مقدم الحلقة:

غسان بن جدو

ضيف الحلقة:

حسن الخميني: حفيد الإمام الخميني الراحل

تاريخ الحلقة:

22/10/2003

- مدى صلاحية الفكر الخميني لإيران حاليا
- طبيعة العلاقة بين الإسلام والديمقراطية في إيران

- مكانة علماء الدين في إيران بعد ربع قرن من الثورة الإسلامية

- مدى حاجة المؤسسات الدينية في إيران إلى إصلاحات في المفهوم والأساليب

- حقيقة الصراع بين المحافظين والإصلاحيين في إيران

- طبيعة العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب

- الحوار الإيراني مع أميركا بين الإمكانية وتأزم الموقف

- دور إيران في عراق ما بعد صدام

- حقيقة التنافس بين حوزة قم وحوزة النجف

- الموقف الإيراني من القضية الفلسطينية

غسان بن جدو: مشاهدينا المحترمين، سلام الله عليكم.

لقاؤنا اليوم هو بكل ما للكلمة من معنى (لقاء خاص)، إنه مع السيد حجة الإسلام والمسلمين السيد حسن الخميني، السيد حسن الخميني هو حفيد الإمام الخميني الراحل، وهو رغم أنه لا زال شاباً لم يبلغ من العمر 32 عاماً، إلا أنه استطاع أن يتبوأ مكانة علمية كبرى، حيث بات مدرساً في الحوزة العلمية في قُم، كما أن السيد حسن الخميني هو المشرف العام على كل ميراث الإمام الخميني المعرفي والثقافي وحتى القانوني، وما يزيد في أهمية هذا اللقاء أن السيد حسن الخميني لأول مرة يتحدث في حوار خاص، سواء مع قناة أجنبية أو حتى محلية.

مرحباً بكم سماحة السيد حسن الخميني، وشكراً لكم على هذا اللقاء.

مدى صلاحية الفكر الخميني لإيران حاليا

سيدي إذا بدأنا بما أنكم حفيد الإمام الخميني والمشرف العام على كل ما يتعلق بميراث الإمام الخميني.

سؤالي الأول هو سؤال صريح: هل تعتقد بكل صراحة أن فكر الإمام الخميني، مبادئ الإمام الخميني، ميراث الإمام الخميني مازال صالحاً في إيران الجمهورية الإسلامية أم أنه تقريباً على وشك أن يموت كما يقول البعض؟

حسن الخميني: بسم الله الرحمن الرحيم. أنا بدوري أيضاً أتقدم بالشكر والتقدير لكم ولبرنامجكم ولقناة (الجزيرة) وأرجو من الله مستقبلاً مشرقاً للعالم الإسلامي من خلال مساعينا جميعاً.

سؤالك نكاد نطرحه يومياً على أنفسنا في إيران وهو بمثابة هاجس يعيشه أولئك الذين يعتبرون أنفسهم على صلة وارتباط بفكر الإمام أو حتى أنهم يستشعرون في أنفسهم هموم صيانة هذا الفكر، ويبدو لي ضرورة الإجابة عن هذا السؤال من زوايا مختلفة، قد تكون بعض أفكار الإمام لا تزال ماثلة بقوة وبوضوح تام في مجتمعنا، لكن علينا مع الأسف الاعتراف بأن بعض أفكاره باتت تلفها هالة من الغموض، غير أنني إجمالاً وفي المحصلة الكلية أرى أن إيران بلدٌ يسير في خطى هذا الفكر، كما أنني ألمس في مسؤولي البلاد هذه الخصوصية، سواءً مرشد الثورة أو رئيس الجمهورية أو بقية المسؤولين والأحزاب السياسية المرموقة، كل ما في الأمر أن قراءات متباينة لفكر الإمام مطروحة الآن، ولا أرى في ذلك ضعفاً في فكر الإمام، بل هو مكمن قوة، والسبب هو أن القوى السياسية ونظراً لما تحظى به شخصية الإمام من مكانة رفيعة في إيران والعالم الإسلامي، تسعى لتعريف نفسها باعتبارها تنتمي لخط الإمام الذي أحيا الفكر الديني بعد حقبة طويلة من الاستبداد السياسي، إن الإمام بالنسبة للشعب الإيراني هو قبل كل شيء من ذكَّرهم بالعزة المسلوبة وهو من أعاد لهم هذه العزة، لذا فإن من الطبيعي أن تعتز كافة الفصائل العاملة في إيران بالإمام الخميني، قد تكون لدى بعض الأشخاص والقوى قراءة خاصة لفكر الإمام، ربما لا نوافق عليها، لكنها من وجهة نظرهم تمثل رؤية الإمام وفي الحصيلة الكلية أعتقد أننا مازلنا أوفياء لمبادئه بأبعادها المختلفة، وأننا لم نتنكر لهذه المبادئ.

غسان بن جدو: لكن عفواً سماحة السيد، بقطع النظر عن المسؤولين الكبار في الدولة والقوى والأطراف السياسية، الشعب، الشباب برأيكم مازالوا مقتنعين بهذا الميراث الذي تصفونه بالكبير الإمام الخميني أم لا؟ مقتنع.. الشعب مقتنع، الشباب مقتنع.

حسن الخميني: نعم هم كذلك، وأعتقد أن غالبية أبناء شعبنا ماتزال وفيَّةً لهذا الفكر.

طبيعة العلاقة بين الإسلام والديمقراطية في إيران

غسان بن جدو: طب، أنتم تحدثتم عن فهم أو قراءات مختلفة، دعني نفهم منك أنتم ماذا تفهمون من بعض المسائل التي تعتبر الآن محل جدل في إيران، ما هو رأيكم فيما يتعلق بعلاقة الإسلام بالديمقراطية، بالحريات العامة والسياسية، ما هو رأيكم في هذه المسألة؟

حسن الخميني: أنا لا أرى أي تعارض بين الديمقراطية والإسلام، بل إنني أشعر بأن أطروحة الرئيس محمد خاتمي والتأييد الذي حظي به هما بمثابة نقاط ساطعة في تاريخ ثورتنا، طبعاً البعض منا سعى في فترة ما إلى إيجاد تناقض بين مفهوم سيادة الشعب والدين، لكن ما قاله خاتمي وقتذاك وما يفصح عنه عرفنا السياسي هو أن هناك انسجاماً عميقاً بين الديمقراطية والدين، ونحن نشعر أن هذه الحرية هي من جوهر الدين الإسلامي.

غسان بن جدو: أنتم تعلمون الآن تقريباً ربع قرن يعني 25 عاماً على انتصار الثورة الإسلامية في إيران، بعد كل هذه الفترة ألا ترون أن هناك ضرورة لمراجعة بعض الأولويات أو الأساسيات في الثورة الإسلامية أكان على المستوى الاستراتيجي أو السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي، أم لا؟

حسن الخميني: لاحظوا أننا لا نعتقد إطلاقاً بوجوب التمسك بكل الاستراتيجيات السابقة التي كنا ننتهجها، نحن ماضون وملتزمون بالأهداف التي حددناها، فعندما تتغير الظروف فمن الطبيعي أن الاستراتيجيات والسياسات التنفيذية التي تجعلنا أقرب إلى تحقيق أهدافنا يجب أن تتغير تبعاً للظروف والمستجدات، لا سيما وأن بعض هذه السياسات تفقد جدواها ومبرراتها بمرور الزمن.

غسان بن جدو: ما الذي برأيكم يحتاج بعض التغييرات؟

حسن الخميني: أعتقد أن المشكلة الكبرى التي تواجه نظامنا اليوم هي فاعلية النظام أو الحكم الديني بمعنى أن هناك اليوم شبهات تثار حول مدى فاعلية وجدوى النظام الديني، وهناك من يقول أن النظام الديني إذا كان فاعلاً فيجب أن يذلل المشكلات التي تواجهه، وهنا أتذكر عبارة لـ (جورباتشوف) قالها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وهي أن الذي انهار في الاتحاد السوفيتي لم يكن الماركسية، بل من انهار هو نحن وتطبيقنا للماركسية، هذا الكلام له ظاهر جميل، رغم إيماننا بأن نظرياتهم السياسية لا يمكن تطبيقها في أي وقت من الأوقات، نحن نعلم وكبار الفلاسفة في عصرنا الحاضر يؤكدون بصراحة أن عدم صواب أي فلسفة وأية مدرسة فكرية يعود إلى تناقضاتها الداخلية، وحتى إذا لم تكن متناقضة، فإنها ربما تواجه المشاكل في مرحلة التطبيق، ولذا فبالنسبة إلى نظامنا الإسلامي، فأقول لكم من منطلق الإنصاف أن أكثر ما يُعلن عنه ويُروج له ليس من الحقيقة، وهذا النظام الإسلامي بالرغم من النقائص الموجودة فيه والمشاكل التي يواجهها، إلا أننا لا يمكننا إلا أن نقر بأنه حقق نجاحات على مختلف الصعد، بإيجاز أعتقد أن مجمل ما هو حاصل من حيث فاعلية النظام إذا لم يكن مقبولاً فإنه قابل للدفاع عنه.

مكانة علماء الدين في إيران بعد ربع قرن من الثورة الإسلامية

غسان بن جدو: أنتم تتحدثون عن النظام الديني، ولكن أحد أسس هذا النظام الديني الإسلامي هنا في إيران علماء الدين، الثورة قامت على أكتاف علماء الدين كما تقولون، وعلماء الدين لا يزالون منذ ربع قرن لهم مكانة أساسية في نظام الحكم الجمهورية الإسلامية، طيب بشكل صريح سماحة السيد حسن الخميني، هل تعتقدون أن مكانة علماء الدين لا تزال محترمة لدى الشعب، وخاصة لدى الجيل الجديد، أم لا؟

حسن الخميني: علينا أن نميز بين علماء الدين، لأنني أعتقد أن علماء الدين وبشكل عام مازالوا يمثلون المؤسسة الاجتماعية الأقوى في بلدنا.

غسان بن جدو: لماذا؟

حسن الخميني: حسناً، هذه قناعتي، إنهم لازالوا كذلك، لو راجعنا واقع المجتمع نرى أن هناك قوى وتيارات أخرى قد تبلورت خاصة في المرحلة الجديدة، ومع دخول الموجة الليبرالية إلى إيران تبلورت فئات وتيارات أخرى منها تيار المثقفين الدينيين كمنافس بدأ يظهر أمام علماء الدين وإلى جانب ذلك هناك مؤسسات أخرى قد نسميها مجموعات ذات مرجعية اجتماعية في إيران، لكن حقيقة الأمر أننا ربما إذا ما راجعنا ثنايا المجتمع نرى أن علماء الدين لازالوا يمثلون إحدى المؤسسات المرجعية المهمة جداً في إيران، بالرغم من الانتقادات الموجهة لها وبعضها صحيح.

مدى حاجة المؤسسات الدينية في إيران إلى إصلاحات في المفهوم والأساليب

غسان بن جدو: طب سماحة السيد، أنا زرت قُم مرات عدة وزرت الحوزة والتقيت علماء دين شبان وحتى أرى هنا بعض الشباب، حقيقة كما تتفضل، ملاحظتي الشخصية أنا كأجنبي أنه الإيرانيون ربما لا يرفضون علماء الدين هكذا بإطلاق، ولكن يرفضون عالم دين ويقبلون عالم دين آخر، بدليل أنهم قبلوا السيد خاتمي كرئيس وهو عالم دين ورفضوا علماء دين آخرين، طيب أنت عالم دين شاب صحيح أنك مدرس في الحوزة العلمية ولكن شاب، ألا توجد لديك أفكار أو طموحات لإجراء إصلاحات في المؤسسة الدينية في الحوزة العلمية، أم لا؟

حسن الخميني: أنا أعتقد أن من اللازم إجراء بعض التغييرات في منظومة المؤسسة الدينية وفي أبعادها المختلفة، طبعاً أنا أتذكر ما قاله الإمام في الأيام الأخيرة من حياته بهذا الخصوص، عندما أكد أن الاجتهاد المتعارف عليه في الحوزات الدينية غير كافٍ وغير مؤهل لإدارة شؤون البلاد، خاصة بعد أن تولى علماء الدين المسؤولية عن قسم أو لنقل الجانب الأكبر من قضايا البلاد، وحتى لو لم نأخذ البعد السياسي بعين الاعتبار، فهناك وابل من الشبهات الجديدة الواردة على العالم الإسلامي وإيران كذلك، وعليه يجب على المؤسسة الدينية إعادة النظر في نظامها.

دعوني أوضح لكم مشكلة أساسية في منظومة مؤسستنا الدينية وربما حتى في المؤسسة الدينية لأهل السُنة، وهي أننا نعد الطلبة لتحصيل العلوم الدينية كي يصبحوا فقهاء وما نعلمهم إياه هو الفقه، غير أننا نتوقع منهم أن يتولوا أمور المجتمع تماماً كمثل الذي تعلمه الطب وتتوقع منه أن يكون مهندساً جيداً، والحال أنك يجب أن تتوقع منه الطبابة في ضوء ما تعلمه، هذه المشكلة قائمة أيضاً بالنسبة لعلماء الدين، خاصة في هذا الزمن، فما يتعلمه شيء وما يتوقعه المجتمع منه شيء آخر، أنتم تتوقعون أن يكون هناك زعيم في المجتمع يقود المجموعات ويصبح مرجعاً اجتماعياً في منطقة ما أو مسجد، وزعامة أي مسجد تتطلب -إلى حد ما- أن يكون الإنسان ملماً بعض الشيء بعلم النفس وعلم الاجتماع بالمعنى العلمي والسلوكي خاصة في البعد التربوي، وكيف يتعامل مع الناس، ولذلك ترون الملمين بهذه الأمور ينجحون في عملهم، وعلى العكس بالنسبة للذين لم يطلعوا على هذه الأمور.

علماء الدين لا يواجهون اليوم فقط الشبهات الفقهية، بل هم أمام سيل كبير من الشبهات الكلامية، نحن في مؤسسات الدين الشيعية لا نرى اهتماماً كبيراً في هذا المجال، طبعاً أنا متفائل جداً لمستقبل الحوزات بسبب مجيء جيل جديد ملم بطرق ومناهج التحقيق والبحث الجديدة، ولديه وسائل ومستلزمات كثيرة منها الكمبيوتر، وهذه الوسائل لا شك أنها تساعد على أن ينظر للمستقبل بشكل أفضل، لكن وعلى أي حال هناك شبهات جديدة تثار على الأسس العلمية لفلسفتنا الإسلامية، وفلسفتنا الدينية، والرد على هذه الشبهات يستدعي البحث، ولا يوجد لدينا في حوزاتنا دروس ثابتة في هذا الباب وحتى إن وجدت فهي ليست موسَّعة ومفصلة بالشكل المطلوب.

اليوم وعندما يفد عالم دين على مدينة صغيرة كانت أو كبيرة ويلتقي الشباب، فإن سيلاً من الأسئلة ينهال عليه، ربما نصفها يتعلق بالأحكام الفقهية ولديه القدرة على الإجابة بشأنها، غير أن 50% من الأسئلة التي سيواجهها تتضمن شبهات في مجال المسائل الكلامية والفلسفية المطروحة حديثاً في إيران أو أنها مطروحة في العالم الغربي ثم تنتقل إلى إيران، الشبهات تأتينا عادة من الغرب، بمعنى أن الشبهات الكلامية الجديدة التي كانت مطروحة قبل سنوات في العالم المسيحي تطرح اليوم في إيران، وإذا كان معروفاً في السابق أن الشبهات أول ما ترد إلى الدول العربية وتزحف شرقاً لتدخل الهند ثم تعود لترد إيران، فإن الأمر اختلف اليوم وأصبح انتقالها أكثر سهولة إلى داخل إيران، مع وجود وسائل الارتباط السريع.

وعليه فأنا أؤيد ضرورة إيجاد تغيير وتحولٍ في نظام الحوزة، ما يرجى ويتوقع من المؤسسة الدينية يجب أن يصبح ضمن مناهج التدريس فيها، كما يجب العمل للرد على وابل الشبهات الجديدة المطروحة على الساحة.

غسان بن جدو: طالما تحدثت عن الإصلاحات، باختصار شديد هل تعتقد بأن الشعارات أو الإصلاحات التي وعد بها الرئيس محمد خاتمي فشلت، أم حققت بعض النجاحات بعد ست سنوات من مجيء الرئيس خاتمي؟

حسن الخميني: أعتقد أن الكثير من الشعارات التي رفعها الرئيس محمد خاتمي قد تحققت مثل شعار سيادة القانون، وأن يكون الجميع داخل دائرة القانون، نحن نرى حتى أولئك الذين لم يكونوا ينصاعون للقانون نراهم اليوم يبررون تصرفاتهم اللا قانونية بالقانون، هذه مسألة مهمة جداً، يجب ألا نستصغرها في أذهاننا.

غسان بن جدو: لكنه قُتِلَ بسيف القانون كما يقولون.

حسن الخميني: قد يكون الأمر كذلك، ولكنني أعتقد أنها خطوة إلى الأمام تتقدم على القتل بدون قانون، أي أنها خطوة باتجاه عدم القتل، طبعاً قد تكون بعض الشعارات في طريقها إلى التحقق، غير أنني لا أؤيد من يقول بأن الإصلاحات في إيران قد ماتت أو فشلت، الإصلاحات ماضية في طريقها متعثرة أو عليلة، لكنها تتقدم حتى لو أن من هو مثلي يتوقف، فإن بقية الركب يواصل ويستمر.

حقيقة الصراع بين المحافظين والإصلاحيين في إيران

غسان بن جدو: طيب كيف تنظرون إلى هذا الصراع المستمر بين من يسمون بالمحافظين ومن يسمون بالإصلاحيين؟ أعلم جيداً أنكم في إيران لا تريدون هذه التسميات، ولكن هذا واقع، هناك طرف وهناك مخالف له، كيف تنظرون لهذا الصراع بعد كل هذه السنوات؟ بصراحة.

حسن الخميني: دعني أذكر لك مثالاً من التاريخ كي لا تنتاب المشاهدين حالة من الملل، كان هناك وزير في البلاط الملكي لشاه إيران يدعى أسد الله علم وله مذكرات مشهورة، وقد طبعت مرات عديدة، يقول علم في مذكراته: أنه التقى الشاه ذات مرة وكان غاضباً جداً من الملك حسين ملك الأردن، ويقول أن الملك حسين سيفقد المُلك في خاتمة المطاف لأن هناك صراعاً شديدا داخل حكومته وأن الملك لا يعرف كيف يسوي هذا الصراع الذي سيؤدي بالنتيجة إلى انهيار نظام الملك حسين، كنت أقرأ هذه المذكرات في ليلة ما ولفت انتباهي أن الملك حسين بقي في الحكم وسلمه لابنه، في حين أن الشاه سقط وتلاشى.

إذن فالسكوت والهدوء لا يعني البقاء بالضرورة، والصراعات السياسية لا تعني الزوال، فقد يكون نظام ما له من مقومات البقاء الكثير رغم أنه يعيش في داخله مع الكثير من الصخب والضجيج، وقد يكون هناك نظام يبدو في غاية الهدوء لكنه ينهار من الداخل.

أنا أعتقد أننا في إيران نَمرُ بحالة مخاض، وعلينا الإذعان بأن طريقة الإدارة في الظروف الجديدة تختلف عن طريقة الإدارة في حالة السكون، أجواء السكون السابقة تختلف عن أجواء الاحتقان، أو كما تسمونها بالنزاعات القائمة، غير أنني لا أراها عميقة جداً لأنه مع وجود كل الخلافات، فهناك لازالت نقاط مشتركة كثيرة بين الطرفين، طبعاً نحن نؤكد دائماً أنه لابد في النزاعات أن يختلف الطرفان، والإمام الراحل كان يقول أن الانتقاد بل التخطئة هي من ألطاف الله التي مَنَّ بها على عباده ليتمكنوا من تخطئة الآخر ليكونوا كالمرآة بالنسبة لبعضهم البعض، ومع كل ذلك فإننا قلقون جداً من تعمق الخلافات إلى الدرجة التي تؤدي إلى الحقد والكراهية.

وخلاصة القول أنه ما دام الأمر على مستوى الاختلاف فلا ضير في ذلك، لكن إذا تعدى ذلك إلى حالة الحقد والكراهية فقد يفسح المجال لتيار آخر وعند ذاك سيكون الأمر في غاية الخطورة.

غسان بن جدو: طيب، ولاية الفقيه في إيران حكم أم طرف؟

حسن الخميني: طبعاً المرشد بحسب دستورنا يجب أن يكون مثل الذي يبسط جناحيه على كلا التيارين.

غسان بن جدو: طيب برأيك -سماحة السيد- ما هي مواصفات رئيس الجمهورية المقبل؟ يعني عندما نقول الرئيس المقبل، ما هي مواصفاته؟ ما هي أولوياته؟ يعني الرئيس محمد خاتمي طرح شعار التنمية السياسية، قبل السيد خاتمي الشيخ رفسنجاني التنمية الاقتصادية، برأيكم المرحلة المقبلة ما هي الأولويات للرئيس المقبل؟

حسن الخميني: أعتقد إنه من السابق لأوانه الحديث عن رئيس الجمهورية القادم في إيران، أمامنا انتخابات مهمة جداً وهي الانتخابات البرلمانية، وهذه الانتخابات ستحدد إلى درجة كبيرة وضع الحكومة القادمة، خاصة وأن الظروف الدولية قد تترك أثراً كبيراً على إيران، إنني أشعر أن بعض القوى الدولية تدفع نحو التطرف في إيران، ومن الطبيعي في هذه الحالة أن تترك هذه الظروف تأثيرها على خيارات الشعب الإيراني، بالنسبة لرئيسه القادم، وفي كل الأحوال، فمن السابق لأوانه الحديث في ذلك، وأنا شخصياً لا أدري ما هو القرار الذي سأتخذه بهذا الصدد.

غسان بن جدو: أنتم أشرتم إلى الضغوط الخارجية، ولذا نحن سنتحدث أكثر عن التطورات الخارجية وموقفكم من هذه التطورات الخارجية.

[فاصل إعلاني]

طبيعة العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب

غسان بن جدو: سماحة السيد، أنا سمعت وصفاً عنكم في الحوزة، يقولون السيد حسن الخميني جامع المعقول والمنقول، لماذا؟ جامع المعقول، لأنكم تدرسون الفلسفة حتى سمعت أنكم تدرسون الفلسفة الغربية بشكل أساسي، والمنقول أصول الفقه، لذا هذا يدفعني للسؤال التالي: كيف ترون علاقة بين الإسلام والمسلمين والعالم الإسلامي وبين الغرب؟ هل هي علاقة صراع أم علاقة حوار خاصة في الظروف العالمية الحالية؟

حسن الخميني: على أي حال يجب الإذعان بأن الغرب قد عاد على مجتمعنا بمكاسب، فالتكنولوجيا الجديدة هي ميراث الغرب لنا، طبعاً لم يقدموه لنا بالمجان، بل إنهم أخذوا مقابل ذلك أضعافه من ثروات بلادنا، هذه الهدايا الغربية كلفتنا ثمناً باهظاً تاريخ الاستعمار الغربي لبلادنا الإسلامية هو تاريخ طويل جداً وهذا التاريخ كان مريراً جداً بالنسبة لشمال إفريقيا وشبه القارة الهندية، وكذلك في بلدنا، وإن لم يخضع للاستعمار بصورة رسمية، لكن تسبب في قتل الكثيرين على هذه الأرض، لكن على مستوى العلوم الإنسانية أوجد الغرب بعض الأسس الجديدة، وعلى أي حال فإن التأكيد الخاص على حقوق الإنسان هو من أدبيات الغرب، ولعلها من المصطلحات الجديدة التي دخلت العالم الإسلامي، غير أنني أقول دائماً أن علينا التفريق بين ما يؤكد عليه الغرب كفلسفة غربية وبين عمل الغرب، الغربيون جيدون جداً، لكن بالنسبة لأنفسهم وليس بالنسبة لنا، لدى الغرب حكومات جيدة لكن لشعوبهم، وفي أحسن الفرضيات إنهم جاءوا بالحرية إلى بلادهم ولم يتركوا إرثاً قيماً لمنطقتنا.

هناك نقطة يذكرها بعض كبارنا الأجلاء وهي نقطة صحيحة تماماً، وهي أن السبب وراء عدم تنامي الديمقراطية في بلادنا الإسلامية يتمثل في أدعياء الديمقراطية هؤلاء، في داخل بلدنا إيران ترون أنهم أسقطوا حكومتنا الوطنية، وفرضوا سلطة الاستبداد على إيران خمسة وعشرين سنة أخرى مستندين في ذلك على ما يسمونها مقتضيات المصالح الوطنية، وفي نقاط أخرى من العالم وبذريعة مصالحهم الوطنية أيضاً أوجدوا إسرائيل لتتحول إلى شوكة في حنجرة العالم الإسلامي.

أنا أعتقد أننا في الظروف الراهنة نوشك أن ندخل في صراع سافر مع الغرب في المبادئ الثقافية، والذي يتحمل مسؤولية هذا الصراع بحسب أكثر الآراء حيادية هم الغربيون، فالتشديد المفرط على المصالح القومية للدول الغنية يؤدي إلى مزيد من الفقر للبلدان الفقيرة، وبالتالي تتولد لدى شعوب هذه البلدان والمجتمع الدولي بشكل عام عقدة إزاء الغرب وخاصة أميركا.

الحقيقة هي أننا إذا أردنا بلورة حوار الحضارات الذي رفعنا شعاره أو أردنا أن يكون لنا تعايش سلمي في عالمنا اليوم، فإن على الغربيين أن يتحملوا مسؤولياتهم أيضاً، فنحن لسنا وحدنا مسؤولين عن تحقيق مثل هذا التعايش، بل عليهم أيضاً أن يقوموا بدور ويدفعوا ثمناً لذلك، في الأثناء أعتقد قبل كل شيء أن الغربيين إذا كانوا يريدون أن تكون لهم مكانتهم وخصوصيتهم وجذورهم سيما في العالم الإسلامي فعليهم الإجابة ببساطة على سؤالٍ يطرح نفسه، وأنا شخصياً أتوق لمعرفة جوابه، هذا السؤال هو: لماذا كل هذا الاتكاء على دور دولة تسمى إسرائيل؟ وما هو النفع العائد على الغرب من ذلك؟

لطالما طرحت هذا السؤال على من رأيتهم من القادمين من الغرب، وتحدثت إليهم، وسمعت أجوبة متعددة، غير أن الحقيقة هي أن أميركا أصبحت منبوذة اليوم في العالم الإسلامي، والكراهية إزاءها متنامية يوماً بعد آخر، وقد تنعكس هذه الكراهية، وتتزايد في صور وأشكال مختلفة، وقد تتبلور يوماً في إطار حركة دينية متطرفة، وقد تتبلور بشكل آخر في المنطقة، لكن جوهر هذه الكراهية ودوافعها طبيعي تماماً ليبقى السؤال مطروحاً: لماذا يضعون كل بيضهم في سلة إسرائيل، وهي دولة لا تلتزم بأي قاعدة أو قانون؟ لماذا يدفعون هذا الثمن على حساب تفاهمهم ومصالحهم مع العالم الإسلامي؟

غسان بن جدو: ربما سنتحدث أكثر عن إسرائيل وموقف فلسطين، لكن أنت أشرت سماحة السيد إلى شعار حوار الحضارات التي.. الذي رفعتموه هنا، طبعاً السنوات الماضية شهدت تحسناً ملحوظاً في علاقات إيران الخارجية العربية والإسلامية والدولية بشكل كبير، ولكن هذه المرحلة هناك توتر حقيقي في علاقات إيران، وخاصة مع الغرب وأوروبا بشكل أساسي، هل تعتقد بأن هذا مؤشر ودليل على فشل الاستراتيجية الخارجية الإيرانية في تعاطيها مع أوروبا والولايات المتحدة الأميركية والمجتمع الدولي -ما يسمى بالمجتمع الدولي- أم لأ هناك اعتبارات أخرى نود أن نفهمها منكم؟

حسن الخميني: كان طرح سياسة تخفيف حدة التوتر في أواخر فترة رئاسة هاشمي رفسنجاني، ثم اعتمدت بشكل أكبر عندما تولَّى الرئيس الحالي محمد خاتمي رئاسة الجمهورية، ولم تكن مقتصرة طبعاً على الغرب فقط، وهذه السياسة لازلنا نعتمدها بقوة مع مختلف دول العالم الإسلامي، ولدينا اليوم علاقات متينة وودية مع دول ربما كانت لدينا معها مشكلات كثيرة في السابق، ولذا فأنا أعتقد أن سياسة إزالة التوتر بالنسبة للعالم الإسلامي وخاصة العالم العربي لم تواجه الفشل، بل هي إحدى نقاط للقوة في سياستنا الخارجية.

غسان بن جدو: أنا أتحدث عن الغرب، بشكل أساسي عن الغرب.

حسن الخميني: علينا الاعتراف بأن هذه السياسة توشك أن تواجه أزمات ومشاكل، وأن السبب في ذلك هو الغربيون أنفسهم، فالغربيون لا يصدقون بأن هناك دولاً في هذه المنطقة تستطيع الوقوف على قدميها، كما أن الظروف الدولية قد تغيرت، وهناك حقيقة أخرى هي أن حكومة متعجرفة جداً ومستبدة تولَّت مقاليد الأمور في أميركا، وهذه الأسباب هي التي تقف وراء علاقتنا المتأزمة مع الغرب، وأنا أؤيدك الرأي بأن سياسة إزالة التوتر الإيرانية لا تمر بظروف جيدة في التعامل مع الغرب.

الحوار الإيراني مع أميركا بين الإمكانية وتأزم الموقف

غسان بن جدو: أشرت إلى الإدارة الأميركية، بشكل واضح الملف الأميركي دائماً مطروح هنا في إيران، أنتم كيف ترون إمكانية حوار ما مع الولايات المتحدة الأميركية وعلاقة ما مع الولايات المتحدة الأميركية، بأي شروط؟ بأي إمكانات؟ أم أن الأبواب مسدودة الآن خاصة في.. في ظل وجود هذه الإدارة الأميركية برئاسة (جورج بوش)؟

حسن الخميني: كانت هذه سياسة متبعة في السابق، ولقد نص دستورنا على حظر إقامة علاقاتٍ مع دولتين فقط لا يسعنا الارتباط معهما بعلاقات، إحداهما جنوب إفريقيا، وقد تغير الموضوع أساساً بالنسبة لها، حيث كانت تعتمد سياسة التمييز العنصري، وبعد انتقال مقاليد الأمور فيها إلى نظام جديد بقيت الدولة الوحيدة التي لا نقيم معها علاقات هي إسرائيل، وهذا ما نص عليه دستور بلادنا، أما أميركا فلم يجرِ الحديث في وقت من الأوقات عن عدم إمكانية إقامة علاقات معها في السياسة الإيرانية، لكن من زاوية المصالح الوطنية، وكذلك من زاوية المصالح الإسلامية، ولو نظرنا بواقعية إلى هذه القضية، فلا أعتقد أننا سنجد أي مصلحة يمكن تصورها من وراء التفاوض وإقامة العلاقات مع أميركا اليوم. ما الذي يمكن أن نحصل عليه من هذه العلاقة مع بقاء روح الهيمنة والغطرسة التي ما تزال الإدارة الأميركية تتعامل بها مع الدول الأخرى؟ هذه الدول العربية التي تقيم علاقات مع أميركا، ما الذي استفادته من هذه العلاقات؟

إن المشكلة تكمن في نزعة التحكم والهيمنة لدى الأميركيين، وهي نزعة أثارت حفيظة الأصدقاء في المنطقة، بل وحتى حلفائها في الغرب، لذا لا يمكنني تصور إمكانية قيام علاقة سليمة ومتكافئة مع الولايات المتحدة، لأننا نعتقد أن أية علاقة طبيعية ينبغي أن تقوم على أساس الاحترام المتبادل بين الطرفين، وبطبيعة الأمر فإن مسؤولي الجمهورية الإسلامية لن يغلقوا أبواب المحادثات والعلاقات مع أميركا إطلاقاً، بل وضعوا لها شروطاً لم تتحقق بعد.

غسان بن جدو: لكن الآن ألا تخشون أميركا.. أميركا هنا في العراق في الخليج، في أفغانستان، في آسيا الوسطى، قوة عظمى تحرك حتى أوروبا، في الملف النووي تضغط عليكم بشكل كبير، لا تخشون أميركا أبداً؟

حسن الخميني: لا يختلف الأمر أينما تكون أميركا، لأن أميركا لم تكن موجودة في المنطقة إبَّان حرب النفط، وقد جاءت بعد ذلك، العالم اليوم أصبح صغيراً، ولا فرق بين أن تكون إلى جانبك أو في الجهة الأخرى من العالم، الأميركيون اليوم في واشنطن هم بالقرب منا، والتحرك في العالم بات أسرع من أن تعيقه المحيطات ناهيك عن البحار والحدود الجغرافية.

دور إيران في عراق ما بعد صدام

غسان بن جدو: أنا أشرت قبل قليل إلى التطورات إلى الملف العراقي أو للعراق، أنتم بعد ما حصل في العراق سقوط نظام صدام حسين، الآن الوضع الذي ترونه بشكل أساسي، كف تنظرون لهذه التطورات في العراق، ثم ما هو دوركم أنتم في إيران.. الإيرانيون في العراق على مستوى ديني، ثقافي، اقتصادي، سياسي، أمني، كيف ترون دوركم؟

حسن الخميني: على أي حال فإن للعراق تاريخاً عريقاً جداً معنا، بمعنى أننا لا يسعنا القبول بألا تكون لنا علاقات جيدة مع العراق، وهو أقرب البلدان إلينا، الشعب العراقي ورغم أنه عاش ثماني سنوات من الحرب والقتال معنا، فإنه لا يضمر أدنى كراهية وحقد للشعب الإيراني، أين تجد شعبين تقاتلا ثم بعد أن انتهت الحرب بينهما يتعايشان مع بعضهما بهذا القدر من الود والإخاء، أي إيراني يزور العراق اليوم ثم يعود، يتحدث بإعجاب عن حب العراقيين لإيران وللإمام وللنظام والشعب الإيراني، وهذه المشاعر تؤكد قناعة العراقيين بأن الحرب مع إيران لم تكن حربهم، إنما حرب نظام صدام حسين، لذلك فإن شعبين يرتبطان بعلاقات أخوية وودية كهذه لا يمكننا أنا وأنت أن نتحدث عن تحديد شكل هذه العلاقة، ومن الطبيعي أن يكون لنظام الجمهورية الإسلامية من يتحدث باسمه هناك، طبعاً أنا هنا أعبر عن رأيي الشخصي فقط، لكنني أؤكد أن علاقة غالبية الشعب العراقي مع إيران هي من القوة بحيث أنها حتى لو لم ترق لنا لا نستطيع التأثير عليها.

حقيقة التنافس بين حوزة قم وحوزة النجف

غسان بن جدو: مع كل هذه الانطباعات الإيجابية التي تتحدثون عنها من العراقيين حول إيران، لكن لا شك إن تصلكم معلومات بأن هناك بعض العراقيين أو عدد من العراقيين المستائين من السياسة الإيرانية، وحتى يعتبرون بأن إيران تتدخل في الشؤون العراقية، أعطيك مثال حتى أبقى في.. في مجالك، هناك من يتهمكم بشكل أساسي بأنكم قلقون جداً من عودة حوزة.. الحوزة العلمية في النجف والتي يمكن أن تخطف الأضواء من الحوزة العلمية في قُم، ما هو ردكم؟

حسن الخميني: كانت هناك معارك بين الشيعة والسُنة في التاريخ، تعلمون بأن معارك طاحنة وقعت في تاريخ إيران والعثمانيين، لدرجة أن السلطان سليم والسلطان سليمان -من سلاطين العثمانيين وقتذاك- كانا يفتيان بإباحة دم الشيعة، وكان في هذا الجانب أيضاً متطرفون يذهبون إلى إباحة دماء السُنة، ويؤججون أوار هذه الحرب العبثية، في تلك الأيام ظهرت إشاعة مذكورة في كتبهم تقول أن الحكومة الإيرانية وقتذاك أرادت تخريب الكعبة لتبني محلها كعبة في مدينة أردبيل شمالي إيران، وبعد ذلك تنقل حوزة النجف إلى مدينة قُم، هذه مجرد مزحة، فحوزة النجف ذات تاريخ يمتد إلى ألف سنة، ولا يبدو أن مثل هذا الكلام يمكن أن يعقل، ولا أعتقد أن أحداً اطَّلع على تاريخ الحوزات، وبالذات حوزة النجف بوسعه أن يعقل أو يصدق ذلك، حوزة النجف ذات تاريخ حافل وثري، حيث أسسها الشيخ الطوسي، وفي مراحل لاحقة عندما انتقل مركز التشيع إلى أصفهان لم تفقد حوزة النجف قيمتها، وبشكل عام فإن حوزة النجف لم تقف بوجه حوزة قُم أو حاولت إقصاءها، كما كان يريد كثيرون ذلك في عهد محمد رضا شاه، ولا أعتقد أن أياًّ من الحوزتين تريد إلغاء الأخرى، ووجود حوزة علمية قوية في قلب النجف التي تحتضن مرقد الإمام علي -عليه السلام- لا يمثل أي ضرر بالنسبة لحوزة قُم أو الحكم في إيران كي يفكر أحد بمثل ذلك.

غسان بن جدو: نعم سماحة السيد، أنتم تعلمون هذه القضية لا هي قضية جغرافية، ولا هي قضية علماء الدين ومن يسمى هذا في قُم، الآن في هذا الزمن عندما نتحدث عن الحوزة العلمية، لا نتحدث فقط عن عدد علماء الدين والأهمية، نتحدث عن المال، نتحدث عن الاستقطاب السياسي، نتحدث عن الدور، هذا هو الفارق الكبير، وأنتم في إيران حريصون على أن تبقى حوزة قُم قوية بهذا.. بهذا الأساس، خاصة وأنكم جمهورية إسلامية، حتى تستقطبوا سياسياً، وثقافياً، ودينياً، ومالياً، وغيرها.

حسن الخميني: أولاً: إن حوزة النجف عاشت مع الإيرانيين دائماً، بمعنى أنه على مر التاريخ وباستثناء المرحوم صاحب الجواهر الذي كان نجفياً، فإن الشيخ الأنصاري أحد أكبر فقهاء النجف كان من (دستول)، وهو إيراني، وبعد ذلك كان المرحوم الخوئي، والمرحوم الأصفهاني، والمرحوم النائيني، والمرحوم أغا ضياء الأراكي، وجميعهم كانوا إيرانيين.

ولم تنفصل حوزة النجف في تاريخها عن الإيرانيين ولم يكن بوسع الحدود الدولية أن تبدد العلاقة بين هذين القطبين من عالم التشيع، والحقيقة أنه بالنسبة لدولة مثل إيران لا تمثل المسائل المالية لحوزة النجف وسيلة ضغط وعلينا الإذعان بأن حوزة النجف ليست لها قدرة مالية كبيرة كي تعمل دولة مثل إيران لوضع سياساتها على أساس مسائلها المالية.

الموقف الإيراني من القضية الفلسطينية

غسان بن جدو: طيب، فيما يتعلق بالشعارات التي رفعت في السابق، رفعها الإمام الخميني، وأود أن أفهم رأيكم في هذه القضية بالتحديد، رفع شعار تشكيل جيش العشرين مليون الذين يذهبوا لتحرير بيت المقدس، طب سيد حسن الخميني، باعتبارك وكيل ميراث الإمام الخميني، هذا الشعار لا يزال قائماً؟

حسن الخميني: شعار جيش العشرين مليون لم يكن لتحرير فلسطين، هذا الشعار جاء بناء على عبارة قالها الإمام وهي أن الشعب الذي لديه عشرون مليون شاب يجب أن يكون له عشرون مليون تعبوي وعشرون مليون جندي.

غسان بن جدو: لكن الآن يفسر، لأ أنا ما أسمعه أنه خاصة من قبل (البيدسيج)، والإخوان إنه ينبغي تشكيل جيش العشرين مليون.

حسن الخميني: موضوع جيش العشرين مليون صحيح، لكن أن يكون لتحرير فلسطين فهذه الغاية لديَّ نقاش حولها، فلم يكن تشكيل جيش العشرين مليوناً من أجل فلسطين، رغم أن تحرير فلسطين هو هدفنا جميعاً، أنا أعتقد أن قضية فلسطين لم تعد بحاجة إلى جيش بعشرين مليوناً، إن قضية فلسطين بحاجة إلى قلوب قوية أكثر من حاجتها إلى سواعد قوية، الحقيقة أن العالم أصبح يعترف بإسرائيل، وليست القضية بحاجة إلى عشرين مليون، يكفي أن يتخلى العالم عن دعم إسرائيل لتزال من الوجود، علينا الاعتراف بأن إسرائيل بمثابة غدة سرطانية، قائمة دائماً وستبقى كذلك في قلب هذه الأرض، وعلينا القبول بأن الكيان الحاكم في إسرائيل لا يريد حل المشكلات مع العالم الإسلامي، وخريطة الطريق مثال على ذلك، لقد قلنا في عدة مناسبات أنكم حررتم الكويت بقرار دولي واحد وجلبتم كل تلك القوات إلى هذه المنطقة، لكن عدة قرارات دولية كان يجب أن تصدر من مجلس الأمن حول جنين وما ارتكبته إسرائيل ضدها من جرائم، إلا أن الموقف الأميركي لم يسمح بذلك طبعاً، وكما يقول العرب فإن باءك تجر وبائي لا تجر، لماذا سياسة الكيل بمكيالين، إن مشكلة العالم الإسلامي مع أميركا هي غياب العدالة، وهذه الحقيقة، إن قضية فلسطين هي قضية كبرى، وعلينا الإذعان بأنها ليست قضية الشعب الفلسطيني فحسب، علينا الاعتراف بأن الفلسطينيين يناضلون اليوم نيابة عن جميع المسلمين وخاصة العرب في العالم الإسلامي، والشعب الفلسطيني شاء أم أبى، فإن الله مَنَّ عليه بأن جعله يقاتل العدو في خط المواجهة الأوَّل ولا أعتقد أن أحداً حتى من بين المجموعات المعارضة والمناوئة للنظام السياسي في إيران يستطيع أن يقف موقفاً اللا مبالاة إزاء القضية الفلسطينية.

غسان بن جدو: طب في هذا الإطار، سماحة السيد خيار فصائل المقاومة في فلسطين أكان حماس أو الجهاد الإسلامي أو حزب الله في لبنان، هل تدعمون هذا الخيار خيار المقاومة؟ أم تعتبرونه خياراً لن يكون مجدياً في المستقبل؟

حسن الخميني: وهل تعرفون سبيلاً آخر طرح لحد الآن؟

غسان بن جدو: السؤال لكم، التفاوض، التفاوض وليس المقاومة.

حسن الخميني: بعد اجتماع أوسلو سعوا وراء ذلك، ألم تجر مفاوضات؟ إلى أين وصلوا اليوم؟ ألم نعد إلى الوراء ومن حيث بدأنا؟

قد يكون لديك حل مناسب، لكن الحل المناسب لا يكون بالضرورة ممكناً، هذه هي الحقيقة وخريطة الطريق ثبت أنها لم ينجم عنها سوى الدماء الطاهرة للفلسطينيين، أي حلول سلمية أخرى مطروحة؟ قد يستطيع الإنسان أن يتأنق ويجلس في غرفة مكيفة ويقول مثل هذا الكلام، لكن ليس كل ما نهواه يمكن تحقيقه بالضرورة، إنني أشك حقاً في أن الإسرائيليين يريدون عمل شيء.

غسان بن جدو: سؤالي الأخير سماحة السيد أيضاً عن إيران، أنت عالم دين صحيح، ولكنك عالم دين شباب وغالبية.. أكثرية الشعب الإيراني من الشبان 70% تقريباً من الإيرانيين شباب، هل تعتقد بأن الشباب الإيراني مازال يثق في نظامه؟ مازال له أمل في المستقبل في نظام الجمهورية الإسلامية أم لا؟ أنتم عليكم تحديات كبرى وعليكم أن تواجهوا هذه التحديات، وتخاطبوا الشباب الإيراني، وتمارسوا معه سياسة جديدة.

حسن الخميني: أنتم لا تخاطبون الشباب الإيراني، وعلى أي حال أعتقد أن من المستحسن ألا أخاطب الشباب الإيراني فقط، وهم قلَّما يسمعون خطابكم، وأشعر كأخ أنه يجب أن تكون لدينا قناعة بأن المستقبل سيكون لنا، هذه القناعة في غاية الأهمية، ويجب أن نقتنع بأننا لا نقل عن الغربيين، كان أول ما أيقظه الإمام في ضمائر الإيرانيين كركيزة للثورة، هو الإيمان بقدراتنا الذاتية، وخاطبهم قائلاً: يجب أن تؤمنوا بأنكم قادرين، وإذا آمنتم بذلك سترون إمكانية العمل في شتى المجالات.

إن مشكلتنا هي عدم إيماننا بذاتنا، تعالوا نؤمن بأنفسنا، وبعد ذلك سيكون بمقدورنا تحقيق الإنجازات الكبيرة، ولدينا أمثلة كثيرة من تاريخ عالمنا الإسلامي والعربي يدعم هذا الكلام فهذه الحالة الموجودة في إيران، هل أن الغربيين كانوا يريدون أن تقوم الثورة في إيران؟ ألم تقف القوة الأميركية خلف الشاه؟ لكن الإيمان قام بدوره وفعل فعله وأتمه.

إنني أعتقد أن ما يلزم العالم الإسلامي اليوم هو الإيمان بالذات، وعلينا أن نقتنع أولاً بأن لدينا القدرة على صنع مستقبلنا.

على سبيل المثال هذا المنبر الذي أوجدتموه والقناة التي أسستموها ربما قبل أن تؤسسوها لم يكن أحد يظن ويصدق إمكانية القيام بمثل هذا العمل، اليوم أصبحت إحدى أكثر القنوات استقطاباً للمشاهدين في العالمين الإسلامي والعربي، حسناً عندما يتبلور مثل هذا العمل في ظل مثل هذا الإيمان كلٌ من موقعه سيؤمن بأن المستقبل سيكون للمسلمين، أنا أعتقد أن مستقبلاً مشرقاً جداً في انتظارنا.

غسان بن جدو: سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد حسن الخميني، شكراً لكم على هذه المقابلة.

مشاهدينا الكرام، شكراً لكم على حسن المتابعة، وإلى لقاء آخر بإذن الله. في أمان الله.