مقدم الحلقة

فيصل القاسم

ضيف الحلقة

فيدل كاسترو - الرئيس الكوبي

تاريخ الحلقة

18/05/2001

- النظام الكوبي والديمقراطية
- مستقبل كوبا بعد كاسترو

- كاسترو وصندوق النقد والبنك الدوليان

- موقف كوبا من قضية فلسطين

- موقف كوبا من حصار العراق

فيدل كاسترو
د. فيصل القاسم
فيصل القاسم: تحية طيبة مشاهدي الكرام في هذا اللقاء الخاص مع فخامة الرئيس الكوبي فيدل كاسترو.. أهلاً وسهلاً بكم سيادة الرئيس في الدوحة، وفي قناة (الجزيرة) تحديداً، إذا بدأنا بالديمقراطية سيادتكم كيف تردون على الذين يتهمون النظام الكوبي أنه يعيش -في واقع الأمر– خارج العصر، مثل العديد من الأنظمة العربية، فهم -مثلاً– يتهمون هذا النظام بأنه نظام شمولي معاد للديمقراطية، كل هذه الاتهامات -وغيرها– تساق ضد هذا النوع من الأنظمة، ماذا تقولون لهم؟

النظام الكوبي والديمقراطية

فيدل كاسترو: لا أحب إصدار الأحكام على النظام السياسي لأي أحد –وخاصة العرب– ولكني بالطبع أستطيع التحدث باحترام عن أي منها، وقد قلت إن البعض يُشير إلى أن نظامنا يعيش خارج العصر.. ويتبادر إلى ذهني في هذا المقام، أن أقول: إنهم محقون في قولهم هذا، لأن كلاهم –هو من قبيل إصدارهم أحكاماً علنية وأنا أتحدث هنا عن نظام حديث يستند إلى عصور ما قبل التاريخ، فنحن نشعر أننا أكثر تقدماً من عصور ما قبل التاريخ، لذلك فمثل هذه التهم لا يمكن إثباتها عند إجراء أي تحليل جاد للواقع، وأعتقد أن نظامنا هو نظام ما بعد حداثي.. وإذا كان النظام الذي يصفونه هو نظام حديث فإن نظامنا هو نظام ما بعد الحداثة وأنا أعتقد أن الإنسانية تعيش في الماضي، في عصر ما قبل التاريخ، وأعتقد أن النظام الديمقراطي الحديث والمزعوم، ليس سوي نظام عفى عليه الزمن، ولم يعد صالحاً بسبب التقادم..

فيصل القاسم [مقاطعاً]: آسف على المقاطعة لكن هل تريد أن تقول في هذه الحالة.. أن العالم المتمدن أو لنقل الغربي على خطأ، وإن نظامكم على صواب! قلت قبل قليل إن نظامكم نظام ما بعد الحداثة وسابق لعصره بكثير، كيف يتوافق ذلك مع حقيقة ليس لديكم تعددية حزبية، ولا ديمقراطية، أما على الصعيد الاقتصادي فأنتم تعيشون في ضائقة خانقة منذ وقت طويل في واقع الأمر هناك من يقول إن نظامكم ليس أكثر من ديكتاتورية.

فيدل كاسترو: لقد سبق لي القول من قبل إننا يتم الحكم علينا استناداً إلى مفاهيم معينة، ولكنني -على الأقل- تذكرت التاريخ، وكيف بدأت فكرة الديمقراطية، وهناك لحظتان تاريخيتان تذكران عن بدء مفهوم الديمقراطية فقط قيل إن مفهوم الديمقراطية ولد في روما، وإن الكلام عن ديمقراطية أثنيا أصبح كلاماً كلاسيكياً، فقد كانوا يجتمعون في ميدان عام، ومن المحتمل أن ميداناً كهذا لم يكن يتسع لعدد كبير من الجماهير، ولنقل إن اليونان في عهد (ديموس تينوس) كانوا ضيقي الأفق، وإنه لم يتجمع في ذلك الميدان سوى 10% من السكان، ولنقل، مثلاً مجموعة 10 آلاف أو 5 ألف مواطن حر، وكان هناك عشرات الآلاف من المواطنين الذين لم يكونوا يمتلكون أبسط الحقوق و80 ألفاً من العبيد الذين لم يكونوا يملكون حتى أنفسهم وأجسادهم..، هكذا كان مولد الديمقراطية، وهي كلمة شاع سوء استعمالها كثير في الآونة الأخيرة، وبعد ذلك يمكنني الحديث عن بلد يدعي أن المدافع عن الديمقراطية، وهذا البلد هو الولايات المتحدة الأميركية، وهم الذين كثيراً ما يتحدثون عن الديمقراطية، ومصطلح الديمقراطية جاء في مرحلة ثانية من التاريخ، عندما كان هناك حديث عن نظام الحرية يقوم على أساس فكر الموسوعيين قبل الثورة الفرنسية، وقبل استقلال الولايات المتحدة، وفي الولايات المتحدة وفي العام 1676م تم الإعلان الشهير المعروف بإعلان الاستقلال حيث تضمن المبدأ الشهير "أن جميع البشر ولدوا سواسية وأن الله منح البشر حقوقاً معينة"، وهكذا دواليك.. ولكن في عام 1776م كان هناك الملايين من العبيد، فأي حقوق كانوا يملكون ؟ ! وهل كان ينطبق عليهم مبدأ "الكل ولدوا سواسية" وبعد مضي 80 عاماً ونتيجة للحرب الدموية بين الولايات الصناعية في شمالي الولايات المتحدة وتجار العبيد في الولايات الجنوبية، حين ذاك فقط تم إعلان مبدأ تحرير العبيد رسمياً.. وأنا أؤكد على كلمة رسمياً لأننا نعلم الآن أنه كان عبارة عن كذبة كبري، لأن العديدين من أمثال (مارتن لوثركينج ) و (مالكوم إكس) وغيرهم من ذوي الأصول الأفريقية والكاريبية احتاجوا إلى أن يدفعوا حياتهم ثمناً بعد ذلك بوقت طويل من أجل الحصول على بعض حقوقهم الأساسية، هذه الحقوق مازالت – حتى الآن – ضئيلة جداً، ولا يزال الأمريكيون السود يقاتلون الأميركيين من أجل حقوقهم، لأن الآلاف من البشر يُعدمون في الولايات المتحدة على الكرسي الكهربائي وأكثر من 90% من هؤلاء هم من الأميركيين السود، ولا توجد حتى عدالة حتى في أميركا.. البلد الذي يدعي أنه المدافع عن الديمقراطية، وهؤلاء أقاموا نظامهم على ثلاثة أسس وهي الحرية والمساواة والإخاء، وفي بلد تصل ثروة البعض من أفراده إلى 90 مليار دولار وفيه آخرون ينامون تحت الجسور وفي الشوارع يغطون أجسادهم بالجرائد القديمة، لا يمكن الحديث –إذاً– عن الحرية لأمثال هؤلاء.. ولا الحديث عن المساواة.. ناهيك عن الإخاء، لأن أمثال هؤلاء لا يستطيعون حتى القراءة أو الكتابة والذين يعيشون في أحياء خاصة بالسود وذوي الأصول اللاتينية، هل يمكنك الحديث إليهم عن المساواة، والحرية والإخاء!!.. ولا يحدث أي شيء من المساوئ التي ذكرتها في بلادنا.. ففي الولايات المتحدة يوجد حزبان فقط وكل مرشح منهما يحتاج حسب الانتخابات الأخيرة إلى 150 مليون دولار، لا يمكنك إذاً الحديث عن الديمقراطية في ذلك البلد، فالرجل الذي يعيش تحت الجسر ولا يملك مالاً لا يكون بوسعه أن يرشح نفسه لمنصب الرئيس، فأين هي الديمقراطية في ذلك البلد الذي يتهم كوبا بأنها تفتقد إلى الديمقراطية؟!

فيصل القاسم: كنت أود أن أقول في واقع الأمر، أشكرك على هذا الشرح التاريخي الوافي عن الديمقراطية في الولايات المتحدة، لكن على الأقل هناك في أميركا انتخابات فمثلاً شهدت أميركا على مدى وجودك في السلطة لأكثر من 40 عاماً توالي أكثر من 10 رؤساء على الحكم.. هل تعني الديمقراطية، بالنسبة لك في تلك الحالة أن تكون رئيساً مدى الحياة وأن تكون الزعيم الأوحد في كوبا.. أو بالأحرى لماذا اختصرت البلاد في شخصك؟ هذا هو السؤال.

فيدل كاسترو: لقد أوردت بعض الأشياء وكأنها مؤكدة ومحسومة.. وهذا لا يعني أنني أقبل بما أوردته كمسلمات بعضها نعم أقبل به ويمكنني أن أفسرها لك إذا ما أعطيتني الوقت الكافي، نعم شهدت السنوات التي ذكرتها مجيء وذهاب نحو 10 رؤساء في الولايات المتحدة، ولكنهم لم يتمكنوا من هزيمة الثورة الكوبية، لماذا؟ لأننا نملك ثورة ديمقراطية، أما في الولايات المتحدة فقد رأينا لتونا مثالاً على الديمقراطية.. هل تسمح لي بتوجيه سؤال لك؟ من فاز في الانتخابات الرئاسية الأخيرة في الولايات المتحدة؟ وبأي عدد من الأصوات؟ أين الديمقراطية في ذلك البلد؟ وكيف تم الفوز في تلك الانتخابات؟ ! هل يمكنني أن أسألك هذا السؤال؟ قل لي أين هي الديمقراطية في ذلك البلد هل ستكون ديمقراطياً وتعطيني إجابة على هذا السؤال من فضلك، من فاز في الانتخابات الرئاسية الأميركية وكيف تم تحقيق ذلك الفوز، وأياً كان الفائز كيف أمكنه أن يحقق ذلك الفوز؟!

فيصل القاسم: حسناً إذا كان هناك بعض المشاكل في الانتخابات الأميركية الأخيرة، لكن –على الأقل– هناك نوع من النظام الديمقراطي، زد على ذلك أن معظم دول العالم الآن تحاول تقليد النظام الديمقراطي الغربي، أما الشيء الأخر.. فقد قلتها أن كوبا أكثر تقدماً بكثير من بقية دول العالم هذا في الوقت الذي يري آخرون أن بلدكم –في واقع الأمر– يعيش على هامش العالم في حالة حصار..

فيدل كاسترو: لا.. ليس الأمر كذلك.. ولا نعيش على هامش العالم، بل نعيش في هامش عالم تحكمه الأكاذيب والنفاق تحت مسمى الديمقراطية، لقد قلت إن أموراً معينة قد حدثت.. وأنا لا أفهم كثيراً من الأمور التي حدثت في الولايات المتحدة في الانتخابات الأخيرة، وقد سرقت القوة.. قوة أعظم وأقوى دولة قد سرقت!! فالأميركيون السود لم يسمح لهم بالوصول لمراكز الاقتراع ليدلوا بأصواتهم، وتم تبديل تريب أسماء المرشحين في أوراق التصويت، وفي النهاية رفضوا عد الأصوات، لأن المحكمة العليا وبأسلوب ديمقراطي جداً رفضت ذلك لأنها تميل إلى جانب أحد الحزبين المتنافسين وقررت أن تكون النتيجة لصالح أحد الطرفين، وأنه لا يمكن عد الأصوات، ولهذا نجد أمامنا هذه الإدارة الجديدة التي لم تفز في الانتخابات وتلك الانتخابات قد تمت سرقتها، لقد سألت عن كوبا.. ويمكنني إعطاء أجوبة عن كوبا.. حسناً قل لي ماذا تريد أن تعرف عن كوبا.

فيصل القاسم: كنت أود في واقع الأمر أن أسألك سيادة الرئيس، عن الشرعية التي تحكم بها.. ما هي شرعتكم؟ صار لكم في الحكم أكثر من أربعة عقود إلى متى ستعتمد في حكمك على الشرعية الثورية التي جئت من خلالها.. إلى متى؟!

فيدل كاسترو: ولماذا لا يمكنك أن تحفظ في ذهنك وتتذكر.. أن ثورتنا حاربت لأربعة عقود ضد أقوى قوة عظمي،بل هي الأعظم في التاريخ، وتتذكر أن 9 أو10 رؤساء أمريكيين جاءوا وذهبوا وفي كوبا كان هناك رئيس واحد.. فلما كان ذلك.. هل تعتقد أن بإمكانك أن تواجه أقوى قوة في التاريخ، بلد صغير يواجه ولأكثر من أربعة عقود أقوي دولة في العالم، هل تعتقد أن هذا البلد الصغير له أدني فرصة في الاستمرار محكوماً بالقوة وهل تعتقد أن بالإمكان حكم بلدنا بدون إجماع شعبي وهل تعتقد حقاً أنه وفي 42 عاماً كيف كان ممكناً ألا تحدث في بلدنا أحداث شغب وأن نحتاج إلى استخدام الغازات السامة.. والقمع والدبابات أو الاعتداء بالضرب على الناس، ولم نحتج إلى جر الناس في الشوارع من قبل رجال الأمن، كيف تفسر ذلك؟ وما هو الذي نراه كل يوم في الديمقراطيات الغربية إن لم يكن العكس تماماً لم يري أحد الخيل وهي تستخدم لتفرق الجموع في كوبا.. فهل تعرف لماذا؟ لأن بلدنا يحكم بالإجماع وبدعم الشعب، فلم يكن بلدنا محكوماً ديمقراطياً فحسب بل محكوماً بالإجماع.. وأنا لا أعلم إن كنت على علم بأننا في كوبا نجري انتخابات كل عامين ونصف، أنت تقول إننا لا نملك نظاماً للتعددية الحزبية في كوبا، هل تعتقد أن هناك في الولايات المتحدة نظاماً للتعددية الحزبية، وهل تعتقد أن حزبين متماثلين تماماً في أساليبهما ومنابرهما يمثلان اختلافاً.. نعم في بلدنا هناك حزب واحد فقط ولكنه حزب لا يطرح مرشحين فهل كنت تعلم ذلك ؟ إنه حزب لا يخوض انتخابات أو ينتخب المرشحين وهل تعلم أن أبناء الحي الواحد يجتمعون كجيران في مكان واحد في اجتماع علني مفتوح، نحن أكثر شبهاً بالديمقراطيات القديمة في أثينا من الديمقراطيات الحالية، أبناء شعبنا يجتمعون في أحيائهم السكنية ويرشحون مرشحيهم في اجتماعات علنية مفتوحة لانتخابات لا يقبل أجراؤها إلا بوجود مرشحين على الأقل وليس أكثر من ثمانية، ومن أفضل من أن يمثل هذه الأحياء من أبنائها أنفسهم، ويقوم الناس بانتخاب ممثليهم من أدنى مستوي في القاعدة في الأحياء.. وهم الذين يشكلون المجالس لاحقاً.. المجالس البلدية، وهذه بدورها ترشح المرشحين لمجالس المناطق والمحافظات، وهذه في النهاية ترشح مرشحين للمجلس الوطني لعموم البلاد، ليشاركوا في الانتخابات العامة، وهذا المجلس الوطني مكون من الممثلين الذين اختارهم الشعب، فلماذا تتحدث عن الديمقراطية وكأنها فقط تتمثل في النظام الذي يصوت فيه الأفراد مرة واحدة كل 4 سنوات، ثم لا يسألون عن آرائهم بعد ذلك، وتتحدث عن الديمقراطية وكأنها تتمثل فقط في النظام الذي يشارك 50%منه في التصويت و 24% أو 25 %فقط من الناخبين ينتخبون الرئيس، وهل يدركون هم في الغرب أن 90% أو 95% من شعبنا يصوتون في الانتخابات، وأنه في بلادنا هناك مشاركة كاملة من الشعب وأكثر من أي بلد آخر في العالم، لأن بلدنا بلد ديمقراطي حقاً، وما نتحدث عنه في الغرب هو ديمقراطية تمثيلية، وما نتحدث عنه هو ديمقراطية المشاركة الشعبية، فلماذا يبقى الاهتمام منصباً على الاتهامات والأكاذيب فقط التي تطلقها الولايات المتحدة.
فيصل القاسم : لا شك أن تلك أفكار وتساؤلات غربية، لكن أود أن أسأل هنا عن ما يسمي بالإجماع فقد سمعت سيادتك تقول ذات مرة أن أكثر من 95 %من الشعب الكوبي يؤيدكم ويدعمكم.. ألا تعتقد أن هناك الكثير من المبالغة في هذا الرقم، فلا يمكن تحقيق هذا الإجماع الكبير حتى في جمهورية أفلاطون الفاضلة وهي في واقع الأمر ليست موجودة لا في الشرق ولا في الغرب.. إن إحصائيتكم التسعينية هذه تذكرني بنتائج الانتخابات العربية حيث يفوز الرئيس بـ 99%من الأصوات، ألا ترى هناك تشابهاً بين مؤيديك وعدد مؤيدي الزعماء العرب.

فيدل كاسترو: هل يمكن أن تعيد الجزء الأخير من سؤالك.. الجزء الأخير.

فيصل القاسم: حسناً.. عندما نقول إن حوالي 95% من الكوبين يدعمونك فإن هذا الوضع يذكرني بنفس الوضع في العالم العربي حيث من المفترض أن يؤيد 99% من الشعب هذا الزعيم أو ذاك..

فيدل كاسترو: لقد سبق وأن قلت إنني لست بوارد لإصدار الأحكام على الأنظمة العربية، ولكنني لم أقل إننا أحظى بنسبة تأييد تصل 95 %، وما قلته هو أن أكثر من 95% يدلون بأصواتهم في يوم الانتخابات، نعم سأتجرأ وأقول إن أكثر من 90% من الشعب تؤيد، ولكن لا تؤيدني، بل تؤيد الثورة، تؤيد ما قامت به الثورة من توفير العدالة الاجتماعية، تؤيد ما أنجزته الثورة وحققته للشعب من مكاسب، وهي تؤيد وطنها إزاء الإمبرياليين الذين يحاولون إخضاعه وتهجينه، تؤيد استقلال وطننا، تؤيد المثل والقيم الأخلاقية التي قامت عليها ثورتنا فهل تعتقد أن بإمكان شخص واحد ولا أتحدث عن نفسي فقط أن يحكم بلداً بمفرده إننا نملك قيادة جماعية فهل تعرف لماذا نحظى بكل هذا الدعم؟ ببساطة لأن كوبا لم تعرف أبداً من قبل العدالة الاجتماعية وفي كوبا لم يكن هناك أبداً مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص للجميع ووحدها فقط الثورة التي جاءت بكل ذلك، في بلدان كثيرة في أميركا اللاتينية لا تحظى الحكومات بدعم شعوبها، لأنك لا تستطيع حكم الشعب رغم أنفه، بل تحكم الشعب بالشعب ومن أجل الشعب ولست مضطراً إلى بذل الكثير من العناء لإدراك هذه الحقيقة وما عليك إلا أن تسأل نفسك هذه الأسئلة ولست بحاجة إلى تصديق كل ما يدعيه الغرب..

فيصل القاسم [مقاطعاً]: آسف على المقاطعة مرة أخرى وبالمناسبة هذه أسئلة عامة وليست خاصة بي سيادة الرئيس تحدثت -قبل قليل- عن.. عن القيادة الجماعية التي تحكم كوبا لكن في الواقع.. أو في واقع الأمر هناك من يقول: إن كوبا يحكمها شخصان فقط (فيدل كاسترو) وأخوه (راؤول) هل هذه مجرد أقاويل.. إننا نسمع مثل.. مثل هذا الكلام في الصحافة.

فيدل كاسترو: هل تعتقد أن شخصان لوحدهما يمكن لهما أن يحكما 11 مليون كوبي، هل هذا هو واقع الحال في العالم العربي، إنها مسؤوليتك أنت أن تقول كذلك.. فأنا لم أقل ذلك.. فأنا احترم الثقافة العربية، وأنا هنا أتساءل.. لماذا الولايات المتحدة عليها أن تأتي إلى العالم العربي وتقول للعرب ما على العرب أن يفعلوه؟ ! هل يتم تجاهل تاريخ الولايات المتحدة، كانت هناك 13 مستعمرة.. مستعمرة بريطانية استقلت بفضل مساعدات بلدان مختلفة، الفرنسيون على سبيل المثال وكذلك الأسبان والكوبيون، وكانت كوبا حينذاك مجرد مستعمرة أسبانية، فالكوبيون ساعدوا الأميركيين على تحرير أنفسهم من الاستعمار البريطاني، وماذا حدث مع المستعمرات الـ 13 هذه، لم يحرروا العبيد، واستغرق الأمر نحو قرن من الزمن لإلغاء قوانين الرق والاستعباد، وتوسعوا غرباً مبيدين في طريقهم السكان الأصليين من الهنود الحمر ووصلوا إلى المكسيك التي كانت عبارة عن مستعمرات أسبانية، من أميركا الجنوبية إلى ألاسكا.. فاستعمروا المكسيك.. جزءاً لا بأس به من المكسيك، هل تعلم أن المكسيك بلد كان في عام 1844م قد حرم من 55% من أراضيه؟! وكيف أن البلد الذي يسمي نفسه قمة الديمقراطية وصرحها الشامخ قد تدخل في أميركا الوسطي وغيرها وإنه حرم كوبا من استقلالها، وهل تعلم أن هذا البلد أصبح أول بلد إمبريالي، بالمعني الحديث للكلمة في العالم، هذا البلد لا يمكن أخذه كمثل لديمقراطية من قبل بلدان العالم الثالث أو العرب، هل تتفق مع قيام الولايات المتحدة بكتابة دستور كل بلد عربي، مثل قطر على سبيل المثال، هل تعتقد أنهم سيقبلون في قطر.. ، هل تعتقد أنهم سيقبلون في قطر هذا البلد الكريم، أن تملي عليه الولايات المتحدة (المجناكارتا) لقد رأينا هنا إدارة نزيهة لموارد البلاد الطبيعة فهل تعتقد بأن قطر بحاجة إلى أن تأتي الولايات المتحدة إلى هنا وتقول لكم أنتم يجب أن يكون لكم 10 أحزاب وهل تجزؤوا قطر إلى أجزاء، أنت لك سمعتك –وكما فهمت– فأنت واحد من أكبر الصحفيين مكانة وبرنامجك يشاهده الكثيرون في أماكن كثيرة لنتحدث.. وليكن حديثاً مفتوحاً وصريحاً.. وأعتقد أننا يجب أن نبدأ ليس بقبول الأكاذيب التقليدية، بل الحقيقة، وبإمكانك أن تضعني في مواجهة الحقيقة وأن تسألني أي سؤال شئت، ولكن أرجوك.. أن تدعني أجيب..

[فاصل إعلاني]

مستقبل كوبا بعد كاسترو

فيصل القاسم: سيادتكم –إذا عدنا– إلى موضوع القيادة الجماعية هل أفهم مما قلته للتو إنك لا تخشى أبداً على مستقبل كوبا عندما تذهب من السلطة لأي سبب من الأسباب؟ فهناك من الناس من يقول إن كوبا هي فيدل كاسترو وفيدل كاسترو هو كوبا، وعندما يذهب كاسترو لا أحد يعلم ماذا سيحدث لكوبا، مثلاً قد يتكرر المثال اليوغسلافي، فعندما ذهب (جوزيف تيتو) تشرذمت يوغوسلافيا لأن كل البلاد كانت مختزلة ومختصرة في شخص واحد ماذا تقول للمشاهدين مستقبل بلدكم عندما تذهب أنت مثلاً.

فيدل كاسترو: هل أبدأ الإجابة من بداية سؤالك أم من نهايته، ولكن أين هي أوجه التشابه بين كوبا ويوغسلافيا، فيوغسلافيا كانت بلداً حاول فيه (تيتو) أن يصنع معجزة تكوين اتحاد يتكون من شعوب مختلفة الأديان والأصول والأعراق، وكان فضل تيتو الكبير أنه استطاع أن يبقي على هذه الشعوب سوية في بلد واحد.. فلماذا تفككت يوغسلافيا الآن؟ ..ولماذا تم جر يوغسلافيا إلى حرب دينية وعرقية دموية، الكل يعلم كيف بدأ كل ذلك.. ومن يضمن أنه لن يحدث المزيد من الحروب في يوغسلافيا.

فيصل القاسم: لا شك أنني اتفق معك تماماً حول شرحك للوضع في يوغسلافيا، لكن ما قصدته أن يوغسلافيا كانت قوية طالما كان تيتو موجوداً، وعندما ذهب تيتو كل شيء تشرذم، وما أعنيه بخصوص كوبا أن البلاد ستظل قوية طالما كاسترو موجود، وعندما يذهب فالأمور لن تكون كما كانت عليه، لن أقول هنا أن كوبا ستنقسم، لكنها على الأقل ستكون شيئاً أخر لأن فيدل كاسترو وضع كوبا حسب تصوراته الخاصة.

فيدل كاسترو: أملي أن تكون كوبا أفضل بعد رحيل كاسترو لماذا؟ لأنه في وقت انتصار الثورة كانت هناك نسبة من الأميين في كوبا تقدر بـ 30% ونسبة خريجي المرحلة الابتدائية كان أقل من نسبة خريجي الجامعات عندنا اليوم، كوبا محت الأمية، وليس عندنا اليوم أمي واحد، ومتوسط معدل الثقافة هو المرحلة المتوسطة، وبلدنا يتوفر على أحد أعلى مستويات الثقافة السياسية في العالم، بلد يسير شعبه نحو ثقافة شاملة، ولم نجد بلداً كبلدنا بهذا المستوى الثقافي العام والمعلومات العامة والمعلومات السياسية ولم يكن هذا حال البلد حين وصلنا إلى الحكم، وأنا سعيد لأن أترك ورائي البلد وفيه شعور إنساني في عال ويقظة غير عالية تجاه الإنسانية، كوبا تنتقد، ولكن عليك أن تجد بلداً أظهر شعبه في الـ 42 عاماً الماضية تضاماً وإخاءً كالذي أظهره أبناء كوبا، والذين يتبعوننا سيجدون أنفسهم أنهم في مستوي ثقافي أعلى من الذين بدأوا الثورة معي سيكونون أفضل تعليماً ولهم رؤى مستقبلية أفضل ولن يكون الشعب منقسماً على نفسه، وفي كوبا لم تكن لدينا فيدرالية مؤلفة من جمهوريات تمثل الشعوب والأعراق المختلفة، كوبا بلد خليط فيه السود والبيض والهنود و الملاتولز، ولكن لديهم ثقافة واحدة فقط، ولغة واحدة، والمعتقدات الدينية واحدة تقريباً، فهي مختلفة، ولكنها تنبع من أصل واحد وهي تجمع بين الديانات الغربية والأفريقية، وبلدنا أكثر تجانس وتوحيدية.

فيصل القاسم: حسناً.. حسناً سيادة الرئيس أنك تبدو متفائلاً جداً حيال مستقبل كوبا، لكن إذا نظرنا إلى الوضع الاقتصادي في البلاد، يرى الكثيرون أنكم تعيشون في ضائقة اقتصادية قاسية، وهناك من ما يجادل ما جئتم من أجل القضاء عليه عام 1959م عاد للوجود الآن في البلاد، فأنتم عدتم لفتح أبواب البلاد أمام الاستثمارات ناهيك عن أن لديكم نسبة عالية من الفقر خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي البعض يقول أن وضعكم الاقتصادي سيئ للغاية وهذه النتيجة الطبيعة لنظامكم الاشتراكي.

فيدل كاسترو: من قال هذا.. ولماذا؟ وكل من قال ذلك قاله وهو يعلم أن بلدنا قاوم أطول حصار في التاريخ فرضته أقوى دولة، وأن بلدنا تعرض للمضايقة، وفرضت عليه العزلة وتعرض للهجوم، ومورس الإرهاب ضده، وقاوم الغزوات من قبل المرتزقة، وواجه حتى لخطر التعرض لحرب نووية، كما تعرض لحرب سياسية، واقتصادية، ونفسية، وإن إيدولوجية وعلى الرغم من أن القوة الأخرى التي فعلت كل ذلك ضد كوبا هي الولايات المتحدة سيدة العالم، لم تتمكن تلك القوة من تركيع كوبا، وها هي كوبا مستمرة في الوجود، لماذا الذين يتحدثون عن كوبا هكذا لا يسألون أنفسهم كيف كان ذلك ممكناً.. ولماذا لا يدركون أن كوبا استطاعت المقاومة وأن فيها أعلى نسبة مدرسين وأعلى نسبة أطباء للفرد الواحد في العالم.. ولماذا لا يقولون إن كوبا هي البلد الذي فيه أعلى نسبة من معلمي ومدرسي التربية الرياضة في العالم، ولماذا لا يقولون إننا نكسب من الميداليات الذهبية ما هو أكثر من البلدان الأخرى في العالم بالرغم الحصار.

فيصل القاسم: لا شك أن الإنجازات التي تحدثت عنها قبل قليل وتحققت في كوبا تبعث على الفخر والاعتزاز دون أدنى شك، لكن السؤال المطروح الآن.. هل يمكن للاشتراكية أن تعيش ثانية فنحن نعرف من.. من (كارل ماركس) أن الاشتراكية لا يمكن أن تعيش في بلد بمفرده، فقد توقع (ماركس) في الماضي أن تنطلق الاشتراكية من بريطانيا مثلاً لتمتد إلى أوروبا ومن ثم إلى بقية أنحاء العالم، أما الاشتراكية اليوم فهي محاصرة فقط في كوبا، فكيف لها إذن أن تستمر بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية، حتى الصين تهجر الاشتراكية شيئاً فشيئاً باتجاه الاقتصاد المختلط نصفه اشتراكي والنصف الآخر على الطريقة الغربية مثلاً.

فيدل كاسترو: إذا كنت تعتقد بأن كوبا هي الدولة الاشتراكية الوحيدة في الغرب، فإنك بذلك تمنحنا شرفاً عظيماً، لأن ذلك سيعني أن كوبا هي الدولة الوحيدة التي استطاعت أن تقاوم وتستمر بنظامها الخاص القائم على القناعة بأن هذا النظام هو الأفضل لبلدنا، وبالطبع يعطينا امتلاكنا لهذا النظام الحد الأقصى من الاستقلالية هل تعلم أي بلد آخر –عدا كوبا– يستطيع الجهر أخري في العالم لها حرية كوبا في قول الحقيقة في أي منتدى دولي، فيما يخص سياسات الولايات المتحدة هل هناك أي بلد ؟ !

فيصل القاسم: لكن بأي ثمن؟! ألم تدفعوا ثمناً باهظاً مقابل هذا الموقف، فالبعض يقول أن ما تفعلونه لا يطعم الشعب خبزاً، فأنتم محاصرون من قبل الولايات المتحدة وليس بإمكانكم الحصول على التكنولوجيا من الغرب، ناهيك عن أنه ممنوع عليكم الانضمام إلى الكتل الاقتصادية الصاعدة في أميركا اللاتينية من السهل أن تقول لا لأميركا وللذين يريدون لنا أن تركع.. ولكن بأي ثمن؟! إنكم تعانون سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.. كل ذلك.. انظر ماذا حدث لإيران مثلاً.. قالوا لا لأميركا.. لكن كان عليهم أن يدفعوا الثمن، وأنتم تدفعون الثمن أيضاً..

فيدل كاسترو: إذن هل عليك أن تقول نعم للأمريكيين، لأنك إذا قلت ستدفع ثمناً أغلى، كلا أنظر لقد قلت بعض الأشياء عن وضعنا الاقتصادي، ودعنا نشرح حجتك لنري ما فيها.. فبلدنا ليس بلداً غنياً، ومع ذلك يمتلك نظاماً عادلاً لتوزيع الثروة، فعلى سبيل المثال.. أي طفل في بلدنا حتى عمر السابعة يتسلم لتراً من الحليب يومياً وهذا يكلف الأباء 1.3 من السنت من الدولار الأميركي وفي بلدنا متوسط العمر هو 76 عاماً، وهو مشابه لمعدل العمر في الولايات المتحدة، ومعدل وفيات الأطفال في بلدنا هو بحدود 7 لكل ألف حالة وفاة وهو أيضاً مشابه لمعدل الوفيات في الولايات المتحدة، وربما أفضل منها، والتطعيم في بلدنا ضد الأمراض نسبته أعلى منه في الولايات المتحدة، فكيف يكون ممكناً لبلد جائع أن يكون لديه مثل هذه النسب المشابهة للولايات المتحدة، وعلاوة على ذلك المستوى الصحي الذي تمتع به بلادنا يساوي وفي بعض الحالات يفوق ما هو معروف في الولايات المتحدة، يفترض أن الغذاء يحميك من الموت جوعاً، ولم نسمع عن فرد في كوبا مات جوعاً !! ومع ذلك هناك أناس جياع في الولايات المتحدة، فما هو السر في أن بلدنا فقير ومع ذلك يستطيع توفير وصيانة هذا المستوى من الصحة لمواطنيه، وكيف يمكننا أن نفوز بالميداليات الذهبية وقد فزنا بآلاف منها منذ انتصار الثورة إذا كان بلدنا يعيش في حالة من البؤس والحرمان والعوز التي يدعيها الغرب عنا، معدلات الصحة، متوسط عمر الأفراد، الرعاية الصحية، معدلات وفيات أطفال متدنية، معدلات منخفضة لوفيات النساء أثناء الولادة، وتغطية صحية للمواطنين وهو شيء نضمن توفيره بغض النظر عن كلفته فمهما بلغت تكاليف الجراحة للقلب والشرايين نحن نضمن توفيرها مجاناً للمواطنين، فكيف إذن نملك نظام رعاية صحية وضمان شامل للكل في بلدنا، ونظام ضمان اجتماعي، وكيف إذن الولايات المتحدة وهي بهذا الغنى لديها 43 ألف مواطن يفتقرون للضمان الصحي.

فيصل القاسم: هذا شيء طيب لا شك، لكن البعض يتساءل لماذا فتحتم حدودكم أمام الآلاف من مواطنيكم الكوبيين كي يهاجروا إلى أميركا.. هناك من يري أن آلاف الكوبيين يريدون التوجه إلى ميامي..

فيدل كاسترو: الولايات المتحدة فتحت أبوابها ونحن واجهنا التحدي، والذين يريدون الذهاب يمكنهم أن يذهبوا، فلسنا نحن الذين نضع العراقيل، والذين يريدون الذهاب يمُنح لهم الأذن، ولكن الولايات المتحدة هي التي لا تسمح بدخولهم، المكسيك ليست بلداً اشتراكياً وهي بلد يتبع نظام اقتصاد السوق، وهي طرف في اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة، ومع ذلك فهناك 20 مليون مكسيكي يعملون في الولايات المتحدة وغيرهم الكثيرون يرغبون في الذهاب وجمهورية الدومينيكان دولة صغيرة لا اشتراكية فيها.. ومع ذلك فإن أكثر من مليون من سكانها يعبرون المضيق ويذهبون للولايات المتحدة، في شمال أفريقيا لا توجد اشتراكية ومع ذلك هناك أعداد كبيرة من تلك المناطق تعبر البحر الأبيض المتوسط للذهاب إلى أوروبا، والأمر كذلك بالنسبة لأوروبا الشرقية، وفي العام الماضي وعلى الحدود المكسيكية الأمريكية مات 490 مكسيكياً أثناء محاولاتهم الدخول إلى أميركا، ولو فتحت الولايات المتحدة حدودها لسكان أميركا اللاتينية، كان نصف سكان أميركا اللاتينية يعيشون في الولايات المتحدة الآن، وما كانوا سيسمون بالضعفاء واللاجئين كما يسمي الكوبيون الآن، وهي تسمية غربية أن يسموا كذلك..!! 180 ألف كوبي يعيشون في أمريكا، ويسافرون إلى كوبا كل عام ولكن يطلق عليهم لاجئون، بينما المكسيكيون يطلق عليهم مهاجرون.. بإمكاني أن أؤكد لك أمراً، إذا فتحت الولايات المتحدة حدودها وهي تملك مستوى عالي للمعيشة والرواتب فيها أعلى بـ 20 أو 30 مرة من كوبا.. ولو فتحت أبوابها لسكان أمريكا اللاتينية لوجدت أن أكثر ما سيبقى في بلده الأصلي من سكان أميركا اللاتينية هم الكوبيون دعهم يجربون.. لماذا لا يجربون؟ وستجد الفارق بين كوباً وأمريكا اللاتينية.

كاسترو وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي

فيصل القاسم: ماذا تقول سيادة الرئيس لتلك البلدان التي جعلت من نفسها عبيداً لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أنت لم تفعل ذلك بالتأكيد .

فيدل كاسترو: صندوق النقد الدولي هو أداة بيد الاستعمار الجديد ووسيلة لنهب ثروات شعوبنا، وأنا أعرف بلداً لم يأخذ أوامره من البنك الدولي وهو ماليزيا .. وماليزيا هي البلد الوحيد في جنوب شرقي أسيا الذي أخفق اقتصاده في عام واحد فقط هو عام 97، ولكنه لم يشأ أن يرضخ لإملاءات الولايات المتحدة ولجأ إلى استخدام خفض معدلات تبادل العملة في حالة الأزمات، ولهذا يسمون ماليزيا بلداً متمرداً، ولكنه كان البلد الوحيد في جنوب شرق آسيا الذي استطاع التغلب على الأزمة، والآن هناك مثل آخر هو كوباً في أحلك وأصعب مثل آخر ظروف الأعوام العشرة الماضية وبعد انهيار المعسكر الاشتراكي و فقداننا إننا لكل أسواقنا في عام 94، كان معدل صرف عملتنا دولاراً مقابل 250 بيزو، ولكن بعد 5 سنوات تم إعادة تقيم عملتنا 5 مرات واليوم أصبح دولاراً مقابل 120 بيزو كوبي، ولو كنا من أعضاء صندوق النقد الدولي لما تمكننا من عمل ذلك، وهناك امتياز تتمتع به الولايات المتحدة بعد إلغاء اتفاقات دولية انتهت الولايات المتحدة إلى امتلاك 80% من احتياطي الذهب في العالم.. في عام 71 جمد (نيكسون) تحويل الذهب إلى عملة ورقية، مما دفعنا إلى اللجوء إلى ما يشبه معجزة كيميائي العصور الوسطي الذي يحول الورق إلى ذهب، فحولنا الورق إلى ذهب، وأمريكا تملك العملة السائدة بسبب كل الامتيازات التي تملكها وتمرر سياساتها ولإدارة الرئيسية التي تستخدمها لتمرير تلك السياسات هي صندوق النقد الدولي .

فيصل القاسم: هذا شيء طيب ويقودنا للحديث عن العولمة التي يعتبرها البعض نوعاً من الأمركة أو أن أسأل هنا من المظاهرات العارمة التي خرجت ضد العولمة في (سياتل) بأميركا والبرازيل وكيبك وأوروبا، هل يمكن القول في هذه الحالة إن الطبقة العاملة خاصة في الغرب بدأت تستعيد زمام المبادرة، فهناك مثلاً من يعتبر أن الأول من مايو أيار لم يعد عبيداً للعمال بل أصبح يوماً للثورة والانتفاضة في وجه العولمة، كيف -في هذه الحالة- ترى الصراع بين.. بين الطبقة العاملة التي بدأت تتحرك ثانية -من جهة- والعولمة من جهة أخرى.

فيدل كاسترو: لا عليك -إن كان السؤال طويلاً- الاحتفال بيوم العمال في الأول من مايو أيار.. بدأ في الولايات المتحدة -كما تعلم- اثر إعدام عدد من قادة نقابات العمال وبشكل مناف للعدل، ولم تكن الولايات المتحدة التي نعرفها اليوم، كانت دولة في حالة توسع ودولة في حالة امتداد ونمو في قوتها.. ولكنها لم تكن دولة إمبريالية كما هي اليوم.. وشهداء شيكاغو هؤلاء أصبحوا رمزاً للطبقة العاملة، التي لعبت دوراً مهما جداً في القرن الـ 19 والنصف الأول من القرن الـ 20، ولا يزال بالإمكان أن تلعب دوراً اليوم، ولكن نحن نعيش في زمن مختلف وهو ليس زمن (كارل ماركس)، ماركس كان من النوع الذي يستطيع أن يتنبأ بوقوع أشياء في المستقيل، وفي أيامه بدت حدود الثروة وكأنها توضع من قبل الأنظمة الاجتماعية، وليس بالحدود التي تضعها الموارد الطبيعية، كارل ماركس اعتقد بالنظرية المثيرة للجدل والقائلة أن موارد الأرض لا تكفي وقد حدثت بعد ذلك أشياء كثيرة، وشهد نمو السكاني انفجارات ضخمة وأصبح تزايد السكان وتلوث البيئة ومحدودية الموارد الطبيعية كلها أصبحت مشكلات، إذ إن المشكلة ليست اجتماعية، ولكنها تنبع من محدودية الموارد الطبيعية وأيضاً من القيود الثقافية لماذا لأن ماركس كان يؤمن إيماناً عظمياً بالعلوم والتكنولوجيا، وتصور أن المعجزات يمكن أن تحدث وفي هذا الجانب كان محقاً ، فلم يكن في زمنه هاتف، أو مذياع أو تليفزيون أو إنترنت، أو هاتف جوال أو طائرات أو حاملات سفن أو تعاملات بثلاثة تريليون دولار سنوياً في أسواق المال الدولية، ومع ذلك استطاع ماركس التنبؤ بعدة مسائل أساسية، والآن نعرف أن القيود هي ثقافية وطبيعية والمشكلة الآن أن البشرية قد تم تعليمها، كيف تصبح استهلاكية.. وبإمكاني أن أسأل خبيراً الآن.. ماذا يحدث في العالم إذا قرر الصينيون اتباع نفس النمط الاستهلاكي للولايات المتحدة وأوروبا. وماذا سيحدث لو أن الهند اتبعت هذا النمط أيضاً ويملك الهنود نفس عدد السيارات الموجود في الولايات المتحدة وأوروبا وجنوب آسيا والدول النفطية في الخليج، حسناً إذا كان لمستويات الاستهلاك وأنماطها هذه أن تسود في العالم، كم من الزمن سيدوم فيه وجود النفط في قطر والبلدان الأخرى التي تزود العالم به، وإلى أي وقت سيستمر فيه وجود الأوكسجين وكم من المزيد من التلوث يستطيع الغلاف الجوي تحمله، وكم من الوقت ستستمر فيه طبقة الأوزون، يجب تثقيف الناس وفق أنماط استهلاكية مختلفة، لأن أنماط الاستهلاك الحالية لا يمكن الاستمرار في المحافظة عليها، وستموت الحياة على الأرض، لأن الغلاف الجوي لن يستطيع تحمل التلوث ونقص الأوكسجين، وهذه هي إحدى المشاكل التي تعاني منها كوباً.

[موجز الأخبار]

د. فيصل القاسم: حسناً حسناً أريد هنا يعني جواباً مختصراً، كيف تتوقع أن يكون مستقبل هذه التدهورات المناوئة للعولمة؟ هل يمكن أن تتحول إلى ثورة جديدة ضد العولمة والرأسمالية باختصار لو تكرمت؟

فيدل كاسترو: نعم، لقد قلت إن الطبقة العاملة في حالة احتجاج، وتعاني من تناقص في أعدادها منذ أن حولت التكنولوجيا الحديثة العمل اليدوي إلى عمل فكري، وسيكون هناك عدد متزايد من أعمال الفكريين ومنتجات التكنولوجيا وستكون البشرية أكثر وعياً بهذه المنتجات وليس هناك خطر الأسلحة النووية فقط، ولكن خطر تلوث البيئة وظهور أمراض جديدة ومجاعات، والناس يدركون ذلك، والطبقة العاملة ماضية إلى الأمام في ثورة ولكن ليس العمال اليدويون فقط بل العمال الفنيون أيضاً، وعشرات الآلاف بل الملايين من البشر من ذوي الثقافة السياسية العالية والمثل القديمة التي وصفتها مثل: الديمقراطية والحرية أصبحت شيئاً من الماضي، وبدأت تتزحزح لصالح قيم جديدة ومستوى وعي جديد. نعم هذه الاحتجاجات ستغير العالم، سأعطيك مثالاً لقد ذكرت إيران التي كانت تملك واحداً من أقوى الجيوش في العالم في زمن الشاه، ومع ذلك تمت هزيمته من دون عنف، هزمته الأفكار والعواطف والمشاعر والقناعات، وفي أجزاء أخرى من العالم في إندونيسيا حدث الشيء نفسه.

د. فيصل القاسم: وهذا ينطبق على الاتحاد السوفيتي أيضاً.

فيدل كاسترو: وكثيراً ما يتم الحسم لا بالأسلحة بل بالقناعات ووعي الناس وأفكارهم وانظر إلى الأميركيين اللاتينيين الذين لا يقفون وحدهم ضد الإمبريالية الجديدة المتمثلة بالعولمة بل يقف معهم الأميركيون الشماليون والكنديون أيضاً، والعالم يجب أن يسير نحو العولمة، ولكن عولمة التضامن والأخوة والإنسانية والعولمة الجديدة ليس لها مستقبل ولهذا السبب لم تجد منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي مكاناً لعقد اجتماعاتها.

د. فيصل القاسم: ومادمنا في نفس الموضوع تقول: إن العولمة لن تستطيع الصمود والاستمرار على ضوء ما يحدث في.. في هذا العالم في حالة استمرت هل تستطيع العيش بكرامة في.. في عالم العولمة بعد أن سقطت الحدود و.. الحواجز وهم يتحدثون الآن عن التدخل في شؤون الدول، ولم يعد بإمكان بُلدان العالم أن تحافظ على سيادتها في.. في زمن العولمة، ولا تستطيع العيش بكرامة أيضاً باختصار لو تكرمت.

فيدل كاسترو: لا أظن أن بالإمكان حمايتها في ظل هذه الظروف العالم في فوضى، ولا يمكن قبول هذا النوع من العولمة الذي يعني أن قوة عظمى واحدة تملي إيراداتها على بقية العالم وتدير ظهرها للأمم المتحدة، وتدير ظهرها لاتفاقية كيوتو، وتقيم درعاً صاروخياً وتدمر الوحدة والسلام في الشرق الأوسط كما تستخدم الفيتو ضد قراراً لمجلس الأمن يمكن من حماية أرواح الشعب الفلسطيني.. كلا ليس في ظل مثل هذه الظروف، لن يكون هناك أمل في عيش كريم لبني البشرية في هذا العالم، والعولمة لن يوضع لها حد بواسطة الأسلحة النووية وتذكر كلامي هذا جيداً، ولكني بواسطة قوة أخطر من ذلك بكثير، وهي قوة الوعي والضمير وغريزة الإنسان.

د. فيصل القاسم: حسناً، وهذا يقودني للسؤال عن.. عن الثوار ومصيرهم في.. في هذا العالم. فإذا نظرنا إلى الثائر الكردي مثلاً (عبد الله أوجلان) والثائر (كارلوس) و (أسامة بن لادن) هؤلاء كلهم ثوريون انظر ما حدث لهم، لقد ضاق العالم أمامهم فهل بإمكان الثوريين وأنت ثوري تاريخي عظيم أن.. أن يعيشوا في هذا العالم.

فيدل كاسترو: أعتقد أن عالم اليوم هو عالم ضد الإرهاب، ولا شكل من أشكال الإرهاب مقبول اليوم في العالم، لأنه قتل أربعة ملايين فيتنامي هو شكل فظيع من أشكال الإرهاب، وقتل وجرح الملايين من الفيتناميين هو شكل من أشكال الإبادة، وكذلك رؤية أطفال وهم يولدون مشوهين بسبب السموم الملايين من الأطفال في أنحاء العالم يمكن إنقاذ حياتهم، وهم يعانون هذا شكل وحشي من أشكال الإرهاب، ودفع أمم بأكملها إلى الإفلاس والفاقة وإلقاء القنابل على بلد لأن بلداً آخر ببساطة يريد ذلك كل هذه هي من أشكال الإرهاب، والبشرية تصبح ثورية أكثر ولكن بأسلوب مختلف بأسلوب بناءاً وفكري.

د. فيصل القاسم: كيف تنظر إلى أسامة بن لادن هل تنظر إليه كثوري؟ إنه يناضل ضد الولايات المتحدة ويكافح من أجل العدل والحرية، هل تراه في هذا الإطار؟

فيدل كاسترو: لا أعلم عن ابن لادن، وما تقوله عن ابن لادن هو ما تقول أميركا عنه وهي التي تلقي بالقنابل على أفغانستان. لا أستطيع أن أحدثك عن الشخص نفسه، لأنني لا أعلم ما فيه الكفاية عنه ويقال إنه يفعل أشياء معينة ويستخدم الإرهاب كوسيلة لحل مشكلة سياسية ومن هذا المنطلق أنا طبعاً لا أتفق معه، ولكن الولايات المتحدة متعودة على الكذب، لقد سألتني عن الإرهاب وقلت إنني أعارض تماماً كل أشكال الإرهاب.

موقف كوبا من قضية فلسطين

د. فيصل القاسم: الكلام عن ابن لادن في واقع الأمر يدخلنا إلى الوطن العربي، ماذا تفعل لو كنت محل الفلسطينيين؟ كيف ستتصرف؟

فيدل كاسترو: تسألني سؤالاً صعباً جداً، وقد التقيت أكثر من مرة أناساً سألوني سؤالاً مشابهاً، وأقصد أناساً من حركات ثورية ماذا علينا أن نفعل إزاء هذه الحالات أو تلك، وأنا أتجنب إعطاء إجابة مباشرة وذلك لأنني أعرف ماذا نستطيع نحن عمله حيال ظروف معينة، ولكن لا نستطيع نصيحة الغير، ولا ينبغي إعطاء النصائح للآخرين طالما أن حياة ومصير البشر معرضان للخطر.

فيصل القاسم: لكن.. لكن ماذا تفضل؟ هل تلجأ للمفاوضات أم إلى المقاومة والثورة؟ هل.. هل أنت مع الانتفاضة مثلاً؟

فيدل كاسترو: يبدو أن الانتفاضة هي نتيجة لكون الغرب أو إسرائيل لا يتفاوضان جدياً مع الفلسطينيين، ولو كان هناك احتمال لإجراء مفاوضات جدية مع الفلسطينيين فيجب ألا تضيع هذه الفرصة أما أن تصبح المفاوضات مشتملة على القصف بالمدافع وإيقاع كل صنوف القتل فلم تتوقع من الناس أن تكون ردة فعلهم مختلفة عما هي عليه الآن.

أقصد ردة فعل أولئك الذين يتعرضون لهذا النوع من الهجمات، وهناك حقيقة تكمن في كل هذا وهي أنه ولأكثر من نصف قرن ارتكبت العديد من أعمال الإبادة، وكانوا هم الذين يعانون وسيكون من السهل علينا ونحن جالسون هنا تحت المكيفات أن نقول لهم افعلوا هذا ولا تفعلوا ذلك، ولكن قاوموا واقبلوا بكل الظروف، ولكن الناس يرفضون العيش تحت مثل هذه الظروف. وفقط من وجهة نظر التعامل مع القضية كمفهوم يمكن أن أقول: عندما تكون هناك حلول سياسية ممكنة أراقب ما أقول بإمعان شرط أن تكون حلولاً عاجلة وعلى قدم المساواة فإن الشيء الأكثر معقولية عمله هو التفاوض، ولكن أمام الإبادة فإن المقاومة ضرورية وكذلك الاستعداد للموت والتضحية والتصدي لهذه الإبادة، وأحب أن أضرب مثلاً له علاقة ببلدي، لو قامت الولايات المتحدة يوماً بغزو كوباً فسنقوم بالتفاوض مع الغزاة الأميركيين فقط لكي ينسحبواً من كوباً دون قيد أو شرط وإلا فسنكون مستعدين للقتال حتى آخر رجل من أجل شرفنا وكرامتنا الوطنية، ولكي لا نعيش عبيداً من دون حرية أو شرف، هذا هو تفكيرنا، وأنا أعطيتك مثلاً من وطني، لأنه أسهل عليَّ أن أعطيك وجه نظر عن وطني وما يمكن أن نفعله في وطني من أن أقول لك ما على الآخرين أن يفعلوه أو لا يفعلوه.

فيصل القاسم: وكما أري -لابد وأن ينطبق ذلك- في واقع الأمر، على وضع الفلسطيني، وما دمنا في الشأن الفلسطيني ماذا تقول للذين يشبهون الصهيونية بالنازية على ضوء ما يحدث للفلسطيني الآن.. البعض لا يري أي فرق بين الصهيونية والنازية.

فيدل كاسترو: يجب علي أن أقول أولاً إنني لا أكن العداء لأي أحد.. ولا أعاني من فوبيا أو رهاب الأجانب ولأنني درست التاريخ أستطيع أن أقول لك إن العبرانيين أو الإسرائيليين - أو سمهم ما شئت- عانوا على مدى 1500 سنة من الاضطهاد والإجبار على العيش في الجيتوهات وفي فترة الحرب العالمية الثانية تعرضوا للإبادة ومعسكرات الاعتقال النازية نتيجة لأفكار هتلر.. لهذا السبب أشعر بالانزعاج- بشكل خاص. من أن دولة أو أمة تكونت، ولا أريد الخوض في كيفية حدوث ذلك لأن كل ما يحدث هو من مسؤولية الغرب، في الحربين العالمين الأولى والثانية، والآن هذه المشكلة الكبيرة جعلت العالم العربي يعاني هذه المعاناة. من مشكلة لم تكن من صنع العالم العربي إنها حالة عشوائية خلقها الغرب لفرض حل من دون أي رؤىً لتداعيات ذلك وآثاره المستقبلية ولم أقل أبداً.. شيئاً من قبيل إن الإسرائيليين يجب أن يلقى بهم في البحر، ولن استخدام لغة كهذه، ولهذا السبب أحسب أنني أملك الأرضية الأخلاقية لأن أتحدث عن هذا ولأن أشعر بالانزعاج الكبير مما تقوم به دولة إسرائيل بالفلسطينيين اليوم.. وهو نفس الذي قام به الفاشيون والنازيون ضد اليهود.. ويؤلمني كثيراً أن أرى الناس الذين كانوا ولقرون عدة هدفاً للاضطهاد، وأن الدولة التي خلقت إحقاقاً لحق وأعتقد أن لكل دولة الحق في أن تعيش وفق ثقافتها ودنيها، ولكن يؤلمني عندما أرى دولة كتلك تقوم بأعمال قمع كهذه ضد الفلسطينيين، وحسب ما أتذكر كان (سايروس) هو آخر من حاصر القدس، وشتت اليهود في شتى بقاع الأرض، والشيء نفسه حصل مع الفلسطينيين فقد احتلت أراضيهم، واضطروا إلى الرحيل لمختلف بلاد العالم.. والآن لا يعطى الفلسطينيين سوى قطع من الأرض، ويتعرضون لإبادة حقيقة، ولهذا السبب أشعر أنني أملك الأرضية الأخلاقية للتنديد وبقوة بالسياسة المتبعة ضد الفلسطينيين، وهناك أشياء، أشياء خطيرة جداً فيما يخص هذا الشأن وهي أشياء قام بها الغرب وتراكمت، وكان لها إسهام كبير في الدولة الإسرائيلية، ولا أريد الخوص في هذا الموضوع، لأنها مقابلة قصيرة، ولكن كانت هناك أمور مؤكدة حدثت ببساطة لأن الغرب خلق دولة نووية قوية في قلب أكثر مناطق العالم عرضة للنزاعات.. وفي لحظة تاريخية معينة عندما كنا نحارب نظام التفرقة العنصرية في جنوب إفريقيا كنا نحارب نظاماً يملك 7 رؤوس نووية، وهي رؤوس النووية زودت أو التكنولوجيا الخاصة بصناعتها، زودت إسرائيل بها جنوب إفريقيا، وفي هذه اللحظة التاريخية لا أحد يعرف بالضبط أين هي تلك الرؤوس النووية.. وأين انتهي بها المطاف في النهاية؟ لأن ما فعلته دولة إسرائيل كان متناقضاً تماماً مع ما أضطر الشعب اليهودي إلى مجابهته على مدى قرون.. لقد تم تغير الأدوار، ومن خلال هذه العيون ومن منطلق هذه الأرضية الأخلاقية يمكن للمرء أن بنظر إلى مصير ومعاناة الشعب الفلسطينيين وأن يتمنى – حقيقة- أن يتم التوصل إلى حل وإلى تسوية سلمية وأن يحل السلام في هذه المنطقة التي عانت طويلاً، ولكي يأتي وقت ينتهي فيه هذا الكابوس الطويل.

موقف كوبا من حصار العراق

فيصل القاسم: إذا تحدثنا عن العراق.. فكما تعلم، إنه يخضع لحصار سيئ وظالم جداً من طرف الأميركان منذ أكثر من 10 أعوام وأعتقد أن الوضع في العراق ليس مختلفاً كثيراً من وضعكم في كوباً من حيث الحصار، وأنت هنا في الشرق الأوسط يا سيادة الرئيس - في المنطقة - ولست بعيداً عن العراق فلماذا لا تركب طائرتك وتتوجه إلى بغداد لتكسر الحصار والحظر المفروض عليه من قبل الولايات المتحدة وأعوانها في المنطقة؟

فيدل كاسترو: يجب أن أقول إنه بين العراق وكوباً كانت هناك دوماً علاقات طيبة، وقبل وقت طويل من ظهور النزاعات، وكان مقرراً أن يكون العراق مكان انعقاد مؤتمر قمة عدم الانحياز عام 82 ، وما كان يجب أبداً أن تكون هناك حرب بين العراق وإيران، لأن ذلك عاد بالضرر البالغ على بقية العالم، حين فقدت مئات الآلاف من الأرواح، وفقدت مئات الملايين بل مئات المليارات من الدولارات، وكذلك ضعفت القضية العربية بسبب تلك الحرب والإسلام كذلك.. والحقيقة، الغرب جنى ثروة طائلة من وراء بيع السلاح، لأن الغرب لا يهمه إلا إضعاف العالمين العربي والإسلامي، لقد ارتكب بعض الرجال أخطاء، وليس لي أن أشير إلى ماهية أخطاء الآخرين ولكن ما كان يجب أبداً أن تحصل تلك الحرب بين العراق وإيران ولاحقاً.. حرب الخليج الثانية لقد كنا أعضاء في مجلس الأمن.. وأدنا احتلال العراق للكويت، وفي كل قضية من القضاياً تبنيناً موقفاً موضوعياً وعادلاً، وعارضنا تلك الحرب وأردنا حلاً سياسياً وحلاً سلمياً واتخذنا مواقف واضحة، وكانت وحرباً مأساوية، لأن الولايات المتحدة حولت العراق إلى ميدان للرماية لتجربة أسلحتها الجديدة المعقدة والدقيقة..

فيصل القاسم [مقاطعاً]: لكن لماذا لا تتعاطف معهم في هذه الحالة بالتوجه إلى العراق أنت لست بعيداً عنهم سوى ساعتين؟

فيدل كاسترو: أنا لا أتفق مع كل شيء قامت به القيادة العراقية، و اختلفت تماماً مع سياسة الغرب تجاه العراق، أختلف تماماً مع تلك الحرب لأنه كان يجب أن يبذل كل جهد ممكن من أجل إيجاد حل سلمي يصب في صالح العالم العربي، وصيانة وحدة الشعوب العربية، وأعارض –كلية– الحصار المفروض على العراق، حصار قاتل وراح ضحيته الآلاف من البشر، ولذلك فأنا أعارض وبكل تأكيد وبشكل كامل الحصار والقصف الجوي على العراق.

فيصل القاسم: لماذا لا تكسر الحصار، فما يفعله الأميركان ضدكم يفعلونه ضد العراق.. أنت في نفس المركب.. فلماذا لا تخترق الحظر بركوب الطائرة والتوجه إلى العراق يا سيادة الرئيس .

فيدل كاسترو: هل تلقيت رسالة من القيادة العراقية مفادها أنهم يريدونني هناك.. هل تعلم ما هو شعورهم إزاء هذا الوضع، أنا لا أعرف ما هو شعورهم وما يشعرون إزاء الوضع، فأنا لا أستطيع الذهاب إلى مكان ما فقط لأنني أود عمل ذلك.. أنا أغادر بلداً لأذهب إلى آخر.. وهناك عقبات كثيرة وهناك عقبات معينة ليس من السهل تخطيها، ولا يمكن أن تخترق مجالاً جوياً هكذاً من عندك، وعندما أسافر إلى بلد يتعين عليَّ احترام القوانين والمجالات الدولية للبلدان التي سأحلق في أجوائها أو أعبرها قبل الوصول إلى العراق، وأقولها -وبكل صراحة- أنني تباحثت طويلاً مع الوفد العراقي الذي زار (هافانا) لحضور لقاء البرلمانيين الدوليين وأنا أكن الاحترام للشعب العراقي الذي هو شعب شجاع جداً ولكن الآن ليس الوقت المناسب لكي لأذهب إلى هناك وحتى لو كنت سأذهب إلى العراق.. لما قلت لك ذلك.. وأنا أحتفظ بحرية عمل ذلك.. ولكنني أقول إنني لم أنظر في القضية بنية الذهاب .

فيصل القاسم: هل سمعت عن قناة (الجزيرة) من قبل ماذا تعرف عن هذه المحطة التي تجري اللقاء معكم..

فيل كاسترو: لقد سمعت أن هذه قناة ذائعة الصيت في العالم العربي، وأتمنى لو أنها تسمع وتشاهد في أصقاع أبعد فهذا بلد صغير، ولكن بإمكانه أن يحمل رسالته بعيداً، بفضل التكنولوجيا الحديثة، نحن نفعل ذلك وننقل المظاهرات التي تخرج في الشوارع ضد أمريكا وسياستها إلى إنحاء العالم بواسطة الفضائيات، وبرامجنا تشاهد في شتى أنحاء العالم.. والفضل في ذلك يعود إلى نحو 30 شبكة إخبارية دولية مختلفة تنقل ما يجري في بلدنا إلى العالم.. تنقل أفكارنا، مشاريعنا، ونقاشاتنا..

وكانت هذه هي الطريقة التي استطعنا من خلالها إيصال رسالتنا حول الطفل الكوبي الذي اختطف إلى الولايات المتحدة ويمكننا من بدء نضالنا لأجل إطلاق سراحه.. وكانت تلك بداية مرحلة جديدة من الكفاح في بلادنا، فلمدة 17 شهراً ولم نسترح يوماً، لأن بلدنا محاصر والكثير من المظالم ترتكب بحقه، وتمكنا من كسب أرضيه ودعم في أوساط الرأي العام الأميركي، فالأميركيون يميلون إلى كونهم أيدولوجيين -كما تعلم- ولكي يدعم الأميركيون قضية فاشلة فلابد من خداعهم أولاً.. وهذا ما كانت تفعله ولا تزال الإدارات الأميركية المتعاقبة وهو خداع شعبها، ولكن عندما يعرف الأميركيون الحقيقة فإنهم يغيرون آراءهم، أنا أهنئ قناة (الجزيرة) وأشكرك على إتاحة الفرصة لي لإجراء هذه المقابلة، لأتحدث إلى جمهوركم.. وأنا سعيد لأني أعلم -كما أخبرت- أنك صحفي نشط وموهوب وتطرح أسئلة صعبة جداً،كما علمت أنك واحد من أفضل الصحفيين وقد كانت هذه مقابلة مفعمة بالحيوية ، حتى رغم أنك قلت لي عدة مرات Alright.. Alright أنت قاطعتني ووجهت أسئلة كثيرة.. ولذلك لم أستطع اختصار أجوبتي.

ولكن صدقني حاولت الإجابة على كل الأسئلة، لأنني أعتقد أنها قضية شرف، ويجب على الإنسان أن يكون نزيها، وألا يلتف حول الموضوع .

فيصل القاسم: إنه لقاء عظيم في واقع الأمر ليس لأنني أجريته بالطبع، بل لأنه مع سيادتك، شكراً جزيلاً يا سيدي.