مقدم الحلقة إقبال الهامي
ضيف الحلقة - أحمد البخاري، ضابط سابق في المخابرات المغربية.
تاريخ الحلقة 03/08/2001 و10/08/2001 (الجزءان الأول والثاني)

- كيفية الإعداد لخطة خطف بن بركة
- طريقة خطف بن بركة ومصرعه أثناء التعذيب
- كيفية رجوع جثته للمغرب
- دور المخابرات الفرنسية في خطفه واغتياله
- المحاولات السابقة لاغتيال بن بركة
- دور المخابرات الأميركية في قضية بن بركة
- دور الموساد في عملية اغتيال بن بركة
- اعترافات البخاري بين الحقيقة والتكذيب وحجم دوره في القضية
- المخابرات المغربية وضلوعها في اغتيال واختطاف عناصر المعارضة
- تورط مسؤولين سياسيين في عمليات الفساد

أحمد البخاري
إقبال الهامي
إقبال التهامي: سيد أحمد البخاري أهلاً بكم إلى هذا اللقاء مع قناة (الجزيرة). أنتم شغلتم الرأي العام المغربي والعربي بالتصريحات الأخيرة التي أدليتم بها في شأن قضية المهدي بن بركة، وغيرتم الكثير من الإفادة الرسمية التي ظلت متداولة حتى الآن، سنحاول خلال هذا اللقاء إلقاء مزيد من الضوء على قضية المهدي بن بركة، لكن بداية سيد البخاري يعني كيف نقدمكم لمشاهدي (الجزيرة)؟
هل أنتم عميل سابقاً في جهاز المخابرات المغربي؟ هل لازلتم تعملون مع جهاز المخابرات أم أنتم شاهداً في قضية المهدي بن بركة؟
أحمد البخاري: أنا كنت في المخابرات المغربية في قسم مكافحة التخريب وكان رئيسي المباشر هو محمد العشعاشي وزملائي منهم عبد القادر ساكا ومحمد المسناوي.
إقبال إلهامي: كان المعروف أن المهدي بن بركة اختطف في باريس، واغتيل في باريس ، وظلت جثته هناك، أما الآن فأنتم تقولون أن جثة المهدي بن بركة نقلت عبر طائرة عسكرية إلى الرباط حيث أذيبت في حامض الأسيد، يعني ما هي روايتك حول قصة المهدي بن بركة؟ أو لنقل من قتل المهدي بن بركة؟
أحمد البخاري: في الحقيقة الكلام الذي أقوله اليوم، هو الحقيقة كما عشتها في داخل المخابرات المغربية، وكل ما قيل سابقاً وما كتب سابقاً، كتبه أو رواه أفراد كانوا ينظرون إلى القضية من الضفة الأخرى أي من الخارج، أما نحن العاملون في المخابرات المغربية، فكنا على إطلاع بالحقيقة، وخاصة الأفراد الذين عايشوا تلك الأحداث عن قرب، وأنا كنت من ضمنهم لأنني من الدائرة المحيطة بمحمد العشعاشي الذي يعتبر الرأس المخطط والمدبر لعملية بن بركة.

كيفية الإعداد لخطة خطف بن بركة

إقبال إلهامي: كيف تمت العملية؟ يعني ما هي روايتك للعملية؟
أحمد البخاري: بدأت العملية في شهر مارس/ آذار من عام 1965، مباشرة بعد المظاهرات التي شهدتها الدار البيضاء، أي مظاهرات الطلبة التي دامت ثلاثة أيام، ففي اليوم الثالث، اجتمع الجنرال أوفقير مع الدليمي ومحمد العشعاشي، واليوم الرابع كان يوم السادس والعشرين من مارس في ذلك الصباح اجتمع المسؤولين والقيادات في جهاز المخابرات المغربية، وتناقشوا حول الوضع في المغرب بعد تلك المظاهرات وناقشوا أيضاً الخطة التي طرحها العشعاشي لوضع حد لنشاطات بن بركة، وذلك إما القيام باختطافه وإرجاعه إلى المغرب حياً أو قتله...
إقبال إلهامي [مقاطعة]: يتم تصفيته يعني بشكل نهائي.
أحمد البخاري [مستأنفاً]: هذا الاجتماع عقد يوم السادس والعشرين من مارس 1965 حيث اجتمعت قيادة المخابرات بكاملها، وضمنهم ستة مسؤولين في مدينة من الرباط وستة من المسؤولين على مستوى الأقاليم في المغرب وبعض المسؤولين العسكريين في جهاز المخابرات المغربي وثلاثة من الخبراء الأمريكيين في الـ C.I.A . وهم الكولونيل مارتن الذي كان خبيراً في جهاز مكافحة الشيوعية والكولونيل سكوت الذي كان خبيراً في جهاز مكافحة التجسس والكولونيل ستيف الذي كان خبيراً في جهاز العمليات التقنية.
وبعد هذا الاجتماع، عقد اجتماع آخر يوم السادس والعشرين من مارس عام 1965، حوالي الخامسة عصراً، وكان الاجتماع على مستوى إدارات مكافحة الشيوعية، وكان حاضراً فيه الكولونيل مارتن وإلى جانبه أقرب مساعدي السيد/ محمد العشعاشي، وكان الهدف من الاجتماع هو توزيع الأدوار على الرجال الذين سيتولون القيام بعملية بن بركة، حتى يكونوا مكملين لبعضهم البعض وذلك لإتاحة الفرصة لنجاح العملية.
وفي هذا الاجتماع قرر محمد العشعاشي تعيين عشرين من ضباط الشرطة، الذين ينتمي أغلبهم إلى مدينة وجدة وعلى رأسهم ميلود التونزي الذي عرف فيما بعد باسم إلياس الشتوكي.
إقبال إلهامي: هذا الاسم الذي ظل لمدة طويلة غير معروف.
أحمد البخاري: وكان الشتوكي مكلفاً بهذه المجموعة المؤلفة من عشرين شخصاً، من المختصين في العمليات التقنية أي مختصون في المتابعة السرية هذه هي المجموعة الأولى المؤلفة من عشرين شخصاً، والمجموعة الثانية مكونة من عشرة أشخاص والمسؤول عنهم هو المفتش الراحل العلوي المدغري، وكانت مهمتهم هي التنصت على جميع مكالمات المهدي بن بركة في الخارج، وكذلك مراقبة بريده الخاص.
إقبال إلهامي [مقاطعة]: يعني أجهزة تصنت ومتابعة الرسائل التي تصل (بن بركة).
أحمد البخاري: وكانت هناك مجموعة ثالثة مؤلفة من عشرة أشخاص تم تعيينهم في الاجتماع المذكور ومهمتها العمل داخل المغرب، للتنصت على المكالمات والبريد داخل حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وكذلك بعض الأحزاب الأخرى وبعض زعماء الأحزاب الآخرين، الذين بدؤوا بالتنصت على مكالماتهم ومراقبة بريدهم.

طريقة خطف بن بركة ومصرعه أثناء التعذيب

إقبال إلهامي: لنتحدث الآن عن قضية بن بركة، نحن الآن في مارس 65 بدأ الجنرال محمد أوفقير كان آنذاك وزير الداخلية مساعده المقدم أحمد الدليمي ومحمد العشعاشي، رئيس قسم مكافحة التخريب، بدؤوا في تحضير العملية، ماذا وقع بعد ذلك؟
أحمد البخاري: التحضير للعملية بدأ قبل هذا الوقت، فالعشعاشي بدأ بالتحضير للعملية منذ ديسمبر عام 1964 ويناير عام 1965، وكان مقرراً في الخطة الأولية التي وضعت أن يتم اختطاف بن بركة في العاصمة الجزائرية وفي خلال مدة محدودة هي ثلاثة أشهر، وخطة العشعاشي هذه تمت الموافقة عليها خلال اجتماع في مقر المخابرات المغربية.
وبدأ تنفيذ الخطة يوم السابع والعشرين من مارس عام 1965، ووصل أفراد الشرطة السرية يوم السابع والعشرين من مارس وكانوا عشرين رجلاً وصلوا إلى جنيف حيث يقيم بن بركة وبدؤوا منذ تلك اللحظة عملية المتابعة لبن بركة.
وفي نفس اليوم بدأت المجموعة الأخرى المكونة من عشرة أشخاص ومعهم رئيسهم العلوي المدغري، عملها وهو التنصت على مكالمات بن بركة ومراقبة بريده.
وفي الوقت نفسه بدأ العشرة الآخرون عملهم داخل المغرب وهو التنصت على المكالمات والبريد وبدأت عملية المتابعة لبن بركة على مدار أربع وعشرين ساعة وهذا لمدة سبعة أشهر ويومين.
وفي الأسبوع الثاني أو الثالث من شهر أبريل من عام 1965، بدأت تصلنا تقارير مكتوبة أسبوعياً وكانت بالطبع تقارير مشفرة لن يستطيع فك رموزها أي شخص سوانا نحن، كذلك بدأت تصلنا التقارير عبر الهاتف وابتداء من يوم السابع والعشرين، تم تعيين خمسة من ضباط المخابرات ليقوموا بعمل وردية خاصة.
إقبال إلهامي: مداومة دائمة.
أحمد البخاري: مداومة خاصة.
إقبال إلهامي: في هذه المداومة الخاصة يتم متابعة أعمال تنصت تجارية حول بن بركة، والرسائل التي تصل إليه، نعم.
أحمد البخاري: في الأسبوع الثاني أو الثالث من شهر أبريل بدأنا نجمع كل التقارير التي تصلنا ونتدارسها مع محمد العشعاشي لأن العشعاشي كان مكلفاً بكتابة تقرير أسبوعي يسمى "التقرير الأسبوعي الشامل" وإرساله إلى المسؤولين.
وتبين لنا بعدها أن المهدي بن بركة كان يمر بأزمة مالية، لأنه في ذلك الوقت كان بن بركة يتنقل كثيراً للإعداد لمؤتمر القارات الثلاث، وإمكاناته المالية لم تكن كافية لتمويل تحركاته، وكان البلد الوحيد الذي يساعد بن بركة بشكل جيد هي الجزائر، أيام حكم أحمد بن بيلا، وكانت تساعده كذلك مصر أيام الرئيس جمال عبد الناصر، هذا البلدان هما اللذان كانا يساعدانه، أما الآخرين فكانت معوناتهم ضئيلة.
ومع أن الخطة الأولية لخطف بن بركة من الجزائر، وكانت تصلنا معلومات من ضباط المخابرات المغربية الذين كانوا يعملون في الجزائر كمخبرين يزودونا بالمعلومات، وأبلغونا أن الشرطة الجزائرية تشدد الحراسة على بن بركة وعلى المنزل الذي كان يسكن فيه، ولهذا تم تغيير الخطة التي وضعت سابقاً.
إقبال إلهامي: يعني عملية اختطاف بن بركة أو تصفيته في الجزائر أصبحت مستحيلة.
أحمد البخاري: أصبحت مستحيلة وصعبة.
إقبال إلهامي: تشديد الرقابة الأمنية عنه.
أحمد البخاري: ولاحظنا أيضاً أن أزمته المالية كانت تزداد سوءاً..
إقبال إلهامي [مقاطعة]: بمعنى أن المهدي بن بركة عندما أتى من جنيف إلى باريس للمشاركة في أحد الأفلام كان بسبب أزمة مادية، هذه المعلومات التي وصلت.
أحمد البخاري: ولكن الإعداد لخطة تصوير الفيلم بدأ منذ شهر أبريل وبدأنا منذ ذلك الوقت لأعداد الأدوار لهؤلاء المجرمين الفرنسيين حيث كلفتهم المخابرات المغربية بالبحث عن أشخاص فرنسيين من كتاب سيناريو وصحفيين ومخرجين، حوالي أربعة أو خمسة أشخاص يقوم كل منهم بدور معين ضمن خطة الخطف ومن بين هؤلاء مخرج فرنسي مشهور هو مترانسان وكان مشهوراً في أوساط اليسار الفرنسي وتم تكليفه بإخراج الفيلم وكان أحد الصحافيين الذي تقرب كثيراً من بن بركة وهو فيليب بيرنييه، كان قد قام سابقاً بالعمل في الإذاعة المغربية في بداية الاستقلال وقام هؤلاء بالتقرب من بركة بحجة الإعداد لفيلم بعنوان باستا، ويدور حول محاربة الاستعمار ودحره في العالم الثالث، وقاموا بالإعداد لميزانية الفيلم وجندت المخابرات المغربية شخصاً يهودياً ليكون واجهة تقوم بتمويل الفيلم.
إقبال إلهامي: يعني عملية إنتاج الفيلم كلها كانت تتم في جهاز المخابرات المغربية بالرباط.
أحمد البخاري: المخابرات المغربية بالرباط، وكان العشعاشي مكلفاً بالإشراف على إعداد الفيلم بما فيه ميزانية الإنتاج، وبقى هؤلاء الفرنسيون على اتصال ببن بركة بحجة الإعداد للفيلم ويلتقون معه إما في القاهرة أو باريس أو جنيف أو ألمانيا وكان آخر موعد له معهم في التاسع والعشرين من ديسمبر/ كانون الأول عام 1965 في باريس، وكانوا عندما يلتقون معه بهدف أن يبدو بن بركة وكأنه شخص اعتاد التعامل مع هذه الأوساط الإجرامية.
إقبال إلهامي: كان يجب الإيحاء بهذا.
أحمد البخاري: حتى ما تمت في المستقبل عملية اختطافه أو اغتياله يبدو الأمر وكأنه تصفيه حسابات داخل هذه الأوساط الإجرامية.
إقبال إلهامي: يعني أنه يرافق شخصيات من أوساط دونية أم ذات شبهات يعني.
أحمد البخاري: وكان عندما يلتقي بهم بن بركة في بلد ما فأنهم غالباً ما يتناولون العشاء في مطعم، يكون قد سبقهم إليه رجال الشرطة الذين يترأسهم الشتوكي، كي يقوموا بتصوير بن بركة مع هؤلاء الأشخاص ويحتفظون بهذه الصور في ملفه، حتى يتم نشرها مستقبلاً كي يظهر بن بركة وكأنه اعتاد على مرافقة مثل هذه النوعيات من المجرمين.
إذن آخر موعد كان بينه وبينهم كان في أكتوبر/ تشرين الأول في باريس، وفي ذلك الموعد تم ترتيب عملية الاختطاف في الأسبوع الذي يليه وذلك ربما الاثنين يوم الخامس والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول وكان العشعاشي حينها في الرباط وذهب إلى الكولونيل اليوسي الذي كان آنذاك يشغل وظيفة رئيس المكتب الثاني، أي المخابرات العسكرية، وذهب برفقة العشعاشي اثنين من ضباط المخابرات كنت أنا أحدهم والآخر هو حميدة أجد أين، حيث كنا بمثابة حراس شخصيين للعشعاشي.
ذهبنا إلى الكولونيل اليوسي وطلب منه العشعاشي أن يضع تحت تصرفه جهاز المخابرات طائرة عسكرية ابتداء من يوم الخميس الثاني والعشرين..
إقبال إلهامي [مقاطعة]: ليلة اختطاف المهدي بن بركة.
أحمد البخاري: أي أن تكون الطائرة جاهزة ليلة الاختطاف. يوم الثلاثاء غادر العشعاشي إلى فرنسا برفقة الضابطين ساكا والمسناوي، كي يهيئوا آخر ترتيبات عملية الخطف.
وسبق لهم أن سافروا عدة مرات إلى فرنسا بجوازات سفر حقيقة ولكنها تحمل أسماء مستعارة حيث كان في مقر المخابرات حوالي أربعين أو خمسين جواز سفر تحمل كل الأختام والتواقيع المطلوبة ولكن بدون ملئها بالأسماء وهي طبعاً جوازات سفر حقيقية وغير مزورة، تحمل تواقيع محافظ مدينة الرباط أو محافظ الدار البيضاء.
وعندما يريدون استخدامها وقت السفر يضعون عليها الصور وأسماء مستعارة، حيث كانوا ثلاثتهم يستخدمون أسماء مستعارة ومعهم كل أفراد الفريق المكلف بعملية بن بركة وعددهم عشرين شخصاً والعشرين الآخرين المكلفين بعمليات التنصت وجماعة الكولونيل العلوي كذلك كانت لهم مثل هذه الجوازات.
إذن سافروا إلى فرنسا يوم الثلاثاء، وبقوا أيام الثلاثاء والأربعاء والخميس للإعداد للترتيبات النهائية، ودفعوا أتعاب جميع الأشخاص الذين شاركوا في العملية أي الذين شاركوا في مشروع الفيلم الذي لن يتم تصويره، ودفعت أتعاب جميع الأشخاص الذين كانوا يقومون بإعداده ومنهم كاتب صحفي وهو أيضاً مجرم يدعى (جورج فيكون).
و(فيكون) هذا خلف لنا الكثير من المتاعب بعد عملية بن بركة وحاول ابتزاز المخابرات المغربية، وعرف فيما بعد أن السبب وراء تصرفه، أن العشعاشي كان قد هيأ له أجوره التي يستلمها لأن محمد العشعاشي عندما غادر إلى باريس، هيأ لكل واحد منهم مظروفاً في داخله أجوره المتفق عليها، وسلم الأظرفة إلى الشتوكي لأنه كان على اتصال مباشر مع هؤلاء الأشخاص، وتبين أن الجميع قد تسلموا أجورهم ما عدا (فيكون) وهذا الأمر لم نعلم به إلا بعد مرور عدة أشهر، وتبين أن الشتوكي احتفظ بالمبلغ لنفسه ولم يعطي فيكون أجره.
إذن تم الاختطاف يوم التاسع والعشرين في باريس، حيث وصل بن بركة من جنيف بالطائرة، حوالي الساعة التاسعة صباحاً وكان على متن نفس الطائرة اثنين من ضباط الشرطة من قسم العمليات التقنية وهي الفرقة التابعة للشتوكي.
وكان هذا الضابطان متنكران ولا يمكن التعرف عليها من بعد، وكان ضابطان آخرين يراقبان العملية من بعيد وهما ساكا والمسناوي.
إقبال إلهامي: يعني المهدي بن بركة كان ملاحق من جنيف.
أحمد البخاري: دائما ولمدة سبعة أشهر كان بن بركة متابعاً دائماً من قبل ضابطين يكونان معه دائماً في الطائرة وهما متنكران حتى لا يتم التعرف عليها.
وفي رحلته الأخيرة كان معه أيضاً ضابطان من الشرطة وعند وصوله إلى المطار كان ثلاثة ضباط آخرين ينتظرونه في المطار منه الشتوكي وميلود التونزي وعبد القادر الدرفوفي، ومحمد بتعيش، وهم مكلفون بمتابعة بن بركة عندما يغادر المطار، أي في صباح يوم التاسع والعشرين من أكتوبر.
اثنين من الضباط الذين كانوا معه في الطائرة وهما محمد حليم وحسن بن يوسف وكان متنكرين وضابطين آخرين في المطار يراقبانه من بعيد وهما عبد القادر ساكا ومحمد المسناوي.
وبعد خروج بن بركة من المطار، تبعه ثلاثة من أفراد الشرطة الفرنسية من قسم المعلومات العامة، وكان هؤلاء الثلاثة معروفين لنا إذا كنا نراهم كثيراً في الصور، لأن بركة كلما كان يزور باريس كان نفس هؤلاء الضباط الثلاثة الذين يقومون بحراسته وهم رجال كبار في السن في الخمسين من عمرهم أو أكبر من الخمسين، ويرتدون قبعات على طريقة الممثل الأمريكي همفري بوغارت. إذن تبع بن بركة الفرنسيون الثلاثة وراءهم ضباط المخابرات المغربية.
وبعدها قام الشتوكي برفقة الضابطان المتنكران اللذان كان يرفقه بن بركة في الطائرة بركوب سيارة مستأجرة كانت تنتظرهم في ساحة انتظار السيارات بالمطار، وذهبوا فوراً إلى الساحة المقابلة لمقهى .... وتمركزوا هناك، حيث كان الشتوكي يستخدم كاميرا تصوير على شكل محفظة أو يجلس في مكان ويسحب علبه سجائر هي في الحقيقة كاميرا تصوير يقوم باستخدامها في تصوير ما يريده أما حسن بن يوسف فكانت لديه كاميرا تصوير مع زووم ويقوم بدور سائح عادي ويقوم بالتصوير أما محمد حليم فكان لديه كاميرا قام بواسطتها بتصوير الأحداث كما جرت.
وفيما كان هؤلاء متمركزين في الساحة، وصل قادماً من المطار عبد القادر ساكا ومحمد المسناوي وتمركزوا هم أيضاً أمام مقهى ليب.
وهؤلاء أتوا كي يراقبوا من جديد وتأكدو أن كل الترتيبات مهيأة للانطلاق بالخطة.
إقبال إلهامي: كل الترتيبات مأخوذة للاختطاف.
أحمد البخاري: وبعد تأكدهم من أن كل شئ على ما يرام، ذهبوا إلى فيلا جورج بوسيش التي كان ينتظرهم فيها الأخوين محمد وعبد القادر العشعاشي اللذين كان ينتظران هناك منذ التاسعة صباحاً، وبالانتظار كان يقران الصحف وذلك في فيلا بوسيش.
إذن وصل بعدها بن بركة في سيارة أجره بعد أن هيأوا اثنين من أفراد الشرطة الفرنسية لمتابعته وكان لبن بركة ثقة كبيرة في الشرطة الفرنسية وكذلك في الحكومة الفرنسية.
إقبال إلهامي: هذا ما يفسر صعوده في السيارة بدون أي...
أحمد البخاري: هذا الشيء اللي جعله يمشي معاهم، وكان برفقة بن بركة تلميذ مغربي اسمه الزموري مع أنه كان مبرمجاً أن يأتي بن بركة وحده، وكان الشرطيان الفرنسيان غير مدربين على عمليات الاختطاف لأنهما لو كان كذلك أو لو كان من أفراد الكتيبة الخاصة، لكانا خطفا الرجلين معاً أو يتخليا عن العملية. ولا يمكن أن يخطفا رجلاً ويتركان الآخر.
إذن عندما وصل بن بركة في سيارة أجرة مع الزموري، جاءت من بعده سيارة أجرة على متنها ثلاثة من الشرطة الفرنسية المكلفين بحمايته ومن وراءها سيارة أجرة على متنها اثنين من أفراد الشرطة من قسم العلميات التقنية اللذين كان مكلفين بعملية المتابعة في ذلك اليوم وهما الدرفوفي وبتيش.
ولما نزل بن بركة ليعبر الشارع، تقدم منه ضابطا الشرطة الفرنسيين وهما لوي سوشون ورينيه فواتو.
تقدما منه وقدما له أوراقهما الثبوتية وأخبراه بأنهما سيأخذانه إلى موعد مع إحدى الشخصيات لم يحددا له اسمه أو جنسيته.
وعندما طلبا منه التأكد من هويته، سحب بن بركة جواز سفره وقدمه لهما ثم أعاده إلى جيبه.
وطلبا منه أن يرافقهما ورأى سيارة شرطة تنتظره وهي من طراز بيجو 403، كل هذا وأفراد من جهاز الاستعلامات العامة يراقبان كل شي من حوالي خمسة أو ستة أمتار ولكنهما لم يتدخلا لأنهما عرفا أن الرجلين اللذين يتحدثان معه هما من الشرطة الفرنسية.
وعندما كان يطلبان منه الذهاب معه، استدار بن بركة ليتحدث مع التهامي الزموري ويطلب منه أن يخبر الأشخاص الذين ضربوا له موعداً في مقهى ليب بتأجيل الموعد، ولكن التهامي الزموري عندما رأي تلك العملية أراد أن يصرخ أو يثير انتباه المارة فسارع الشرطيان المغربيان المكلفان متابعة بن بركة وركضا تجاه الزموري ودفعاه وبدأ بشتمه شتائم مقذعة وهما يتمتعان بأجسام ضخمة.
إقبال إلهامي: يعني خاف الزموري وهرب.
أحمد البخاري: فخاف منهما الزموري وهرب واختفى لمدة يومين ولم يذهب إلى منزله ظناً سيقتلانه.
ثم ركب بن بركة السيارة رفقه الرجلين وكان في داخل السيارة أحد رجال العصابات وهو فرنسي، وكان يسوق السيارة لوي سوشون وإلى جانبه لوبيز الذي كان متنكراً ومضت السيارة في طريقهما إلى فيلا بوسيش وفي هذه الأثناء دخل الشتوكي إلى مقهى ليب ليهاتف العشعاشي الموجود في فيلا بوسيش ليخبره بأن العلمية تمت بنجاح وأن السيارة هي في طريقها إليهم وفي تلك اللحظة قام العشعاشي بالاتصال بجهاز المخابرات المغربي في الرباط، وكانت الساعة حينئذ في حوالي الحادية عشر ظهراً بتوقيت المغرب..
إقبال إلهامي [مقاطعة]: من سيجيب؟
أحمد البخاري [مستأنفاً]: وأنا الذي قمت بالرد على المكالمة لأنني كنت في فترة المناوبة ابتداء من يوم الجمعة 29/10/1965، لأن المناوبة في عطلة نهاية الأسبوع تمتد من يوم الجمعة إلى الأحد ويقوم بها شخص واحد، كي يتيح الفرصة لزملائه كي يرتاحوا قليلاً وكل نهاية أسبوع يقوم أحد ما بالتزام هذه المناوبة وفي هذه الفترة تكون هناك تسهيلات لراحتنا حيث يخصص مكان لنومنا ومأكلنا..
إقبال إلهامي [مقاطعة]: يعني وقت المداومة كنت أنت مداوم واتصل بك العشعاشي حتى يخبرك أن العملية تمت بنجاح في باريس.
أحمد البخاري: اتصل بي العشعاشي المرة الأولى في الساعة الحادية عشرة ظهراً وأخبرني بضرورة ترك رسالة مستعجلة إلى الجنرال أوفقير، وفحوى الرسالة تقول...
إقبال إلهامي: يعني أن المعنى بالأمر سقط في الفخ الذي برمج له.
أحمد البخاري: ...
إقبال إلهامي: بدون أية مشاكل.
أحمد البخاري: ....
إقبال إلهامي: يعني كل الترتيبات مأخوذة والكل موجود في فيلا بوسيش والآن يجب إرسال طائرة إلى العاصمة الفرنسية.
أحمد البخاري: واتصلت فوراً بأوفقير لأن أوفقير كان قد اتصل بي صباحاً وأعطاني رقمي هاتف يكنني الاتصال به من خلالهما وهما أرقام هواتف في مدينة القنيطرة، واتصلت به على هذين الرقمين ولكنني لم أتكمن من العثور عليه. فاتصلت بأحد فخبرينا في مدينة القنيطرة وطلبت منه أن ينطلق للبحث عن أوفقير أينما كان ونحن نعرف أين يوجد أوفقير عادة، هناك فيللا يقصدها للعب البوكر وأخرى يقصدها للراحة والـ...
إقبال إلهامي: تعذر الاتصال بأوفقير اتصلت بشخص ما حتى يبحث عنه.
أحمد البخاري: ذهب المخبر للبحث عن أوفقير، وفي حوالي الثالثة ظهراً اتصل أوفقير بالشخص المناوب في مقر المخابرات، وأخبرته بفحوى الرسالة الآتية من العشعاشي ووصل أوفقير حوالي الساعة الرابعة والنصف.
إقبال إلهامي: قابلتم أوفقير شخصياً في نفس اليوم.
أحمد البخاري: أما الدليمي فقد استلم رسالة العشعاشي فور وصولها إلى الرباط، وكان الدليمي وقتها في الجزائر ، لإعداد الترتيبات المتعلقة بسفر الحسن الثاني لحضور أحد المؤتمرات.
إقبال إلهامي: كان يحضر لزيارة الحسن الثاني.
أحمد البخاري: إذن وصل الجنرال أوفقير إلى مقر المخابرات الساعة الرابعة والنصف عصراً وغادر حوالي الساعة السادسة إلا ربع، وذهب بعدها إلى المطار مستخدماً الطائرة التي تنتظره هناك وطار بها أولاً كما أخبرني بعض الأصدقاء، وصل حوالي الساعة الثانية عشر والنصف ظهراً.
أما الدليمي الذي سافر إلى الجزائر بطائرة عسكرية من فاس إلى العاصمة الجزائرية ورجع من هناك بطائرة عسكرية إلى فاس ومن هناك غادر إلى باريس ولا أعرف هل سافر بطائرته العسكرية إلى فيلا بوسيش في السابعة مساءً أما أوفقير فلم يصل إلا على الساعة الثانية عشر وربما ذهب للالتقاء بشخص ما وبعدها توجه إلى الفيلا. عندما وصل الدليمي إلى الفيلا وكان للدليمي حساب قديم يريد أن يصفيه مع..
إقبال إلهامي: المهدي بن بركة.
أحمد البخاري: مع بن بركة لأن بركة كان يتهم العسكريين وخاصة أولئك الذين تلقوا تكوينهم زمن الفرنسيين بأنهم أشباه أميين والبارز منهم حتى لو كان برتبة جنرال فأنه لم يحصل على أكثر من الشهادة الابتدائية.
والد الدليمي هو أيضاً شخص عسكري، وكان ضابط شرطة وفي إحدى المرات واثناء دعوة على العشاء عند أحد الأشخاص في مدينة الرباط وكان الدليمي ووالدين هناك وأعاد بن بركة نفس الكلام على مسامعهما ومنذ ذلك الوقت أصبح الدليمي يكن عداوة كبيرة لبن بركة.
في اللحظة التي دخل فيها الدليمي إلى الفيلا أراد أن يبدأ في تعذيب بن بركة وكان بن بركة قد وصل إلى الفيلا برفقة رجلي الشرطة حوالي الواحدة والنصف..
إقبال إلهامي [مقاطعة]: يعني من الواحدة إلى السابعة يصل أحمد الدليمي، ماذا وقع في هذه الفترة تم تعذيب المهدي بن بركة أم تم انتظار؟
أحمد البخاري: في الوحدة والنصف كانوا في الفيلا وقبلهما في الصباح كان هناك الإخوان محمد وعبد القادر العشعاشي بالإضافة إلى ساكا والمسناوي إذن عندما دخل بن بركة وجد الأربعة في انتظار وبعد قليل وصل الرجل الخامس وهو ميلود التونزي وبعد ساعة أخرى وصل السابع وهو ممرض يدعي أبو بكر الحسوني وكان الحسوني قد أرسله العشعاشي ليشتري لهم بعض الأكل والشراب وصل الحسوني مصحوباً بما اشتراه من مأكل وبقي معهم في الفيلا إذن أصبح هناك أشخاص مع بن بركة كانوا يكلمونه بهدوء وخاصة المسناوي الذي قال له إننا مبعوثون من طرف جلالة الملك الحسن الثاني كي ننظم لك لقاء ربما يكون الأخير مع مبعوث جديد كي تتفاوض معه حول شروطك للرجوع إلى المغرب وتشكيل حكومة اتحادية ووثق بن بركة في هؤلاء الأشخاص.
إقبال إلهامي: إذن وثق المهدي بن بركة في كل المجموعة التي كانت في الفيلا ويصل أحمد الدليمي، المقدم أحمد الدليمي يصل في الساعة السابعة مساءً ماذا يحدث بعد ذلك؟
أحمد البخاري: ...
إقبال إلهامي: حصص تالية.
أحمد البخاري: فور وصول الدليمي بدأ بتعذيب بن بركة الذي بدأ جسده ينتفض وشرع بالصياح بعدها طلب الدليمي من الممرض الحسوني أن يحقنه بإبره مهدئة وبعد حقنه نام بن بركة حوالي الساعتين والنصف أو ثلاثة دخل في أثناء العشعاشي في نقاش مع الدليمي وطلب منه أن يتوقف عن التعذيب الذي لاجدوى منه وان يشرع بدلاً من ذلك في استجوابه.
وبعد أن أفاق بن بركة من تأثير الحقنة بدءوا باستجوابه بدون تعذيب وحوالي الثانية عشر والنصف وصل الجنرال محمد أوفقير وقال لهم فور دخوله علقوا بن بركة بدلاً من تركه جالساً على كرسي علقوه وبدؤوا يعذبونه من جديد وأوفقير لديه طريقته الخاصة في التعذيب حيث يستخدم خنجراً صغيراً لفتح الرسائل واستعمله عدة مرات في التعذيب حيث يطعن به أجساد الضحايا أو وجوههم..
إقبال إلهامي [مقاطعة]: يعني أنت شاهدت على عملية.. عملية الجنرال أوفقير في دار المقري؟!
أحمد البخاري: نعم شاهدته في دار المقري عدة مرات يقوم بتعذيب الضحايا بهذه الطريقة وكان لا يتخلى عن هذا الخنجر فقد كان يحمله معه دائماً..
إقبال إلهامي: خنجر صغير، واستعمل نفس الخنجر مع بن بركة.
أحمد البخاري: إذن كان أوفقير يعذب بالخنجر والدليمي يكمم فم بن بركة بخرقه مبلله بمياه قذرة ولم يتحمل بن بركة ما يحدث له ولم يبق يصدر عنه أي رد فعل.
إقبال إلهامي: يعني انهار نوعاً ما.
أحمد البخاري: وفي ذلك اللحظة قام العشعاشي ومساعداه ساكا والمسناوي قاموا بإنزال بن بركة ومدداه على الأرض وحاول الممرض الحسوني أن ينعشه ولكن بدون جدوى فقد كان بن بركة قد توفى.
إقبال إلهامي: يعني توفي مباشرة بعد التعذيب.
أحمد البخاري: وقبل أن يتم إنزال بن بركة على الأرض توفى بعد حوالي نصف ساعة وكانت الساعة عندها حوالي الثالثة والنصف فجراً أي لي الليلة ما بين التاسع والعشرين والثلاثين من أكتوبر وعندما تأكدوا من وفاة بن بركة أصيب الجميع بحالة من الذعر ماعدا الدليمي الذي كان يعرف لماذا أتى إلى باريس.
إقبال إلهامي: يعني سيد أحمد البخاري نحن لا نفهم أن يتم التحضير أو التخطيط الجيد لمدة سبعة أشهر، أن ينتقل أحمد الدليمي والجنرال محمد أوفقير إلى باريس، ويعني تكون المجموعة متناقلة عبر ألمانيا وجنيف وباريس حتى يجتمعوا ببن بركة وتتم تصفيته بعد ذلك، هل بن بركة رفض مشروعاً سياسياً قدمه أوفقير، يعني ماذا حدث بالضبط؟
أحمد البخاري: هو لم يرفض المشروع لأنه في نفس تلك الفترة كان بن بركة يتفاوض مع مبعوث ملكي وذلك منذ شهر مايو/ أيار 1965 وكان تقريباً في طريق العودة إلى المغرب لأن كل الشروط أو أغلبها التي وضعها كشرط لعودته كانت مقبولة وكانت ظروف المغرب في تلك الفترة تتطلب من رئيس الدولة أن يقوم بتشكيل حكومة اشتراكية يكون على رأسها الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وقبل المهدي بن بركة هذا المشروع ولكن الشرط الذي لم يقبل بن بركة بالتنازل عنه هو أن يتخلى العسكريون عن مناصبهم الإدارية ويعودون إلى ثكناتهم.
لانه كان يعتقد أن هؤلاء العسكريين ليست لديهم الكفاءة المطلوبة للقيام بهذه المهمة، ولهذا السبب كان العداء كبيراً بينه وبين أوفقير والدليمي، لأن الدليمي وأوفقير كانا آنذاك مستفيدين مادياً بشكل كبير من مناصبهم، حيث كانوا يربحون المليارات من وراء حمايتهم لعمليات تبييض الأموال والدعارة والمخدرات والتهريب، حيث كانت هذه الأنشطة تحظى برعاية من أوفقير وجهاز المخابرات والدليمي شخصياً وإلى حد ما من جهاز المخابرات وكانت أرباح أوفقير والدليمي من هذه الأنشطة أرباحاً فاحشة، ولا يمكن أن يتخلوا عن كل هذا بكل سهولة.
إقبال إلهامي: نعم، يعني وقع الخلاف واغتيل بن بركة، ولكن السؤال هل خط البداية كانت الاختطاف أم أن الاغتيال وقع صدفة أم من البداية كان مخططاً أن يغتال أو يصفى بن بركة في باريس؟
أحمد البخاري: الخطة الأولية كانت تتضمن الاختطاف وأن يتم جلب بن بركة حياً إلى المغرب على أن يكون مخدراً، إذا كانت الظروف تسمح بذلك وإذا فشلت هذه الخطة فلا خيار إلا قتل بن بركة.
إقبال إلهامي: يعني كل الإمكانات كانت مطروحة؟
نعم، كان عليهم أن يقتلوه، إما يدخلونه إلى المغرب عنوة وإما يقتلوه فلا يمكن أن يسمحوا له بالبقاء طليقاً وحراً يقول ما يحلو له في أرجاء العالم، بالتصريحات التي كان يطلقها لو الأوضاع في المغرب، كانت قاسية جداً.

كيفية رجوع جثته للمغرب

إقبال إلهامي: إذن ربما الآن تبدأ عملية التحضير لنقل الجثة.
أحمد البخاري: لنقل الجثة، الذين قاموا بالعملية رجعوا رسمياً إلى المغرب يوم السبت، ولكنهم في الحقيقة عادوا يوم الجمعة مساءً رقم سافروا مرة أخرى في الصباح إلى باريس في رحلة عادية ربما على متن الخطوط الملكية المغربية أو الخطوط وعندما وصلوا إلى هناك، ذهب أوفقير إلى لوبيز وأخذ منه مفاتيح بيته الصيفي المخصص لقضاء العطلات وذهب لوبيز واخرج منها زوجته وابنته اللتان كانتا موجودتين هناك، وأصبح المنزل خالياً.
فيما جثه بن بركة كانت لا تزال في فيللا بوسيش وهي كاملة وما زال بن بركة مرتدياً بدلته مع ربطة العنق وتم نقلها بسيارة بيجو من طراز 404 تابعة للسفارة المغربية، وتم نقل الجثة إلى فيللا لوبيز.
إقبال إلهامي: نعم، السيارة تابعة للسفارة المغربية في باريس.
أخذوا الجثة وبقيت هناك لعدة ساعات أي ربما من الساعة الرابعة عصراً إلى العاشرة مساءً من يوم السبت.
ووصلت الطائرة التي كانت قد أخذت أوفقير إلى المغرب ثم أرجعته من جديد إلى مطار أورلي.
وذهبت نفس السيارة التابعة للسفارة والتي نقلت جثة بن بركة وإلى جانبها الممرض الحسوني من جهة وميلود التونزي من جهة أخرى ذهبوا كلهم إلى المطار كي ينقلوا جثة بن بركة إلى المغرب.
ووصلت الطائرة في الخامسة صباحاً من يوم الحادي والثلاثين من أكتوبر وذهبوا بالجثة من المطار إلى دار المقري قبل ذلك ذهبوا لتناول فطروهم في مقهى "ليل ونهار" وبعدها اتصلوا بي حوالي الثامنة صباحاً وأخبروني بوصولهم وأنهم جميعاً بانتظار وصول تعليمات جديدة وأخبرتهم بأني وإلى تلك اللحظة لم يكلمني أحد وكان من الطبيعي أن يكلمني العشعاشي أو الدليمي ولكن إلى الآن لم يتصل بي أي منهما، ومر الصباح بأكمله وفي حوالي الثانية عشر ظهراً جاء إلى مقر المخابرات فتش الشرطة محمد النويني وهو من قسم العمليات التقنية وكان قسمنا في نفس الطابق معهم نحن على اليسار وهم على اليمين.
ودخل أحد الحراس العاملين في مقر المخابرات إلى مكتبي وحمل معه آلة التصوير واثنين من البروجكترات وخرج، وكان عادة عندما يأتي إلى مكتبي يتبادل معي الحديث لأن وظيفته كمراسل كانت تجعله يسألني عن آخر الأخبار وما شابه ذلك من الأحاديث ولكنه هذه المرة دخل مباشرة إلى مكاتبهم وخرج مسرعاً بدون أن يتفوه بكلمة وعرفت أنه ذهب إلى دار المقري والتحق بالمجموعة التي كانت موجودة هناك.
إقبال إلهامي: دار المقري هذه اللي هي مقر للتعذيب كانت في السابق لمعارضة تبعهم.
أحمد البخاري: مقر كبير للتعذيب وهي مقر رئيسي.
إقبال إلهامي: ولكن أنت هل لاحظت جثة بن بركة هل... نعم.
أحمد البخاري: لا، أنا لم أرها ولكني عرفت أنه وقبل وصول الدليمي إلى دار المقري كانوا قد قاموا بتصوير جثة بن بركة فوتوغرافياً وأيضاً بواسطة كاميرا تصوير سينمائية، وكان النويني هو الذي يقوم بعملية التصوير أما الصور الفوتوغرافية فكان الشتوكي هو الذي يقوم بالتقاطها، والصور يبدو فيها بن بركة وهو جالس على كنبة، وهو بكامل ملابسه مع ربطة العنق والنظارات، ولكن الصور واضحة ويمكن تمييز بن بركة تماماً، ومن المستحيل أن لا يكون بن بركة هو الشخص الموجود في الصورة.
وهناك صور أخرى لبن بركة وهو ممدد على العشب ثم صور وهو ممدد على نقالة وضعوه عليها، وصور أخرى للحاوية التي فتحوا غطائها ثم وضعوا النقالة فوق الغطاء في جهة التي فيها، رأس بن بركة وكل هذا موثق بالصور، ثم طلبوا النقالة من الخلف كي يرموا بالجثة إلى داخل الحاوية وهذا كله موثق بالصور وبالفيلم الذي كانوا يصورونه.
إقبال إلهامي: واطلعت أنت شخصياً على الصور، كانوا في مكتبه.. مقر الاستخبارات المغربية أم..
أحمد البخاري: نعم رأيت هذه الصور بنفسي، هذه الصور كانت في الملف الخاص ببن بركة والموجود عند محمد العشعاشي وفي خزنته الحديدية بالذات. أما الفيلم الخاص بإخفاء جثته فقد أخذه الدليمي.
إقبال إلهامي: إذن هذا السيد النويني هو الذي صور مراحل إذابة جثة بن بركة في حامض الأسيد الذي تتحدث عنه، أنت طبعاً لم تلحظ العملية ولكن سمعت عنها.
أحمد البخاري: كلا، كلمني عن العملية زميلي حميدة لأن حميدة كان يشاطرني السكن في نفس المنزل، فقد كنا ثلاثة زملاء في نفس القسم، أنا وساكا والمسناوي، أما في الحياة فكنا أنا وحميدة أصدقاء وحميدة هذا كان يعمل في مكتب السكرتارية التابع للعشعاشي.
وسكنا أنا وحميدة جد في نفس المنزل لمدة ثلاث سنوات ولم نكن نخفي أي شي عن بعضنا، إذن حميدة حكى لي كل ما جرى في أحداث وحكى لي هذه الأحداث يوم الاثنين لأن مناوبتي كانت قد بدأت يوم الجمعة يوم التاسع والعشرين من أكتوبر واستمرت ثلاثة أيام حيث انتهت من عملي في التاسعة صباحاً، وجاء هو في الساعة الثامنة صباحاً وحدثني لما جرى يوم الأحد.

دور المخابرات الفرنسية في خطفه واغتياله

إقبال إلهامي: السيد نويني صور المشهد الكامل لإذابة.. الإذابة التي تتحدثون عنها في حامض الأسيد جثة المهدي بن بركة، تسلم الدليمي الشريط... أين هو الشريط لمن سلم الشريط؟
أحمد البخاري: بقى الشريط عند الدليمي، هذه هي المعلومات التي أعرفها أنا، فالشريط الذي تم تصويره عن كل عملية بن بركة من الاختطاف، نعم كانت هناك صور فوتوغرافية عن العملية، وإلى جانبها فيلم عن عملية الخطف كلها، والفيلم من نسختين، نسخة شاهدنا أكثر من مرة لأن لدينا صالة عرض خاصة، شاهدنا فيها الفيلم الذي يظهر فيه بوضوح رجال الشرطة الفرنسية الذين كانوا يتابعون بن بركة ووجوههم تبدو واضحة تماماً، ويظهر فيه أيضاً رجالنا نحن الذين كانوا يتابعون رجال الشرطة الفرنسيين، وتظهر في الفيلم أيضاً سيارة الشرطة التي ..
إقبال إلهامي: يعني نفس الشخص صور كل العملية من باريس، من عملية الاختطاف والاعتقال والتعذيب إلى..
أحمد البخاري: ...
إقبال إلهامي: ليس نفس الشخص.
أحمد البخاري: الذي قام بتصوير أحداث خطف بن بركة في باريس ليس هو نفس الشخص فالذي قام بالتصوير في باريس هو محمد حليم وميلود التونزي التقط بعض الصور، أما الذي صور عملية إخفاء الجثة فهو محمد النويني وكان ميلود التونزي يلتقط صوراً فوتوغرافية أي أن التونزي ميلود أو كما يسمى بالشتوكي شهد عملية الخطف ونقل الجثة من باريس إلى الرباط.
إقبال إلهامي: وأخذ صور لذلك.
أحمد البخاري: أخذ صور.
إقبال إلهامي: ولكن قضية نقل الجثة أنت تعلم السلطات الفرنسية حتى الآن قالت أنه أي طائرة عسكرية مغربية لم تقلع وقتها بالتاسع والعشرين أو بالثلاثين من أكتوبر65 من باريس إلى الرباط حتى الآن.
أحمد البخاري: على أية حال، كانت هناك طائرة مغربية، وهناك أشخاص من غير لوبيز كان يسهل لهم بعض الأمور العديد من المرات ولكن كان هناك شخص آخر غير لوبيز، سهل مأمورية مجيء الطائرة وعودتها مرة أخرى.
ولم يتم تسجيل هذه الرحلة في أي سجل.
إقبال إلهامي: بمعنى أن المخابرات الفرنسية كانت على علم ولكنها تنفي الآن أن تكون أي طائرة أقلعت من باريس للرباط.
أحمد البخاري: المخابرات الفرنسية لم تكن على علم على الأقل في مستوى المعلومات التي أعرفها بحكم وظيفتي ولا أظن أنهم كانوا على علم بخطة خطف بن بركة وقتله وحتى رجلي الشرطة الفرنسيين الذين تدخلا في عملية الخطف، كان يعملان مع المخابرات المغربية، أي الفرنسيان اللذان اختطفا بن بركة بالذهاب معهما لمقابلة إحدى الشخصيات، وهما سوشون وفواتو فقد تسلما أتعابهما من المخابرات المغربية.
إقبال إلهامي: كانوا دوماً يشتغلون مع المخابرات المغربية.
أحمد البخاري: كانوا يتعاونون مع المخابرات المغربية بين الفينة والأخرى، ولكن هذه المرة عندما ذهب العشعاشي حاملاً معه النقود، كي يدفع لجميع الذين اشتركوا في العملية أتعابهم، وذلك قبل ليلة من عملية الاختطاف دفع أتعاب هذين الشخصين أيضاً دفع لهما مسبقاً عن دورهما في العملية أي أن المخابرات الفرنسية لم يكن لها علم بما كان يدور.
إقبال إلهامي: هل تعتقد يعني أنه يتم نقل جثة بن بركة في طائرة عسكرية من مطار أورلي بباريس دون علم المخابرات الفرنسية، وأن يكون مخبر فرنسي أو اتنين يعني هما اللذين يخططان لكل العملية؟
على حد معلوماتي أنا، فأنا لا أعرف أكثر من هذا، وإذا كانت هناك معلومات أخرى فالذي يعرف بها يجب أن يكون مستوى أوفقير، لأن أوفقير كانت لديه اتصالات كبيرة مع المخابرات الفرنسية لأنه هو نفسه كان رجل المخابرات الفرنسية في المغرب، وحتى عندما كان وزيراً للداخلية كان يتعامل مع المخابرات الفرنسية وبقى دائماً مخلصاً للفرنسيين، وإذا كان هناك اتفاق ما فربما بين المستويات العليا، أما في مستوانا نحن فأنا لا أعرف شيئاً ولم أسمع شيء بهذا الخصوص.
ولكن الذي أعرفه ومتأكد منه أن الطائرة العسكرية غادرت وأتت بالجثة وكانت الجثة في الرباط يوم الحادي والثلاثين.
إقبال إلهامي: أعزائي المشاهدين ترقبوا فصولاً جديدة في قضية المهدي بن بركة مع اعترافات ضابط الاستخبارات المغربي أحمد البخاري فقط على قناة (الجزيرة).
إقبال التهامي: سيد أحمد البخاري أهلاً بكم إلى هذا اللقاء مع قناة (الجزيرة). أنتم شغلتم الرأي العام المغربي والعربي بالتصريحات الأخيرة التي أدليتم بها في شأن قضية المهدي بن بركة، وغيرتم الكثير من الإفادة الرسمية التي ظلت متداولة حتى الآن، سنحاول خلال هذا اللقاء إلقاء مزيد من الضوء على قضية المهدي بن بركة، لكن بداية سيد البخاري يعني كيف نقدمكم لمشاهدي (الجزيرة)؟
هل أنتم عميل سابقاً في جهاز المخابرات المغربي؟ هل لازلتم تعملون مع جهاز المخابرات أم أنتم شاهداً في قضية المهدي بن بركة؟
أحمد البخاري: أنا كنت في المخابرات المغربية في قسم مكافحة التخريب وكان رئيسي المباشر هو محمد العشعاشي وزملائي منهم عبد القادر ساكا ومحمد المسناوي.
إقبال إلهامي: كان المعروف أن المهدي بن بركة اختطف في باريس، واغتيل في باريس ، وظلت جثته هناك، أما الآن فأنتم تقولون أن جثة المهدي بن بركة نقلت عبر طائرة عسكرية إلى الرباط حيث أذيبت في حامض الأسيد، يعني ما هي روايتك حول قصة المهدي بن بركة؟ أو لنقل من قتل المهدي بن بركة؟
أحمد البخاري: في الحقيقة الكلام الذي أقوله اليوم، هو الحقيقة كما عشتها في داخل المخابرات المغربية، وكل ما قيل سابقاً وما كتب سابقاً، كتبه أو رواه أفراد كانوا ينظرون إلى القضية من الضفة الأخرى أي من الخارج، أما نحن العاملون في المخابرات المغربية، فكنا على إطلاع بالحقيقة، وخاصة الأفراد الذين عايشوا تلك الأحداث عن قرب، وأنا كنت من ضمنهم لأنني من الدائرة المحيطة بمحمد العشعاشي الذي يعتبر الرأس المخطط والمدبر لعملية بن بركة.
-كيفية الإعداد لخطة خطف بن بركة.
إقبال إلهامي: كيف تمت العملية؟ يعني ما هي روايتك للعملية؟
أحمد البخاري: بدأت العملية في شهر مارس/ آذار من عام 1965، مباشرة بعد المظاهرات التي شهدتها الدار البيضاء، أي مظاهرات الطلبة التي دامت ثلاثة أيام، ففي اليوم الثالث، اجتمع الجنرال أوفقير مع الدليمي ومحمد العشعاشي، واليوم الرابع كان يوم السادس والعشرين من مارس في ذلك الصباح اجتمع المسؤولين والقيادات في جهاز المخابرات المغربية، وتناقشوا حول الوضع في المغرب بعد تلك المظاهرات وناقشوا أيضاً الخطة التي طرحها العشعاشي لوضع حد لنشاطات بن بركة، وذلك إما القيام باختطافه وإرجاعه إلى المغرب حياً أو قتله...
إقبال إلهامي [مقاطعة]: يتم تصفيته يعني بشكل نهائي.
أحمد البخاري [مستأنفاً]: هذا الاجتماع عقد يوم السادس والعشرين من مارس 1965 حيث اجتمعت قيادة المخابرات بكاملها، وضمنهم ستة مسؤولين في مدينة من الرباط وستة من المسؤولين على مستوى الأقاليم في المغرب وبعض المسؤولين العسكريين في جهاز المخابرات المغربي وثلاثة من الخبراء الأمريكيين في الـ C.I.A . وهم الكولونيل مارتن الذي كان خبيراً في جهاز مكافحة الشيوعية والكولونيل سكوت الذي كان خبيراً في جهاز مكافحة التجسس والكولونيل ستيف الذي كان خبيراً في جهاز العمليات التقنية.
وبعد هذا الاجتماع، عقد اجتماع آخر يوم السادس والعشرين من مارس عام 1965، حوالي الخامسة عصراً، وكان الاجتماع على مستوى إدارات مكافحة الشيوعية، وكان حاضراً فيه الكولونيل مارتن وإلى جانبه أقرب مساعدي
السيد/ محمد العشعاشي، وكان الهدف من الاجتماع هو توزيع الأدوار على الرجال الذين سيتولون القيام بعملية بن بركة، حتى يكونوا مكملين لبعضهم البعض وذلك لإتاحة الفرصة لنجاح العملية.
وفي هذا الاجتماع قرر محمد العشعاشي تعيين عشرين من ضباط الشرطة، الذين ينتمي أغلبهم إلى مدينة وجدة وعلى رأسهم ميلود التونزي الذي عرف فيما بعد باسم إلياس الشتوكي.
إقبال إلهامي: هذا الاسم الذي ظل لمدة طويلة غير معروف.
أحمد البخاري: وكان الشتوكي مكلفاً بهذه المجموعة المؤلفة من عشرين شخصاً، من المختصين في العمليات التقنية أي مختصون في المتابعة السرية هذه هي المجموعة الأولى المؤلفة من عشرين شخصاً، والمجموعة الثانية مكونة من عشرة أشخاص والمسؤول عنهم هو المفتش الراحل العلوي المدغري، وكانت مهمتهم هي التنصت على جميع مكالمات المهدي بن بركة في الخارج، وكذلك مراقبة بريده الخاص.
إقبال إلهامي [مقاطعة]: يعني أجهزة تصنت ومتابعة الرسائل التي تصل (بن بركة).
أحمد البخاري: وكانت هناك مجموعة ثالثة مؤلفة من عشرة أشخاص تم تعيينهم في الاجتماع المذكور ومهمتها العمل داخل المغرب، للتنصت على المكالمات والبريد داخل حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وكذلك بعض الأحزاب الأخرى وبعض زعماء الأحزاب الآخرين، الذين بدؤوا بالتنصت على مكالماتهم ومراقبة بريدهم.
-طريقة خطف بن بركة ومصرعه أثناء التعذيب.
إقبال إلهامي: لنتحدث الآن عن قضية بن بركة، نحن الآن في مارس 65 بدأ الجنرال محمد أوفقير كان آنذاك وزير الداخلية مساعده المقدم أحمد الدليمي ومحمد العشعاشي، رئيس قسم مكافحة التخريب، بدؤوا في تحضير العملية، ماذا وقع بعد ذلك؟
أحمد البخاري: التحضير للعملية بدأ قبل هذا الوقت، فالعشعاشي بدأ بالتحضير للعملية منذ ديسمبر عام 1964 ويناير عام 1965، وكان مقرراً في الخطة الأولية التي وضعت أن يتم اختطاف بن بركة في العاصمة الجزائرية وفي خلال مدة محدودة هي ثلاثة أشهر، وخطة العشعاشي هذه تمت الموافقة عليها خلال اجتماع في مقر المخابرات المغربية.
وبدأ تنفيذ الخطة يوم السابع والعشرين من مارس عام 1965، ووصل أفراد الشرطة السرية يوم السابع والعشرين من مارس وكانوا عشرين رجلاً وصلوا إلى جنيف حيث يقيم بن بركة وبدؤوا منذ تلك اللحظة عملية المتابعة لبن بركة.
وفي نفس اليوم بدأت المجموعة الأخرى المكونة من عشرة أشخاص ومعهم رئيسهم العلوي المدغري، عملها وهو التنصت على مكالمات بن بركة ومراقبة بريده.
وفي الوقت نفسه بدأ العشرة الآخرون عملهم داخل المغرب وهو التنصت على المكالمات والبريد وبدأت عملية المتابعة لبن بركة على مدار أربع وعشرين ساعة وهذا لمدة سبعة أشهر ويومين.
وفي الأسبوع الثاني أو الثالث من شهر أبريل من عام 1965، بدأت تصلنا تقارير مكتوبة أسبوعياً وكانت بالطبع تقارير مشفرة لن يستطيع فك رموزها أي شخص سوانا نحن، كذلك بدأت تصلنا التقارير عبر الهاتف وابتداء من يوم السابع والعشرين، تم تعيين خمسة من ضباط المخابرات ليقوموا بعمل وردية خاصة.
إقبال إلهامي: مداومة دائمة.
أحمد البخاري: مداومة خاصة.
إقبال إلهامي: في هذه المداومة الخاصة يتم متابعة أعمال تنصت تجارية حول بن بركة، والرسائل التي تصل إليه، نعم.
أحمد البخاري: في الأسبوع الثاني أو الثالث من شهر أبريل بدأنا نجمع كل التقارير التي تصلنا ونتدارسها مع محمد العشعاشي لأن العشعاشي كان مكلفاً بكتابة تقرير أسبوعي يسمى "التقرير الأسبوعي الشامل" وإرساله إلى المسؤولين.
وتبين لنا بعدها أن المهدي بن بركة كان يمر بأزمة مالية، لأنه في ذلك الوقت كان بن بركة يتنقل كثيراً للإعداد لمؤتمر القارات الثلاث، وإمكاناته المالية لم تكن كافية لتمويل تحركاته، وكان البلد الوحيد الذي يساعد بن بركة بشكل جيد هي الجزائر، أيام حكم أحمد بن بيلا، وكانت تساعده كذلك مصر أيام الرئيس جمال عبد الناصر، هذا البلدان هما اللذان كانا يساعدانه، أما الآخرين فكانت معوناتهم ضئيلة.
ومع أن الخطة الأولية لخطف بن بركة من الجزائر، وكانت تصلنا معلومات من ضباط المخابرات المغربية الذين كانوا يعملون في الجزائر كمخبرين يزودونا بالمعلومات، وأبلغونا أن الشرطة الجزائرية تشدد الحراسة على بن بركة وعلى المنزل الذي كان يسكن فيه، ولهذا تم تغيير الخطة التي وضعت سابقاً.
إقبال إلهامي: يعني عملية اختطاف بن بركة أو تصفيته في الجزائر أصبحت مستحيلة.
أحمد البخاري: أصبحت مستحيلة وصعبة.
إقبال إلهامي: تشديد الرقابة الأمنية عنه.
أحمد البخاري: ولاحظنا أيضاً أن أزمته المالية كانت تزداد سوءاً..
إقبال إلهامي [مقاطعة]: بمعنى أن المهدي بن بركة عندما أتى من جنيف إلى باريس للمشاركة في أحد الأفلام كان بسبب أزمة مادية، هذه المعلومات التي وصلت.
أحمد البخاري: ولكن الإعداد لخطة تصوير الفيلم بدأ منذ شهر أبريل وبدأنا منذ ذلك الوقت لأعداد الأدوار لهؤلاء المجرمين الفرنسيين حيث كلفتهم المخابرات المغربية بالبحث عن أشخاص فرنسيين من كتاب سيناريو وصحفيين ومخرجين، حوالي أربعة أو خمسة أشخاص يقوم كل منهم بدور معين ضمن خطة الخطف ومن بين هؤلاء مخرج فرنسي مشهور هو مترانسان وكان مشهوراً في أوساط اليسار الفرنسي وتم تكليفه بإخراج الفيلم وكان أحد الصحافيين الذي تقرب كثيراً من بن بركة وهو فيليب بيرنييه، كان قد قام سابقاً بالعمل في الإذاعة المغربية في بداية الاستقلال وقام هؤلاء بالتقرب من بركة بحجة الإعداد لفيلم بعنوان باستا، ويدور حول محاربة الاستعمار ودحره في العالم الثالث، وقاموا بالإعداد لميزانية الفيلم وجندت المخابرات المغربية شخصاً يهودياً ليكون واجهة تقوم بتمويل الفيلم.
إقبال إلهامي: يعني عملية إنتاج الفيلم كلها كانت تتم في جهاز المخابرات المغربية بالرباط.
أحمد البخاري: المخابرات المغربية بالرباط، وكان العشعاشي مكلفاً بالإشراف على إعداد الفيلم بما فيه ميزانية الإنتاج، وبقى هؤلاء الفرنسيون على اتصال ببن بركة بحجة الإعداد للفيلم ويلتقون معه إما في القاهرة أو باريس أو جنيف أو ألمانيا وكان آخر موعد له معهم في التاسع والعشرين من ديسمبر/ كانون الأول عام 1965 في باريس، وكانوا عندما يلتقون معه بهدف أن يبدو بن بركة وكأنه شخص اعتاد التعامل مع هذه الأوساط الإجرامية.
إقبال إلهامي: كان يجب الإيحاء بهذا.
أحمد البخاري: حتى ما تمت في المستقبل عملية اختطافه أو اغتياله يبدو الأمر وكأنه تصفيه حسابات داخل هذه الأوساط الإجرامية.
إقبال إلهامي: يعني أنه يرافق شخصيات من أوساط دونية أم ذات شبهات يعني.
أحمد البخاري: وكان عندما يلتقي بهم بن بركة في بلد ما فأنهم غالباً ما يتناولون العشاء في مطعم، يكون قد سبقهم إليه رجال الشرطة الذين يترأسهم الشتوكي، كي يقوموا بتصوير بن بركة مع هؤلاء الأشخاص ويحتفظون بهذه الصور في ملفه، حتى يتم نشرها مستقبلاً كي يظهر بن بركة وكأنه اعتاد على مرافقة مثل هذه النوعيات من المجرمين.
إذن آخر موعد كان بينه وبينهم كان في أكتوبر/ تشرين الأول في باريس، وفي ذلك الموعد تم ترتيب عملية الاختطاف في الأسبوع الذي يليه وذلك ربما الاثنين يوم الخامس والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول وكان العشعاشي حينها في الرباط وذهب إلى الكولونيل اليوسي الذي كان آنذاك يشغل وظيفة رئيس المكتب الثاني، أي المخابرات العسكرية، وذهب برفقة العشعاشي اثنين من ضباط المخابرات كنت أنا أحدهم والآخر هو حميدة أجد أين، حيث كنا بمثابة حراس شخصيين للعشعاشي.
ذهبنا إلى الكولونيل اليوسي وطلب منه العشعاشي أن يضع تحت تصرفه جهاز المخابرات طائرة عسكرية ابتداء من يوم الخميس الثاني والعشرين..
إقبال إلهامي [مقاطعة]: ليلة اختطاف المهدي بن بركة.
أحمد البخاري: أي أن تكون الطائرة جاهزة ليلة الاختطاف. يوم الثلاثاء غادر العشعاشي إلى فرنسا برفقة الضابطين ساكا والمسناوي، كي يهيئوا آخر ترتيبات عملية الخطف.
وسبق لهم أن سافروا عدة مرات إلى فرنسا بجوازات سفر حقيقة ولكنها تحمل أسماء مستعارة حيث كان في مقر المخابرات حوالي أربعين أو خمسين جواز سفر تحمل كل الأختام والتواقيع المطلوبة ولكن بدون ملئها بالأسماء وهي طبعاً جوازات سفر حقيقية وغير مزورة، تحمل تواقيع محافظ مدينة الرباط أو محافظ الدار البيضاء.
وعندما يريدون استخدامها وقت السفر يضعون عليها الصور وأسماء مستعارة، حيث كانوا ثلاثتهم يستخدمون أسماء مستعارة ومعهم كل أفراد الفريق المكلف بعميلة بن بركة وعددهم عشرين شخصاً والعشرين الآخرين المكلفين بعمليات التنصت وجماعة الكولونيل العلوي كذلك كانت لهم مثل هذه الجوازات.
إذن سافروا إلى فرنسا يوم الثلاثاء، وبقوا أيام الثلاثاء والأربعاء والخميس للإعداد للترتيبات النهائية، ودفعوا أتعاب جميع الأشخاص الذين شاركوا في العملية أي الذين شاركوا في مشروع الفيلم الذي لن يتم تصويره، ودفعت أتعاب جميع الأشخاص الذين كانوا يقومون بإعداده ومنهم كاتب صحفي وهو أيضاً مجرم يدعى (جورج فيكون).
و(فيكون) هذا خلف لنا الكثير من المتاعب بعد عملية بن بركة وحاول ابتزاز المخابرات المغربية، وعرف فيما بعد أن السبب وراء تصرفه، أن العشعاشي كان قد هيأ له أجوره التي يستلمها لأن محمد العشعاشي عندما غادر إلى باريس، هيأ لكل واحد منهم مظروفاً في داخله أجوره المتفق عليها، وسلم الأظرفة إلى الشتوكي لأنه كان على اتصال مباشر مع هؤلاء الأشخاص، وتبين أن الجميع قد تسلموا أجورهم ما عدا (فيكون) وهذا الأمر لم نعلم به إلا بعد مرور عدة أشهر، وتبين أن الشتوكي احتفظ بالمبلغ لنفسه ولم يعطي فيكون أجره.
إذن تم الاختطاف يوم التاسع والعشرين في باريس، حيث وصل بن بركة من جنيف بالطائرة، حوالي الساعة التاسعة صباحاً وكان على متن نفس الطائرة اثنين من ضباط الشرطة من قسم العمليات التقنية وهي الفرقة التابعة للشتوكي.
وكان هذا الضابطان متنكران ولا يمكن التعرف عليها من بعد، وكان ضابطان آخرين يراقبان العملية من بعيد وهما ساكا والمسناوي.
إقبال إلهامي: يعني المهدي بن بركة كان ملاحق من جنيف.
أحمد البخاري: دائما ولمدة سبعة أشهر كان بن بركة متابعاً دائماً من قبل ضابطين يكونان معه دائماً في الطائرة وهما متنكران حتى لا يتم التعرف عليها.
وفي رحلته الأخيرة كان معه أيضاً ضابطان من الشرطة وعند وصوله إلى المطار كان ثلاثة ضباط آخرين ينتظرونه في المطار منه الشتوكي وميلود التونزي وعبد القادر الدرفوفي، ومحمد بتعيش، وهم مكلفون بمتابعة بن بركة عندما يغادر المطار، أي في صباح يوم التاسع والعشرين من أكتوبر.
اثنين من الضباط الذين كانوا معه في الطائرة وهما محمد حليم وحسن بن يوسف وكان متنكرين وضابطين آخرين في المطار يراقبانه من بعيد وهما عبد القادر ساكا ومحمد المسناوي.
وبعد خروج بن بركة من المطار، تبعه ثلاثة من أفراد الشرطة الفرنسية من قسم المعلومات العامة، وكان هؤلاء الثلاثة معروفين لنا إذا كنا نراهم كثيراً في الصور، لأن بركة كلما كان يزور باريس كان نفس هؤلاء الضباط الثلاثة الذين يقومون بحراسته وهم رجال كبار في السن في الخمسين من عمرهم أو أكبر من الخمسين، ويرتدون قبعات على طريقة الممثل الأمريكي همفري بوغارت. إذن تبع بن بركة الفرنسيون الثلاثة وراءهم ضباط المخابرات المغربية.
وبعدها قام الشتوكي برفقة الضابطان المتنكران اللذان كان يرفقه بن بركة في الطائرة بركوب سيارة مستأجرة كانت تنتظرهم في ساحة انتظار السيارات بالمطار، وذهبوا فوراً إلى الساحة المقابلة لمقهى .... وتمركزوا هناك، حيث كان الشتوكي يستخدم كاميرا تصوير على شكل محفظة أو يجلس في مكان ويسحب علبه سجائر هي في الحقيقة كاميرا تصوير يقوم باستخدامها في تصوير ما يريده أما حسن بن يوسف فكانت لديه كاميرا تصوير مع زووم ويقوم بدور سائح عادي ويقوم بالتصوير أما محمد حليم فكان لديه كاميرا قام بواسطتها بتصوير الأحداث كما جرت.
وفيما كان هؤلاء متمركزين في الساحة، وصل قادماً من المطار عبد القادر ساكا ومحمد المسناوي وتمركزوا هم أيضاً أمام مقهى ليب.
وهؤلاء أتوا كي يراقبوا من جديد وتأكدو أن كل الترتيبات مهيأة للانطلاق بالخطة.
إقبال إلهامي: كل الترتيبات مأخوذة للاختطاف.
أحمد البخاري: وبعد تأكدهم من أن كل شئ على ما يرام، ذهبوا إلى فيلا جورج بوسيش التي كان ينتظرهم فيها الأخوين محمد وعبد القادر العشعاشي اللذين كان ينتظران هناك منذ التاسعة صباحاً، وبالانتظار كان يقران الصحف وذلك في فيلا بوسيش.
إذن وصل بعدها بن بركة في سيارة أجره بعد أن هيأوا اثنين من أفراد الشرطة الفرنسية لمتابعته وكان لبن بركة ثقة كبيرة في الشرطة الفرنسية وكذلك في الحكومة الفرنسية.
إقبال إلهامي: هذا ما يفسر صعوده في السيارة بدون أي...
أحمد البخاري: هذا الشيء اللي جعله يمشي معاهم، وكان برفقة بن بركة تلميذ مغربي اسمه الزموري مع أنه كان مبرمجاً أن يأتي بن بركة وحده، وكان الشرطيان الفرنسيان غير مدربين على عمليات الاختطاف لأنهما لو كان كذلك أو لو كان من أفراد الكتيبة الخاصة، لكانا خطفا الرجلين معاً أو يتخليا عن العملية. ولا يمكن أن يخطفا رجلاً ويتركان الآخر.
إذن عندما وصل بن بركة في سيارة أجرة مع الزموري، جاءت من بعده سيارة أجرة على متنها ثلاثة من الشرطة الفرنسية المكلفين بحمايته ومن وراءها سيارة أجرة على متنها اثنين من أفراد الشرطة من قسم العلميات التقنية اللذين كان مكلفين بعملية المتابعة في ذلك اليوم وهما الدرفوفي وبتيش.
ولما نزل بن بركة ليعبر الشارع، تقدم منه ضابطا الشرطة الفرنسيين وهما لوي سوشون ورينيه فواتو.
تقدما منه وقدما له أوراقهما الثبوتية وأخبراه بأنهما سيأخذانه إلى موعد مع إحدى الشخصيات لم يحددا له اسمه أو جنسيته.
وعندما طلبا منه التأكد من هويته، سحب بن بركة جواز سفره وقدمه لهما ثم أعاده إلى جيبه.
وطلبا منه أن يرافقهما ورأى سيارة شرطة تنتظره وهي من طراز بيجو 403، كل هذا وأفراد من جهاز الاستعلامات العامة يراقبان كل شي من حوالي خمسة أو ستة أمتار ولكنهما لم يتدخلا لأنهما عرفا أن الرجلين اللذين يتحدثان معه هما من الشرطة الفرنسية.
وعندما كان يطلبان منه الذهاب معه، استدار بن بركة ليتحدث مع التهامي الزموري ويطلب منه أن يخبر الأشخاص الذين ضربوا له موعداً في مقهى ليب بتأجيل الموعد، ولكن التهامي الزموري عندما رأي تلك العملية أراد أن يصرخ أو يثير انتباه المارة فسارع الشرطيان المغربيان المكلفان متابعة بن بركة وركضا تجاه الزموري ودفعاه وبدأ بشتمه شتائم مقذعة وهما يتمتعان بأجسام ضخمة.
إقبال إلهامي: يعني خاف الزموري وهرب.
أحمد البخاري: فخاف منهما الزموري وهرب واختفى لمدة يومين ولم يذهب إلى منزله ظناً سيقتلانه.
ثم ركب بن بركة السيارة رفقه الرجلين وكان في داخل السيارة أحد رجال العصابات وهو فرنسي، وكان يسوق السيارة لوي سوشون وإلى جانبه لوبيز الذي كان متنكراً ومضت السيارة في طريقهما إلى فيلا بوسيش وفي هذه الأثناء دخل الشتوكي إلى مقهى ليب ليهاتف العشعاشي الموجود في فيلا بوسيش ليخبره بأن العلمية تمت بنجاح وأن السيارة هي في طريقها إليهم وفي تلك اللحظة قام العشعاشي بالاتصال بجهاز المخابرات المغربي في الرباط، وكانت الساعة حينئذ في حوالي الحادية عشر ظهراً بتوقيت المغرب..
إقبال إلهامي [مقاطعة]: من سيجيب؟
أحمد البخاري [مستأنفاً]: وأنا الذي قمت بالرد على المكالمة لأنني كنت في فترة المناوبة ابتداء من يوم الجمعة 29/10/1965، لأن المناوبة في عطلة نهاية الأسبوع تمتد من يوم الجمعة إلى الأحد ويقوم بها شخص واحد، كي يتيح الفرصة لزملائه كي يرتاحوا قليلاً وكل نهاية أسبوع يقوم أحد ما بالتزام هذه المناوبة وفي هذه الفترة تكون هناك تسهيلات لراحتنا حيث يخصص مكان لنومنا ومأكلنا..
إقبال إلهامي [مقاطعة]: يعني وقت المداومة كنت أنت مداوم واتصل بك العشعاشي حتى يخبرك أن العملية تمت بنجاح في باريس.
أحمد البخاري: اتصل بي العشعاشي المرة الأولى في الساعة الحادية عشرة ظهراً وأخبرني بضرورة ترك رسالة مستعجلة إلى الجنرال أوفقير، وفحوى الرسالة تقول...
إقبال إلهامي: يعني أن المعنى بالأمر سقط في الفخ الذي برمج له.
أحمد البخاري: ...
إقبال إلهامي: بدون أية مشاكل.
أحمد البخاري: ....
إقبال إلهامي: يعني كل الترتيبات مأخوذة والكل موجود في فيلا بوسيش والآن يجب إرسال طائرة إلى العاصمة الفرنسية.
أحمد البخاري: واتصلت فوراً بأوفقير لأن أوفقير كان قد اتصل بي صباحاً وأعطاني رقمي هاتف يكنني الاتصال به من خلالهما وهما أرقام هواتف في مدينة القنيطرة، واتصلت به على هذين الرقمين ولكنني لم أتكمن من العثور عليه. فاتصلت بأحد فخبرينا في مدينة القنيطرة وطلبت منه أن ينطلق للبحث عن أوفقير أينما كان ونحن نعرف أين يوجد أوفقير عادة، هناك فيللا يقصدها للعب البوكر وأخرى يقصدها للراحة والـ...
إقبال إلهامي: تعذر الاتصال بأوفقير اتصلت بشخص ما حتى يبحث عنه.
أحمد البخاري: ذهب المخبر للبحث عن أوفقير، وفي حوالي الثالثة ظهراً اتصل أوفقير بالشخص المناوب في مقر المخابرات، وأخبرته بفحوى الرسالة الآتية من العشعاشي ووصل أوفقير حوالي الساعة الرابعة والنصف.
إقبال إلهامي: قابلتم أوفقير شخصياً في نفس اليوم.
أحمد البخاري: أما الدليمي فقد استلم رسالة العشعاشي فور وصولها إلى الرباط، وكان الدليمي وقتها في الجزائر ، لإعداد الترتيبات المتعلقة بسفر الحسن الثاني لحضور أحد المؤتمرات.
إقبال إلهامي: كان يحضر لزيارة الحسن الثاني.
أحمد البخاري: إذن وصل الجنرال أوفقير إلى مقر المخابرات الساعة الرابعة والنصف عصراً وغادر حوالي الساعة السادسة إلا ربع، وذهب بعدها إلى المطار مستخدماً الطائرة التي تنتظره هناك وطار بها أولاً كما أخبرني بعض الأصدقاء، وصل حوالي الساعة الثانية عشر والنصف ظهراً.
أما الدليمي الذي سافر إلى الجزائر بطائرة عسكرية من فاس إلى العاصمة الجزائرية ورجع من هناك بطائرة عسكرية إلى فاس ومن هناك غادر إلى باريس ولا أعرف هل سافر بطائرته العسكرية إلى فيلا بوسيش في السابعة مساءً أما أوفقير فلم يصل إلا على الساعة الثانية عشر وربما ذهب للالتقاء بشخص ما وبعدها توجه إلى الفيلا. عندما وصل الدليمي إلى الفيلا وكان للدليمي حساب قديم يريد أن يصفيه مع..
إقبال إلهامي: المهدي بن بركة.
أحمد البخاري: مع بن بركة لأن بركة كان يتهم العسكريين وخاصة أولئك الذين تلقوا تكوينهم زمن الفرنسيين بأنهم أشباه أميين والبارز منهم حتى لو كان برتبة جنرال فأنه لم يحصل على أكثر من الشهادة الابتدائية.
والد الدليمي هو أيضاً شخص عسكري، وكان ضابط شرطة وفي إحدى المرات واثناء دعوة على العشاء عند أحد الأشخاص في مدينة الرباط وكان الدليمي ووالدين هناك وأعاد بن بركة نفس الكلام على مسامعهما ومنذ ذلك الوقت أصبح الدليمي يكن عداوة كبيرة لبن بركة.
في اللحظة التي دخل فيها الدليمي إلى الفيلا أراد أن يبدأ في تعذيب بن بركة وكان بن بركة قد وصل إلى الفيلا برفقة رجلي الشرطة حوالي الواحدة والنصف..
إقبال إلهامي [مقاطعة]: يعني من الواحدة إلى السابعة يصل أحمد الدليمي، ماذا وقع في هذه الفترة تم تعذيب المهدي بن بركة أم تم انتظار؟
أحمد البخاري: في الوحدة والنصف كانوا في الفيلا وقبلهما في الصباح كان هناك الإخوان محمد وعبد القادر العشعاشي بالإضافة إلى ساكا والمسناوي إذن عندما دخل بن بركة وجد الأربعة في انتظار وبعد قليل وصل الرجل الخامس وهو ميلود التونزي وبعد ساعة أخرى وصل السابع وهو ممرض يدعي أبو بكر الحسوني وكان الحسوني قد أرسله العشعاشي ليشتري لهم بعض الأكل والشراب وصل الحسوني مصحوباً بما اشتراه من مأكل وبقي معهم في الفيلا إذن أصبح هناك أشخاص مع بن بركة كانوا يكلمونه بهدوء وخاصة المسناوي الذي قال له إننا مبعوثون من طرف جلالة الملك الحسن الثاني كي ننظم لك لقاء ربما يكون الأخير مع مبعوث جديد كي تتفاوض معه حول شروطك للرجوع إلى المغرب وتشكيل حكومة اتحادية ووثق بن بركة في هؤلاء الأشخاص.
إقبال إلهامي: إذن وثق المهدي بن بركة في كل المجموعة التي كانت في الفيلا ويصل أحمد الدليمي، المقدم أحمد الدليمي يصل في الساعة السابعة مساءً ماذا يحدث بعد ذلك؟
أحمد البخاري: ...
إقبال إلهامي: حصص تالية.
أحمد البخاري: فور وصول الدليمي بدأ بتعذيب بن بركة الذي بدأ جسده ينتفض وشرع بالصياح بعدها طلب الدليمي من الممرض الحسوني أن يحقنه بإبره مهدئة وبعد حقنه نام بن بركة حوالي الساعتين والنصف أو ثلاثة دخل في أثناء العشعاشي في نقاش مع الدليمي وطلب منه أن يتوقف عن التعذيب الذي لاجدوى منه وان يشرع بدلاً من ذلك في استجوابه.
وبعد أن أفاق بن بركة من تأثير الحقنة بدءوا باستجوابه بدون تعذيب وحوالي الثانية عشر والنصف وصل الجنرال محمد أوفقير وقال لهم فور دخوله علقوا بن بركة بدلاً من تركه جالساً على كرسي علقوه وبدؤوا يعذبونه من جديد وأوفقير لديه طريقته الخاصة في التعذيب حيث يستخدم خنجراً صغيراً لفتح الرسائل واستعمله عدة مرات في التعذيب حيث يطعن به أجساد الضحايا أو وجوههم..
إقبال إلهامي [مقاطعة]: يعني أنت شاهدت على عملية.. عملية الجنرال أوفقير في دار المقري؟!
أحمد البخاري: نعد شاهدته في دار المقري عدة مرات يقوم بتعذيب الضحايا بهذه الطريقة وكان لا يتخلى عن هذا الخنجر فقد كان يحمله معه دائماً..
إقبال إلهامي: خنجر صغير، واستعمل نفس الخنجر مع بن بركة.
أحمد البخاري: إذن كان أوفقير يعذب بالخنجر والدليمي يكمم فم بن بركة بخرقه مبلله بمياه قذرة ولم يتحمل بن بركة ما يحدث له ولم يبق يصدر عنه أي رد فعل.
إقبال إلهامي: يعني انهار نوعاً ما.
أحمد البخاري: وفي ذلك اللحظة قام العشعاشي ومساعداه ساكا والمسناوي قاموا بإنزال بن بركة ومدداه على الأرض وحاول الممرض الحسوني أن ينعشه ولكن بدون جدوى فقد كان بن بركة قد توفى.
إقبال إلهامي: يعني توفي مباشرة بعد التعذيب.
أحمد البخاري: وقبل أن يتم إنزال بن بركة على الأرض توفى بعد حوالي نصف ساعة وكانت الساعة عندها حوالي الثالثة والنصف فجراً أي لي الليلة ما بين التاسع والعشرين والثلاثين من أكتوبر وعندما تأكدوا من وفاة بن بركة أصيب الجميع بحالة من الذعر ماعدا الدليمي الذي كان يعرف لماذا أتى إلى باريس.
إقبال إلهامي: يعني سيد أحمد البخاري نحن لا نفهم أن يتم التحضير أو التخطيط الجيد لمدة سبعة أشهر، أن ينتقل أحمد الدليمي والجنرال محمد أوفقير إلى باريس، ويعني تكون المجموعة متناقلة عبر ألمانيا وجنيف وباريس حتى يجتمعوا ببن بركة وتتم تصفيته بعد ذلك، هل بن بركة رفض مشروعاً سياسياً قدمه أوفقير، يعني ماذا حدث بالضبط؟
أحمد البخاري: هو لم يرفض المشروع لأنه في نفس تلك الفترة كان بن بركة يتفاوض مع مبعوث ملكي وذلك منذ شهر مايو/ أيار 1965 وكان تقريباً في طريق العودة إلى المغرب لأن كل الشروط أو أغلبها التي وضعها كشرط لعودته كانت مقبولة وكانت ظروف المغرب في تلك الفترة تتطلب من رئيس الدولة أن يقوم بتشكيل حكومة اشتراكية يكون على رأسها الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وقبل المهدي بن بركة هذا المشروع ولكن الشرط الذي لم يقبل بن بركة بالتنازل عنه هو أن يتخلى العسكريون عن مناصبهم الإدارية ويعودون إلى ثكناتهم.
لانه كان يعتقد أن هؤلاء العسكريين ليست لديهم الكفاءة المطلوبة للقيام بهذه المهمة، ولهذا السبب كان العداء كبيراً بينه وبين أوفقير والدليمي، لأن الدليمي وأوفقير كانا آنذاك مستفيدين مادياً بشكل كبير من مناصبهم، حيث كانوا يربحون المليارات من وراء حمايتهم لعمليات تبييض الأموال والدعارة والمخدرات والتهريب، حيث كانت هذه الأنشطة تحظى برعاية من أوفقير وجهاز المخابرات والدليمي شخصياً وإلى حد ما من جهاز المخابرات وكانت أرباح أوفقير والدليمي من هذه الأنشطة أرباحاً فاحشة، ولا يمكن أن يتخلوا عن كل هذا بكل سهولة.
إقبال إلهامي: نعم، يعني وقع الخلاف واغتيل بن بركة، ولكن السؤال هل خط البداية كانت الاختطاف أم أن الاغتيال وقع صدفة أم من البداية كان مخططاً أن يغتال أو يصفى بن بركة في باريس؟
أحمد البخاري: الخطة الأولية كانت تتضمن الاختطاف وأن يتم جلب بن بركة حياً إلى المغرب على أن يكون مخدراً، إذا كانت الظروف تسمح بذلك وإذا فشلت هذه الخطة فلا خيار إلا قتل بن بركة.
إقبال إلهامي: يعني كل الإمكانات كانت مطروحة؟
نعم، كان عليهم أن يقتلوه، إما يدخلونه إلى المغرب عنوة وإما يقتلوه فلا يمكن أن يسمحوا له بالبقاء طليقاً وحراً يقول ما يحلو له في أرجاء العالم، بالتصريحات التي كان يطلقها لو الأوضاع في المغرب، كانت قاسية جداً.

كيفية رجوع جثته للمغرب

إقبال إلهامي: إذن ربما الآن تبدأ عملية التحضير لنقل الجثة.
أحمد البخاري: لنقل الجثة، الذين قاموا بالعملية رجعوا رسمياً إلى المغرب يوم السبت، ولكنهم في الحقيقة عادوا يوم الجمعة مساءً رقم سافروا مرة أخرى في الصباح إلى باريس في رحلة عادية ربما على متن الخطوط الملكية المغربية أو الخطوط وعندما وصلوا إلى هناك، ذهب أوفقير إلى لوبيز وأخذ منه مفاتيح بيته الصيفي المخصص لقضاء العطلات وذهب لوبيز واخرج منها زوجته وابنته اللتان كانتا موجودتين هناك، وأصبح المنزل خالياً.
فيما جثه بن بركة كانت لا تزال في فيللا بوسيش وهي كاملة وما زال بن بركة مرتدياً بدلته مع ربطة العنق وتم نقلها بسيارة بيجو من طراز 404 تابعة للسفارة المغربية، وتم نقل الجثة إلى فيللا لوبيز.
إقبال إلهامي: نعم، السيارة تابعة للسفارة المغربية في باريس.
أخذوا الجثة وبقيت هناك لعدة ساعات أي ربما من الساعة الرابعة عصراً إلى العاشرة مساءً من يوم السبت.
ووصلت الطائرة التي كانت قد أخذت أوفقير إلى المغرب ثم أرجعته من جديد إلى مطار أورلي.
وذهبت نفس السيارة التابعة للسفارة والتي نقلت جثة بن بركة وإلى جانبها الممرض الحسوني من جهة وميلود التونزي من جهة أخرى ذهبوا كلهم إلى المطار كي ينقلوا جثة بن بركة إلى المغرب.
ووصلت الطائرة في الخامسة صباحاً من يوم الحادي والثلاثين من أكتوبر وذهبوا بالجثة من المطار إلى دار المقري قبل ذلك ذهبوا لتناول فطروهم في مقهى "ليل ونهار" وبعدها اتصلوا بي حوالي الثامنة صباحاً وأخبروني بوصولهم وأنهم جميعاً بانتظار وصول تعليمات جديدة وأخبرتهم بأني وإلى تلك اللحظة لم يكلمني أحد وكان من الطبيعي أن يكلمني العشعاشي أو الدليمي ولكن إلى الآن لم يتصل بي أي منهما، ومر الصباح بأكمله وفي حوالي الثانية عشر ظهراً جاء إلى مقر المخابرات فتش الشرطة محمد النويني وهو من قسم العمليات التقنية وكان قسمنا في نفس الطابق معهم نحن على اليسار وهم على اليمين.
ودخل أحد الحراس العاملين في مقر المخابرات إلى مكتبي وحمل معه آلة التصوير واثنين من البروجكترات وخرج، وكان عادة عندما يأتي إلى مكتبي يتبادل معي الحديث لأن وظيفته كمراسل كانت تجعله يسألني عن آخر الأخبار وما شابه ذلك من الأحاديث ولكنه هذه المرة دخل مباشرة إلى مكاتبهم وخرج مسرعاً بدون أن يتفوه بكلمة وعرفت أنه ذهب إلى دار المقري والتحق بالمجموعة التي كانت موجودة هناك.
إقبال إلهامي: دار المقري هذه اللي هي مقر للتعذيب كانت في السابق لمعارضة تبعهم.
أحمد البخاري: مقر كبير للتعذيب وهي مقر رئيسي.
إقبال إلهامي: ولكن أنت هل لاحظت جثة بن بركة هل... نعم.
أحمد البخاري: لا، أنا لم أرها ولكني عرفت أنه وقبل وصول الدليمي إلى دار المقري كانوا قد قاموا بتصوير جثة بن بركة فوتوغرافياً وأيضاً بواسطة كاميرا تصوير سينمائية، وكان النويني هو الذي يقوم بعملية التصوير أما الصور الفوتوغرافية فكان الشتوكي هو الذي يقوم بالتقاطها، والصور يبدو فيها بن بركة وهو جالس على كنبة، وهو بكامل ملابسه مع ربطة العنق والنظارات، ولكن الصور واضحة ويمكن تمييز بن بركة تماماً، ومن المستحيل أن لا يكون بن بركة هو الشخص الموجود في الصورة.
وهناك صور أخرى لبن بركة وهو ممدد على العشب ثم صور وهو ممدد على نقالة وضعوه عليها، وصور أخرى للحاوية التي فتحوا غطائها ثم وضعوا النقالة فوق الغطاء في جهة التي فيها، رأس بن بركة وكل هذا موثق بالصور، ثم طلبوا النقالة من الخلف كي يرموا بالجثة إلى داخل الحاوية وهذا كله موثق بالصور وبالفيلم الذي كانوا يصورونه.
إقبال إلهامي: واطلعت أنت شخصياً على الصور، كانوا في مكتبه.. مقر الاستخبارات المغربية أم..
أحمد البخاري: نعم رأيت هذه الصور بنفسي، هذه الصور كانت في الملف الخاص ببن بركة والموجود عند محمد العشعاشي وفي خزنته الحديدية بالذات. أما الفيلم الخاص بإخفاء جثته فقد أخذه الدليمي.
إقبال إلهامي: إذن هذا السيد النويني هو الذي صور مراحل إذابة جثة بن بركة في حامض الأسيد الذي تتحدث عنه، أنت طبعاً لم تلحظ العملية ولكن سمعت عنها.
أحمد البخاري: كلا، كلمني عن العملية زميلي حميدة لأن حميدة كان يشاطرني السكن في نفس المنزل، فقد كنا ثلاثة زملاء في نفس القسم، أنا وساكا والمسناوي، أما في الحياة فكنا أنا وحميدة أصدقاء وحميدة هذا كان يعمل في مكتب السكرتارية التابع للعشعاشي.
وسكنا أنا وحميدة جد في نفس المنزل لمدة ثلاث سنوات ولم نكن نخفي أي شي عن بعضنا، إذن حميدة حكى لي كل ما جرى في أحداث وحكى لي هذه الأحداث يوم الاثنين لأن مناوبتي كانت قد بدأت يوم الجمعة يوم التاسع والعشرين من أكتوبر واستمرت ثلاثة أيام حيث انتهت من عملي في التاسعة صباحاً، وجاء هو في الساعة الثامنة صباحاً وحدثني لما جرى يوم الأحد.
-دور المخابرات الفرنسية في خطفه واغتياله.
إقبال إلهامي: السيد نويني صور المشهد الكامل لإذابة.. الإذابة التي تتحدثون عنها في حامض الأسيد جثة المهدي بن بركة، تسلم الدليمي الشريط... أين هو الشريط لمن سلم الشريط؟
أحمد البخاري: بقى الشريط عند الدليمي، هذه هي المعلومات التي أعرفها أنا، فالشريط الذي تم تصويره عن كل عملية بن بركة من الاختطاف، نعم كانت هناك صور فوتوغرافية عن العملية، وإلى جانبها فيلم عن عملية الخطف كلها، والفيلم من نسختين، نسخة شاهدنا أكثر من مرة لأن لدينا صالة عرض خاصة، شاهدنا فيها الفيلم الذي يظهر فيه بوضوح رجال الشرطة الفرنسية الذين كانوا يتابعون بن بركة ووجوههم تبدو واضحة تماماً، ويظهر فيه أيضاً رجالنا نحن الذين كانوا يتابعون رجال الشرطة الفرنسيين، وتظهر في الفيلم أيضاً سيارة الشرطة التي ..
إقبال إلهامي: يعني نفس الشخص صور كل العملية من باريس، من عملية الاختطاف والاعتقال والتعذيب إلى..
أحمد البخاري: ...
إقبال إلهامي: ليس نفس الشخص.
أحمد البخاري: الذي قام بتصوير أحداث خطف بن بركة في باريس ليس هو نفس الشخص فالذي قام بالتصوير في باريس هو محمد حليم وميلود التونزي التقط بعض الصور، أما الذي صور عملية إخفاء الجثة فهو محمد النويني وكان ميلود التونزي يلتقط صوراً فوتوغرافية أي أن التونزي ميلود أو كما يسمى بالشتوكي شهد عملية الخطف ونقل الجثة من باريس إلى الرباط.
إقبال إلهامي: وأخذ صور لذلك.
أحمد البخاري: أخذ صور.
إقبال إلهامي: ولكن قضية نقل الجثة أنت تعلم السلطات الفرنسية حتى الآن قالت أنه أي طائرة عسكرية مغربية لم تقلع وقتها بالتاسع والعشرين أو بالثلاثين من أكتوبر65 من باريس إلى الرباط حتى الآن.
أحمد البخاري: على أية حال، كانت هناك طائرة مغربية، وهناك أشخاص من غير لوبيز كان يسهل لهم بعض الأمور العديد من المرات ولكن كان هناك شخص آخر غير لوبيز، سهل مأمورية مجيء الطائرة وعودتها مرة أخرى.
ولم يتم تسجيل هذه الرحلة في أي سجل.
إقبال إلهامي: بمعنى أن المخابرات الفرنسية كانت على علم ولكنها تنفي الآن أن تكون أي طائرة أقلعت من باريس للرباط.
أحمد البخاري: المخابرات الفرنسية لم تكن على علم على الأقل في مستوى المعلومات التي أعرفها بحكم وظيفتي ولا أظن أنهم كانوا على علم بخطة خطف بن بركة وقتله وحتى رجلي الشرطة الفرنسيين الذين تدخلا في عملية الخطف، كان يعملان مع المخابرات المغربية، أي الفرنسيان اللذان اختطفا بن بركة بالذهاب معهما لمقابلة إحدى الشخصيات، وهما سوشون وفواتو فقد تسلما أتعابهما من المخابرات المغربية.
إقبال إلهامي: كانوا دوماً يشتغلون مع المخابرات المغربية.
أحمد البخاري: كانوا يتعاونون مع المخابرات المغربية بين الفينة والأخرى، ولكن هذه المرة عندما ذهب العشعاشي حاملاً معه النقود، كي يدفع لجميع الذين اشتركوا في العملية أتعابهم، وذلك قبل ليلة من عملية الاختطاف دفع أتعاب هذين الشخصين أيضاً دفع لهما مسبقاً عن دورهما في العملية أي أن المخابرات الفرنسية لم يكن لها علم بما كان يدور.
إقبال إلهامي: هل تعتقد يعني أنه يتم نقل جثة بن بركة في طائرة عسكرية من مطار أورلي بباريس دون علم المخابرات الفرنسية، وأن يكون مخبر فرنسي أو اتنين يعني هما اللذين يخططان لكل العملية؟
على حد معلوماتي أنا، فأنا لا أعرف أكثر من هذا، وإذا كانت هناك معلومات أخرى فالذي يعرف بها يجب أن يكون مستوى أوفقير، لأن أوفقير كانت لديه اتصالات كبيرة مع المخابرات الفرنسية لأنه هو نفسه كان رجل المخابرات الفرنسية في المغرب، وحتى عندما كان وزيراً للداخلية كان يتعامل مع المخابرات الفرنسية وبقى دائماً مخلصاً للفرنسيين، وإذا كان هناك اتفاق ما فربما بين المستويات العليا، أما في مستوانا نحن فأنا لا أعرف شيئاً ولم أسمع شيء بهذا الخصوص.
ولكن الذي أعرفه ومتأكد منه أن الطائرة العسكرية غادرت وأتت بالجثة وكانت الجثة في الرباط يوم الحادي والثلاثين.
إقبال إلهامي: أعزائي المشاهدين ترقبوا فصولاً جديدة في قضية المهدي بن بركة مع اعترافات ضابط الاستخبارات المغربي أحمد البخاري فقط على قناة (الجزيرة).
إقبال إلهامي: أعزائي المشاهدين تابعوا معنا تفاصيل أكثر إثارة حول علاقة الاستخبارات المغربية بالحياة السياسية واعترافات ضابط الاستخبارات المغربي أحمد البخاري.المغربي أحمد البخاري.
بن بركة يصغي في الرباط –حسب إفادتكم- لكن هناك بعض التواريخ لا أدري ماذا تعني بالنسبة إليكم 57، 62، و64..
أحمد البخاري: نعم.

المحاولات السابقة لاغتيال بن بركة

إقبال إلهامي: هل كانت عمليات مبرمجة لاختطاف أو اغتيال بن بركة من قبل غير معروفة؟
أحمد البخاري: نعم، هذه العمليات، وهذه التواريخ التي ذكرتيها، هي محاولات اغتيال بن بركة وليست محاولات اختطاف بل عمليات لتصفيته بشكل نهائي، العملية الأولى كانت في عام 1957 ويقف وراءها رجل سياسي كبير، ما زال على قيد الحياة، والمحاولة الثانية كانت في عام 1962 ويقف وراءها..
إقبال إلهامي: انتساب هذا الرجل السياسي؟ ينتمي إلى أين من الأحزاب؟
أحمد البخاري من الأحزاب الموجودة حالياً في الساحة؟
إقبال الهامي: تريدون ذكر اسمه؟!
أحمد البخاري: نعم.
إقبال الهامي: تريدون ذكر اسمه؟!
أحمد البخاري: كلا، أفضل ألا أذكر اسمه حالياً.
إقبال الهامي: هل هو من الأحزاب المشاركة الآن في الحكومة؟
أحمد البخاري: نعم، ينتمي إلى حزب يشارك حالياً في الحكومة.
إقبال الهامي: إذن كان هذا الأول الذي خطط لاغتيال بن بركة.
أحمد البخاري: كان لديه حساب قديم يريد تصفيته مع بن بركة، لأن قبل تسلم الجنرال أوفقير، كان المسؤول عن الأمن هو محمد الغزاوي، وفي عام 1956، كان الشخص المعني أي السياسي على موعد مع أحدهم وجرى إطلاق الرصاص على السيارة التي كانت ترافقه وظن هو أن من قام بإطلاق النار ينتمون للخلايا التابعة لحزب الاستقلال، وكان هؤلاء يتابعون بن بركة على ما ظن هو ولكنهم في الحقيقة كانوا يتابعون تحركات محمد الغزاوي عندما كان مديراً للأمن ولهذا نشأت عن هذه الحادثة عداوة كبيرة بينهما، في الحقيقة هي كانت موجودة ولكنها ازدادت بعد هذه الحادثة، لهذا أقام هذا السياسي باستئجار أحد رجال الأمن من الذين يعملون في الأجهزة السرية أي في الشرطة السياسية، وكلفه باغتيال بن بركة وقام الرجل بإطلاق النار على بن بركة مرتين أو ثلاث مرات، بالقرب من بيته في شارع تمارة في مدينة الرباط، ولكن العملية لم تنجح، إذن هذه هي تفاصيل محاولة الاغتيال الأولى عام 1957م.
المحاولة الثانية.. والشخص الذي أطلق عليه الرصاص، ما زال حياً يرزق.
إقبال الهامي: الذي أطلق الرصاصة على المهدي بن بركة دون أن يصيبه.
أحمد البخاري: والذي استأجر الرجل ودفع له أجراً على ذلك هو كما أخبرتك سياسي كبير حالياً وينتمي لحزب مشارك في الحكومة.
إقبال الهامي: هو لا يقلد أي منصب وحزبه يشارك في الحكومة.
أحمد البخاري: كلا لا يتقلد أي منصب حالياً. العملية الثانية، كانت في نوفمبر 1962 وهذه المحاولة كان وراءها أحمد الدليمي، وحده.
إقبال الهامي: في الطريق بين الرباط والدار البيضاء.
أحمد البخاري: في الطريق الرابطة بين الرباط والدار البيضاء.
نعم كان بن بركة يستقل سيارة من طراز فولكس فاغن، وسيارة تتبعه يستقلها أفراد من المخابرات المغربية، بقصد أن يتجاوزه بسيارتهم، عند أحد المنعطفات بالقرب من جسر حديدي ويدفعوه بسيارتهم كي يهوى إلى الأسفل، ولم تنجح العملية ولكن بن بركة تأذى جسدياً وظل يعاني من هذه الإصابة طوال حياته.
العملية الثالثة كانت في أواخر نوفمبر وبداية ديسمبر من عام 1964 وهذه العملية تمت فصولها في العاصمة الجزائرية.
إقبال الهامي: هذه التي حكينا في الجزائر أنه شددت الرقابة الأمنية وبعد ذلك..
أحمد البخاري: الرقابة الأمنية شددت فيما بعد، ولكن قبل شهر من العملية حين ذهبت إلى الجزائر مجموعة من ثلاثة ضباط ينتمون للمخابرات المغربية ومعهم قناص ماهر هو الذي أطلق النار على بن بركة ولكنهم لم يستطيعوا إتمام العملية ورجع ضباط المخابرات المغربية، لأن بيت بن بركة بعيد عن العاصمة ويقع في حي سكني، ورجع الضباط الثلاثة إلى الفندق الذي كانوا يقيمون به ويقع في حي بلكور الشعبي وعند رجوعهم إلى الفندق وجدوا الشرطة الجزائرية يطوقون الفندق والشارع من جميع جهاته، فسارعوا بركوب سيارتهم التي كانت تقف بباب الفندق وغادروا المنطقة بعد أن عرفوا أن الشرطة قد كشفتهم، فاستقلوا القطار وذهبوا إلى مدينة وهران ومن هناك ركبوا الباخرة إلى ميناء مرسيليا في فرنسا ومن مرسيليا استقلوا طائرة عائدين إلى الدار البيضاء.

دور المخابرات الأميركية في قضية بن بركة

إقبال: نعم أن المخابرات الأميركية تملك حتى الآن حوالي 3000 وثيقة سرية، هل المخابرات المغربية أخذت بعضاً من هذه الوثائق حول قضية المهدي بن بركة؟
أحمد البخاري: الذي أعرفه أنا عن قضية بن بركة، في ذلك الوقت كان معنا، وكما سبق وأخبرتك، ثلاثة ضباط أمريكيون من الـ C.I.A وهم مشرفون تقنيون وهؤلاء الثلاثة الذين كانوا يعملون معنا، كانوا على علم بقضية بن بركة، فالعقيد (مارتن) كان يطلع يومياً على جدول المناوبة الخاص بنا ويقرأ ما نسجله نحن يومياً من أحداث وكان يقرأ التقارير التي ترد إلى المخابرات، لأن تقارير متابعة بن بركة والتنصت عليه، كانت تأتي على شكل تقارير مشفرة ونحن لدينا مفاتيح الشفرة، حيث كنا نقوم بفك الشفرة ونقدم هذه التقارير ليقرأها العشعاشي وعندما ما يكون العشعاشي يقرأ هذه التقارير كان العقيد مارتن يجلس قبالته ليقرأ هو الآخر نفس التقارير.
إقبال الهامي: يعني المخبرين الأميركيين تابعوا العملية بدقة منذ الأول، منذ مارس 65، نعم.
أحمد البخاري: نعم حضروا الاجتماع الأول في مارس وبقوا يتابعون العملية حتى الأخير، والعقيد (ستيف) الذي كان يتعاون مع قسم العمليات التقنية وهذا القسم كان يتابع التقارير التي تأتيه من العشعاشي ونسخة أخرى كانت ترسل إلى عبدالحميد جسوسي وهو رئيس قسم العمليات التقنية وكان ستيف دائما مع جسوسي يقرآن التقارير معاً، وكان على علم بالموضوع أيضاً العقيد سكوت من قسم مكافحة الجاسوسية وهو كان يتردد على قسمنا أو قسم العمليات التقنية طوال الوقت، وكانوا دائماً سوية وعلى الأخص العقيد مارتن، فمارتن كان يعرف كل شئ من الألف إلى الياء.
إقبال الهامي: وأنت تحدثت عليه في قضية حامد القصير، وقلت إن دوره كان أساسي في هذه العملية.
أحمد البخاري: كان دوراً أساسياً، فهو الذي قام برسم الوعاء الذي أذيبت فيه الجثة، وأعطاني التصميم الذي رسمه على ورقة صغيرة وهو رسم بخط اليد بدون استعمال مسطرة أي مجرد تخطيط أولى وسلمه لي، لأنني أعرف الدار البيضاء جيداً وظللت أبحث في الدار البيضاء، حتى أكثر على شركة يمكنها تنفيذ طلبنا في تصميم هذا الوعاء.
إقبال إلهامي: يعني يجب أن تبحثوا عن محل لصناعة أين يذاب المهدي بن بركة أو جثته.
أحمد البخاري: نعم، بحثت ووجدت صعوبة في العثور على مثل هذه الشركة لأن سماكة الوعاء والسقف الذي يجب أن يكون من الرصاص وكذلك القاع، لمن نجد مواصفاتهما في السوق ثم وجدت شركة واحدة هي شركة سكيم في منطقة يحنى [عين] السبع، واتفقنا على أن ينفذوا لي طلبي خلال ثلاث شهور ولكن الحقيقة أن التنفيذ واستغرق ستة أشهر فقد أرسلوا الطلب إلى فرنسا وعندما جاءهم من فرنسا، قاموا بتنفيذ التصميم كما طلبناه والذي قدمناه طبعاً باسم آخر حانة موجودة في مدينة المحمدية هي حانة (سفنكس) هي فندق كان يدار لأعمال الدعارة، وكان هذا الفندق والحانة التابعة له في ملكية الفرنسي بوسيش، وبوسيش وزملائه من المجرمين الذين كانوا معه، كانوا يديرون أربعة محلات للدعارة.

دور الموساد في عملية اغتيال بن بركة

إقبال الهامي: دور المخابرات الإسرائيلية، هناك من يقول أن المخابرات الإسرائيلية أو الموساد كانت تتابع بدقة كل أنشطة المهدي بن بركة وكانت تمد المخابرات المغربية بذلك، وهي كان لها دور محوري –ربما- في إلقاء القبض عليه في باريس.
أحمد البخاري: دور المخابرات الإسرائيلية "الموساد" يتمثل في أنهم فعلاً كانوا يتابعون بن بركة، يتابعونه بدقة، ولكن المعلومات التي كانوا يرسلونها، لم يكونوا يعرفون أن قسم العمليات التقنية في المخابرات المغربية كانوا يلاحقون بن بركة، وكانت الموساد تبعث إلينا بتقارير مهمة، ولكن التقارير التي كانت تأتي من رجالنا، كانت أهم بكثير من تقارير الموساد.
إقبال الهامي: أكثر من التقارير التي تأتي من الموساد!!
أحمد البخاري: لأن الموساد لم تكن تعرف أن رجال المخابرات المغربية التابعون لقسم العمليات التقنية كانوا يتابعون بن بركة، نعم كان عملاء الموساد يتابعون بن بركة، ليست بالضبط عملية في متابعة ولكن عندما كان بن بركة يصل إلى أحد المطارات يبعثون لنا بتقرير لأن المخابرات المغربية كانت تتعاون دائماً مع الموساد، ومنذ سنين، والتقارير التي كانت تصلنا من الموساد كنا نقارنها مع التقارير التي يرسلها ضباطنا.
إقبال الهامي: يعني نفس المقاربة لكل تحركات المهدي بن بركة.
أحمد البخاري: ولكن التقارير التي كانت تصل من الضابط الشتوكي، كانت تشمل متابعة بن بركة على مدار 24 ساعة، ولكن تقارير الموساد كانت تشمل مراقبة بن بركة لمدة ساعتين أو ثلاثة وليس دائماً بل فقط في بعض المطارات الأوروبية مثل باريس أو جنيف أو موسكو.
إقبال الهامي: لكن سيد البخاري إذا ت حدثنا عن دور الموساد ربما حتى الفيلم الذي كان جهاز للمخابرات المغربي ينتجه، كان منتج الفيلم يعني الترويجي يهودي.
أحمد البخاري: نعم يهودي، ولكنه لا يعمل في الموساد، فالموساد لا علاقة له بهذا الفيلم.
إقبال الهامي: لا علاقة له بالفيلم.
أحمد البخاري: كلا، لا علاقة له بالفيلم ولا بملاحقة بن بركة، ولكنهم كانوا يرسلون معلومات عامة.
إقبال الهامي: معلومات استخباراتية حول تحركات بن بركة.
أحمد البخاري: في أي مطار يصله بن بركة يرسلون تقريراً. نعم، الموساد كان يتعامل بشكل وثيق مع المغرب ولكن في قضية بن بركة، لم يكن لهم دور كبير، فلم يكونوا يتابعونه أو ينفقون الأموال في سبيل هذه الملاحقة للتوصل إلى نتيجة ما، كلا لم يكن الأمر كذلك.

اعترافات البخاري بين الحقيقة والتكذيب ودوره في القضية

إقبال الهامي: سيد أحمد البخاري أنت قلت في البداية أنك عبر إفادتك أو اعترافاتك تريد أن تساعد عائلة المهدي بن بركة ولكن ألا ترى معي أنك –ربما- عقدت الأمور بتصريحاتك على القضاء كان ربما بالبداية أن تلجأ إلى القضاء قبل أ، تدلي بتصريحات ربما عقدت الأمور نوعاً ما.
أحمد البخاري: ربما، ولكن أنا كانت نيتي حسنة، ولم أنوي تعقيد الأمور، نيتي هي .. بما أنني وصلت إلى هذا العمر، فأنا الآن في الستينات من عمري، إذن إلى أين المسير! وعندما أسمع الآخرين يتحدثون عن قضية بن بركة، كل واحد يدلي بمعلومات مختلفة عن الآخر، واحد يقول رأس بن بركة مدفونة في المكان الفلاني وجسده في المكان الفلاني كل واحد يقول شيئاً ما.. لوبيز وغيره كل واحد أصبح يتحدث عن قضية بن بركة.
ووصلت عائلة بن بركة إلى الرباط ثم غادروا، وكنت أتتبع كل هذه الأحداث، وقلت مع نفسي، إن الأمور ربما تغيرت مع مجئ الملك الجديد، وبدأت أكتب نصاً خاصاً بي، أو بالأحرى كتاب، أفشي فيه كل المعلومات التي أعرفها وأعرف أن هذا الكتاب سيكون هو مقتلي أو الضربة القاضية بالنسبة لي ربما، ولكن يجب أن أقول ما لدي، فقد وصلت إلى مرحلة البوح، فقبل عدة سنوات، كنت خائفاً على أولادي الذين كانوا مازالوا صغاراً ولكن الآن لم أعد خائفاً فقد آن الأوان لكشف عن الأسرار وفضح كل شئ وقبل أن ينشر المقال الذي فضحت فيه أسرار قضية بن بركة في صحيفة "لوموند" الفرنسية في ذلك الأسبوع خفت على نفسي، وقلت ربما سيقتلوني أو الله أعلم ماذا سيفعلون بي لأنني أعرف ما هي الوسائل التي تستخدمها أجهزة المخابرات وسائل الإخفاء الجسدي.
إقبال الهامي: كنت تتوقع أن تختفي عن الأنظار ثلاثة أيام أو يومين بعد إفادتك.
أحمد البخاري: كتبت رسالة فيها شهادة خطية وأرسلها إلى قاضي التحقيق الفرنسي الذي يتابع موضوع بن بركة، وأخبرته بأنني سأدلي باعترافاتي كاملة في المعلومات التي أعرفها عن الموضوع، ومستعد للمثول أمام العدالة سواء في المغرب أو فرنسا كما يشاءون.
وبعد أن نشرت جزءاً من اعترافاتي في جريدة "لوموند" اتصل بي البشير بن بركة (نجل بن بركة) وكلمني وشجعني كلامه كثيراً، وتأملت كثيراً عندما كان يتحدث معي، وتأثرت ونزلت الدموع من عيني، ثم أدليت ببعض التصريحات في الصحف وقلت بأنني مستعد للإدلاء بشهادتي إذا ما استدعيت أمام القضاء، وعندما وصلني الاستدعاء كان جواز سفري قد انتهت صلاحيته، وعندي سوابق قضائية وأن إعطائي جواز سفر جديد لن يكون سهلاً، هذا الشيء أنا على يقين منه، وحتى لو لم تكن لي مشاكل مع العدالة فلن أحصل على جواز سفر جديد بسهولة لأن أجهزة المخابرات بدأت تشعر في الآونة الأخيرة، أنني ربما أعترف ببعض الأمور.
إقبال الهامي: نعم، لكن حتى محامي عائلة بن بركة وأنت تحدثت مع البشير يعني شكك في أقوالك وقال إنها تأليف وإن المخابرات المغربية، وأنك ربما تلعب دوراً ما في القضية، يعني لا.. لا الفرنسيين يعني يصدقون كلامك، ولا حتى العملاء السابقون يعني حتى رفاقك بالأمس لا يصدقونك، يعني لماذا ربما تصدقك نحن؟
أحمد منصور: زملائي القدامى.. بالطبع لن يصدقوني لأنهم متورطون في العمق في هذه القضية، فطبعاً سيكذبون أقوالي لأنهم كلهم هم أكبر مجرمين في المغرب فالمجرمين الحقيقيين ليسوا أوفقير ولا الدليمي، المجرمون الكبار هم الذين كانوا مسؤولين مباشرة عما حدث في المغرب أما المحامي بن بركة فلم أفهم لماذا قال هذا الكلام عني، لأنه شكك في نواياي وأنا نيتي حسنة.
إقبال الهامي: خاصة أنك لا تملك أي دلائل مادية حول الموضوع..
أحمد البخاري: لا يمكنني تقديم أي دليل مادي هو يقول بأن الأمر كله مخطط له سلفاً.. الله أعلم ربما هو يعرف أكثر مني.
إقبال الهامي: هناك من يقول ربما ما يدعم ربما الشكوك حول تصريحاتك أنك قلت إفادتك وأنت كنت خائف، قلت أنك ربما كنت تصفي يومين بعد الإفادة لازلت حياً تتحرك بكل حرية..
أحمد منصور[مقاطعاً]: كلا، ليس بكل حرية حتى هذه اللحظة أنا لا أعيش مع أولادي فقد تركت البيت منذ اليوم الذي نشر فيه المقال، بل بيومين قبل نشر المقال.
إقبال الهامي: لازالت يعني متخفياً في مكان ما في الدار البيضاء.
أحمد البخاري: متخفي، لأنني أعرف أن منزلي مراقب، وزوجتي تعرضت لحادث مريب داخل المنزل، ومازالت إلى الآن الضمادات الطبية تحيط برأسها، وهناك حراسة دائمة على منزلي والشارع الذي أقطن فيه خلال عشرة الأيام الأولى بعد نشر المقال، وبعدها بقليل خفت الرقابة قليلاً ولكنها عادت مجدداً في عطلة نهاية الأسبوع الأخيرة.
إقبال الهامي: وأنت عملت مع محمد العشعاشي الذي كان رئيس قسم مكافحة التخريب، ومحمد المسناوي وعبد القادر ساكا في تصريحات أخيرة قالوا إنهم يعني.. أنك كنت مجرد رجل أمن، حارس أمن، لا خبرة لك تقنية، لم تتولى أي منصب يمكن أن تطلع به على أية أسرار وأنك يعني تتخيل كل هذه الأسطورة حول اغتيال واختطاف بن بركة وإذابة جثته.
أحمد البخاري: هم يقولون هذا الكلام كي يحطموني، ولكن الحقيقة أنني كنت أعمل معهم، وكنت من الأعضاء المهمين في قسم مكافحة التخريب، وكنت في منصب مهم، لأننا كنا أربعة عشر شخصاً في القسم، نتابع أنشطة الأحزاب والنقابات كل حزب أو نقابة يتابعها ضابط أو اثنان ولكن حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وكان آنذاك من أكبر أحزاب المعارضة كنا نحن الثلاثة المكلفين بمتابعة نشاطاته، كنا ساكا والمسناوي، وأنا وهذا القسم كان فيه فرعان، فرع يتابع الناشطين السياسيين وفرع يتابع الناشطين الذي يتحولون إلى العمل العسكري وهؤلاء كان مكلفاً بهم عبد القادر ساكا.
إقبال الهامي: أنتم تراقبون جميع تحركات المعارضين داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية أنت كنت مكلفاً بالتحركات العادية، عبد القادر ساكا والعشعاشي كانوا مكلفين بترويج السلاح، بالناس الذي تحوم شكوك حولهم بترويج السلاح.
أحمد البخاري: العشعاشي، كان الأرفع ربته، وساكا كان مكلفاً بمتابعة الناشطين الخطيرين، وأنا والمسناوي كنا مكلفين بمراقبة حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية نلاحق أنشطة المسؤولين في الحزب –فرع الرباط- وإذا كان الأمر يتطلب متابعة الشخص وملاحقته كنا نستعين بخدمات قسم العمليات التقنية وكانت الأجهزة السرية الموجودة في المغرب وعددها ستة، يبعثون لنا بتقاريرهم، حسب الاجتماعات التي كانت تفقد بمستواهم الأمني، وكل التقارير الخاصة. بحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ومنها اجتماعات الحزب في مدن مثل وجدة أو فاس أو أغادير تأتينا تقارير مفصلة عما دار في هذه الاجتماعات الحزبية، ونحن (أنا والمسناوي) نقرأ هذه التقارير، ونفتح ملفات لكل الأشخاص الذين كانوا يحضرون تلك الاجتماعات الحزبية كي نقوم فيما بعد بمتابعة كل شخص لدية ملف عندنا فمثلاً إذا وجدنا اسم شخص ورد في أحد الاجتماعات فإننا نراقبه عندما يتكرر اسمه في أنشطة أخرى وعندما يصل نشاطه إلى مرحلة تهدد الأمن بالخطر مثل إقامة الخلايا السرية واقتناء السلاح والقيام بعمليات عنف.
إقبال الهامي: هنا يتدخل عبد القادر ساكا.
أحمد البخاري: لا أولا نقوم نحن بالمتابعة والمراقبة فكان رئيسنا العشعاشي يقوم بقراءة جميع التقارير ويشير إلى شخص ويقول فلان أصبح عنصراً خطراً ومنها إلى مرحلة تنظيم عملية اختطاف لهذا العنصر الذي أصبح خطيراً وعملية الاختطاف يتم الترتيب لها بدراسة ملف المعني بالأمر ومرحلة تنظيم عملية اختطاف لهذا العنصر الذي أصبح خطيراً وعملية الاختطاف تتم كالتالي فلنفرض أن الاختطاف سيتم في مدينة الدار البيضاء ونرسل تلكس إلى فرع جهاز المخابرات في الدار البيضاء كي يقوم بعمل تحقيقات جدية عن الشخص المعني.
إقبال الهامي: إذن رئيس الوحدة الأمنية بالدار البيضاء يجري تحقيقاً مفصلاً حول الموضوع.
أحمد البخاري: وبعدها يصلنا التقرير بعد ثلاثة أو أربعة أيام ندرس التقرير ونقوم بإرسال ضابط من قسم العمليات التقنية كي يقوم بمتابعة الشخص المطلوب لمدة أربع أو خمسة أيام كي يعرف تفاصيل تحركاته مثل أي ساعة يغادر منزلة كي نعرف بالضبط نقطة الضعف في هذا المسار كي نحدد التوقيت المثالي لعملية الخطف هذه المرحلة الثانية بعد أن ينهي قسم العمليات التقنية عملية المراقبة ويعودوا إلى الرباط ليقدموا تقاريرهم ، ننتقل إلى المرحلة الثالثة حيث يتم تعيين فرقة خاصة لتقوم بعملية الاختطاف والفرقة الخاصة هذه كان فيها اثنان يقومان عليها أحدهما ساكا لا كان فيها ثلاثة أشخاص وعندما انتقل ساكا إلى الرباط بقي اثنان منهم في الدار البيضاء وهذان الاثنان ناصر الكرواني والثاني معطي الريحان هؤلاء يعطيهم محمد العشعاشي..
إقبال الهامي [مقاطعاً]: يعطي الضوء الأخضر للعملية.
أحمد البخاري: الضوء الأخضر كي يقوموا بعملية الاختطاف فتأتي المجموعة التابعة مثلا لناصر الكرواني إلى الدار البيضاء بعد أن يكون هو قد كلم هاتفيا رئيس قسم المخابرات في الدار البيضاء كي يسهل مهمة الضباط الآتين من الرباط وقبل أن يصلوا هم يكون العشعاشي قد أعطى الأوامر إلى الأجهزة السرية في الدار البيضاء كي يكلفوا الشرطة السرية بمتابعة الهدف الذي ينوون اختطافه كي لا يأتوا لاختطافه ولا يجدوه كأن يسافر فجأة.
إذن عندما يصل الضباط إلى المدينة التي سينفذون فيها عمليتهم يكونون على علم مسبق بموعد تنفيذها مثلاً في ساعات الفجر الأولى عندما يذهب الشخص الذي يريدون خطفة لأداء صلاة الفجر، أو يختارون الأوقات التي يكون فيها الشخص في مكان نائي، فينظم لنا العشعاشي اجتماعاً مصغراً..
إقبال الهامي: يتم ضبط الأوقات الأكثر حساسية لاختطاف شخص.
أحمد البخاري: فمثلاً يقول العشعاشي للفرقة السرية التي ستقوم باختطاف المعارض، بأن اللحظة المناسبة لاختطافه هي في التوقيت الفلاني، مثلاً عندما يذهب إلى عمله، إذا كان مقر عمله يقع في مكان نائي.
إقبال الهامي: معزول.
أحمد البخاري: أو في مزرعة أو عندما يذهب إلى الجامع لصلاة الفجر.
والاختطاف له تقنيات خاصة، الأمر لا يتم بأن يتقدموا من الشخص ويقولوا له هيا رافقنا! كلا فهم ينقضون عليه على حين غرة فيأتي شخصان من الأمام وواحد من خلفه، واحد يمسكه من ذراعه والآخر يضع القيود في يديه ثم شخص يغطي له رأسه ويلقون به في السيارة.
إقبال الهامي: سيد البخاري أنت تحدثت على مشاكلك مع القضاء وربما هي التي حالت دون تسليمك جواز إلى فرنسا، أنت أدنت ثلاث مرات واعتقلت عامين واعتقلت عاماً ثالث قبل أن يعفوا عنك العاهل المغربي الملك محمد السادس، يعني يعني حسب ما جاء في تصريحات رفاقك في المخابرات المغربية.. يعني هناك عدة إدانات وهذه المشاكل مع القضاء وما جاء في تهمك أو في سجلك القضائي من عدم انضباط أو سلوك منحرف يني يجعلان الشكوك ربما تزيد حول تصريحاتك، وهناك من يتحدث عن حرب أجهزة يعني.
أحمد البخاري: هذه الأشياء التي قالوها عني مبالغ فيها، مشاكلي مع القضاء بدأت عام 1978، لأنني عندما تقاعدت من عملي في الشرطة، بدأت أسير مشروعاً للمقاولات ورثته عن عائلتي وهي شركة البخاري التابعة لوالدي، وبدأنا نأخذ المناقصات ولكن المعاملات المالية بيننا وبين زبائننا بدأت تتعثر، فكنا نعطيهم شيكات مضمونة، ونعدهم بأن ندفع لهم المال خلال ثلاثة أشهر ولكننا لا ندفع إلا بعد خمسة أشهر، ومن هنا بدأت المشاكل، ولم تكن نيتنا أن لا ندفع مستحقاتنا المالية ولكن الناس الذين أعطيناهم الشيكات لم يصبروا علينا، في الحقيقة هم صبروا، ولكن عندما أعياهم الانتظار ، دفعوا بالشيكات إلى القضاء وهكذا حكم علي عام 1978 بالسجن لمدة عام في المحكمة الابتدائية ولكن بعد شهر ونصف استأنفت الحكم وحكم علي بالسجن ستة أشهر مع وقف التنفيذ وتم إطلاق سراحي بعدها فوراً ولم أسجن عام وعامين كما يقولون هذا في عام 1978 أما في عام 1998، فقد واجهت نفس المشاكل.
إقبال الهامي: إصدار شيكات بدون رصيد.
أحمد البخاري: أي دفع شيكات بدون رصيد، لزبائن شركتنا، وبنفس السيناريو كما حصل في عام 1978، نأخذ مقاولات ولا نستلم أجورنا عليها ولهذا لا تبقى لدينا سيوله لندفع للأشخاص الذين يزودوننا بما تحتاجه في عملنا، فيقومون بدفع الشيكات إلى القضاء، ومنهم شخص في مكناس وآخر في الدار البيضاء فحكم علي بالسجن لعام ونصف في المحكمة الابتدائية وتقلص الحكم إلى عام في الاستئناف.
إقبال الهامي: المضايقات المالية التي ربما جعلتك تصرح باعترافاتك وربما أنت تحضر لكتاب..
أحمد البخاري: أولاً، أنا لم تكن لدي نية الاعتراف قبل الآن، كانت لدي نية فقط أن أولف كتاباً، كتبت مخطوطة الكتاب، لأنه بعد أن قرأت ما كتب لوبيز وغيره من الذين قاموا بتأليف كتب عن قضية بن بركة، وكلها بعيدة عن الحقيقة قررت أن أقول أنا الحقيقة كما عرفتها أنا عن كتب في جهاز المخابرات وبدأت أكتب كل جزءاً، وأرسلت هذه الكتابات إلى فرنسا، وبدأت أتصل بالفرنسي بستيفان سميث وعندما جاء سميث إلى المغرب جاء ومعه ملف كامل من القضاء الفرنسي، وفيه معلومات كثيرة أحب أن يراجعها معي، يراجع بعض التفاصيل مثلاً، وعندما رأى أن ما اكتبه فيه الكثير من المنطق وخاصة بعد مقارنة ما قتله مع ملفات القضاء الفرنسي، بعدها قال لي هل يمكن أن ننشر ما كتبته في لوجورنال ولوموند، قلت له يمكنك نشرها أينما تشاء وقلت لنفسي وماذا بعد وعرف أنه ستقوم ضجة كبيرة، وأخيراً قبلت العرض، لأنهم عاملوني بطريقة مرضية سواء العاملين في صحيفة لوجورنال أو في لوموند.

المخابرات المغربية وضلوعها في اغتيال واختطاف عناصر المعارضة

إقبال الهامي: الآن سنتحدث عن ملفات أخرى واغتيالات أخرى لشخصيات اختفت حتى الآن ولا زال مصيرها مجهولاً هناك ثلاثون معارضاً للملك الراحل الحسن الثاني: أنت قلت أنهم أذيبوا أو أذيبت جثثهم في حامض الأسيد وأنت شاهدت إذابة عشرة جثت منهم، أنا سأذكر لك بعض الأسماء وأنت تقول لي أين مصير هؤلاء: الحسين المانوزي الذي اختفى في السبعينات ولازالت عائلته تطالب برفاته، أين هو الآن؟
أحمد البخاري: أختطف حسين المانوزي في وقت كانت فيه بعض التداخل بين الأجهزة السرية، ولم يكن هناك وضوح كافي في مهمات هذه الأجهزة، والسبب أن العشعاشي كان رئيس قسم مكافحة التخريب، إلى عام 1967، وبعد أن وقعت حادثة اختطاف واغتيال بن بركة في باريس، كان هناك شاهد مهم وهو مغربي كان يعمل في جهاز المخابرات المغربية اسمه رشيد سكيرج، وسكيرج هذا شهد في قضية بن بركة، وفضح جميع أسرار المخابرات المغربية وطريقة تنفيذ عملياتها، أي تقريباً نفس الكلام الذي أقوله أنا الآن قاله هو في ذلك الوقت وتحدث عن معتقل "دار المقري"وعن كل العمليات السرية، وتحدثت كل وسائل الاعلام عن هذه الاعترافات وقام الملك الحسن الثاني، بحل جهاز المخابرات المغربية (CAP1) وأمر بمغاردة الضباط الأمريكيين للمغرب، وذلك في آواخر عام 1967، لأن سكيرج قال بأن الأمريكان موجودون في المغرب، وهكذا تم تفكيك جهاز ال (CAP1) وهو كان متكون من ستة أقسام وكل قسم موجود في فيللا، والعمارة التي كانت مقراً لجهاز ال (CAP1)، لم يبق فيها مكاتب تابعة للجهاز منذ أواخر عام 1967، وظل مغلقاً لسنوات عديدة إلى ما حتى قبل أعوام قليلة كنت ماراً من هناك ووجدت أن عوائل بعض أفراد الشرطة يسكنون في شقق تلك العمارة.
إذن خلال الفترة التي حصل فيها تداخل وتضارب بين الأجهزة السرية، وقبلها أي قبل عام 1967، كانت كل العمليات السرية يشرف عليها شخص واحد فقط هو محمد العشعاشي، ومساعداه ساكا والمسناوي، وبالأخص ساكا، لأن ساكا كان مسؤول مباشرة عن عمليات الاختطاف.
إقبال الهامي: وإذا قلنا الحسين المانوزي أين هو الآن.
أحمد البخاري: سنأتي بعد قليل على ذكر حسين المانوزي، في عام 1967، رجع الدليمي ولكنه كان مجمداً ولم يكن يشغل منصب مدير أمن، كان يشغل منصب حاكم governer في وزارة الداخلية، ولكن لم تكن له وظيفة محددة وبقى هكذا لمدة ثلاث سنوات أي إلى عام 1970، في عام 1970 تعين الدليمي مديراً للأمن الوطني، وعندما استلم هذه المديرية أسس وحدة خاصة تابعة له، وحدة خاصة تقوم. بعمليات الخطف وباقي المسائل الخطيرة، وهذه الوحدة الخاصة التابعة للدليمي هي التي خطفت المانوزي من تونس وأتت به إلى المغرب لأن في عام 1970، لم يكن العشعاشي مسؤول، لأنه بعد عام 1967، بقى دور العشعاشي محصوراً في الاستخبارات وأن كان يقوم بإصدار أوامر بعمليات خطف ولكن ليس كثيراً، أكثر الذين قاموا بهذه العمليات هم الوحدة التابعة للدليمي وفي هذه الفترة أي عام 1970 عندما تم خطف المانوزي كان الدليمي هو المسؤول الكبير عن هذه العمليات.
إقبال الهامي: نعم، ولكن أين هو الآن؟
أحمد البخاري: في هذه الفترة لم يكن لدي اتصال بهذه الوحدة التابعة للدليمي الذي أعرفه أنه منذ عام 1970، عندما أتى الدليمي كانت دائرة الشرطة أو ما يعرف بدار المقري (حيث تتم عمليات التعذيب) كانت تابعة مباشرة للدليمي، فيما كانت تشرف عليها سابقاً دائرة مكافحة التخريب، وأن كان بعض الضباط التابعين لقسم مكافحة التخريب يذهبون هم أيضاً إلى دار المقري ويقومون بتعذيب المعتقلين واستنطاقهم.
إقبال الهامي: تعذيب وتحقيق استمر.
أحمد البخاري: وانظم إليهم أيضاً في هذا النشاط الدليمي.
في تلك الأثناء، بدون شك، وحسب قراءاتي للصحف والكتابات التي غطت تلك الفترة، خمنت أنه في تلك الفترة التي القى القبض فيها على المانوزي، خصوصاً عندما قرأت الكتاب الذي نشره بوريكات وتحدث فيه عن ناس آخرين كانوا من ضحايا الدليمي، تأكدت أن تخميني كان في مكانه، وكان هناك زميل لنا في المخابرات كان يقوم أيضاً بعمليات الخطف وكان يعمل في الوحدات الخاصة، وكان هو يعمل مع الدليمي، وتحدث عنه بوريكات في كتابه وقال أن ذلك الضابط كان يأتي مع الدليمي..
إقبال الهامي: ولكن أنت شهدت على إذابة.. قلت إنك شهدت على إذابة عشرة جثث لنقل جثة من هؤلاء يعني، هل تذكر؟
أحمد البخاري: اسمعي، لا يمكن أن أؤكد لمن تعود هذه الجثث وسأشرح لك لماذا.. عندما كانوا يخطفون المعارض، كنا نرى ملفه والصور التي تلتقط له وتوضع في الملف الخاص به، حيث يكون ما زال شاباً ووسيماً وأنيقاً، وعندما يأتون به إلى مقر المخابرات ويبقى أسبوعين أو ثلاثة للتحقيق معه وبعدها يأخذونه إلى دار المقري، وعندما يبقى هناك شهرين وثلاثة أو عام وعامين وثلاثة، بعدها لا يمكن حتى لوالديه أن يتعرفا عليه، فيما بالك نحن الذين رأيناه في الصور الفوتوغرافية قبل أن يقوموا باختطافه وقبل تعرضه للتعذيب، ولكن أحياناً عندما كنا نذهب إلى دار المقري كي نقوم ببعض عمليات التحقيق أو الاستجواب فكنا نلاحظ وجود جثث داخل أكياس بلاستيكية سوداء، كيسين أو ثلاثة بانتظار تذويبها وإذا كان الوعاء مليئاً بالجثث يطلق رائحة كريهة تستطيعين شمها من بعيد، لأننا كنا نعرف أنهم سيرمون بهذه الجثث داخل الوعاء المليء بحامض الأسيد.
إقبال الهامي: شهدت هذا شخصياً.
أحمد البخاري: نعم، كنت شاهد عيان على هذه الأشياء، على الأقل شهدت تذويب عشر جثث.
إقبال الهامي: إذن دون أن نتعرف على جثثهم.
أحمد البخاري: لا يمكنني أن أتعرف على أصحاب الجثث، لأنهم عندما يموتون تحت التعذيب يضعونهم في أكياس بلاستيكية سوداء.
إقبال الهامي: إذا سألناك مثلاً عن عبد الحلق الرويسي.
أحمد البخاري: القاضي عبد الحق كان عبد القادر ساكا يعمل في إدارة المخابرات بالدار البيضاء في الفرقة السرية لمدينة الدار البيضاء، وهو أحد المسؤولين عن هذه الفرقة، كانوا ثلاثة مسؤولين هم جميل حسين ومحمد عنان وعبد القادر ساكا.. ساكا كان مكلفاً بمراقبة حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وأيضاً مسؤولاً عن الوحدة الخاصة بعمليات الخطف، ومعه أربعة مساعدين منهم شخص يدعى عبد العزيز الغيناوي، وهو ضابط شرطة، وكان العشعاشي قد أتى بساكا عبد القادر قبل 1963 ونقله إلى الرباط، لأن ساكا عمل دائماً في وحدات المخابرات ولكن في الدار البيضاء، ونقلوه إلى دائرة مكافحة التخريب وتكلف بمتابعة المعارضين الخطيرين.
وهكذا بقيت الفرقة بدون مسؤول مباشر عنها وأصبح يدير العمليات هناك عبدالعزيز الغيناوي وفي هذه الأثناء وفي عام 1964، كانت المخابرات تطارد المعارض (شيخ العرب) وكنا نطارده في كل مكان والمعلومات التي كانت أن شيخ العرب مختفي في فيللا تقع في حي الارميتاج بالدار البيضاء، وعندما ذهب الضباط لإلقاء القبض عليه، كان يستقلون سيارة فيها أربعة ضباط، وذهبت سيارة من الرباط تابعة لشعبة مكافحة التخريب، كي تقوم بالإشراف على العميلة من بعيد والتأكد من نجاحها.
شيخ العرب خارج من باب خلفي للفيللا وبدأ يطلق الرصاص عليهم وقتل ثلاثة من ضباط الشرطة في نفس المكان.
ولم يقم ساكا ورفاقة الذين كانوا في السيارة الأخرى بملاحقته لأنهم لم يكونوا مسحلين.
إقبال الهامي: كانوا غير مسلحين.
أحمد البخاري: وبعدها فرض حالة حصار في المغرب ووضعت حواجز على كل الطرق وفي كل المدن.
إقبال الهامي: يعني كان البحث جاري عن شيخ العرب.
أحمد البخاري: بحثاً عن شيخ العرب ورفاقه، وهذا استمر من شهر أبريل 1964 إلى شهر أغسطس 1964 حين تم نصب كمين لشيخ العرب وألقوا عليه القبض وقتلوه ولم يمت حينها وبقى حياً، فأطلقوا رصاصتين على رأسه ليقتلوه، مثلما حدث مع (تشي غيفارا)..
هذا في أغسطس 1964، وعلمنا بعدها نحن في مقر المخابرات بالرباط أنه وقعت حوادث عديدة مثل الخطف والاغتيالات وخطفوا بعض الفتيات واغتصبوهن ثم أطلقوا سراحهن، والعديد من التجاوزات الأخرى.
إقبال الهامي: هذه في الفترة التي ظلت فيها الوحدة الأمنية بالدار البيضاء بدون رئيس.
أحمد البخاري: بدون رئيس.
إقبال الهامي: عندما انتقل عبد القادر ساكا إلى الرباط.
أحمد البخاري: كل هذه التجاوزات التي وقعت في الدار البيضاء من أبريل إلى أغسطس أو في الحقيقة حتى أكتوبر 1964 حصل تجاوزات خطيرة ارتكبها رجال الأمن.
إقبال البخاري: في تلك الفترة اعتقل عبد الحق الرويسي.
أحمد البخاري: وفي هذه الفترة وقعت حادثة خطف عبد القادر الرويسي. وأنا أظن أنه لم يكن وراءها إلا عبد العزيز الغيناوي، وهو ورفاقه في جهاز الأمن، ولا يزال بعضهم أحياء، منهم الكوميسير رازق الذي كان في قسم المخابرات بالدار البيضاء يعرف الكثير عن تلك الفترة ويمكن أن يدلي بشهادته في هذا الموضوع.
وعندما علم محمد العشعاشي بهذه التجاوزات أوقف هؤلاء الضباط عن العمل لمدة شهرين أو ثلاثة، وبقيت رواتبهم جارية وبعدها تم إرجاعهم إلى العمل وكأن شيئاً لم يكن.
إقبال الهامي: لم تتم أي معاقبة..
أحمد البخاري: أي معاقبة.

تورط مسؤولين سياسيين في عمليات الفساد

إقبال الهامي: نعم، بالإضافة إلى الاغتيالات والاختطافات تحدثت عن تورط مسؤولين سياسيين مغاربة وأنتم كنتم وقتها تتسربون داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، كيف كان يتم ذلك ومن تورط من مسؤولين سياسيين في المغرب؟
أحمد البخاري: جميع المسؤولين في جميع الأحزاب تورطوا بالعمل مع المخابرات وكذلك المسؤولين في النقابات وإتحادات الطلبة كان في وقتها الاتحاد الوطني لطلبة المغرب والاتحاد لطلبة المغرب والنقابات كلها بما فيها النقابات الكبرى مثل الاتحاد المغربي للشغل وكذلك الأحزاب والأخص الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وكان السياسيون الكبار في البلد آنذاك كلهم لديهم نقاط ضعف في حياتهم، وشعبة مكافحة التخريب، كان يدرس حالة كل مسؤول سياسي ويبحث عن نقطة الضعف في حياته، وتدور أغلبية نقاط الضعف هذه حول مسائل محددة مثل شرب الكحول ومعاشرة النساء وحب الأموال.
إذن عندما تعرف المخابرات نقطة الضعف في حياة المسؤول السياسي تدبر له فخاً كي يسقط بشكل لا يستطيع القيام بعده.
إقبال الهامي: كأخذ صور مثلاً.
أحمد البخاري: مثل التقاط صور له في وضعيات يصعب الدفاع عنها.
إقبال الهامي: يعني أن المعارض وقتها كان يصبح بين الصور وبين المشاكل المالية والأخلاقية، نعم.
أحمد البخاري: والأغلبية يختارون أن لا ينفضح أمرهم ويوافقون أن يتعاونوا مع جهاز المخابرات وهكذا بقوا يتعاملون معنا، لسنين طويلة ومنذ الستينات.
إقبال الهامي: هل هناك سياسيون بارزون تعاملوا معكم في جهاز المخابرات المغربي لفائدتكم على حساب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
أحمد البخاري: نعم، هناك سياسيون كبار تعاونوا مع المخابرات.
إقبال الهامي: لا زالوا على قيد الحياة؟!
أحمد البخاري: بعضهم قضى نحبه والبعض الآخر ينتظر.
إقبال الهامي: إذا قلنا في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ما دام كان هو التركيز وكنتم أنتم ثلاثة تشتغلون عليه ومحمد العشعاشي رئيسكم، إذا سألناك عن نسبة تورط هؤلاء المسؤولين كم تكون؟
أحمد البخاري: أنا أظن أن نسبتهم تبلغ 70% على مستوى العاصمة الرباط والفروع الحزبية في كل الأقاليم ففي كل مدينة فيها فرع للحزب كان يتعامل شخص أو اثنان من الحزبيين مع المخابرات.
إقبال الهامي: لكن سيد البخاري أنت تقول كلاماً يعني خطيراً عن تورط مسؤولين سياسيين في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وقد ربما يكونون عاملون معكم يعني هل هناك دلائل، ما هي دلائلك، هل أنت شاركت مثلاً في إحدى هذه العمليات؟
أحمد البخاري: نعم، شاركت في بعض العمليات وكنت في القسم المكلف بمراقبة نشاطات حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وكان أغلب زعماء الحزب قد وقعوا في الفخاخ التي نصبتها لهم أجهزة المخابرات التي تعاملوا معها فيما بعد.. فمثلاً قبل انعقاد أحد الاجتماعات الحزبية بيومين، يتصلون بضابط المخابرات الذي يتعامل الحزبي معه.
إقبال الهامي: الضباط الذي يتكلف بالتعامل معاه.
أحمد البخاري: ويخبره بموعد الاجتماع ومكانه وبعد الاجتماع يتصل به هاتفياً ويخبره بانتهاء الاجتماع ويطلب لقاءه في المكان الذي اعتادوا الاجتماع فيه وهي إحدى الفيلات أو الشقق التابعة للمخابرات وقبل ربع ساعة من مجيء السياسي يكون ضابط المخابرات وهو عادة يكون في مستوى عالي من مستوى العشعاشي إذا كان سيلتقي بأحد الزعماء الكبار، وإذا كان سياسياً من مستوى أقل فيلتقي به ضابط مخابرات من مستوى أقل وهكذا إذن يذهب الضابط قبل ربع ساعة من موعد اللقاء، إلى الشقة أو الفيللا التي سيلتقيان فيها، وتكون فيها أجهزة تصنت وتصوير سرية، تشبه الشقة التي كان يسكنها ضابط الشرطة ثابت..
إقبال الهامي: الحاج ثابت الذي تورط في قضايا أخلاقية كبيرة وأعدم.
أحمد البخاري: نعم أعدم في عام 1993، الحاج ثابت تعلم تقنيات تصوير المعارضين وقام بتطبيق ما تعلمه لخدمة نزواته الشخصية.
إقبال الهامي: إذن لنعد للساسة.
أحمد البخاري: بعد التقاء السياسي مع ضابط المخابرات يسرد له كل ما دار في الاجتماع الحزبي وينتهي بكتابة تقرير عن الموضوع، وكل هذه اللقاءات مسجلة بالصوت والصورة.
إقبال الهامي: ولكن سيد البخاري ألا ترى معي أنه غريب أن لا يستدعيك القضاء المغربي وأنت يعني تطلق هذه التصريحات النارية حول تورط مسؤولين سياسيين بالمغرب بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية وحول إذابة جثة بن بركة وعشرات الآخرين، وألا يستدعيك القضاء المغربي حتى الآن للتحقيق معك؟
أحمد البخاري: أنا أظن وحسب ما أقرأه في الصحف، أن الضربة الأولى ستأتيني من زملائي السابقين من العشعاشي وزملائه والضربة الثانية ستأتي من حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لأنني صرحت في إحدى الصحف في لقاء معي، بمعلومات شبيهة بما حكيته لكم، وقلت فيه أن الكثير من المسؤولين السياسيين كانوا يتعاملون مع المخابرات.
إقبال الهامي: يعني عوض التحقيق معك في الإفادة والتصريحات والاعترافات لربما يتم التحقيق معك في شكاوي محمد العشعاشي وشكاوي الاتحاد والاشتراكي.
أحمد البخاري: كنت أنتظر أن تأتيني الضربة الكبرى، بعد نشر تصريحاتي في لوموند، من السلطات الرسمية، لأن في داخل الأجهزة السرية هناك الكثيرون من مدينة وجدة، لأنه عند تأسيس جهاز الـ(CAP1) كان أغلب مؤسسيه من مدينة وجدة ووظفوا معهم الكثيرين من رجال الأمن من وجدة، وعندما حُل جهاز الـ(CAP1) وذهبوا للعمل في جهاز مراقبة التراب الوطني أو في المخابرات العسكرية كلهم من مدينة وجدة، وتسلموا مناصب مهمة، ولو لم يكن محمد العشعاشي وعبد الحق هناك، لما وصل الآخرون إلى هذه المناصب المهمة، أي هؤلاء مدينين لهم، وأعتقد أن واحداً منهم قد يفكر في القيام بعملية انتحارية للانتقام مني، عملية ضدي أو ضد أحد أولادي، وأنا لا أخاف على نفسي بل أخاف على زوجتي وأولادي، أما أنا فلم أقم بهذه الخطوة إلا وكنت مدركاً لخطورتها ومدركاً أنني ربما أفقد حياتي.
إقبال الهامي: وأنت الآن هل أنت خائف من المخابرات المغربية؟ هل أنت خائف من رفاق الأمس ربما؟
أحمد البخاري: لست خائفاً من أحد، رفاق الأمس لا تستمعي لهم، فكلهم يكذبون لأنهم أكبر كذابين، وكلهم لا يملكون ضميراً، كلهم مجرمين، لأن كل ما وقع في المغرب، لم يكن وراءه أوفقير والدليمي وحدهما ما وقع في المغرب من قضايا كبيرة، كان وراءها أوفقير أو الدليمي، أما أغلبية القضايا الأخرى مثل الخطف والتعذيب والاختفاء كان المسؤولين الكبار عنها هم هؤلاء الناس والأخص محمد العشعاشي وعبد القادر ساكا، هؤلاء هما أكبر مجرمين كانا في المخابرات.
إقبال الهامي: وهل تعتقد الآن بعد كل هذه الاعترافات وبعد كل هذا الكلام أنك ربما تكون أرحت بالك؟ هل تعتقد أنك ربما تبت؟
أحمد البخاري: تبت منذ سنين طويلة لأنني في عام 1971 كنت أنوي الإدلاء بهذه الاعترافات، ولكني خفت لأني أولادي كانوا ما زالوا صغاراً، وفي إحدى زياراتي لفرنسا كنت على وشك الاعتراف ولكنني لم أجرؤ على ذلك، لأنني أولاً لم تكن لدي الاتصالات الكافية، كما حدث هذا العام عندما اتصلت بستيفان سميث، أما آنذاك فلم أكن أعرف كيف اتصل بالناشرين وزوجتي ما زالت شابة وأولادي أطفال صغار، فقررت العودة إلى المغرب واستئناف حياتي العادية.
المرة الثانية كانت في عام 1983 سافرت أيضاً إلى فرنسا لدورة تدريبية لمدة أربع أسابيع في إطار المهنة التي كنت أمارسها مع أبي والخاصة بصناعة الموازين للشاحنات الكبيرة.
وفكرت حينها أن لا أعود للمغرب وأفجر تصريحاتي هذه، ولكنني ترددت مرة أخرى لأنني لم أملك الشجاعة الكافية وكنت أخاف كثيراً على عائلتي لأن أولادي كانوا صغاراً أما الآن فقد كبروا واصبحوا رجالاً ولم أعد أخاف عليهم.
إقبال الهامي: وماذا عن أنك تردي أن تذهب إلى فرنسا بجواز سفر لتقديم إفادتك أمام القاضي (جون بانيست) الذي يتابع التحقيق في قضية بن بركة أنك تريد أن تطلب اللجوء السياسي في فرنسا.
أحمد البخاري: لا.. أردت أن أشهد فقد أرحت ضميري الآن جزئياً وإذا أردت أن أريح ضميري نهائياً فيجب أن أدلي باعترافاتي أمام قاضي يسجل شهادتي بمحضر رسمي، فلدي الكثير مما لم أقله بعد، ولا يمكن أن أقوله إلا أمام القاضي عندها سيرتاح ضميري تماماً، مثلاً الآن اعترافاتي الجزئية في أجهزة الإعلام ولكن القضاء ليس هو الإعلام أود أن تكون اعترافاتي في محضر رسمي يسجل فيه هذه الأشياء فمثلاً لو تحدثنا عن قضية بن بركة في محضر رسمي أمام قضاة ولو أراد البحث في ملف بن بركة سيذهب مباشرة إلى الهدف ولن يحتاج لأن يضيع الوقت في متاهات سواء المعلومات حول الاختطاف أو الاغتيال أو تذويب جثته أو معلوماتي عن الفرنسيين الأربعة.
إقبال الهامي: المخبرتين الفرنسيين الأربعة الذين اختفوا في المغرب.
أحمد البخاري: هؤلاء الأربعة كانوا تحت حماية محمد العشعاشي مباشرة، هو الذي يخصص لهم رجال الشرطة الذين يرافقونهم دائماً.
إقبال الهامي: وظلوا في دار المقري بعد العملية.
أحمد البخاري: كانوا أولاً في عام 1965، رجع أولاً بوسيش والآخرون رجعوا بعده بشهر أو شهرين وكانوا دائماً في حراسة الشرطة المغربية.
إقبال الهامي: سيد أحمد البخاري باسم مشاهدي (الجزيرة) نشكرك على هذا اللقاء الذي لا شك أنه سيفيد القضاء في التحقيق في قضية من أكبر قضايا الاختطاف والاغتيال قضية المهدي بن بركة.
وأنتم مشاهدينا الكرام نشكركم على متابعتكم لهذا اللقاء، وإلى لقاء قريب.