مقدم الحلقة:

أكرم خزام

ضيف الحلقة:

فلاديمير بوتين: الرئيس الروسي

تاريخ الحلقة:

17/10/2003

- أهداف روسيا من طلب الانضمام لمنظمة المؤتمر الإسلامي
- مدى ديمقراطية الانتخابات الرئاسية في الشيشان

- علاقة روسيا بالبلدان العربية
- خلفية موافقة روسيا على المشروع الأميركي الجديد الخاص بالعراق

- النظرة الروسية لتطوير أداء الأمم المتحدة

- التقييم الروسي لانفجار الأوضاع في الشرق الأوسط

- موقف روسيا من النزاع الأميركي الإيراني

- تقييم العلاقات الروسية الأميركية

- أسباب التلويح بالقوة النووية الروسية

- النهج الروسي المتبع في المستقبل

أكرم خزام: أعزائي المشاهدين، أهلاً وسهلاً بكم في هذا اللقاء الخاص الذي نجريه مع الرئيس الروسي (فلاديمير بوتن).

السيد الرئيس، اسمحوا لي بداية أن أشكركم على موافقتكم على هذا اللقاء في قناة (الجزيرة).

أهداف روسيا من طلب الانضمام لمنظمة المؤتمر الإسلامي

وأبدأ بسؤال عن فكرتكم بشأن إمكانية انضمام روسيا إلى منظمة المؤتمر الإسلامي، ثمة من يعتقد أنكم تريدون من خلال هذه الفكرة صرف الأنظار عما يجري في الشيشان، وثمة من يرى أن لديكم نية صادقة بتطوير تعاون روسيا مع البلدان الإسلامية، ما رأيكم؟

فلاديمير بوتن: بالطبع إنها نية صادقة للتعاون مع البلدان الإسلامية، وليس التعاون فحسب، وإنما استئناف التعاون، لأن العلاقات بين الاتحاد السوفيتي وما بعده روسيا تميزت بالدفء والصداقة والعمر المديد مع غالبية البلدان الإسلامية في العالم.

نحن كنا في اتحادٍ دائم مع العديد من البلدان الإسلامية والعربية، وأنا متأكد من الاهتمام المشترك لبلداننا في استئناف العلاقات على أساس تطويرها بالنظر إلى الحالة الجديدة في العالم، إضافة إلى ذلك معروفٌ أن عشرين مليون مسلم يعيشون في روسيا، وهنا في ماليزيا حيث نجري اللقاء معكم لا يوجد هذا العدد، هناك أربعة عشر مليون مسلم من أصل ستة عشر مليون عدد سكان هذا البلد، وبالمقارنة مع المسلمين الذين يعيشون في أوروبا الغربية، فإن المسلمين في روسيا هم روس ليس لديهم بلداً آخر، في هذا المعنى فإن روسيا تعتبر جزءاً من العالم الإسلامي، وعليه فإن مسلمي روسيا لا يجب أن يشعروا بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية في العالم الإسلامي، كما من حقهم أن يشعروا بضرورة إقامة الصلات المباشرة مع ممثلي منظمة المؤتمر الإسلامي التي تتألف من 57 دولة.

ثانياً: في روسيا أصول دينية متنوعة، وكان ذلك منذ القدم روسيا احتلت دائماً موقعاً خاصاً بين الشرق والغرب، وقد كانت صلة الوصل بين هذين العالمين، اليوم في هذا العالم المعقد يمكن لروسيا أن تمارس هذا الدور، وثمة خلفية لمساعينا بالانضمام تتمثل في العامل السياسي الداخلي، فهناك 125 مليون من غير المسلمين، فروسيا بلد مسيحي أرثوذكسي، وانطلاقاً من ذلك يجب على هذا الكم من سكان روسيا أن يفهم ويعرف أن الدولة تحترم قوانين وحقوق ومصالح المسلمين الروس والمواطنين الروس، وهذا الطريق يمثل طريق التعايش الديني على أساس الاحترام المتبادل للمصالح والحقوق، وروسيا عاشت على هذا الأساس سنيناً طويلة، ولدينا خبرتنا في العمل المشترك بين الأديان والأمة والشعوب، وهي خبرة إيجابية، وعلينا أن نعمقها في العصر الحديث، ونسعى إلى نقل ما هو إيجابي لدينا إلى الخارج.

ما يتعلق بالشيشان فمهمتي لا تتمثل في صرف الأنظار عما يجري هناك وإنما على العكس جذب الأنظار إلى الشيشان وإطلاع العالم وبشكل خاص العالم الإسلامي موضوعياً عن الأحداث التي تدور في الشيشان، وإذا كان لديكم اهتمام بهذه القضية سنتوقف عندها لاحقاً بالتفصيل، لكن تعرفون أننا في روسيا اعترفنا منذ سنوات باستقلال الشيشان بشكل واقعي، لكن الشعب الشيشاني لم يحصل عملياً على هذه الاستقلالية، وكان محتلاً من قبل قوى تتستر بالإسلام، وتنشر أفكاراً غريبة لا علاقة لها بهذا الدين، فالإسلام دين السلام، وهو كالأديان العالمية يدعو إلى الطيبة وإلى المحبة والإنسانية، تعرفون أيضاً أنه في عام 1999 تم الهجوم على داغستان الجارة المسلمة للشيشان، والشعب في داغستان حمل السلاح وطلب من السلطة المركزية في روسيا المساعدة، ولن أستطيع أن أنسى تلك المشاهد عبر شاشة التلفزة ومن موقع الحدث عبر (شغلتي) الشخصية، تلك المشاهد التي دفعتنا إلى اتخاذ إجراءات صارمة لمنع الأعمال الإرهابية.

اليوم وبشكل تام انتقلنا إلى التسوية السياسية فقد أجرينا الاستفتاء العام الذي شارك فيه أكثر من 80% من الناخبين، ولم يشارك أحد بواسطة الضغط، وطالما أن الناخب أتى إلى مركز الاقتراع فهذا يعني أن الحاجة نشأت في داخله، وقد صوَّت أكثر من 80% من الذين شاركوا لصالح دستور الشيشان الذي كُتِبَ فيه بوضوح أن هذه الجمهورية تعتبر جزءًا لا يتجزأ من جمهورية روسيا الاتحادية، ومنذ فترة جرت الانتخابات الرئاسية في تلك الجمهورية، وتم انتخاب رئيس لها بنسب وصلت أيضاً إلى أكثر من 80% ولن نتوقف عند هاتين العمليتين، بل سنسعى إلى مساعدة الشعب الشيشاني على انتخاب مجلسه النيابي، وسنكون جاهزين للتوقيع على معاهدة بين المركز الفيدرالي وجمهورية الشيشان، وتتضمن تلك المعاهدة تقسيم الصلاحيات مع منحها حقوقاً واسعة للغاية، ونحن على ثقة بأن الاستمرار في هذه السياسة سيؤدي لا محالة إلى تسوية شاملة طويلة الأمد، وأنا شخصياً أريد أن يعرف الجميع عن ذلك، وليس لديَّ ما يدعو إلى صرف الأنظار عمَّا يجري من أحداث في الشيشان، فبالعكس لدي رغبة في جذب الأنظار.

أكرم خزام: لننتقل إلى علاقة روسيا بالبلدان العربية.

فلاديمير بوتن: ما يتعلق بالبلدان العربية فإننا نشكر منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية اللتان -بالمقارنة مع منظمات دولية أخرى- أرسلتا مندوبين عنهما إلى الاستفتاء على الدستور وإلى الانتخابات الرئاسية في الشيشان، وعمل المندوبون بشكل نشيط في مراكز الاقتراع، ودرسوا الوضع عن كثب، وكانت لديهم ملاحظات، لكنهم وفي العموم أشاروا إلى أن الانتخابات جرت على أساس ديمقراطي، وهاتان المنظمتان ذات السمعة الدولية الواسعة اعترفتا بنتائج الانتخابات على العكس من بعض الأصدقاء في منظمات دولية أخرى الذين لم يأتوا إلى الشيشان تحت طائلة من الشعارات الديماغوجية، وأحياناً يتشكل الاعتقاد أن البعض مِمَّنْ يسمون أنفسهم محللين يريدون إثبات أنهم مسلمون أكثر من المسلمين أنفسهم، وبرأينا وفي الواقع ما هذا إلا محاولة لاستخدام المشاكل في القوقاز كوسيلة سياسية للضغط على روسيا، أنا متأكدٌ أن هذا الأمر ليس في مصلحة أحد، لا في الشرق ولا في الغرب وبشكل خاص في العالم الإسلامي الذي يبدو مهتماً ومن مصلحته أن يجد في روسيا حليفاً قوياً واضح المعالم يستند إلى عوامل داخلية مؤثرة.

مدى ديمقراطية الانتخابات الرئاسية في الشيشان

أكرم خزام: لطالما تطرقتم إلى هذا الموضوع، ما هو ردكم على تصريحات البيت الأبيض الخاصة بعدم ديمقراطية الانتخابات الرئاسية في الشيشان؟

فلاديمير بوتن: أنا أنتقد مثل هذه التصريحات، وأعتقد أنه إذا كان لديهم شك، لكان من الأفضل القدوم إلى الشيشان والنظر بغية تحديد وجود خروقات أم لا، وأعتقد أن إطلاق هذا النوع من التصريحات محاولة لصرف الأنظار عن أخطائهم الخاصة في العلاقة مع العالم الإسلامي، إنها محاولة -أكرر- لصرف النظر عن الأخطاء بحق العالم الإسلامي.

ثانياً -وكما نوهَّت- إنها محاولة وسعي لهز روسيا للتوصل إلى حلول لقضايا أخرى لا علاقة لها بالشيشان ولا بالعلاقة بين روسيا والعالم الإسلامي.

علاقة روسيا بالبلدان العربية

أكرم خزام: السيد الرئيس، لنعد إلى علاقة روسيا بالبلدان العربية، ثمة مفارقة تتمثل في أن العلاقة بين الأصدقاء التقليديين للاتحاد السوفيتي السابق مثل مصر وسوريا والجزائر، وبين روسيا تتسم بالشكلية، في الوقت نفسه نرى أن الأمير عبد الله الذي يمثل السعودية يريد تعميق العلاقة مع روسيا، كيف تنظرون إلى هذه المفارقة، وكيف تنظرون إلى البرود في العلاقة مع الأصدقاء السابقين؟

فلاديمير بوتن: أعتقد أنه ليس لديكم معلومات دقيقة، فلو أنكم راقبتم مشهد اللقاء بيني وبين نظيري الجزائري السيد بوتفليقة، لكنتم اقتنعتم بأن علاقتنا دافئة للغاية، وهذه العلاقة تستجيب لمستوى العلاقة في السنوات الماضية، وفي الوقت نفسه أنتم على حق بوجود تدهور في بعض المجالات، وأعلل ذلك أن العلاقة في السنوات الماضية قامت على أساس أيديولوجي لا داعي له، فالأيديولوجية كانت هي المسيطرة، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي وزوال الشيوعية، غابت الصلة الأيديولوجية لتلك العلاقة، ولوحظ التدهور في العلاقات الحكومية.

ثانياً: يجب القول إن روسيا عاشت سنوات صعبة في تطورها السياسي الداخلي، ونهوضها الاقتصادي، ومرت بأكثر من أزمة سياسية داخلية واقتصادية، هذا الأمر منعها بالطبع من مشاركة فعالة على المستوى الدولي، لكنني آمل بأننا سنخرج بالتدريج من هذه الحالة.

خلفية موافقة روسيا على المشروع الأميركي الجديد الخاص بالعراق

أكرم خزام: ما يتعلق بالعراق، ذكرتم أن روسيا وفرنسا وألمانيا وافقت على المشروع الأميركي الجديد الخاص بالعراق، ما خلفية هذه الموافقة؟

فلاديمير بوتن: ناقشنا هذه القضية لفترة طويلة، وتوصلنا إلى اتفاقٍ بشكلٍ نهائي عبر الهاتف، إذ أجريت مكالماتٍ مع نظرائي الأوروبيين من كوالالمبور، واتفاقنا يستند إلى سعينا بتوحيد جهود المجتمع الدولي نحو الإسراع بحل مشاكل العراق بشكل فعال، والتقليل من العواقب السلبية التي يعاني منها الشعب العراقي، ونحن معكم شهود على ما يجري لهذا الشعب، ومنذ فترة خلت تلقينا من شركائنا الأميركيين مشروع القرار، وتقدمنا بمقترحاتنا المشتركة حول بنوده، وخلال عدة أيام عملنا مع الأميركيين بشكل متواتر على هذه البنود، وأريد القول إننا انتهينا من النقاش حولها مساء أمس.

ومن وجهة نظرنا فإن القرار الجديد يعتبر خطوة نحو الأمام، بالمقارنة مع القرارين المتخذين سابقاً، هذا القرار يضاعف من دور وأهمية الأمم المتحدة في قضية التسوية، لكنه لا يخلق شروطاً لمشاركة كاملة من قِبَل الأمم المتحدة في تلك التسوية، ولذلك نعتقد -وسيكرر ذلك نظرائي- أنه لم تخلق بعد شروط لمشاركة قواتنا العسكرية، ولا للمخصصات المالية لإعادة إعمار العراق، وهذان الأمران بحاجة إلى إيجاد شروط سياسية مبدئية، عموماً القرار يعتبر خطوة في الاتجاه الصحيح، ولذا اتخذنا قراراً بتأييده، وقد وافق الأميركيون على مقترحاتنا بشأن بعض البنود، ومنها -على سبيل المثال- المادة الخامسة عشرة المتعلقة بالفترة الزمنية لتواجد القوات العسكرية، حيث دُوِّن أن تواجد القوات الدولية في العراق مؤقَّت إلى حين تشكيل حكومة قانونية في هذا البلد، بعد ذلك تتوجه الحكومة الجديدة المشكلة إلى مجلس الأمن الدولي في حالة الضرورة بالنسبة لها بطلب تمديد عمل تلك القوات، وسيقرر مجلس الأمن عملية التمديد أم لا.

ثانياً: من البنود الهامة المدرجة حسب رأينا، الأمم المتحدة وأمينها العام يجب أن ينغمسا في أمور تنظيم التسوية السياسية، ليس بعد مؤتمر المانحين، وإنما قبل البدء بالتحضير له.

ثالثاً: حددنا بأن يقوم مجلس الحكم الانتقالي في العراق وممثل الأمين العام للأمم المتحدة هناك بإرسال المعلومات وتجهيزها عن الحالة الراهنة في العراق، وثمة ملاحظات أخرى، لكننا بالعموم نعتقد بوجوب تأييد القرار.

النظرة الروسية لتطوير أداء الأمم المتحدة

أكرم خزام: السيد الرئيس، هناك فئات عديدة تتحدث عن أن الأمم المتحدة أصبحت منظمة شكلية ضعيفة، هل لديكم ما تطرحونه لكي تصبح أكثر فعالية، خاصة وأنها ضعفت في الآونة الأخيرة، بعد تزايد الضغوط الأميركية على العالم أجمع؟

فلاديمير بوتن: أريد أن أعلق على سؤالك -يا أكرم- على النحو التالي: هل فعلاً كان للأمم المتحدة كانت لها القدرة على حل مشاكل الحياة الدولية؟ هل فعلاً كان لها ذلك سابقاً؟

لو أنها كانت فعلاً كذلك فلماذا لم تستطع حتى الآن من حل المشكلة الفلسطينية؟ وأين مصير كافة القرارات التي اتخذتها حول النزاع الفلسطيني الإسرائيلي؟ إنها معلقة في الهواء، والكثير من القرارات لم ينفذ، لقد ذكرت لكم مثالاً ساطعاً حساساً بالنسبة للعالم الإسلامي وللشرق الأوسط، وتوجد أمثلة أخرى مشابهة، لذلك فان الحديث عن أن الأمم المتحدة ضعفت فجأة غير دقيق، نعم توجد العديد من المشاكل التي لا علاقة للأمم المتحدة بها، وهي نابعة من المتغيرات في العالم الذي انقسم سابقاً إلى قطبين ما ساعد على خلق توازن أدى إلى حل بعض المشاكل، لكن وللحقيقة يجب أن القول إن هذا التوازن غالبا ما دفع بالأمور نحو المأزق، بالرغم من بعض إيجابياته على الصعيد الدولي، وأحد الأمثلة على المأزق هو قضية الشرق الأوسط التي تحدثت عنها آنفاً.

أكرر الحديث عن أن دور الأمم المتحدة ضعيف اليوم ليس دقيقاً، ولست متفقاً معك في هذا الرأي، لكنني أتفق على ضرورة أن تكون ذات فعالية أكبر، إن الأحداث الأخيرة حول العراق أثبتت العكس، أثبتت عكس ما قلتموه الآن، أو ما يتم نقاشه بين العديد من المحللين حول أن الأمم المتحدة أصبحت ضعيفة، وبالتالي لا حاجة لها، الأحداث الأخيرة في العراق أثبتت أن الأمم المتحدة تعتبر المنبر الوحيد الذي يمكن النقاش فيه، وأعتقد لو أن كافة البلدان وافقت بسهولة على النهج الذي اتبعته الولايات المتحدة حيال العراق، وكانت الوحدة بين أعضاء مجلس الأمن الدولي متوفرة ظاهرياً، ففي هذه الحالة كان يمكن إعلان نعي الأمم المتحدة فوراً، وفي هذه الحالة كان من حق الجميع التساؤل، لماذا نحن بحاجة إلى هكذا منظمة؟ حيث لا يستطيع أحد قول رأيه الخاص، ولا يملك القدرة أو الشجاعة على الإصرار على هذا الرأي، أعتقد أن الأمر في الفترة الراهنة غريب عن المواجهة الأيديولوجية، ولذا يعطينا بالرغم من الصعوبات إمكانيات أكبر لحل المشاكل بشكل إيجابي، العالم -ونحن على قناعة تامة- لا يمكن أن يكون أُحادي القُطب، فهو ببساطة متنوع الأشكال سياسياً ودينياً وثقافياً، وبالتالي يجب أن يكون متوازناً ومتعدد الأقطاب، لكن هذا لا يعني أنه تحت شعار التعددية يجب إقامة التناحر، إن انعدام الواجهة الأيديولوجية يساعد في إقامة حوارٍ فعال بيننا، وكما تعرفون فإن خلافاتنا مع الولايات المتحدة بشأن العراق كانت شاملة، وتذكرون أننا اتخذنا سياسةً حازمة، ولا أعتقد أن هذا الحزم كان مريحاً للأميركيين، لكن سياستنا كانت واضحة ونزيهة بشكل مطلق، ما أدى -حسب رأينا- إلى الحفاظ على العلاقة الشخصية مع رئيس الولايات المتحدة وإلى عدم التعرض للعلاقة بين المؤسسات الحكومية، لم نكذب على بعضنا بعض، فمنذ البداية قلنا لهم: إن موقفنا سيكون على هذا النحو، نحن نعتقد أن هذا التوجه خاطئ، وأكرر هذا الوضوح لن يؤثر على العلاقة بين المؤسسات الحكومية، أعتقد أن الأمين العام للأمم المتحدة (كوفي عنان) لعب دوراً إيجابياً في هذا المجال، فلو أنه -كما يقال عندنا في روسيا- رمى كل شيء، وضحى بكل شيء لصالح القوى، لكان من حق الجميع القول: ما حاجتنا إلى هكذا منظمة؟ وأعتقد أيضاً أن الجميع مهتم بالحفاظ على هذه المنظمة بمن في ذلك الذين لا يتفقون مع أغلبية أعضاء المنظمة، هذه النظرة تعتبر خيراً للمجتمع الدولي، وهذا لا يعني أن المنظمة يجب أن تبقى على حالها، العالم تغير، وعلى المنظمة أن تتغير وفقاً للمتغيرات الجارية في العالم، وفي هذا المجال توجد مقترحاتٌ عديدة، لدى فرنسا مقترحات جيِّدة لا تتناقض مع مقترحات روسيا، والحديث يدور عن زيادة عدد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي، المهم أنه عندما ستُجرى متغيرات داخل الأمم المتحدة يجب مراعاة القانون الدولي والنظم المتبعة التي أوجدتها المنظمة ذاتها.

إنني متأكد من أننا سنتوصل إلى اتفاق حول رفع دور الأمم المتحدة لجعلها أكثر فعالية.

التقييم الروسي لانفجار الأوضاع في الشرق الأوسط

أكرم خزام: قضية الشرق الأوسط تعتبر عويصة للغاية، وفي إجابتكم السابقة أشرتم إلى أن الأمم المتحدة لم تستطع حتى الآن حلها، ويترافق ذلك مع اعتداءات إسرائيلية على سوريا، وقرار من الكونجرس الأميركي بمعاقبتها اقتصادياً بشكل شديد، الإسرائيليون يريدون طرد عرفات، وتحدث انفجارات في إسرائيل تطال السكان المدنيين، بعيداً عن الوصفات العامة هل لديكم خطة محددة لحل الصراع العربي الإسرائيلي؟

فلاديمير بوتن: ليست لدينا حبة السحر القادرة بعد بلعها على حل كافة المشاكل، وكان يمكن ألا أكون جدياً لو أنني أعلنت أن لدينا خطة سرية تساعد غداً على حل كافة الأمور، هذه الخطة غير متوافرة بالتأكيد، الحالة التي دفعت إلى اندلاع النزاع جاءت بقرارٍ منذ سنين عديدة، والخروج منها صعب للغاية، وحتى الآن وبعد مرور عشرات السنين لم تستطع الإنسانية حل هذه القضية، ولا أعتقد أنني بقادر على تقديم اقتراح لحلها أثناء شربي للشاي معكم، لكنني متأكد لو أننا سنعمل متضامنين وسنوحد جهود المجتمع الدولي، وسنسعى إلى حل عادل والحل العادل هنا يتمثل في ضمانات للناس الذين يعيشون في هذه المنطقة رغم أنهم سيقبلون بالحلول الوسطية، ضمانات لمصالحهم واهتمام دائم بها، عندها يمكن تطوير شروط للعيش المشترك على تلك الأرض كسبيل للتطور ولإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وكما تعلمون ندعو إلى استقلالية الدولة الفلسطينية منذ فترة طويلة، وأيضاً الأمر ينطبق على إسرائيل، وأود القول إن علاقتنا بإسرائيل تتعمق في السنوات الأخيرة لأننا تخلينا عن تسييس المهاجرين القدامى، ليس الذين هاجروا إلى إسرائيل فحسب، وإنما إلى دول أخرى في العالم، فلدينا حرية السفر في الفترة الأخيرة، ولا توجد أية عوائق أمام الهجرة، والجميع يعلم أن نسبة كبيرة من المهاجرين في إسرائيل هم من الجمهوريات السوفيتية السابقة، وبالتالي هذا يؤسس لمناخٍ محدد، وفي المقابل توجد لدينا علاقات تقليدية وتاريخية راسخة مع الفلسطينيين، واتسمت هذه العلاقات دائماً بالصداقة، وهذا يؤسس أيضاً على توفير أجواء الثقة، ولابد من الاستفادة من هذا التاريخ لخدمة إسرائيل وفلسطين. أما ما يتعلق بالعقوبات على الأطراف الأخرى في النزاع، فأنتم تعرفون موقفنا من الحرب على الإرهاب، فنحن حازمون في الحرب ضد طاعون القرن الحادي والعشرين، لكننا ضد الكليشيهات التي تلصق بحق هذه المنظمة أو تلك بحق هذا البلد أو ذاك، ويجب دراسة كل حالة محددة بشكل منفرد، ونعتقد أنه إذا توفرت الرغبة في تسوية شاملة ودائمة، فيجب عدم الخوف من المصاعب، والعمل في آنٍ واحد على جميع المسارات، ويجب العمل على المسار اللبناني وعلى المسار السوري، ويجب أيضاً الأخذ بعين الاعتبار مصالح هذه البلدان والشعوب التي تقطنها، وبرأيي ليس من المفيد التوقف عند جزءٍ من المشكلة دون النظر إلى المشكلة بأكملها، وحل هذا الجزء، وبعد ذلك وانطلاقاً من الحل ينبغي الضغط واستخدام القوة لحل الجزء الآخر، والجزء الآخر والآخر من المشكلة الكبرى، وهذا الحل ليس فعالاً، وقد استخدم مراراً، ولم يؤد إلى إحراز نتائج ولن يؤدي إليها.

يجب تغيير التكتيك والتفكير بشأن سبب عدم التوصل إلى نتائج واستخلاص العبر، والعمل بشكل مشترك لحل المشكلة، نأمل في التوصل إلى عمل مشترك كما حصل ذلك مع خارطة الطريق، ومن المؤكد أن الخارطة ليست المثل الأعلى، ولكننا استطعنا تحقيق مشاركة جميع الأطراف المهتمة بتحقيق تطور في هذا المسار، وسنعمل لاحقاً على توجيه جهودنا بغية تنفيذ خارطة الطريق.

موقف روسيا من النزاع الأميركي الإيراني

أكرم خزام: السيد الرئيس، ثمة من يتحدث عن أنكم ستتخلون عن إيران بالرغم من عقودكم الكبيرة معها، وستقفون إلى جانب الولايات المتحدة في عملية الضغط على (خاتمي) وإيران بشان الملف النووي، ما رأيكم؟

فلاديمير بوتن: اجتمعت في ماليزيا مع السيد خاتمي، وتناقشنا مطولاً، وأعتقد أنه من المفيد أن تقوم قناة محترمة مثل قناة (الجزيرة) بسؤاله: هل يشعر بضغوطٍ ما من قِبل روسيا؟ وهو سيقول لكم.

ما يتعلق بموقفنا فأستطيع الإجابة على سؤالكم؟ نعتقد -وأنا شخصياً أعتقد- أن مسألة إمكانية انتشار أسلحة الدمار الشامل في القرن الحادي والعشرين تعتبر المسألة الحساسة والكبيرة في عالمنا المعاصر.

نحن من المشاركين في معاهدة عدم الانتشار، ونلتزم بكافة قواعد هذه المعاهدة، إيران أيضاً وقعت عليها، ونحن ننطلق من فكرة أن إيران لا تسعى إلى امتلاك الأسلحة النووية، الرئيس الإيراني قال لي ذلك مراراً، وفي لقائي معه في كوالالمبور أكد من جديد هذا الأمر، وإذا كان كذلك فنحن لا نرى أي مانع في أن توقع إيران على بروتوكول إضافي مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو الممانعة في الإفصاح عن البرنامج النووي لهذا البلد، وإذا كان الهدف يتمثل في عدم امتلاك الأسلحة النووية فلِمَ لا يتم فسح المجال للتأكد؟ من الضروري القيام بذلك، وثانياً: لكي يتم إنهاء القلق من الذين يعبرون عنه بشأن إمكانية وجود برنامج حربي نووي لدى إيران، نحن اقترحنا على شركائنا الإيرانيين التوقيع على وثيقة بشأن إعادة النفايات النووية إلى روسيا بعد استخدام الوقود لكي لا يثار الشك في إمكانية حصول إيران على مواد نووية حربية، وكما فهمت فإنه لا توجد مشكلة لدى شركائنا الإيرانيين في هذا المجال، وهم على استعداد للتوقيع على هذه الوثيقة، وإذا تم هذا الأمر فلا أرى أي أساس لتحجيم إيران ومنعها من الحصول على تقنيات حديثة من أجل استخدامها بما في ذلك التقنيات النووية في المجال السلمي، فإيران ليست تلك الدولة التي يمكن أن تكون خاسرة في حقوقها، لا توجد أسسٌ لذلك.

أكرر مرة أخرى إذا تم السماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتفتيش الكامل للبرنامج النووي الإيراني فإننا سنتابع التعاون مع إيران بما في ذلك وفي هذا المجال الحساس تحت رقابة الوكالة الدولية.

أما ما يتعلق بموقف بعض شركائنا فإنني أتفهم قلقهم كما نحن قلقون، وأكرر مرة أخرى: ونحن ضد أي انتشار للأسلحة النووية، وسنعمل على أن يتم الالتزام بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة من قبل الجميع، بيد أن المعيار يجب أن يكون واحداً للجميع، يجب ألا يكون معتمداً على منطق الاختيار، فليس سراً أن المعيار المتبع حالياً هو السماح لبعض الدول أو لشركات تجارية تابعة لبعض الدول بالتعاون مع إيران ومنع هذا التعاون عن دول أخرى، لم أسمع مرة بأن تمت معاقبة شركات غربية أو أوروبية أو أميركية بسبب التعاون، بينما تتم معاقبة بعض الشركات الروسية، ولدينا معلومات بأن الشركات الغربية تتعاون مع إيران بما في ذلك في المجال النووي، وأقترح أن نعمل على إيجاد معيار مشترك يعزز الثقة فيما بيننا، ويطرد استخدام مفهوم انتشار الأسلحة لمصالح اقتصادية ضيقة.

تقييم العلاقات الروسية الأميركية

أكرم خزام: نسمع مراراً عن علاقتكم الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه نرى أن الرئيس (بوش) لم يفِ بوعوده تجاه روسيا، وخاصة ما يتعلق بمساعدته في إمكانية دعم انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية ورفع الحظر التجاري عن العديد من بضائعها، ما هو رأيكم؟

فلاديمير بوتن: إن نشاط وجوه معينة في اتجاه محدد لا يؤثر على تعطيل الفكرة بحد ذاتها، والفكرة صحيحة لأنني مقتنع تماماً بإمكانية الشراكة الاستراتيجية بين روسيا والولايات المتحدة نظراً لتطابق المصالح الوطنية في عدد هام من القضايا، أولى هذه القضايا وأنتم تطرقتم إليها وتناقشنا حولها، ألا وهي عدم انتشار أسلحة الدمار الشامل في القرن الحادي والعشرين، وهذه القضية من أوائل عمل أي دولةٍ وأي إنسانٍ يعيش في هذا الكون، إنها قضية جدية للغاية، روسيا والولايات المتحدة دولتان نوويتان كبيرتان، وبالرغم من الفوارق في القدرات الاقتصادية، فإن القدرة النووية لروسيا تعادل مثيلتها في الولايات المتحدة لكن الأمر ليس منحصراً في ذلك فقط، فروسيا دولة نووية عظمى ولديها خبراتٌ هائلة تكنولوجيا وإمكانيات إنتاجية عالية وإعدادٌ للكوادر في هذا المجال ولا يشك أحد في ذلك، وتوجد لدى روسيا والولايات المتحدة اهتمامات مشتركة لتوفير الأمن للعالم أجمع، وعلينا أن نفكر كدولتين نوويتين بالحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي، بمعنى آخر يجب علينا أن ننسق معاً في مجال الأسلحة النووية، وهذا عنصرٌ مهم للغاية لا يرونه إلا عندما تنشأ المشاكل وترتجف الإنسانية صباح مساء والجميع يسألك ما الذي سيحدث غداً كما حدث ذلك مراراً وخاصة ما جرى في أزمة الكاريبي.

قضية الإرهاب التي تحدثنا عنها في بداية اللقاء قضية تؤرق الجميع، في القرن الحادي والعشرين، وأنا تحدثت في مؤتمر منظمة المؤتمر الإسلامي -وعن قناعة عميقة- بأن الإرهاب لا علاقة له بالدين وبالقومية، ونحن ضد أي كليشهات ضد المسلمين، وكل من يساوي بين المسلمين والإرهابيين فهو محرض، ولا نسمح بذلك في روسيا أبداً بالرغم من الصعوبات التي واجهناها في جمهورية الشيشان، ولم نسمح أبداً في تطور الأحداث وفقاً لذلك السيناريو السلبي، لكن مشكلة الإرهاب قائمة وتتسم بطابع شمولي، وهنا يمكن لروسيا والولايات المتحدة أن تكونا شريكتان استراتيجيتان، وثمة مخاطر أخرى من مثل المخدرات والعصابات الدولية المنظمة، وتأسيساً على ذلك يمكن القول إن لدى البلدين اهتمامات مشتركة، وعليهما أن يتخذا موقفاً من المشاكل الآنفة الذكر لتطوير العلاقة بينهما في كافة المجالات.

وهناك التعاون في المجال الاقتصادي وهذا مهم لأي دولة، العلاقات التجارية قوية مع الولايات المتحدة، التي تعتبر من أكبر الشركاء في هذا المجال، وحجم التبادل التجاري في اطراد مستمر، وثمة مجالات أخرى من مثل مجال الطاقة والفضاء والتكنولوجيات الحديثة، وقد أطلقت الصين مركبتها الفضائية، ونحن سعداء لها بذلك، لكن من المعروف أن هذا النوع من التكنولوجيا متطور أكثر في الولايات المتحدة، وتعلمون أننا نتعاون في مجال المحطة الفضائية الدولية، وبمعنى آخر فهناك العديد من نقاط التلاقي، ولا يوجد في مجالات محددة شركاء آخرين لنا، وفي هذا الإطار فإن سياستنا تُقدم على أساس الديمومة في العلاقة مع الولايات المتحدة، وتحمل طابعاً استراتيجياً، وليس تكتيكيا.

أسباب التلويح بالقوة النووية الروسية

أكرم خزام: تحدثتم مؤخراً عن امتلاك روسيا لصواريخ نووية ثقيلة، ومن بعدكم تحدث وزير الدفاع قائلاً: إن روسيا يمكن أن تستخدم ضربات وقائية ضد البلدان التي ستهدد أمنها، العديد يرى أن لهجة (بوتن) كانت حادة بعد أن تعثرت مفاوضاته الأخيرة مع بوش في كامب ديفيد، هذا أولاً.

ثانياً: هل لكم أن تقولوا لنا من هي البلدان التي تهدد أمن روسيا الاتحادية؟

فلاديمير بوتن: ما يتعلق بصواريخنا الثقيلة فلا وجود لأسرار في هذا المجال، فالجميع يعرف أن روسيا تملك هذه الصواريخ التي تعتبر الأقوى في العالم في الفترة الراهنة، وتسمى بالثقيلة لأنها تستطيع حمل رؤوس نووية انشطارية هجومية، وهذه الصواريخ تستطيع أيضاً خلال العشرة أعوام القادمة أن تتفوق على أي منظومة من منظومة الدفاع الجوي ولا توجد أية ألغاز في امتلاك روسيا لهذه الأسلحة، العديد من الخبراء توقعوا أن هذه الصواريخ ستسحب خلال الأعوام القليلة المقبلة بسبب طول عمرها، ونحن خلال الاجتماع مع قيادة وزارة الدفاع أوضحنا أن لدى روسيا كميات كبيرة من هذه الصواريخ الثقيلة علماً أنه لم يوضع في الخدمة أي صاروخ حتى الآن، وبهذا المعنى تعتبر هذه الصواريخ جديدة وتحافظ على قدرتها، إضافة إلى إنها ستكون بديلاً عن الصواريخ التي انتهت فعاليتها في الخدمة، وهذا يعني أن روسيا تملك هذه النوع من الأسلحة ليس لأربعة أو خمسة أعوام لاحقة وإنما خمسة عشر أو عشرين أو خمسة وعشرين عاماً، ويمكن تمديد فعاليتها وعملها، وأنا متأكد أننا سنشهد خلال الفترة المذكورة ولادة أسلحة جديدة نؤمِّن من خلالها الأسلحة الاستراتيجية النووية الدفاعية، وليس الهجومية، أؤكد أنها دفاعية، للأسف في عالمنا الحديث طالما أن الجميع لم يتخيلوا هذا النوع من الأسلحة، وروسيا مضطرة للحفاظ عليها وتطويرها.

ما يتعلق بالضربات الوقائية فإننا ننطلق من الحقوق الدولية فأي استخدام للقوة يجب أن يستند إلى قرارات مجلس الأمن الدولي، لكنكم على حق فوزير الدفاع تحدث عن إمكانية استخدام ضربات وقائية، وهذا رأيي أيضاً، علما إننا ضد هذه السياسة، لكن إذا ما استدعت الحاجة ذلك، وإذا استمرت هذه الحالات في التجربة الدولية فإن روسيا تحتفظ لنفسها بحق استخدام الضربات الوقائية.

أكرم خزام: لم تجيبوا عن سؤالي، من هي البلدان التي يمكن أن تهدد أمن روسيا؟

فلاديمير بوتن: هذا ليس مهماً بالنسبة لنا، أننا نهتم بالإمكانيات النظرية، فعلى كل من يريد التهديد أن يرف أن الإجابة ستكون بالمثل.

أكرم خزام: اسمحوا لي أن أسألكم عن اتهاماتٍ في الغرب بحقكم عن إعاقتكم لصيرورة مثلث فرنسا وروسيا وألمانيا الذي كان يمكن أن يقف في وجه سياسة القطب الواحد التي تنتهجها واشنطن، كيف تردُّون على هذه الاتهامات.

فلاديمير بوتن: الاتهامات تقدَّم من قِبَل المدعي العام والقاضي، وآمل أننا في لقاء معكم للحوار وليس..، أنا لم أسمع بمثل هذه الاتهامات، روسيا انتهجت وستنهج السياسة التي تخدم مصالحها الوطنية، نحن ضد الأحلاف، ولا نتوحد في إطار منظمات ما ولا نقيم الصداقة مع أحد ضد أحد، نحن نقيم الصداقة من أجل هدف ما ونصر على الحفاظ على مصالح محددة إيجابية لنا وللأسرة الدولية، ونعتقد أن رأينا بغالبية المشاكل الدولية من مثل العراق توافقت مع مواقف فرنسا وألمانيا، وهذا ما يسعدنا ويدفعنا إلى الاعتزاز بمواقفنا المشتركة وسنطور هذا بشكل من الأشكال، ومن الأعمال المشتركة لاحقاً في أزمة العراق أو أي أزمة دولية أخرى، فرنسا وألمانيا تعتبران شريكين مهمين لنا في الاتحاد الأوروبي، وسنقوي العلاقة معهما في مناطق أخرى من العالم، وأود القول إن شكل المثلث الذي تتحدث عنه ليس محصوراً مع روسيا، تعرفون ومتأكد أنكم تتابعون أمر الاجتماعات الدائمة بين فرنسا وألمانيا وبولندا ومع بلدان أخرى، لكن هذه الاجتماعات لا تثير الاهتمام على ما يبدو كما يجري الحديث عن روسيا، أكرر مرة أخرى نحن نقيم علاقاتنا ليس ضد أحد، وإنما من أجل ماذا؟ ما يتعلق بمستقبل العلاقات الدولية، فإن ألمانيا وفرنسا تتفقان معنا في الرأي بشأن تعددية الأقطاب، وهذا بالتأكيد يدفع بالعلاقات بيننا صوب قاعدة جدِّية تقوم على أساس تطوير هذه العلاقات.

النهج الروسي المتبع في المستقبل

أكرم خزام: روسيا امتنعت عن متابعة النهج الشيوعي القديم، لكنها لم تدخل تماماً بعد الطريق الرأسمالي، أي نهج تسير عليه روسيا؟ وهل باستطاعتها أن تستعيد سمة الدولة العظمى؟

فلاديمير بوتن: هل هناك من يشرح لي ما هو النهج الرأسمالي؟ نحن منذ قليل ناقشنا سويةً العلاقة والتأثير المتبادل بين فرنسا وروسيا وألمانيا، وفعلاً كما قلت نعتز بهذه العلاقة، لأنها تعكس طبيعة المتغيرات في العالم، فمنذ فترة ليست ببعيدة لم يكن ذلك ممكناً، العالم تغير إلى حد كبير.

في سؤالكم السابق تطرقتم إلى قضية امتناع شركائنا الأميركيين عن تنفيذ وعودكم بالغالب، أنا لم أنسَ هذا السؤال، يجب أن أقول أن الاتحاد السوفيتي لم يعد موجوداً في الخارطة السياسية، وإذا اعتبرت روسيا في العهد السوفيتي مجالاً واسعاً أيضاً، فإنها تغيرت بشكل جذري، أما العالم الغربي فلم يتغير، التجارب دللت والعديد من المفاوضات دللت أيضاً أن آثار الماضي من حيث طريقة التفكير، ومن حيث طريق الفعل، بقيت على حالها، فرنسا وألمانيا عضوتان في الناتو، ولهما علاقة خاصة مع الدول الغربية، ولا ينظرون إلى روسيا على النحو الذي ذكرت الآن، وبرأيي يجب ألا ننسى هذا الأمر، سيمر الوقت وكل شيء سيوجد في مكانه الطبيعي وسيتم النظر إلى الأمور من خلال واقع أيامنا وليس من خلال (يوتوبيا) السنوات الماضية، روسيا تطور الديمقراطية واقتصاد السوق وسنستمر في هذا النهج، وتوجد لدينا كافة الأسس عن إمكانية تحقيقنا لنجاحات، انطلاقاً من أن تطور الاقتصاد يصل سنوياً إلى 6%، وتطور النظام السياسي واضح وتجربة الأحزاب المتعددة، وأصبح من المألوف أن تُجرى الانتخابات على جميع مستويات السلطة، ونحن نطور هذه التجارب، نحن نريد أن تصبح روسيا ديمقراطية حرة مع اقتصاد سوقٍ متطور.

أكرم خزام: لاحظت خلال لقائنا أنكم تشربون الشاي، وفي الشرق يحبُّون الشاي أيضاً، هل هذه إشارة منكم إلى حب الشرق؟

فلاديمير بوتن: ثلثا سكان روسيا البالغ عددهم أكثر من ثلاثين مليون روسي يقطنون آسيا، وتقليدياً كانت روسيا مكاناً رجًّا لالتقاء العادات والتقاليد الغربية والشرقية ما فسح المجال للاغتناء أكثر، فلدينا على سبيل المثال الكثير مما ليس موجوداً في الغرب، لقد قلتم بالروسية (تشاي) إنها كلمة صينية وعربية، باختصار العادات الشرقية لدينا منتشرة بشكل واسع، وحتى الديانة الأرثوذكسية السائدة عندنا هي من أصل شرقي وكنيستنا الأرثوذكسية لم تتعايش مع الإسلام فحسب، وإنما سعت إلى الالتقاء والاقتناء من ديانة عريقة، إضافة إلى أنه تتوفر في روسيا العديد من الجماعات الدينية الأخرى، وهذا ليس غريباً على روسيا.

أكرم خزام: هذه أول مرة تظهرون فيها ضمن لقاءٍ خاص بقناة (الجزيرة) وأتمنى ألا تكون الأخيرة، هل تريدون توجيه نداء إلى الملايين الذين يرون (الجزيرة)؟

فلاديمير بوتن: قريباً سيحل شهر رمضان، أتمنى لهم السعادة والازدهار لكل عائلة.

أكرم خزام: أعزائي المشاهدين، إلى اللقاء في حلقة قادمة من برنامج (لقاء خاص)، ها هو أكرم خزام يحييكم من العاصمة الماليزية كوالالمبور، ويتمنى لكم أطيب المنى.