مقدم الحلقة:

يوسف الشريف

ضيف الحلقة:

عبد الله غل: نائب رئيس الوزراء، وزير الخارجية التركي

تاريخ الحلقة:

08/10/2003

- أسباب موافقة البرلمان التركي على إرسال قوات إلى العراق
- مدى تأثير الفوضى الأمنية في العراق على تركيا

- حدود التدخل التركي في العراق

- الشروط التركية للتدخل في العراق

يوسف الشريف: حصلت الحكومة التركية على تفويض من البرلمان لإرسال قوات تركية إلى العراق، وبذلك تكون تركيا أولى الدول الإسلامية المرشحة لإرسال قوات إلى العراق قبل صدور قرار أممي بذلك.

حول هذا الموضوع نستضيف (نائب رئيس الوزراء، وزير الخارجية التركي) السيد عبد الله غل.

أهلاً وسهلاً بك في قناة (الجزيرة).

عبد الله غل: السلام عليكم.

أسباب موافقة البرلمان التركي على إرسال قوات إلى العراق

يوسف الشريف: في البداية نذكر أن البرلمان التركي في الأول من مارس رفض تفويض الحكومة لإرسال قوات إلى العراق واستقبال قوات أميركية على الأراضي التركية، أي المساعدة في الحرب على العراق، لكن البرلمان الآن يفوض الحكومة لإرسال قوات إلى العراق دون إذن أممي، وحتى في ظل معارضة العراق والعراقيين لهذا القرار، فما هو السبب؟ وما هي المصلحة التركية في إرسال قوات إلى العراق رغم كل هذه الظروف؟

عبد الله غل: هناك فرق كبير بين هذين الأمرين، والظروف مختلفة في كليهما، في المرة الأولى كان الأمر متعلقاً بالحرب، أي أننا كنا نعيش ظروف حرب ودمار وقتل، وكان ذهابنا سيعني مشاركتنا في الحرب، وكما تعرف فإن تركيا رفضت ذلك، ونحن حتى الآن لم نغيِّر من سياستنا أو من مواقفنا، لكن في هذه المرة الظروف أصبحت مختلفة تماماً، فالحرب انتهت في العراق، ولكن العراق يعيش حالة من الفوضى، وكذلك الناس لا يعرفون عادات الشعب العراقي وتقاليده ودينه، والعراقيون لا يدرون ما يفعلون إزاء هذا الوضع، وقوى الاحتلال هناك تهتم فقط بمسائل الأمن.

نحن ننظر إلى الموضوع من هذه الزاوية ونقول: إن العراق جارنا، فمن سيحمي وحدة أراضيه؟ من سيحمي وحدته السياسية؟

نحن في تركيا ودول الجوار أكثر من يهمنا ذلك، كما أن الشعب العراقي عرباً وأكراداً وتركمانيين جميعهم أقرباءنا وجيراننا، ولذلك فإننا نفكر في الذهاب إلى العراق من منطلق محدد، وهو: هل بالإمكان أن نساعد في إنهاء محنة شعبه دون أن نكون جزءاً من قوى الاحتلال، كما أننا لا نفكر في إرسال قوات عسكرية فقط، وإنما نفكر في إرسال مساعدات إنسانية أيضاً من أجل تغطية احتياجات الشعب العراقي.

وفي الحقيقة فإن هناك أمراً يقلقنا، وهو أن استمرار الفوضى وعدم الاستقرار قد تؤدي إلى حرب داخلية لا تصب في مصلحة أحد، لا تركيا، ولا سوريا، ولا الأردن، ولا السعودية، ولا دول الخليج، الشعب العراقي عانى خلال الخمسة عشر عاماً الماضية عانى الكثير، فقد الكثير، دولة غنية بمواردها عانت من الفقر، ونحن نريد لهذه المعاناة أن تنتهي، وأن يحكم العراقيون بلادهم بأنفسهم، ومن أجل مساعدتهم على ذلك اتخذنا قرارنا هذا، وإلا فإننا أكدنا بوضوح على أننا لن نكون جزءاً من قوى الاحتلال، لأن هدفنا هو إنهاء الاحتلال بأسرع وقت.

يوسف الشريف: لكن حتى الآن لم يصدر قرار عن الأمم المتحدة يعطي الشرعية لإرسال قوات أجنبية إلى العراق، القوات الأميركية والبريطانية المتواجدة هناك هي قوات احتلال، كما أن بعض جيران العراق قد ينزعج من وجود قوات تركية على الأرض العراقية، هل أجريتم مشاورات مع دول جوار العراق كما أجريتموها سابقاً قبل اندلاع الحرب؟ هل هناك تفسير أو تبرير تقدموه لدول جوار العراق لدخولكم عسكرياً العراق في هذا الوقت؟

عبد الله غل: نحن سعينا لاستصدار قرار من الأمم المتحدة، ولكننا لسنا إحدى الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، لذلك فإن قدرتنا على التأثير هناك محدودة للغاية، ولكننا نقول: هل نترك الشعب العراقي يعاني من الفوضى وعدم الاستقرار فيما الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن تتناول ملف العراق كلٌ حسب مصلحته وأهوائه؟

نحن بالطبع نرغب في إجراء اتصالات حول هذا الموضوع مع دول الجوار، ونتمنى أن يتبنى الجميع المسألة، ويتحمل مسؤولياته، لأن الحفاظ على وحدة أراضي العراق هو أولوية بالنسبة لكل من إيران، وسوريا، وتركيا، والأردن، والمملكة العربية السعودية.

مدى تأثير الفوضى الأمنية في العراق على تركيا

يوسف الشريف: تتحدثون عن سلبيات عدم الاستقرار والوضع الموجود في العراق الآن، كيف يمكن أن تؤثر أو يؤثر الوضع الحالي في العراق، هذا الفوضى.. هذه الفوضى الموجودة في العراق كيف يمكنها أن تؤثر سلبياً على تركيا أو على دول الجوار؟

عبد الله غل: لننظر إلى الأمر من هذه الناحية، الشعب العراقي شعب مسلم وجار، فهل نتركه يعاني من هذه الفوضى وظروف الاحتلال، أو نتركه لحكم الأميركيين والإنجليز، الذين هم غريبون عن ثقافته وعن دينه، فهل قوى الاحتلال يهمها أمر ومصلحة العراقيين أكثر منا؟ كما أن الأمم المتحدة وفي قرارها الأخير دعت الجميع لدعم الاستقرار في العراق، نحن ننظر إلى المسألة من هذه الزاوية، وبالطبع فإنه إذا ما استمرت الفوضى في العراق، فإنه قد يواجه حرباً داخلية لا سمح الله، وعندها تكون وحدة أراضيه مهددة، عندها أيضاً قد لا نستطيع حماية وحدة الأراضي، ولمنع وقوع ذلك علينا أن نسعى إلى توفير الأمن والاستقرار بأسرع وقت، علينا أن نعمل على تشكيل عراق ديمقراطي مستقل، يعيش في سلام، يعيش في سلام مع جيرانه.

يوسف الشريف: لكن ذهابكم إلى هناك، والمساعدة في ضبط الأوضاع، ألا يساعد هذا الأميركيين على إتمام عمليتهم أو مخططاتهم التي لا تحظى بشرعية حتى الآن في العراق؟ ألا تكونوا قد ساعدتم الإدارة الأميركية في تنفيذ مخططه، الذي رسمته للعراق ولمستقبل العراق؟

عبد الله غل: أميركا تحكم العراق فعلياً، قواتها هناك، وقد كسبت الحرب، وبالرغم من المناوشات اليومية التي تتعرض إليها، إلا أنها تحكم العراق فعلياً، يجب علينا أن نكون واقعيين وعمليين، فليس مطروحاً مثلاً أن يعود النظام السابق إلى الحكم بعد الآن، كما أنه لا يوجد احتمال بأن تنجح المقاومة في تشكيل نظام حاكم مستقل في العراق، وبالتالي فإن ما يجب فعله هو الذهاب إلى هناك لمنع أميركا من ارتكاب المزيد من الأخطاء، والواقع أننا من غير أن نكون متواجدين على الأرض، فإنه من الصعب علينا التأثير على القرار والتصرفات الأميركية في العراق، أي يجب أن نكون هناك من أجل منع وقوع المزيد من الأخطاء الأميركية في العراق، كما أن الجيش التركي نجح في تأمين الاستقرار في العديد من الأماكن في العالم، جيشنا يتصرف بشكل محترف في هذا الأمر، تماماً كما حدث في أفغانستان وفي كوسوفا والبوسنة، الصرب والكروات عارضوا في البداية دخول الجيش التركي إلى أراضيهم تحسباً من أن يمارس تفرقة ضدهم، إلا أن ذلك لم يحدث، فأتم الجيش التركي مهمته هناك على أحسن وجه، وجنودنا يعرفون كيف يقيمون علاقات الود مع المواطنين، ويحترمون عاداتهم وتقاليدهم، ونحن لا نتوقع أي مشكلة هنا، لأن قواتٍ مسلمة -بطبيعة الحال- ستتعامل بشكل أفضل مع شعب مسلم.

يوسف الشريف: لكن الشعب العراقي في غالبيته يرفض التدخل التركي هناك، ويرى فيه محاولة لفرض الوصاية على المستقبل السياسي للعراق، والدستور الذي يصاغ الآن للعراق، وخصوصاً الأكراد الذين أعلنوا مراراً وتكراراً أنهم لا يريدون أي تدخل من تركيا أو من دول الجوار في مستقبل العراق، هل تعتبرون وجودكم في العراق محاولة لفرض الوصاية، أو تدخل في مستقبل العراق سياسياً؟

عبد الله غل: هدفنا الوحيد في العراق هو عراق مستقل موحد، فحدود العراق واضحة ومعروفة ولا نقاش عليها، ونريد أيضاً أن يحافظ العراق على موارده، وأن يتقاسمها شعبه العرب والأكراد والتركمان والأقليات الأخرى، نريد للعراقيين أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم بأسرع وقت، وهذا ما يستدعي منا توفير الأمن والاستقرار لهم، ولا نعتقد أن ذلك يسبب إزعاجاً لأي أحد، ولا توجد لدينا النية، أو النوايا الخفية أو السرية في هذا الموضوع.

حدود التدخل التركي في العراق

يوسف الشريف: التفويض الذي منحكم إياه البرلمان يعطيكم الحق في إرسال قوات إلى العراق لمدة سنة واحدة فقط، ماذا ستفعلون في حال فشلكم بعد هذه السنة؟ أو في حال نجاحكم؟ هل السنة هذه المدة محددة وأكيدة، وستغادرون العراق بعدها؟

عبد الله غل: هذا أمر مهم، فنحن لأول مرة نضع إطاراً زمنياً لذلك، ففي السابق عندما ذهبنا مثلاً إلى أفغانستان وكوسوفا والبوسنة، لم نضع إطاراً زمنياً، لقد تعمدنا تحديد فترة زمنية معينة، لأن في ذلك إشارة للجميع تقول: إن العراق للعراقيين، والعراقيون هم الذين سيحكمون العراق، ولا يحق لأي أحد منا أن يبقى في العراق للأبد، فوجودنا هنا مؤقت، ويجب أن نرحل فور انتهاء مهمتنا، نأمل من الله أن يتم صياغة الدستور خلال عام، وتُجرى الانتخابات، وتتشكل حكومة عراقية منتخبة، ونحن لا نريد أن نذهب دون تحديد موعد لعودتنا.

يوسف الشريف: دخولكم إلى العراق ألا يشكل سابقة قد تدعي معها العديد من الدول الإسلامية، وربما العربية إلى اللحاق بكم، والدخول إلى العراق عسكرياً؟

عبد الله غل: أعتقد إننا سنكون مثالاً للجميع، وعلى الولايات المتحدة وبريطانيا أن تعطي الشعب العراقي الأمل في الحرية، وأن تضع جدولاً زمنياً للانسحاب.

الشروط التركية للتدخل في العراق

يوسف الشريف: بعد حصولكم على التفويض من البرلمان، ستبدءون الآن المفاوضات مع الإدارة الأميركية على عدد الجنود الذين سترسلوهم، وأماكن تواجدهم هناك وخدمتهم هناك، ما هي الأولوية التي تعطونها في هذه المفاوضات؟ ما الذي تريدونه من واشنطن؟ وما هي الشروط التي يمكن أن تقبلونها؟ وهل يمكن.. هل هناك احتمال لأن ترفضوا هذه الشروط وتلغوا عملية إرسال القوات؟

عبد الله غل: هذه نقطة مهمة، فنحن كحكومة أخذنا التفويض من البرلمان فقط، ولم نأخذ قرار إرسال القوات بعد، نحن في الحكومة سنناقش هذا الأمر، يجب علينا أن نتأكد أولاً مما يمكننا تحقيقه فعلاً مما ذكرته من أهداف، فما نريده وذكرته هو وحدة أراضي العراق وانتهاء الاحتلال، وإدارة العراقيين لشؤون بلادهم بأنفسهم بأسرع وقت، وهذا هو هدفنا، وإذا تأكدنا من أنه يمكننا من أن نخدم هذه الأهداف فعندها فقط سنذهب إلى العراق، ولذلك فإننا سنبحث كل هذه الأمور خلال المفاوضات، كما أننا إذا ما دخلنا العراق فسنصطحب معنا مساعدات إنسانية كما ذكرت، نحن كنا قد عرضنا قبل أربعة أشهر أن نزود العراق بالكهرباء والماء والخدمات الصحية، إلا أن عرضنا هذا لم يوافق عليه في حينه، إلا أننا بدأنا قبل أسبوعٍ تزويد العراق بالكهرباء والماء، وسنرسل مهندسينا الذين كانوا يشرفون قبل الحرب أيضاً على تطوير محطات تنقية المياه هناك، كما إننا بدأنا في بناء مستشفيين أحدهما في كركوك والآخر في بغداد، ونريد تقديم المزيد من الخدمات، لأننا وببساطة لا يمكننا أن نترك الشعب العراقي وسط هذه الظروف بدون مساعدة.

يوسف الشريف: إذن إذا ما طلبت منكم واشنطن أن يكون الدور التركي في العراق محدوداً، بلعب دور (الجندرما) أو الحماية فقط للجنود الأميركيين هناك ولضبط الأوضاع، هل أفهم من ذلك أنه سترفضون هذه المهمة، لن تذهبوا إلى العراق في هذه الحالة؟

عبد الله غل: هذا الأمر قلته وبوضوح خلال زيارتي الشهر الماضي إلى واشنطن، قلته لمسؤولي وزارتي الدفاع والخارجية، قلت لهم: نحن نرفض أن نذهب إلى العراق كقوة احتلال، أو قوة عسكرية هدفها توفير الحماية فقط، قلت هذا وبوضوح، وهم قبلوا بذلك، وبالتالي فإننا بحاجة للجنود لتأمين الحماية من جانب، ومن جانب آخر نريد أن نقدِّم خدمات إنسانية واجتماعية، تحت هذه الشروط فقط يمكننا أن نذهب، وإلا فإنه لا توجد لدينا النية للذهاب من أجل لعب دور (الجندرما) هناك.

يوسف الشريف: سيدي الوزير شكراً لك على هذا اللقاء، أعزائنا المشاهدين كان هذا لقاءنا مع (نائب رئيس الوزراء، وزير الخارجية التركي) عبد الله غل.