مقدم الحلقة:

يوسف الشريف

ضيف الحلقة:

عبد الله غل: رئيس الوزراء التركي الجديد

تاريخ الحلقة:

22/11/2002

- حقيقة التفاؤل الداخلي والخارجي المصاحب لتولي حزب العدالة والتنمية السلطة.
- مستقبل العلاقة التركية العربية في ظل حكم العدالة والتنمية.

- موقف الحكومة التركية الجديدة من احتمالات الحرب الأميركية ضد العراق.

- علاقة تركيا بالاتحاد الأوروبي في ظل القضية القبرصية.

- الحكومة الجديدة وكيفية مواجهة الأزمة الاقتصادية.

يوسف الشريف: أعزائنا المشاهدين، أهلاً وسهلاً بكم إلى هذا (اللقاء الخاص).

ضيفنا لهذا اللقاء الذي يستضيفنا في مقره الخاص في البرلمان التركي هو معالي رئيس وزراء تركيا الجديد السيد عبد الله غل أهلاً وسهلاً بكم في قناة (الجزيرة).

عبد الله غل: أهلاً وسهلاً.

حقيقة التفاؤل الداخلي والخارجي المصاحب لتولي حزب العدالة والتنمية السلطة

يوسف الشريف: أود أن أبدأ بالسؤال عن سر هذا الجو من التفاؤل الذي صَاحَب وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة والانطباع الذي تركتموه لدى الكثيرين في تركيا وخارجها من خلال تصريحاتكم وتصرفاتكم التي اعتبرت جميعها بمثابة ثورة إصلاحية في تركيا؟

عبد الله غل: نعم، تركيا بدأت عهداً جديداً وسيذكر كتاب التاريخ السياسي ذلك مستقبلاً، لقد كنا نعيش في عهد المشاكل والاضطرابات والحكومات الائتلافية وهو عهد لم تتفق فيه أي من الأحزاب فيما بينها، واعتبر كل حزب الآخر عدواً له عهد من الحروب الباردة والصراعات غير المنتهية، أما الآن فقد بدأت تركيا عهد حكم حزبين للبرلمان وحكومة الحزب الواحد فمنذ زمن طويل لم نر حكومة غير ائتلافية في الحكم والحكومات الائتلافية شهدت أحزابها مساومات ومجاملات وصراعات دفع ثمنها الشعب التركي.

واليوم تركيا في وضع لا تستحقه أبداً، وضع جعلها تواجه أزمات اقتصادية كان يمكن تجنبها، أما الآن فقد قال الشعب كفى، وانتخب حكومة من حزبٍ واحد، وكما شاهدت فإن الجميع من صوتوا لنا أو لغيرنا مسرورون ومطمئنون، الذين يدعموننا والذين يعارضوننا في داخل البلاد وخارجها الكل متفائل، وكذلك الإعلام والبنوك والأوساط السياسية، وكل ذلك ينبع من ثقتهم بنا ونحن قد تعلمنا من الماضي ومن أخطائنا السابقة، ولذلك فإننا الآن نقر ونتبع سياسات أكثر واقعية وعملية، وإن شاء الله سنتمكن من تسخير هذه الفرصة بشكل جيد.

يوسف الشريف: كما قلت فإن وصولكم إلى السلطة شكَّل أجواءً من التفاؤل في الداخل، لكن أيضاً هنالك أجواء من التفاؤل في الخارج، فعلى سبيل المثال العديد من دول الاتحاد الأوروبي أعربت عن دعمها لكم رغم ما روجته بعض وسائل إعلامها عما وصفته بتوجهاتكم الإسلامية.

عبد الله غل: طبعاً الأوساط الخارجية أطمأنت لما تولد في تركيا من ثقة بنا، وأدركوا أن حكومة حزب العدالة والتنمية ستكون حكومة ناجحة، البعض كان يتوقع أن يصدر عنا تصرفات غير مسؤولة، لكننا فاجأناهم بالعكس واعتمدنا سياسات واقعية في عملنا، وبعض الأجانب الذين كانوا يروِّجون عنا بعض الإشاعات والأحكام المسبقة فوجئوا واندهشوا لما رأوه ومع اتصالنا المباشر معهم أدركوا أنهم كانوا على خطأ في حكمهم علينا، وما نريد أن نقوله هو أن تركيا دولة مسلمة، وبالإضافة إلى هويتها الإسلامية فإن تركيا دولة ديمقراطية وشفافة وعلى وفاق مع العالم، ونحن نسعى لأن تكون تركيا دولة تضمن لشعبها حقوقه وحريته ونعتقد أن ذلك سيساعدنا أيضاً على تنمية اقتصادنا.

مستقبل العلاقة التركية العربية في ظل حكم العدالة والتنمية

يوسف الشريف: أول المهنئين لكم بتولي رئاسة الوزراء رسمياً كان الرئيس الأميركي الذي هاتفكم مباشرة، لكن (رئيس الوزراء السوري) محمد مصطفى ميرو سبقه إلى ذلك عندما أرسل تحياته إليكم مبكراً عبر وسائل الإعلام التركية، هل تقرءون في ذلك رسالة من العالم العربي؟

عبد الله غل: نعم، وصلتني تحيته عبر الإعلام، وسررت كثيراً وأنا بدوري أنقل له عن طريقكم تحياتي القلبية، وإلى جميع الدول الجارة وجميع الدول العربية والإسلامية -عن طريق قناتكم- أبعث لها أطيب تمنياتي، فعلاقة تركيا بهذه الدول قديمة، وأرغب بصدق أن نطور سوياً علاقاتنا معاً بما يخدم مصالحنا المشتركة ويبني جسور الثقة والتعاون بيننا، وأؤكد على ضرورة تأمين السلام والأمن للمنطقة، وذلك يتم عن طريق تعاوننا معاً بشكل جدي وصادق، فتاريخنا ومعتقدنا المشترك هو أغلى ما لدينا.

يوسف الشريف: ولكننا نعلم أنك وبشكل خاص حاولت تطوير هذه العلاقات خلال عملك كوزير في حكومة أربكان سابقاً، لكن الخلافات في المنطقة حالت دون ذلك فهل ترى أن الظرف مناسب الآن لتحقيق هذا الهدف؟

عبد الله غل: نعم، هذا صحيح، ولكن يجب علينا أن ننسى كل ما حدث في السابق، وأن ننظر إلى المستقبل، وليس من المهم أن نعود إلى أخطائنا، فكلنا أخطأنا في السابق، كل ما علينا أن نراجع أنفسنا بصدق، وأن ننظر إلى المستقبل بشكل متفائل، وأن نتطلع إلى العمل معاً، لأن تعاوننا يصب في صالح شعوبنا، ولا تنسى فشعوبنا تجمع بينها أواصر الأخوة والقرابة، وهذه علاقات قوية، وآمل أن تنعكس هذه العلاقات على علاقاتنا الرسمية.

موقف الحكومة التركية الجديدة من احتمالات الحرب الأميركية ضد العراق

يوسف الشريف: أيضاً فيما يتعلق بالشأن العربي، كما نعلم فإن مفتشي الأمم المتحدة عادوا إلى العراق بعد قرار مجلس الأمن الأخير، هل تشعر بارتياح لعودة المفتشين؟ وهل تشعر بأن الحرب أصبحت احتمالاً بعيداً الآن؟

عبد الله غل: الحرب ليست شيئاً جيداً بأي حال سواء كانت بالقرب منا أو في أميركا اللاتينية أو الشرق الأوسط أو في دولة جارة لنا، ولكن هذه الحرب المحتملة في المنطقة تخصنا أكثر من غيرنا.

ما يزعجني أولاً: أن شعوب هذه المنطقة ومنذ زمنٍ طويل عانت كثيراً من الأزمات، ومع الأسف فقد أنفقت دول المنطقة ثرواتها وأموالها في غير مصلحة شعوبها، أو في ما ليس له عائد اقتصادي، وهنا أعتقد أن سياسيي وحكام تلك الدول كان يجب أن يكونوا أكثر حرصاً ودقة في سياساتهم، ولهذا فعلينا جميعاً تجنب الحرب، وألا نخلق أسباباً أو أعذار لنشوبها، ومن هنا فإن هذه المنطقة يجب أن تكون خالية من أسلحة الدمار الشامل، ومع الأسف فهذه الأسلحة قد استخدمت من وقتٍ لآخر في المنطقة، وهذه حقيقة مؤلمة، ولذلك يجب علينا أن نتخلص منها، وبناءً على ذلك أن نعمل على استثمار ثرواتنا الاقتصادية لتخدم مستقبل شعوبنا، وتساعد على تأمين حياة أفضل لهم، ومن هنا يجب علينا أيضاً عمل كل شيء لتفادي وقوع تلك الحرب.

يوسف الشريف: لكن التوتر لا يزال قائماً، إذ أن مصادر أميركية ذكرت أن مضادات الطائرات العراقية فتحت نيرانها على الطائرات الأميركية التي تقوم بطلعات استكشافية في شمال العراق، وقالت: إن ذلك يعتبر سبباً لشن الحرب، فهل أنتم في تركيا مستعدون لوقوع حرب مفاجئة رغم كل هذه الجهود المبذولة؟

عبد الله غل: لا أستطيع أن أقول شيئاً مؤكداً بهذا الخصوص، فنحن في تركيا نسعى من أجل تفادي وقوع الحرب، كما أن الحكومة السابقة سعت إلى ذلك، وأكدنا مراراً على ضرورة وحدة أراضي العراق، ولكن في المقابل يجب ألا تعطى الفرصة أو الذريعة لشن هذه الحرب بأي شكل من الأشكال، ولكن -مع الأسف- حين ننظر إلى الماضي نرى أن هذه الذريعة قد أُعطيت أكثر من مرة، ودفع الشعب فاتورة ذلك، آلاف النساء ترمَّلوا، وآلاف الأطفال يُتموا، لماذا نعطي الفرصة لتكرار ذلك؟ ولماذا لا نسخر مواردنا الاقتصادية والبشرية من أجل شعوبنا ومستقبلنا؟

[فاصل إعلاني]

يوسف الشريف: فيما يخص فاتورة الحرب فإن الحكومة التركية السابقة كانت تصر دائماً على تعويض خسائرها.. خسائر تركيا في حال نشوب حرب، فهل توصلتم مع واشنطن إلى اتفاق حول هذا الموضوع؟

عبد الله غل: أنا لم أقصد في قولي المقابل المالي أو المادي، وإنما قصدت الحصار والمآسي والآلام التي عاناها الناس، أما فيما يتعلق بتركيا فإننا قد واجهنا عدة أزمات كبيرة في حرب الخليج السابقة، أولاً: خسائر اقتصادية بلغت حوالي 50 مليار دولار، وأزمة سياسية بسبب ما تشكل من فراغ أمني وسياسي في شمال العراق، وما سببه ذلك من زيادة الأعمال الإرهابية في تركيا، وفي ليلة واحدة لجأ 500 ألف إنسان إلى الأراضي التركية، وتركيا أدت واجبها الإنساني بأن فتحت حدودها لهم ورعتهم، كل ذلك ثمن نحن دفعناه في حينه، ولا نريد بالطبع أن يتكرر ذلك ثانياً.

علاقة تركيا بالاتحاد الأوروبي في ظل القضية القبرصية

يوسف الشريف: فيما يخص علاقاتكم بالاتحاد الأوروبي فإن تصريحات زعيم الحزب الأولى المتعلقة بالقضية القبرصية والاتحاد الأوروبي أشاعت جواً من التفاؤل، ولكن ما صرح به بعد ذلك وقوله على وجوب دخول تركيا وقبرص في عضوية الاتحاد في وقت واحد قلب هذه الأجواء، وكأنه تراجع عن ما قاله، فما الذي حدث، وكيف هي نظرتكم تجاه الاتحاد الأوروبي عموماً، وقبرص خصوصاً؟

عبد الله غل: بالطبع فإن لدينا مشكلة في قبرص، وهذه قضية قديمة، ونحن أعربنا عن نيتنا الصادقة في العمل على حل القضية، وفي العمل على حل الأزمات والمشاكل دون حكم مسبق، ولكن ذلك لا يعني أن نتخلى عن حقوقنا أو نسعى لتوقيع أي اتفاقية، والوصول إلى السلام مهما كان الثمن.

يجب أن يكون هناك تفاهم متبادل من كلا الطرفين، ما قلناه في البداية هو أننا سنبحث وندرس مسودة حل الأمم المتحدة، ونناقش تفاصيلها. لن نحكم عليها مسبقاً بالرفض، ولن نبحث عما وراءها، ولكننا أيضاً لن نوقع بالموافقة على اتفاقية ونحن معصوبو الأعين، فنحن لدينا مصالحنا الوطنية التي يجب أن نحميها ونرعاها، لكننا نسعى لإيجاد حل يرضي جميع الأطراف.

يوسف الشريف: هل أنت متفائل بحصول تركيا على تاريخ لبدء التفاوض على العضوية في الاتحاد الأوروبي خلال قمة كوبنهاجن؟

عبد الله غل: نحن سنعمل ما علينا، والمهم هو أن نرتقي بتركيا إلى المعايير الأوروبية. ما يهمنا بصراحة هو أن تكون حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية، والاقتصاد إلى حدٍ ما في تركيا في مستوى الاتحاد الأوروبي، وبعد ذلك فإن مسألة العضوية تعود لقرار الاتحاد، لكننا نرى حقيقة أن دخول تركيا الاتحاد الأوروبي سيؤدي إلى تعزيز الاتحاد من ناحية استراتيجية، وسيكون له دور أكبر على المستوى الدولي، فدولة مسلمة وديمقراطية لا شك أنها ستمثل مركز جذب لجميع العالم الإسلامي، ونحن سنؤدي ما علينا من واجبات دون إهمال.

الحكومة الجديدة وكيفية مواجهة الأزمة الاقتصادية

يوسف الشريف: أود أن أسألك سؤالاً حول حكومتك. لعل أكبر مشكلة تواجهها تركيا الآن هي ما تعانيه من أزمة اقتصادية، وأصغر وزيرٍ سناً في حكومتك أوليته أمر الاقتصاد، أقصد الوزير (علي بابجان)، وعمره خمسة وثلاثين عاماً، ألا يثير ذلك العديد من الملاحظات حول عمر الوزير وخبرته في التعامل مع هذه الأزمة المزمنة؟

عبد الله غل: كلا.. أبداً، فبالإضافة إلى زميلنا وزير الاقتصاد هناك وزير للمالية ووزير للصناعة والتجارة، وأنا أيضاً كرئيس للوزراء وخبرتي الاقتصادية، جميعنا سنتعاون معاً في حل المسائل الاقتصادية.

زميلنا وزير الاقتصاد شخص لامع وناجح في عمله، تخرج بتفوق منقطع النظير من أكبر جامعات تركيا، ومعروف بنجاحاته في عمله ودراسته في الولايات المتحدة، وأنا أثق به.

يوسف الشريف: سؤال أخير أود أن أطرحه، الكثيرون يلفتون النظر إلى وضع السيد رجب طيب أردوغان (زعيم الحزب) خصوصاً وأنه لا يحتل منصب رئيس الوزراء، على غير العادة التي جرت في تركيا، ألا يشكل هذا الوضع حساسية بينكم، أو مشاكل لكم، ألا يعيق حركتكم؟ كيف تنسقون في ما بينكما وتوزعان الأدوار؟

عبد الله غل: هذا وضع غير عادي، وسنصحح هذا الوضع قريباً -إن شاء الله- ولكننا أصحاب قدر واحد، ما بيننا صداقة تزيد على الثلاثين عاماً عملنا خلالها سوياً، وهذه العلاقة ليست فقط بيني وبين السيد أردوغان، وإنما بين جميع رفاقنا في الحزب، ونحن لا نسعى وراء الشهرة أو السلطة، نحن نريد خدمة تركيا وحل مشاكلها، ونريد أن ننجح في مهمتنا هذه، وهذا يتطلب منا العمل يداً بيد، ولا تحدث بيننا مشادات أو خلاف أو تنافس على المنصب. نقوم بعملنا بشكل ناضج، ولذلك لا تواجهنا أي مشاكل.

يوسف الشريف: وماذا عن التعديل الدستوري؟

عبد الله غل: بالطبع فإن تعديل الدستور لصالح رفع الحظر عن السياسيين ومنهم زعيم الحزب، سيكون من بين أهم واجباتي، هذا الحظر لا يليق بتركيا، ولا يمكن لدولة تريد دخول الاتحاد الأوروبي أن تستمر بفرض الحظر على سياسييها، هذا خلل في ديمقراطيتنا وسنصححه في حينه.

يوسف الشريف: هل يعني ذلك أن السيد رجب طيب أردوغان يمكن أن يحل مكانك لاحقاً؟

عبد الله غل: أنا أقول لك وبوضوح هذا الوضع غير الطبيعي سنصححه، ومن الطبيعي بعد ذلك أن يكون زعيم أكبر حزب فاز في الانتخابات رئيساً للوزراء، كيف سيكون ذلك، ومتى؟ تلك مسائل سنناقشها فيما بيننا، فالمهم هو عمل الشيء الصحيح في الوقت الصحيح، ولا تقلق.

يوسف الشريف: معالي رئيس وزراء تركيا، سيد عبد الله غل، شكراً جزيلاً لك على هذا اللقاء.

أعزائنا المشاهدين، كان هذا لقاؤنا مع السيد عبد الله غل (رئيس وزراء تركيا الجديد). إلى اللقاء.