاتها بفعل الزمن أما ما نملكه من تلك الأسلحة فهو أمر مفروض علينا ونتعامل معه مضطرين.

عمرو عبد الحميد: وزير دفاعكم يقول إن الجيش والأجهزة الأمنية الروسية فقدت ما كانت تملك من قوة هل يعني ذلك أن جورجيا تستطيع مواجهة روسيا؟

ميخائيل ساكاشفيلي: الأفضل أن لا تسعى روسيا لنزاع عسكري أما نحن فلا نفكر مجرد التفكير في ذلك ولا أعتقد أن أحد في روسيا يفكر جدياًً في مواجهة عسكرية ضد جورجيا، نحن نعيش في القرن الحادي والعشرين وتجاوزات من هذا النوع صعب تحقيقها، نعم ما تستخدمه روسيا ضدنا من حصار اقتصادي يعود لبقايا القرن الماضي لا أريد مجرد التفكير أن الأمر قد يبلغ حد مواجهة عسكرية إنه أمر غير واقعي.

عمرو عبد الحميد: ماذا شعرتم عندما تحدث الروس عن وقف سحب قواعدهم من جورجيا؟

ميخائيل ساكاشفيلي: سيعود هذا الأمر كما كان خلال أيام.

عمرو عبد الحميد: هذا يعني أنكم متأكدون؟

ميخائيل ساكاشفيلي: متأكداً تماما.

عمرو عبد الحميد: أنتم مستعدون للقاء الرئيس بوتين؟

ميخائيل ساكاشفيلي: التقينا بداية العام ثم التقينا ثانية في شهر يوليو، كان من المقرر أن ألتقيه مرة أخرى لكنه أجل اللقاء من طرفه، المشكلة ليست في شخصي أو شخص بوتين بل هي مشكلة مبدئية بحتة، هناك في روسيا من يعتقد أن جورجيا لا تستحق أن تكون دولة حرة أو أن تمتلك سياسة خارجية مستقلة في المقابل نحن نرى أن بمقدورنا أن نفعل ذلك ونحتفظ في ذات الوقت بعلاقات طيبة مع روسيا، المشكلة أن الروس لا يعتقدون بإمكانية أن يتلازم الأمران، لا يتخيلون ذلك أو ربما لا يرغبون في تخيل ذلك إنها وجهة نظرهم التي لا نتفق معها، بالمناسبة لماذا لا ينظرون إلى التحولات التي مرت بها بنجاح تركيا وليتوانيا وبولندا؟ لماذا يعتقدون أن جورجيا ستفشل؟ أعتقد أن الأمر يمكن في موجود حاجز نفسي لدى البعض وعليهم تجاوزه بالتدريج، إني على ثقة بأنهم سيعبرونه.

عمرو عبد الحميد: عندما جئت لإجراء هذا اللقاء مررت بشارع يحمل اسم الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش هل يمكن مستقبلا أن يحمل أحد شوارعكم اسم الرئيس الروسي بوتين؟

ميخائيل ساكاشفيلي: حقيقة لا أعرف ربما يحدث ذلك يوما ما، عندما زارنا رئيس الوزراء الكويتي اقترح البعض في حكومتنا أن نطلق اسمه على أحد شوارعنا، لقد عشت في شارع يحمل اسم بكين، بدّلت السلطات السوفييتية الاسم في فترة تأزمت خلالها العلاقات مع الصين واليوم أعدنا الاسم القديم، إطلاق اسم بوش على شارع هو تعبير عن امتناننا لزيارته جورجيا في ظروف تتعرض فيها لضغوط خارجية شديدة، لقد قال في حق شعبنا كلمات طيبة أسعدت الجميع حتى معارضي السياسة الأميركية لذا أقول إنها لفتة تبرهن على انفتاحنا على العالم ولا تُعد علامة على توجه سياسي أحادي.

عمرو عبد الحميد: في مساعيكم للانضمام إلى العالم الغربي ألا تعتقدون أنكم تتجاهلون التاريخ والجغرافيا التي تجعل روسيا الأقرب لكم؟

ميخائيل ساكاشفيلي: ليست وحدها روسيا الأقرب إلينا جغرافيا العالم العربي أيضا وتركيا وإيران، لقد زرت إيران حيث يعيش آلاف الجورجيين الذين يشبهون الإيرانيين في العادات وحتى في الملامح ونفس الشيء بالنسبة للأتراك والعرب، أقول لكم إن تاريخنا يمتد لأكثر من ألفي عام أما تاريخ روسيا فحوالي ثلاثمائة عام فقط، لقد ظهر الجورجيون كقومية نتاج تأثير حضارات وثقافات مختلفة من جيراننا الفرس والعرب والإمبراطورية العثمانية وغيرها، روسيا نشأت لاحقا في وقت كانت القومية الجورجية موجودة منذ عقود طويلة ومع ذلك ثمة ما يجمعنا مع الروس إنه الماضي القريب الذي لا نرغب في أن نفقد حسناته القليلة، روسيا عن طريق سياستها تفقدنا وتدفعنا بعيداً عن مجالها أعتقد بضرورة الإعراض عن تلك السياسة لتصبح علاقتنا على أسس حضارية.

عمرو عبد الحميد: كنت مواطنا سوفيتيا؟

ميخائيل ساكاشفيلي: بالطبع.

عمرو عبد الحميد: كالسيد بوتين؟

ميخائيل ساكاشفيلي: بالتأكيد لكن الفرق بيننا أني لا أشعر بحنين إلى الاتحاد السوفيتي، بوتين قال ذلك عدة مرات أما أنا فأقول أن يوم انهيار الاتحاد السوفيتي كان أسعد أيام حياتي، أنا وبوتين مختلفان في وجهات نظرنا وهذا أمر طبيعي خبراتنا الحياتية والعملية مختلفة، رغم أني لم ألتحق بعمل في العهد السوفيتي في المقابل خبرت جيداً الاضطهاد الذي ساد آنذاك فقد تعرّض عدد كبير من أفراد عائلتي للتعذيب والملاحقة منهم مَن ساعده حظه فعاد من معسكرات الاعتقال في سيبيريا بعد سنوات ومنهم مَن قضى نحبه هناك، لقد تأثرت كثيرا بما رواه لي جدي بهذا الخصوص.

عمرو عبد الحميد: تصريح الرئيس بوتين الذي اتهمكم فيه بممارسة إرهاب الدولة هل أثّر في اتخاذ قراركم الإفراج عن الضباط الروس؟

ميخائيل ساكاشفيلي: قرار الإفراج عنهم اتخذناه قبل ثلاثة أيام من تصريح الرئيس الروسي، بوتين كان على علم بقرارنا لذا أرى أن اتهامه لنا مجرّد انفعال زائد وأكثر من ذلك أقول إننا نسقنا القرار معه ولم يكن أبداً سرا بالنسبة له، ربما أراد بوتين توظيف الأمر للرأي العام الداخلي في بلاده واعتقد أن الأمور ستهدأ تدريجيا.

عمرو عبد الحميد: لنعد لو سمحتم لمشكلة إقليم أبخازيا، وفقا لكلام وزير الدفاع الروسي 90% من الأبخاز لديهم جنسية روسية كيف سيكون مصيرهم في حال أخضعتم أبخازيا لسلطتكم؟

ميخائيل ساكاشفيلي: أبداً، لقد طردوا الجميع من هناك وفرضوا على من تبقى الحصول على الجنسية الروسية وبهذه الطريقة يمكن أن يمنحوا الجنسية لمواطني قطر أو استراليا إن ذلك لا يعطى بالضرورة روسيا حق التدخل العسكري في هذين البلدين، التاريخ يعرف أحداث مشابهة استُخدمت تلك الوسيلة لأغراض سياسية لكن النهاية كانت سيئة ولا يجب أن يلجأ أحد ما إلى هذه الوسيلة في القرن الواحد والعشرين.

عمرو عبد الحميد: ما يقرب من ثلاثة أعوام انقضت منذ انتصاركم في ثورة الورود، كثيرون يؤكدون أن فشلكم في حل المشكلة الاقتصادية يدفعكم للبحث عن عدو خارجي في صورة روسيا ما مدى صحة ذلك من وجهة نظركم؟

ميخائيل ساكاشفيلي: بلغة الأرقام الواقع مختلف عمّا تقولون فمثلا حققنا العام الماضي نمو اقتصاديا نسبته 10% بينما النسبة في روسيا بلغت 6% رغم ما تجنيه موسكو من أرباح خيالية بفضل ارتفاع أسعار النفط، في العام الحالي ستزيد النسبة في جورجيا وستبقى في روسيا كما هي، إننا نبني مدارس ومعاهد ومشافي أكثر من روسيا مقارنة بعدد سكاننا.

عمرو عبد الحميد: في حوار معكم قبل ثلاث سنوات قلتم لي أن جورجيا ستوطد علاقاتها مع الدول العربية لكنكم لم تزوروا أي بلد عربي حتى الآن؟

ميخائيل ساكاشفيلي: لم يوّجه لي أحد الدعوة، فقط تلقيت مؤخرا دعوة من أمير الكويت وسألبيها بكل سرور، لقد زارنا رئيس الوزراء الكويتي واتفقنا على إقامة عدة مشاريع منها شق طرق، عندما زارنا الكويتيون قالوا بدهشة لم نكن نعلم أن جورجيا قريبة منا إلى هذا الحد، الرحلة بالطائرة من الكويت إلى تبليسي تستغرق أقل من ساعتين، نحن أيضا كنا نتخيل في العهد السوفيتي أن العالم العربي بعيداً جداً عنا، بالمناسبة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي أحترمه عولج عدة مرات في إحدى المصحات الجورجية في منطقة سخالتوبا وفي كل مرة كان يصل عن طريق موسكو ثم تقله طائرة أخرى إلى تبليسي ثم يطير مرة ثالثة إلى حيث المصحة، كانوا يرهقونه بدلا من التوجه مباشرة من القاهرة إلى تبليسي، أريد القول أن طباعنا كجورجيين شبيهة بطباعكم كعرب يصعب أن تجد مفتاح القلب لكن إن وجدته ستكسب ود وثقة صاحبه هكذا نحن ومن المؤكد مستقبلا أننا سنجد نقاط تلاقى مع العرب.

عمرو عبد الحميد: الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي شكرا جزيلا لكم، مشاهدينا وحتى اللقاء في حلقة قادمة لكم كل التحية من فريق البرنامج ومني عمرو عبد الحميد دمتم بخير.