مقدم الحلقة:

رأفت يحيى

ضيف الحلقة:

علي عثمان محمد طه: نائب الرئيس السوداني

تاريخ الحلقة:

03/10/2003

- طبيعة جولة المفاوضات الحالية بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية
- الترتيبات الأمنية بين الجانبين وطبيعة القوات المشتركة

- موقع العقيدة في مفاوضات السلام السودانية

- تداعيات وأبعاد غياب القوى السياسية الأخرى عن المفاوضات

- أسباب وأهداف التدخل الأميركي في السودان

- حقيقة وطبيعة الوجود العربي في القضية السودانية

رأفت يحيى: أعزائي المشاهدين، السلام عليكم.

ضيفنا في هذه الحلقة (نائب الرئيس السوداني) علي عثمان طه، الذي قاد وفد بلاده في مباحثات السلام السودانية التي جرت (بمنتجع نيباسا) الكيني، وأثمرت بعد مخاض طويل عن اتفاق على قدر من الأهمية، يتعلق بالترتيبات الأمنية، هذا الاتفاق سيمهد الطريق وفق رؤية الكثيرين للاتفاق حول القضايا الخلافية الأخرى، وخاصة ما يتعلق بتقاسم السلطة والثروة.

سيدي نائب الرئيس مرحباً بكم وأهنئكم على هذا الاتفاق ونأمل أن نرى سوداناً أكثر استقراراً وأكثر سلاماً في القريب العاجل.

واسمح لي أولاً أن أسألكم حول خصوصية هذه الجولة من المباحثات، واضح أنها على قدر كبير من التمثيل الرفيع، وفي نفس الوقت أيضاً تتميز بأنها مباشرة على عكس غيرها من الجولات السابقة؟

طبيعة جولة المفاوضات الحالية بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية

علي عثمان طه: نعم، أبدأ بتحية مشاهدي.. مشاهدي (الجزيرة) وأقول إن ما تم في نيباسا حقيقة هو نقطة تحول في مسار الحرب والسلام في السودان، إذ أنه شكل إعلاناً لنهاية الحرب و.. وبداية لمرحلة السلام التي نتطلع إليها بإذن الله، وقد جاءت هذه المرحلة مخاضاً لمراحل كثيرة سبقت، حيث جرت منذ العام الماضي.. منذ يوليو من العام الماضي إذ تم إنجاز ما عُرف وقتها باتفاق (مشاكوس) أو بروتوكول مشاكوس، وهو اتفاق إطاري كانت له أهميته الخاصة، إذ أنه قد حسم جانباً من القضايا الهامة، التي كانت موضع خلاف وجدل بين الحكومة والحركة فيما يتعلق بقضيتي علاقة الدين بالدولة وقضية تقرير المصير، ومنذئذٍ جرت جولات تفاوض ثلاث، ولكنها لم تُحرز تقدماً يذكر بشأن القضايا العالقة، مما حدا بالوسطاء وبكثير من الأطراف المعنية بتحقيق السلام في السودان أن تُرتِّب للقاءٍ على هذا المستوى الذي تم، على مستوى قيادي بحيث يمكن تحريك الجليد وكسر الجمود الذي أصاب الجولات السابقة ومن هنا جاءت فكرة هذا اللقاء الذي يجري لأول مرة بيني وبين الدكتور (جون جارانج) كقائد للحركة الشعبية وهو في الواقع أول لقاء مطول تفاوضي يقع على مستوى القيادة منذ بدء حركة التمرد والحرب في أوائل الثمانينات من القرن الماضي.

رأفت يحيى: سيدي نائب الرئيس، لو تحدد من هي هذه القوى الدولية التي حاولت أن تجعل هذا الحوار مباشر؟

علي عثمان طه: فكرة اللقاء بيني وبين الدكتور جون جارانج لم تبدأ اليوم، فقد بدأت منذ أكثر من سبع سنوات، ولكنها في خلال تلك الفترات لم يحالفها التوفيق، حيث جرت محاولة أولى في نيروبي بكينيا، ومحاولة أخرى قريباً في نيجيريا بلاجوس بترتيب من القائد النيجيري.. الرئيس النيجيري (أوباسانجو)، وهذه المحاولة الثالثة قد جرت أثناء زيارة وزير الخارجية الكيني (كامنزو موسيوكا) إلى الخرطوم منذ حوالي خمسة أسابيع، حيث تقدم باقتراح للرئيس البشير بأن.. بأنه إذا ما وافقت الحكومة السودانية، فإن كينيا باعتبارها راعية ومسؤولة عن الإشراف على ملف المفاوضات ستسعى لترتيب هذا اللقاء، وقد بادر الرئيس البشير بإعطاء موافقته على ترتيب هذا اللقاء، ومن ثم جرت الاتصالات حتى أمكن عقد اللقاء.

الترتيبات الأمنية بين الجانبين وطبيعة القوات المشتركة

رأفت يحيى: سيدي، لو نتحدث عن ما تم الاتفاق عليه، حول قضية الترتيبات الأمنية التي هي في الحقيقة في اعتقاد الكثيرين تشكل أهمية كبيرة جداً، الاتفاقية تبدو معقدة إلى حد.. حد كبير، ويبدو أن كثير من المداخلات ضمن هذه الاتفاقية هناك ما يمكن أن يسمى بمجلس عسكري موحد، أو قوات مشتركة، مبدأ عسكري جديد أو عقيدة عسكرية جديدة، هناك إعادة نشر للقوات في بعض المناطق، سواء في جنوب السودان أو في.. أو في جبال النوبة أو النيل الأزرق أو غيرها، هل تعتقد أن مثل هذه الصيغة التي تبدو للكثيرين ليست سهلة يمكن أن تصبح واقعاً على الأرض؟

علي عثمان طه: الترتيبات الأمنية اكتسبت أهمية خاصة، مدخلاً لهذه المفاوضات بحسبان أنها تعزز الثقة، إذ أنه من الصعب أن.. أن تنتهي الحرب دون أن يضمن كل طرف توازن القوى وترتيبات.. الترتيبات الأمنية التي يمكن أن يُبنى عليها سائر الاتفاق اللاحق، ومن هنا فقد كانت فيها كثير من المسائل التي اقترب إليها الطرفان بشيء من الحذر والمواجهات، ويمكن أن نقول إن التعقيد -الذي أشرت إليه- قد جاء من حقيقة أن الترتيبات الأمنية مبنية على ما سبق من اتفاق، وهو أن هناك فترة انتقالية، وأن هناك استفتاء سيجري في نهاية الأعوام الست التي اتفق على أن تشمل الفترة.. أن تغطي الفترة الانتقالية، من ثم فكل هذه الترتيبات ترتيبات انتقالية، يريد كل طرف وخاصة طرف الحركة أن.. أن يحتفظ فيها بمفاتيح القوة التي تعينه على مواصلة المشوار لإنجاز عملية السلام في شكلها النهائي، ومن هنا فقد كان هذا الأمر مثلاً في الاتفاقيات السابقة التي جرت عام 72 وأنهت الحرب الأولى لمدة عشر سنوات، كان هذا الترتيب أيضاً معقداً جداً، واقتضى مفاوضات مطولة، غير أنه انتهى إلى شكلٍ أكثر بساطة من هذا الشكل الذي انتهينا إليه لاختلاف الأوضاع بين تلك الفترة وبين الوضع الحالي، فعلى حين..

رأفت يحيى [مقاطعاً]: أي.. أي أوضاع عفواً؟

علي عثمان طه [مستأنفاً]: فعلى حين.. هي أوضاع أن الاتفاق الماضي كان يتم في إطار التسليم بوحدة السودان، ومن ثم فقد كانت الترتيبات سهلة، إذ.. إذ أمكن الاتفاق على تحديد القوة العسكرية هي حركة التمرد وقتها، التي كانت تحمل السلاح، وإدماجها في الجيش الوطني وتكوين قوة مشتركة لتشكل القيادة التي تعمل في جنوب السودان آنذاك وكانت قوة مشتركة من الجانبين ففكرة إذن الاحتفاظ بوجود عسكري للطرف الذي يحمل السلاح هي فكرة قديمة، ولكن الترتيبات هذه المرة سعت إلى الجمع بين عنصرين، بين عنصر السعي إلى الإدماج وهو ما عرف بفكرة القوات المشتركة، وفي ذات الوقت بقاء جانب من قوات الحركة مستقلاً عن هذه المجموعة، وقد اقتضانا هذا وقتاً طويلاً جداً في عقد النسب والمقارنات بين ما يمكن أن يكون حجماً مناسباً للقوات المشتركة إلى جانب مواقع انتشارها، إلى جانب مقياساً إلى القوى التي تبقى منفصلة ومستقلة، وقد أمكن الاتفاق على أن.. أن تكون هذه القوة.. قوة الحركة التي ستبقى سواء في إطار قوة مشتركة أو منفصلة أن.. أن تعتبر جزءاً من الجيش الوطني وفق ترتيبات معينة سيتم الاتفاق عليها تفصيلاً عند إبرام اتفاقية وقف إطلاق النار، هذه الترتيبات اقتضاها وجود أن للحكومة قوات عسكرية موجودة، ووجود قوات أخرى لفصائل أخرى من الجنوب مسلحة تقاتل ولها موقفها ولها دورها، فإذن هناك أكثر من.. من مجموعات، ولذلك حتى الاتفاق نفسه قد تناول هذه القضية.

رأفت يحيى: طيب إذا كان الأمر كذلك.. إذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن أن تقبل حكومة ذات سيادة.. أن تقبل بأن تكون نسبتها في القوة العسكرية متساوية مع قوة طرف.. ليس هو الطرف الوحيد المعارض للحكومة، فكيف يمكن أن تكون النسبة متساوية؟ البعض يعتقد أن ذلك يشكل تنازل كبير من جانب الحكومة بالنسبة للحركة.

علي عثمان طه: التساوي.. التساوي مردُّه إلى القوة المشتركة، وهذه القوة المشتركة أُريد لها أن تكون نواة لتعزيز الثقة التي سيفرزها الاتفاق السياسي ولتنهض بمهام محددة جرى توصيفها في.. في الاتفاق، منها حراسة المواقع الاستراتيجية والحدود وتأمين المدن الرئيسة، وهذه القوة يُقدَّر أن تنهض بالإعداد للتوحيد العسكري الذي يمكن أن ينتهي إليه الأمر عند إجراء وظهور نتيجة الاستفتاء، ولكنها لا تعني أن الجيش السوداني الحكومي قد صارت نسبته إلى جيش الحركة نسبة 1إلى 1 فالحكومة محتفظة بقواتها في الشمال، وسيجري الخفض للقوات في الجانبين بنسب يتفق عليها لاحقاً عند مناقشة وتحديد الحجم المناسب للجيش الوطني بجملته في ظرف السلام.

رأفت يحيى: هذا جيد، ولكن ماذا لو أن القوى الأخرى المعارضة للحكومة سواء في الجنوب أو في غرب السودان أو في مناطق أخرى طلبت هي الأخرى بأن يكون لها حصة في قوى مشتركة مع الحكومة كذلك، ماذا سيكون موقف الحكومة؟

علي عثمان طه: كما قلت إن الترتيب لوجود قوات مشتركة والترتيب المتعلق بإجراءات القوات الخاصة بالحركة اقتضته طبيعة خلفية الاتفاق السياسي، فهذه خلفية لترتيب مؤقت انتقالي، لن يكون هذا على سبيل الدوام، فهذه الترتيبات سينتهي أمدها بنهاية نتيجة الاستفتاء التي نأمل أن تأتي مؤكِّدةً ومعززةً لوحدة السودان، عندئذٍ ستعود الأمور إلى وضع جديد، ستؤول إلى وضع جديد هو وضع الجيش الوطني الموحد المعهود في كل البلدان، فهذا ترتيب خاص، أما في بقية المناطق الأخرى، فليس هناك حالة يُقاس عليها، يعني ليس هناك قضية تقرير مصير أو استفتاء بالنسبة لبقية الفصائل الأخرى، أضف إلى أن الجنوب -كما ذكرت- يذخر بوجود من فصائل وقوات حاملة للسلاح من.. على خلفية قبلية أو على خلفية سياسية مما يعني أن هناك أكثر من.. من وجود.. فالقوة المشتركة ذاتها هي محاولة للتعبير عن رمزية المسؤولية المشتركة للحكومة، وحيث أن الحركة إذا ما انتهى تفصيل البرنامج السياسي لاحقاً ستصبح جزءاً من الحكومة الرسمية للدولة فإن وجود هذه القوات كلها يصبح امتداداً وأداةً للجيش الرسمي للدولة على اختلاف تشكيلاته هذه، وهذا ما عُبِّر عنه بالقيادة العسكرية المشتركة التي ستكون مسؤولة عن حركة هذه القوات وضبطها والتنسيق بينها وتحديد مهامها في زمن السلم.

رأفت يحيى: يبدو أن الحكومة في ضوء يعني حديثكم تبدو متفائلة إلى حدٍ ما في أن يقود هذا الاتفاق إلى أن.. أن يؤدي الاستفتاء على حق تقرير المصير بعد ست سنوات إلى.. إلى وحدة، هذا طبعاً أمل يتمناه الجميع بدون شك، ولكن ألا ترى في هذا التفاؤل قدر من المبالغة؟

علي عثمان طه: هو الأمر ليس تفاؤل، وإنما هو تحديد للخط السياسي الذي تسير عليه الأمور، لأنه من.. من اللازم والضروري أن تكون رؤية الحكومة والقيادة السياسية واضحةً لتستطيع تعبئة الجهود الوطنية الشعبية والرسمية تجاهها، وهذا أمر قد اقتضانا حديثاً مطوَّلاً مع قيادة الحركة الشعبية حول موقفها من قضية الوحدة قبل الدخول معها في هذه الترتيبات، ولكي نعلم.. نكون على ثقة ويقين من أننا على أي.. أي السبل نسلك، وقد أكدت قيادة الحركة التزامها بقضية الوحدة وبالسعي لتحقيقها على أرض الواقع من خلال تجربة الاتفاق السياسي.

رأفت يحيى: ولكن عفواً سيدي، يعني هناك من.. يعني الذي لا يزال لديه قدر كبير من الشك في أنه الحركة خلال هذه الفترة الانتقالية سوف تؤسس لبناء دولة جديدة في الجنوب بحيث بعد مضي ست سنوات تكون هناك نواة دولة، ومن ثم يصبح الانفصام أمر هيِّن نعم.

علي عثمان طه: هذا.. هذا.. هذا احتمال وارد على سبيل النظر وعلى سبيل الترتيبات التي بُنيت عليها الوثائق الأولى لها .. الممهدة لهذا الاتفاق، ولكن على صعيد الواقع فنحن نعلم أن القوى السياسية الجنوبية فيها كثير من التيارات وكثير من المؤثرات القبلية شأن بقية أنحاء السودان وشأن كثير من الدول الأخرى، ولذلك فإن ما يربطها بوحدة.. في الوطن الأكبر أكثر مما يربطها لأن تنتبذ بجانب منه لتؤسس يعني ما.. دعني أقول لك مثلاً إن صحيح أن هذا.. هذا الجزء يسمى جنوب السودان، وفيه قبائل بهذا المعنى جغرافياً، ولكنها مثلاً لا تربط بينها لغة خطاب واحدة مشتركة، ولغة الخطاب هي اللغة العربية على نحو ما يعني لغة دارجة بتعبيراتها المختلفة، وهكذا، فعوامل الانصهار القومي وعوامل التوحُّد القومي حتى بين القبائل الجنوبية والمكونات الجغرافية لجنوب السودان على الصعيد الأفقي ممتزجة امتزاجاً قوياً ومشدودة إلى الروابط القومية الأكبر على مستوى السودان الكبير.

رأفت يحيى: سيدي، هناك من أعطى قدر كبير من الاهتمام حول تواجد قوات من الحركة في العاصمة الخرطوم واعتبر ذلك فيه إنقاص لسيادة النظام في الخرطوم.

علي عثمان طه: نعم، أنا لاحظت أن هذا الأمر قد حظي بجانب من التغطية الكبيرة، ولكن الحقيقة تقول إن هذه ليست المرة الأولى التي حين توقع فيها مثل هذه الترتيبات، يتفق فيها على وجود قوة تمثل الجنوب في المركز، فاتفاقية أديس أبابا عام 72 أيضاً قد أسست لهذا.. لهذه القاعدة، حيث تم الاتفاق على وجود قوة من القوى التي كانت تقاتل آنذاك، لتشترك في أمر الحماية وأمر الترتيبات الشخصية للأفراد هناك، وقد تم فعلاً إدراجها في سلك الحرس الجمهوري وقتها، وهذه هي نفس الفكرة الآن، إلى جانب أنها.. أن هذه القوات هي بالأساس قوى رمزية، لأنه وجود ألف جندي أو 1500 جندي لا يعني شيئاً كثيراً بالنسبة لحجم الجيش السوداني، ولا بالنسبة لحجم.. حجم العسكر.

رأفت يحيى: وهذه عفواً دلالة.. دلالة..

علي عثمان طه: هي دلالة شراكة سياسية، وليست انتقاص لأن هؤلاء مواطنون في النهاية، وهم ليسوا قوة غازية، وليسوا أجانب، ولكن هي دلالة وتوثيق لعقد الشراكة السياسية، الذي يمكن أن يؤسس من خلال هذا الاتفاق السياسي، ولا تشكل خطراً على أمن المواطنين ولا أمن الدولة السياسي.
رأفت يحيى: يعني.. يعني.. نعم.. يبدو من حديثكم يعني كأنه هناك قدر كبير من التفاؤل، يعني هل.. هل الحركة الشعبية لتحرير السودان لديها هذا الحرص وهذا القدر من أن تكون ضمن كيان سوداني واحد؟ هل لمستم ذلك من خلال محادثاتكم؟

علي عثمان طه: من خلال المحادثات نعم لمسناه، ولكن طبعاً من خلال تجربة الصراع المرير في الفترة الماضية، هناك مجال معقول لكثير من الشكوك والظنون، تبديد هذه الشكوك والظنون يكون على صعيد الواقع، من خلال المعايشة، ومن خلال الالتزام بما يتفق.. يتفق عليه، وهذا.. هذه الترتيبات التي تمت حتى الآن، لا تنتقص من أسباب الحيطة والحذر للدولة، تحوط.. توقعاً لكل الاحتمالات، ولكنها تعطي فرصة واضحة وقاطعة لإثبات الجدية، وإثبات حسن النوايا من خلال ترجمة ما يتم الاتفاق عليه إلى واقع.

موقع العقيدة في مفاوضات السلام السودانية

رأفت يحيى: نعم.. ننتقل إلى نقطة أخرى تضمنتها اتفاقية الترتيبات الأمنية، قضية أن يكون هناك مبدأ أو عقيدة جديدة، تصاغ بها عقلية الجندي السوداني ضمن القوات المشتركة، ماذا يعني ذلك؟

علي عثمان طه: هي ليست عقيدة جديدة، ولكن عقيدة مشتركة، فلنقل إن التعبير الأدق هو عقيدة قتالية مشتركة، ذلك أن الحركة كانت تقاتل بعقلية.. بعقيدة قتالية مختلفة -بلا شك- عن.. عن العقيدة القتالية التي تقاتل بها قوات الدولة والحكومة، ومن ثم فلابد من التوفيق بين هذه القوى الدافعة للقتال، وإبراز المكونات الوطنية، والدفاع عن الوطن وعن ما اتفق عليه، وما يمكن أن.. أن.. أن يتضمنه هذا الاتفاق في صوره الأعلى مستقبلاً، إذا ما صار.. إذا صار الأمر إلى إقرار الدستور، مبادئ دستورية، تعدل الدستور القائم، أو حتى تعيد صياغته، وهذه كلها مبادئ يمكن أن تشكل أساساً للعقيدة التي يقاتل تحتها الجندي، الجندي لابد له من أن.. يعني أن تكون له قيم و.. و..

رأفت يحيى [مقاطعاً]: يعني يمكن أن نقول يعني أنه يعني..

علي عثمان طه: فهي مزايدة، هي ليس.. هي ليس فيها إلغاء، وليس فيها ما يمكن أن توحيه الكلمة من أن هناك طيًّا.. أو تراجعاً للعقيدة القتالية التي قامت عليها الدولة في..

رأفت يحيى [مقاطعاً]: يعني بمعنى أكثر تبسيطاً، هل يمكن أن نقول أنه عقيدة مشتركة تعني علمنة الجيش السوداني؟

علي عثمان طه: ليس.. ليس.. ليس بالضرورة، ليس بالضرورة، لأن لو كان الأمر علمنة لقلنا عقيدة قتالية جديدة، تحل محل ما هو قائم، ولكننا نتحدث عن ما هو قائم في جانب الحكومة، وهي قائمة على الدفاع عن العقيدة وعن الوطن في آنٍ واحد، ومن جانب آخر ما هو قائم عند الحركة ويمكن أن يشكل أساساً للتلاقي، وهو الدفاع عن الوطن، والدفاع عن الوطن يمكن أن يكون منطلقه هو عقيدة إسلامية، أو يمكن أن يكون منطلقه غير ذلك.

رأفت يحيى: يعني.. إسقاط.. إسقاط البعد الديني في.. في المسألة..

علي عثمان طه: ليس بالضرورة أن يكون إسقاطاً للبعد الديني، فالبعد الديني لا يسقط أصلاً في كل دوافع حركة الـ..

رأفت يحيى: (….)

علي عثمان طه [مستأنفاً]: لأ في كل دوافع حركة الإنسان، ولكن تكييف التعبير عنه، هو الذي يجري حوله الحوار.

رأفت يحيى: نعم، طيب في.. في.. في هذا الصراع الحاصل الآن، يعني ما هو حجم البعد الديني في ذلك الصراع؟
علي عثمان طه: بصورته الماضية؟

رأفت يحيى: بصورته الراهنة حتى يعني على.. على مستوى حتى الحوار والتفاوض، يعني أين.. أين موقع الدين في هذه المسألة يعني؟

علي عثمان طه: هذه.. في هذا الحوار.. هذا الحوار كله مرده الجوهري إلى محاولة من خلال حوار السلاح، وحوار المفاوضات، في الوصول إلى قاعدة مرضية لتعايش الأديان والعقائد، وإنزال الدين منزلته التي لا يختلف عليها، وهذا ما.. ما.. أفرد له الاتفاق مشاكوس الذي أشرت إليه، حيث قضى بصورة واضحة بمعادلة واضحة في قضية علاقة الدين بالدولة، وفي.. وفي قضية علاقة الدين بالحياة العامة، فهو لم.. لم يقرر إقصاء العقيدة من الحياة العامة، وإنما قرر أن يعترف وأن يتعامل بالنظر إلى المجموعات التي تشكل الساحة السياسية السودانية، فقضى بترتيبات معينة للجنوب، وقضى أو.. أو للمناطق التي تسود فيها عقائد غير إسلامية، وقضى فيها بترتيبات خاصة للمناطق التي تسود فيها العقيدة الإسلامية، فنحن من خلال كل هذه الترتيبات -حقيقة- ندير حواراً ينتهي إلى ترتيب علاقة مرضية لدور الدين في الحياة العامة، يستقر بها المسلم ويطمئن، وفي ذات الوقت يطمئن غير المسلم إلى حقوقه، وإلى مساواته الكاملة في.. في ظل الوطن.

تداعيات وأبعاد غياب القوى السياسية الأخرى عن المفاوضات

رأفت يحيى: نعم.. مع أهمية هذا الاتفاق الذي تمَّ التوصل إليه، ولكن هناك بعض القوى السياسية التي ترى أنه في ظل غياب قوة سودانية هامة لها رصيدها الشعبي في السودان، عدم مشاركتها في هذه.. في هذه المباحثات، يجعل هذا الاتفاق ناقص، ويجعل السلام في السودان غير كامل، ما هو تعليقكم على ذلك؟

علي عثمان طه: المفاوضات بين طرفين نعم، حيث لا يمكن نظرياً ولا عملياً أن تحشد كل الساحة في مائدة مفاوضات واحدة، فحتى الذين كانوا ينادون بفكرة مؤتمر دستوري أو مؤتمر وطني جامع، قد تراجعوا عنها، لأنها غير عملية، فهناك الآن الأحزاب والقوى السياسية المسجلة وغير المسجلة، تقارب المائة تنظيم وحزب، وهناك قوى كثيرة غير مسجلة وغير معطلة سياسياً، قوى مجتمع مدني ونقابات وتنظيمات وهكذا، فمن.. من.. من المتعذر إذن عملياً أن يدور الحوار بين كل هذه الأطراف جميعاً، ولذلك كانت القاعدة التي بُنيت عليها مبادرة الإيجاد، أن يجري الحوار بين الحكومة وبين الحركة الشعبية، بحسبان أن هذان الطرفان.. هذين الطرفين هما اللذان يقومان أو يصطرعان أو يحتربان غير أن الحوار في مادته ومضمونه ليس اقتساماً لصفقة أو غنيمة ثنائية فالحوار هو موضوعه موضوع الوطن كله وحقوق المواطنين جميعاً بكل فئاتهم من غاب منهم ومن حضر في الحكم..

رأفت يحيى: نعم، عفواً سيدي..

علي عثمان طه: وبالتالي فغياب الآخرين لا يقدح في أن الترتيبات التي سيتم التوصل إليها ستحفظ حقوق الجميع، أولاً جرى الاتفاق على قواعد أساسية وهامة وهي اعتماد المواطنة واعتماد التحاكم إلى الديمقراطية والرجوع إلى الشعب اعتماد حرية التعبير وحقوق التنظيم والمشاركة السياسية والتداول السلمي للسلطة و.. ويجري الآن بين ما انتهينا إليه من توقيع الترتيبات الأمنية وما نستكمله بعد أسبوعين من استئناف المفاوضات حول القضايا اللاحقة، تجري اتصالات استكمالاً لحركة صورة سياسية واسعة لم تنقطع خلال السنتين الماضيتين حول هذه القضايا مع القوى السياسية في محاولة لاستجماع الرأي واستصحاب وجهات النظر المختلفة لتكون مادة للاتفاق.

رأفت يحيى: عفواً سيدي نائب الرئيس، يعني أنا أقصد تحديداً حزب الأمة والاتحاد الوطني.

علي عثمان طه: لماذا هذين الحزبين فهناك أحزاب أخرى موجودة؟

رأفت يحيى: هذا جيد ولكن..

علي عثمان طه: ولكن حتى هذين.. حتى هذين، فالحزب الاتحادي مثلاً هو موجود في التجمع الوطني والتجمع الوطني تمثله الحركة الشعبية بحسبانها عضواً في ذلك التجمع، وبلا شك هي قد عقدت.. هذا التجمع عقد حوارات في السابق وسيعقد حوارات لاحقة لهذا الاتفاق الذي تم يوم أمس والقوى الأخرى أيضاً تجري معها الحكومة اتصالات وتستمع إلى رأيها، وتدير حولها حواراً، بما يشمل الجميع الأمة وغيرها.

رأفت يحيى: سيدي.. سيدي نائب الرئيس، أقصد يعني إنه حينما تحشد الحكومة السودانية خلفها كل هذه القوى والتيارات الشعبية السودانية وتدخل في مفاوضات مع الحركة، يُعتقد إنه بهذه الصورة سيكون موقف الحكومة مختلف تماماً ربما عما هي عليه الآن.

علي عثمان طه: لا نشعر ولا نحس نقصاً في التفويض الشعبي أو في السند الشعبي من خلال ما نقوم به الآن ونحن لا ندخل إلى هذه المفاوضات تحت أي شعور بالضغط أو الإملاء يعني لا من طرف داخلي ولا من طرف خارجي، دعني أقول لك الحقيقة بوضوح هناك رغبة عالمية في أن يكون.. أن يشهد السودان سلاماً لأجندة ليس هذا مجال تفسيرها يختلف فيها الناس، ولكنها تلتقي معنا في أن السلام صار أمراً مطلوباً في السودان، والقوى الوطنية أيضاً تؤكد هذا الاتجاه، إذن توافق الإرادة السياسية الداخلية والخارجية لتحقيق السلام هذا يشكل رصيد للدولة ولا يضعفها، فيما يتعلق بالحوار الداخلي الدولة تدير حواراً كما قلت لك واسعاً وقد قام.. قامت الدولة بطرح مبادرة تبناها السيد رئيس الجمهورية منذ حوالي شهرين شملت كل القوى السياسية وأدير فيها حوار واسع حول قضايا الوطن وعلى رأسها قضية السلام، وتكونت من هذه الملتقيات لجنة لإدارة هذا الحوار، وأحب أن أؤكد لك إننا حينما ندخل إلى قاعة المفاوضات فإن ملفاتنا تتضمن الأطروحات المختلفة الأساسية في الساحة الوطنية.

رأفت يحيى: نعم، ولكن سيدي يعني الأستاذ الترابي أو الدكتور الترابي يعني باعتباره هو الأب الروحي للحكومة الحالية، ولكن يبدو أن له تحفظ على مسار هذه المباحثات الحالية وأن علاقته بكم ليست ودية يعني وأنه يعني رغم ما قيل عن أنه ليس له مشكلة قانونية الآن فإنه مازال قابع في السجن، يعني ما هو.. ما هو طبيعة العلاقة بينكم وبين الدكتور الترابي وموقفه في هذه المحادثات تحديداً؟

علي عثمان طه: حزب الدكتور الترابي دُعِي إلى اللقاء الوطني الذي أشرت إليه الآن، واشترك ممثلوه وعبروا عن رأيهم في مسار المفاوضات وفيما يمكن أن تطرح من قضايا، وفيما هو معلن ومشهر من أطروحات حزب المؤتمر الشعبي وفي اتصالاته التي جرت مع الحركة الشعبية، لا نرى هناك اختلافاً كبيراً عما نقوم نحن به الآن، ولكن قد تختلف الفرعيات والتكتيكات السياسية من حيث مكسب الكسب والخسارة ولكن من حيث جوهر القضايا فأزعم أنه لا تباين ولا اختلاف أساسي بين ما تضطلع به الحكومة الآن وبين معظم اتجاهات القوى السياسية المؤثرة في السودان.

رأفت يحيى: ولكن هل تعتقد أن اتصال الدكتور الترابي بالحركة الشعبية يضعف من موقفكم، أم أنه يرى أن مثل بما أنتم.. بما أنكم تتصلون بالحركة، هو الآخر يرى أنه ليس من حقه أيضاً أن يتصل بالحركة يعني؟
علي عثمان طه: الذي جرى في الاتصالات السابقة لم يكن بقصد دفع قضية السلام، الذي جرى في السابق كان هو مناورات سياسية لتشكيل قوى ضغط سياسية ضد الحكومة وحتى هذا في تقديرنا أمر مشروع يملكه الشخص ما دام معارضاً، ولكن أن يمتد ذلك ليشمل ترتيباتٍ عسكرية ومقاومة تستخدم العنف سبيلاً وهذا هو الذي حدا بالحكومة للتحفظ عليه واتخاذ الإجراءات بشأنه.

أسباب وأهداف التدخل الأميركي في السودان

رأفت يحيى: لننتقل إلى يعني أشرتم أن المجتمع الدولي حريص على أن يرى سوداناً يعني قائماً على السلام والاستقرار، لماذا في تفسيرك الولايات المتحدة والغرب تحديداً معني جداً بهذا الجانب الآن؟

علي عثمان طه: والله تختلف التفسيرات، فهناك من يرى أن الغرب قد دعم هذه الحرب لفترة طويلة، ولكنها لم تحقق أهدافها، فإن كان من أهدافها إسقاط الحكومة القائمة والنظام السياسي القائم في السودان فذلك لم يتحقق على مدى أربعة عشر عاماً، وفي ظروف كانت أكثر مواتاةً وملاءمة لتحقيق هذه الغرض منها الآن، ربما لأن محاولة منع الحكومة من خلال الضغط وإشعال الحرب من أن تنطلق في برامجها الاقتصادية والتنموية خاصة ما يتعلق منها باستخراج البترول أيضاً لم يحقق مطلوباته، فقد وجد البترول السوداني طريقه إلى السوق العالمي وربما وربما وربما، ونحن نعرف أن الغرب في النهاية ليس له أعداء دائمون ولا أصدقاء دائمون، وإنما هناك مصالح.
رأفت يحيى: هناك تفسير آخر.

علي عثمان طه: نعم.

رأفت يحيى: عفواً يعني هناك تفسيراً آخر يرى أن الولايات المتحدة يعني لها نظرة استراتيجية فيما يجرى الآن في السودان ترى أنه بانفصال الجنوب ستصبح هناك دولة مسيحية قد تكون ضعيفة، وفي المقابل سيكون هناك تشدد في الشمال وتصبح هناك دولة إسلامية أو دولة قائمة على أسس إسلامية قوية، وبالتالي المستفيد في هذه الحالة هو الشماليون كنظام إسلامي قوي، فمن باب إضعاف البعد الإسلامي للنظام في الشمال وعلمنة النظام بشكل أو بآخر، لذا ترى أنه الوحدة هي الأفضل في الوقت الراهن يعني.

علي عثمان طه: ربما بدا ذلك، وربما كان ذلك حقيقياً لبعض الدوائر، ولكن النظر إلى طبيعة التحول في السودان هو وما يجري في السودان هو.. هو عبارة عن حوار حضاري عميق، ليس من السهل فيه انتزاع هذه القيم والمبادئ الإسلامية بترتيبات سياسية فوقية مهما طالتِ نظام الحكم وأخذت بتشكيلاته، فهي مبادئ عميقة الجذور في سلوك ووجدان المجتمع السوداني، وفي.. وفي تحريك مشاعره وأفكاره، ونحن نرى أن.. أن.. اعتبار أن الإسلام لا ينجح إلا إذا كان الجميع مسلمون وإلا إذا كانت الدولة كلها موحدة العقيدة والاتجاه وأنه.. وأن الإسلام لا يصلح نظاماً سياسياً لمجتمع تعددي الثقافات أو الأعراق، هذا اتهام فيه انتقاص للإسلام، لأننا نرى أن الإسلام حتى في ظل النظام العالمي الآن وفي ظل المجتمع العالمي بتبايناته الثقافية والسياسية يمكن أن يساهم بقدر كبير في استقرار المجتمع الإنساني، فنحن نقبل التحدي في أن نُقدِّم نموذجاً يقوم على الإسلام ويحترم التعددية ويحترم الخصوصية الثقافية للآخرين ويتفاعل معها على قدر المساواة، ويفرز تجربة ما أظن أنها يمكن أن تصيب.

رأفت يحيى: نعم.. سيدي نائب الرئيس، تتحدث عن التعددية، يعني.. يعني هذا هو التحفظ الذي يبديه بعض القوى السياسية من السودانيين، وكذلك الحركة ترى أن.. أنها تريد سوداناً يعني متعدد العرقيات، متعدد القوميات، متعدد الأديان، نظام قائم على أسس حزبية، نظام منفتح، ولكن يعني يبدو الواقع..

على عثمان طه [مقاطعاً]: وفي أي شيء يعارض ذلك الإسلام؟ نحن لا نرى في ذلك معارضة للإسلام..
رأفت يحيى: الإسلام..

علي عثمان طه: ولا.. ولا نرى فيه حتى معارضةً أو.. أو تقاطعاً مع.. ما.. ما نرسمه ونتصوره لتطور التجربة السياسية الحالية في السودان.

رأفت يحيى: ما فيش شك الإسلام..

علي عثمان طه [مقاطعاً]: نحن الآن نؤسس لتجربة سياسية منفتحة فيها مجال للتعدد، وفيها مجال لحرية التعبير، لأننا لا نرى أن.. أن جوهر الإسلام هو أن يكون هناك توافقاً بين ضمير الإنسان وبين ما يعبر عنه وبين مواقفه، فهذه الحرية في التعبير عن المواقف وعن ما يعتقده الإنسان من خلال كافة أطر وصور التنظيمات السياسية أو فكرية أو ثقافية أو تعبير النشر، هذا هو المنتهى الذي نبلغ به، وقد قطعنا فيه أشواط، والمعادلة في كل المجتمعات هي معادلة بين قضية الحرية وقضية.. وقضية الأمن، وفي تقديرنا أن السلام يمكن أن يعطي قضية الحرية والديمقراطية والشورى والممارسة.. والممارسة التعددية دفعة قوية جداً.

رأفت يحيى: المشكلة تكمن في أن هناك فرق بين النظرية والتطبيق يعني، فالحاصل في السودان -كما يرى البعض- يعني ليس.. يعني هذا ما يراه البعض يعني، ليس هناك تلك التعددية التي تتحدث عنها الآن يعني.

علي عثمان طه: والله كلٌ حرٌ في أن يرى ما يرى.. ما يعتقده، ولكن الاعتبار هو بالـ.. بالمشاهدة المباشرة، فنحن يعني كل القوى السياسية الآن في السودان تملك حرية أن.. أن تسجل أحزابها وأن تنشئ صحفها، وأن تمارس نشاطها السياسي بلا.. بلا قيود، ويكفي أن نقول إن السودان الآن ليس فيه حتى معتقل سياسي بسبب موقفه السياسي إلا بضع أفراد، هذه ستزول الآن..

رأفت يحيى [مقاطعاً]: طب ماذا يكون.. عفواً..
علي عثمان طه [مستأنفاً]: في بلد.. في بلد.. في بلد فيه.. فيه ظروف حرب وفيه ظروف حصار دولي، وفيه استهداف، نحن نفخر بأن نكون بهذا الذي نحن عليه الآن.

رأفت يحيى: وماذا عن الدكتور ترابي وهو رمز قيادي كبير، يعني هو منظر للنظام الحالي يعني؟

علي عثمان طه: الدكتور الترابي شأنه مثل شأن الآخرين، له قدر من الحرية، فقد أعطي له حزبه، حتى بعد خروجه من الدولة سجل له الحزب واعترف به وصارت له صحيفة، وكان يمارس نشاطه السياسي بحرية كاملة، ولكن حينما جنحت الممارسة السياسية إلى العنف -كما قلت لك- فجرى الحرق والدمار لمنشآت الدولة، وحينما.. كما وقع في عدد من مدن السودان وحينما جرى الاتصال بحركة تحمل السلاح وقتها، لعقد ترتيب معها لمقاومة النظام بما في ذلك استخدام العنف، جرى حجر الحزب، فنحن لا نحجر على شخص يريد أن يلتزم بالسلم وبقواعد الحرية السلمية، وهذه هي القاعدة في كل المجتمعات، لا يختص بها الدكتور الترابي وحده، وإذا ما.. إذا ما تيسر الوصول إلى ترتيب نهائي للسلام، فإن مجال الحرية سيتسع أمام الجميع.

حقيقة وطبيعة الحضور العربي في القضية السودانية

رأفت يحيى: سيدي نائب الرئيس، أليس مدهشاً لكم أن يكون.. أن يكون هناك ذلك الغياب العربي الكبير في هذه المباحثات، نرى تواجداً أميركياً، وتواجداً أوروبياً، في الوقت لا نرى فيه أي حضور عربي على الرغم من أن هذه القضية تشكل أهمية كبيرة للوضع العربي عموماً يعني؟

علي عثمان طه: طبعاً أولاً الحضور العربي الآن قائم -كما قلت أمس في الإجابة على بعض الصحفيين- من خلال أن التشاور حول كليات التفاوض وموضوعاته الجوهرية يجري فيها تشاور مستمر بيننا وبين الإخوة العرب على كل المستويات وعلى مؤسسة العرب الجامعة.. في الجامعة العربية، ولكن طبعاً بشأن المبادرة نفسها وخلفيتها وتاريخ نشأتها، فهذا أمر ليست مسؤولة عنه الحكومة السودانية وحدها في غياب الدور العربي عند إنشاء هذه المبادرة، ولكن استدراك الأمر قد تم بشكل واضح في خلال العامين الآخرين، وأؤكد أن ما يجري الاتفاق عليه الآن، وما يُناقش من قضايا، قد جرى طرحه والتداول حوله مع كافة الإخوة العرب.

رأفت يحيى: سيدي نائب الرئيس، سؤال أخير، يعني بعد أن حققتم ذلك الاتفاق الذي اُعتبر هاماً جداً، يعني هل تعتقدون بأن بهذا الاتفاق يمكن أن يصبح الطريق ممهداً للاتفاق حول القضايا الخلافية الأخرى، خاصة ما يتعلق بتقاسم السلطة والثروة؟

علي عثمان طه: القضايا المتبقية قضايا ليست سهلة، ولكن القضية الأصعب، الأكثر صعوبة هي التي تم تجاوزها، ومن هنا فإن جولة المفاوضات القادمة ستكون يعني جولة أيضاً صعبة، وفيها.. وتحتاج إلى حشد كل القدرات، ولكنني مطمئن أننا قد وضعنا أرجلنا على مشوار غير قابل للنقض، سيكمل مهما طال الزمن، لمصلحة الاستقرار والسلام في السودان.

رأفت يحيى: سيدي نائب الرئيس، شكراً جزيلاً لكم.

علي عثمان طه: شكراً، شكراً جزيلاً.

رأفت يحيى: وأتمنى لكم كل التوفيق.

علي عثمان طه: شكراً جزيلاً.