مقدم الحلقة أحمد كامل
ضيف الحلقة - ميلو جوكانوفيتش، رئيس جمهورية الجبل الأسود
تاريخ الحلقة 01/06/2001






- دوافع حكومة الجبل الأسود للانفصال عن يوغسلافيا
- الاستفتاء القادم.. تحديد موعده والتهديد بمقاطعته
- موقف الغرب من انفصال الجبل الأسود عن يوغسلافيا

ميلوجوكانوفيتش
أحمد كامل
أحمد كامل: في (لقاء خاص) من (بودغورتسا) عاصمة جمهورية الجبل الأسود نستعرض مع الرئيس (ميلوجوكانوفيتش) كيف سيواجه استحقاقات مرحلة ما بعد ميلوشيفيتش وهل مازال مصراً على إطلاق رصاصة الرحمة على يوغوسلافيا أو ما بقي منها؟

Good after noon Mr. President سؤالي الأول هو: عن نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت مؤخراً في بلادكم والفوز الضئيل الذي حققه معسكر الانفصال، كيف تنظرون إلى هذه النتائج التي وصفها البعض بأنها نصف انتصار، أو نصف هزيمة بالنسبة لكم؟

ميلوجوكانوفيتش: في البداية اسمحوا لي أن أعبر عن ترحيبي بكم وسعادتي بالتحدث إليكم، بالنسبة لنتائج الانتخابات الأخيرة فإني أرى أنها بينت أن الشعب في الجبل الأسود يريد الاستمرار في طريق الديمقراطية والتنمية والتوجه الأوروبي، أي مواصلة نهج الاندماج في الهياكل الأوروبية، نتائج الانتخابات أكدت أيضاً نجاح القوى التي تريد الاستقلال لدولة الجبل الأسود وأخذها لمكانتها بين الدول، هذه النتائج بالنسبة لي مرضية، بل وحتى واعدة.

أحمد كامل: لماذا كانت النتيجة متقاربة وأقل مما كنتم تتوقعون؟

ميلوجوكانوفيتش: أعتقد أنه يجب أن ننظر إلى الأمر نظرة شاملة وليس لحظية، عندما أعيدت صياغة الاتحاد اليوغسلافي ليقتصر على صربيا والجبل الأسود عام 92 كان أنصار الاستقلال عن يوغسلافيا يشكلون 10% من شعب الجبل الأسود فقط، أما أنصار الاتحاد مع صربيا فكانوا 90%، الآن وبعد تسع سنوات فإن أكثر من نصف الشعب في الجبل الأسود مصممون على الاستقلال، إذن أعتقد أن الانتخابات الأخيرة شكلت خطورة كبيرة نحو الأمام، إنها خطوة هامة للغاية وواعدة نحو تحقيق هدفنا وهو الاستقلال والعودة إلى الساحة الدولية كدولة كاملة السيادة للمرة الأولى منذ عام 18، لأول مرة منذ التحقت الجبل الأسود بيوغوسلافيا الأولى يوجد لدينا غالبية مؤيدة للاستقلال، إذن يجب عدم النظر إلى النتائج دون سياقها التاريخي، وبإهمال وجهة تحرك الرأي العام، إنها مرحلة في مسيرة تحرر وتحول عميق في المجتمع المحافظ في الجبل الأسود، الانتقال من 10% إلى 55% خلال تسع سنوات يؤكد وضوحاً تاماً في الرؤية، يعني عدم الرغبة بالعودة إلى الوراء.

أحمد كامل: رغم أن موضوع الانفصال كان الموضوع الرئيسي في هذه الانتخابات، هل تتوقعون أن تكون نتيجة أي استفتاء مقبل على الانفصال مطابقة لنتيجة الانتخابات التي جرت مؤخراً؟

ميلوجوكانوفيتش: أعتقد أنها ستكون جيدة مثلها على الأقل، وحتى أتوقع أن تكون أفضل منها، وبناءً على ما قلت قبل قليل فإن المسار يتوجه نحو توسع معسكر الاستقلال كل يوم، معسكر الاستقلال الذي هو معسكر الديمقراطية وأوربة مجتمع الجبل الأسود، وبناء الدولة المستقلة، لذلك أعتقد أن الاستفتاء على الاستقلال سيتم في الأشهر الستة المقبلة أو خلال سنة.

دوافع حكومة الجبل الأسود للانفصال عن يوغسلافيا

أحمد كامل: الفوارق اللغوية والعرقية بين الجبل الأسود وصربياً ليست كبيرة جداً، أو تكاد أحياناً تكون معدومة، ولذلك البعض لا يفهم لماذا تريدون الانفصال عن يوغسلافيا، فعلاً لماذا تريدون الانفصال؟ وما هي دوافعكم للانفصال عن يوغسلافيا؟

ميلوجوكانوفيتش: دافعنا الرئيسي هو رغبتنا بأن نقرر مصيرنا بأنفسنا، لدينا مخزون من التجارب التاريخية عشنا فيها فترات وأمرنا بيدنا، وفترات كان فيها الآخرون وخاصة في (بلغراد) يتحكمون بنا، تجربة السنوات التسع الماضية هي الأكثر أهمية، حيت دخلنا في اتحاد ثنائي مع صربيا، خلال تسع سنوات تأكدنا من أن المساواة بين كيانين متفاوتي الحجم مثل صربيا والجبل الأسود ليس إلا وهماً، صربيا تفوقنا في عدد السكان ثماني عشرة مرة ولا يمكن منطقياً قيام علاقة متكافئة بيننا وبينها، لم نعد نثق بأن صربيا يمكن أن تتفهم طموحاتنا ومصالحنا الخاصة بنا، لذلك نريد الدفاع عن استراتيجيتنا الوطنية وهي الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2010م، تعرف الطريق الذي سيؤدي إلى ذلك الهدف وهو الإصلاح الاقتصادي والديمقراطي لمجتمع الجبل الأسود للوصول إلى المستوى الذي يسمح لنا بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ولإنجاز هذا الإصلاح الاقتصادي والديمقراطي يجب أن نمتلك الوسيلة لتحديد مصيرنا، لا نريد الدولة سعياً وراء المشاعر الوطنية أو الحنين للماضي، وإنما نريدها لنكون قادرين على تحمل مسؤولية بناء مستقبلنا الذي هو مع أوروبا.

أحمد كامل: ألم.. ألم يؤد سقوط ميلوشيفيتش وقيام نظام ديمقراطي في (بلجراد) إلى زوال دافع رئيسي لكم نحو الاستقلال؟

ميلوجوكانوفيتش: لا، كنت أقول دائماً أن السيد ميلوشيفيتش لم يكن المشكلة الوحيدة في العلاقات بين صربيا والجبل الأسود، يوجد الكثير من المشاكل التي يعود بعضها إلى ما قبل فترة حكم ميلوشيفيتش، وبعضها إلى ما قبل وجود السيد ميلوشيفيتش نفسه، ما فعله ميلوشيفيتش هو المساهمة في تفاقم هذه المشاكل بين صربيا والجبل الأسود إلى حدٍ دراماتيكي كبير أوصل الأمور إلى حد الحرب والنزاع المسلح.

سقوط ميلوشيفيتش فتح الباب أمام إقامة علاقات من جديد بيننا وبين صربيا، فمبادرتنا التي وجهناها إلى الحكومة الصربية الجديدة لم يكن من الممكن توجيهها إلى حكومة ميلوشيفيتش، لأنه كيف يمكن توجيه مبادرة ديمقراطية إلى ديكتاتور؟!! كل مبادرة ديمقراطية وجهت للسيد ميلوشيفيتش خلال عشر سنوات من حكمه كانت نتيجتها الحرب، لم يكن لدى ميلوشيفيتش المستوى الكافي من المسؤولية للتعامل مع مبادرة ديمقراطية، لذلك كنا ننتظر سقوطه، لا بل لعبنا دوراً في حث جهود إسقاطه، أعتقد أننا ساهمنا كثيراً في إسقاط ميلوشيفيتش. الآن نحن ندرك أنه يوجد شريك ديمقراطي في بلجراد، شريك يجب أن نحاوره بشأن مستقبل العلاقة بين صربيا والجبل الأسود.

أحمد كامل: هل تخشون من الردة عن الديمقراطية في صربيا؟ هل تتوقعون –ولو لاحتمال ضئيل- أن يعود نظام ديكتاتوري قومي متطرف في بلجراد؟

ميلوجوكانوفيتش: لا أعتقد أن ظاهرة ميلوشيفيتش ممكن أن تتكرر ثانية في صربيا، مع سقوط ميلوشيفيتش سقطت التوجهات الخطيرة التي كان يمثلها نظامه، أقصد خاصة استخدام العنف بحق مواطني صربيا، تهديد الجبل الأسود، وتهديد استقرار مجمل المنطقة. لقد رحل ميلوشيفيتش وهذا خلف شعوراً كبيراً بالارتياح لدينا نحن الذين خاطرنا بمواجهة ديكتاتوريته، كيف ستسير الأمور في صربيا في المستقبل؟ سوف نرى، لكنني أستطيع التمييز بوضوح بين تيارين سياسيين على المسرح السياسي الصربي: الأول يمثله الرئيس اليوغسلافي (كوشتونيتسا)، ويقال إنه يحمل الكثير من الاستمرارية لسياسة ميلوشيفيتش، أعتقد أن سياسات السيد كوشتونيتسا أيضاً تسلطية وتهتم بأشياء غير تجديد صربيا نفسها، لكنه لحسن الحظ يسعى لتحقيق أهدافه السياسية دون استخدام الأساليب القمعية التي كان يستخدمها ميلوشيفيتش.
التيار الثاني في الحياة السياسية الصربية الآن يمثله رئيس الوزراء السيد (جنجتش)، أرى أنه واقعي موالٍ للغرب ويعالج المشاكل الاقتصادية والسياسية الحقيقة لصربيا، إنه يبحث عن مكان لصربيا تحت الشمس الأوروبية.

أحمد كامل: هل هناك دوافع اقتصادية وراء رغبتكم بالانفصال؟ أو بمعنى آخر: هل الانفصال سوف يحسن مستوى حياة شعبكم ويزيد من قدرته على التنمية والتقدم؟

ميلوجوكانوفيتش: نعم، الدافع الرئيسي لإعادة الحياة إلى دولة الجبل الأسود المستقلة هو دافع اقتصادي، الجزء الرئيسي من دوافعنا للعودة بالجبل الأسود كما كانت –أي دولة مستقلة تماماً- هي دوافع اقتصادية. في السنوات القليلة الماضية وخلال كفاحنا ضد ديكتاتورية ميلوشيفيتش أنجزنا بنفس الوقت الإصلاح الاقتصادي الأساسي على الأقل، ويمكننا الآن أن نقول: أن استجابة اقتصادنا لتلك الإصلاحات قد بدأت، وهو سوف يستمر بكل تأكيد، لقد أصلحنا بالفعل نظام الرسوم الجمركية والتجارة الخارجية ونظامنا النقدي، لكننا لم ننته بعد من عملية الإصلاح. لقد قمنا بالخطوات الأساسية التي فصلتنا موضوعياً عن الاقتصاد الصربي، لأنه من العبث المطلق انتظار نهوض الاقتصاد الصربي.

باعتقادي كل واحد منا يجب أن يطور اقتصاده وفق قدراته الذاتية مع الاحتفاظ طبعاً بالتعاون والتفاهم المتبادل، ليس فقط بين صربيا والجبل الأسود، وإنما في كل المنطقة، وهنا.. يجب الإشارة إلى أن مستوى المعيشة في الجبل الأسود يفوق نظيره في صربيا، فمعدلات الأجور في الجبل الأسود هي تقريباً ضعف الأجور في صربيا، وديوننا الخارجية لا يمكن مقارنتها بديون صربيا الهائلة، كل هذا كان نتيجة للجهد الكبير الذي كرسناه للوضع الاقتصادي في الجبل الأسود، وبنائنا لقاعدة صلبة لاقتصاد قادر مستقبلاً على الارتقاء إلى المستوى الأوروبي. بكل صراحة أقول لكم: إنه بينما كنا نعمل كل هذا في السنوات الماضية لم تفعل صربيا شيئاً على هذا الصعيد. في السنوات القليلة الماضية سددت الجبل الأسود ثلث ديونها الخارجية لذلك أعتقد أن الجبل الأسود سيكون لها اقتصاد ممتاز إنما بشرط واحد: أن ندبر سياسات بلادنا بعقلانية. على الصعيد الاقتصادي يجب أن نمارس سياسة انفتاحية تقوم على الاندماج في البيئة الأوروبية.

أحمد كامل: انفصالكم الفعلي عن يوغسلافيا حاصل، ولكن الانفصال الرسمي هل تعتقدون.. هل تصرون عليه لأنه قد يسهل انضمامكم إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو؟

ميلوجوكانوفيتش: للدخول في الهياكل الأوروبية والأطلسية يوجد متطلبات محددة، كل من يريد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أو حلف الناتو يجب أن يستوفي شروط ومعايير الانضمام إليهما، الجبل الأسود جاهزة تماماً للاستمرار في الإصلاح الداخلي للوصول إلى المستوى المطلوب وتحقيق هذه المعايير اللازمة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والناتو. نحن نسبق صربيا بخطوات لأننا بدأنا الإصلاح منذ سنوات، بينما كانت صربيا أسيرة ديكتاتورية ميلوشيفيتش، لذلك أعتقد أننا قادرون على تحقيق شروط العضوية في الاتحاد الأوروبي والناتو.

هدفنا هو الانضمام وأؤكد أننا إن واصلنا الإصلاح الاقتصادي والديمقراطي بحيوية فسوف نكون على أبواب الاتحاد الأوروبي والناتو في عام 2010م، إنني متفائل على هذا الصعيد.

الاستفتاء القادم.. تحديد موعده، والتهديد بمقاطعته

أحمد كامل: تحدثتم في السابق على إجراء الاستفتاء في حزيران أو تموز المقبلين، والآن لا تحددون موعد الاستفتاء، لماذا؟

ميلوجوكانوفيتش: تمت الإشارة إلى الثالث عشر من تموز كموعد تقريبي للاستفتاء، لكن لم يحصل أن حدد موعد للاستفتاء المقبل، لماذا الثالث عشر تموز؟ لأنه يوم هام جداً وقعت فيه العديد من الأحداث التاريخية، لكن الشيء الأهم من المعاني الرمزية هو أننا يجب أن نحضر لاستفتاء ديمقراطي شفافٍ يعبر عن إرادة مواطني جمهورية الجبل الأسود، وتكون نتيجته محل اعتراف الجميع في الجمهورية والمجتمع الدولي.
لذلك أعتقد أن الثالث عشر من تموز ليس موعداً واقعياً، لأننا على الأرجح نحتاج لأشهر قليلة إضافية للاتفاق داخل بلادنا، ولإجراء حوار مفتوح مع صربيا، وبعد ذلك الاتصال بالمجتمع الدولي ثم الدعوة للاستفتاء.

أحمد كامل: أنصار استمرار الاتحاد ما بين الجبل الأسود ويوغسلافيا يهددون بمقاطعة الاستفتاء إذا تم هذا الاستفتاء، وهو بالتالي ما يحرمكم من شرعية الاستفتاءات، لأنه حسب قانونكم يجب أن يشارك 50% من المواطنين في الاستفتاء وإلا فإنه يكون غير شرعي، ماذا ستفعلون بهذه الحالة؟

ميلوجوكانوفيتش: نحن نريد الحوار مع معارضي الاستقلال، مع خصومنا السياسيين في الحياة السياسية في الجبل الأسود، هذا الحوار سيبدأ قريباً جداً، وطبعاً فوائد إجراء الاستفتاء ستكون أحد مواضيع الحوار، نحن نخطط عبر البرلمان لوضع قواعد جديدة نريد التوصل إلى توافق على آلية وشروط إجراء الاستفتاء، عبر الحوار نأمل التوصل إلى الحل المثالي الذي يسقط إمكانية أي مقاطعة للاستفتاء، نحن لا نريد أن يقاطع أحد الاستفتاء، نحن نريد أن يشارك الجميع وأن يعلنوا رأيهم ويختاروا ما يرونه الأفضل لهم ولمستقبل بلادهم، وبعد ذلك أن يعرف الجميع ما هو موقف الغالبية في الجبل الأسود.

أحمد كامل: بحال عدم نجاح فكرة الاستفتاء أو فشل الاستفتاء كلياً، ما هي البدائل المتوفرة لديكم لتحديد العلاقة مع بلجراد؟

ميلوجوكانوفيتش: إنني بالطبع أدعو لاستقلال الجبل الأسود، ولقد شرحت لكم لماذا، أعتقد أن هذه هي اللحظة التاريخية المناسبة لتصحيح علاقتنا بصربيا، لتصبح هذه العلاقة بناءة وتتحرر من كل الصراعات التي عرفتها خلال القرن العشرين، أعتقد أنه سيكون في صالح الطرفين أن يكون لكل منهما وطنه ودولته التي ينظمها كما يريد، إنما طبعاً وفقاً للمعايير الأوروبية، لأنني أعتقد أن كلاً من صربيا والجبل الأسود يريدان الالتحاق بالمؤسسات الأوروبية، وبالطبع المعايير الأوروبية تجعل كلينا منفتحين على بعضنا كما على الآخرين، وبذلك نسهم في استقرار ودمقرطة وأوربة البلقان. سأبقى أدافع عن هذا الهدف من كل قلبي، وطالما بقيت رئيساً لجمهورية الجبل الأسود، لا، بل حتى بعد ذلك. بالطبع القرار النهائي بشأن الاستقلال يعود إلى مواطني الجبل الأسود، إن أرادوا علاقة من نوع آخر مع صربيا فعندها أنا ومن معي نصبح أقلية ويجب علينا الخضوع للإرادة الشعبية المعبر عنها بشكل ديمقراطي.

أحمد كامل: ألا تعتقدون –السيد الرئيس- بأن التفاوض مع بلجراد الآن أفضل من التفاوض معها بعد استفتاء فاشل؟

ميلوجوكانوفيتش: ما آمله من الاستفتاء هو النصر وليس الهزيمة لفكرة استقلال الجبل الأسود، أما بشأن المفاوضات مع صربيا فهي بدأت فعلاً ومنذ عدة أشهر، وسوف تستمر بعد تشكيل الحكومة الجديدة لدينا. لن نتوقف عن المفاوضات من الآن إلى حين الدعوة إلى الاستفتاء، وحتى بعد الاستفتاء سوف نُبقي على الحوار وجسر للتواصل بين صربيا والجبل الأسود، لأنه يجب تنظيم العلاقات بين الطرفين بكل حال، أي سواء أكانت علاقتنا هي علاقة كيانين في دولة اتحادية أو دولتين مستقلتين متحالفتين، أو حتى دولتين جارتين فقط. علاقتنا يجب أن تكون على المستوى المطلوب، أي أن ترقى إلى الاحترام التاريخي المشترك وتقاليدنا المشتركة، وأن تحقق متطلبات دخول البلقان في القرن ا لحادي والعشرين.

أحمد كامل: ما هو موقفكم من اقتراح الرئيس (كوشتونيستا) ببناء يوغسلافيا جديدة على أسس جديدة؟

ميلوجوكانوفيتش: لا أعتقد أنه من الممكن إيجاد صيغة مناسبة للعيش في بلد واحد سواء في ظل فيدرالية أو كونفيدرالية مطلبنا هو المساواة التامة مع صربيا، ومن المستحيل بنيوياً المساواة بين كيانين أحدهما يكبر الآخر بثماني عشرة مرة، أو إن شئت أحدهما يصغر الآخر بثماني عشرة مرة، بدلاً من محاولة إيجاد صيغة للعيش معاً أعتقد أنه سيكون منطقياً أكثر احترام ما هو أمر واقع فعلاً، والأمر الحاصل فعلاً هو أن صربيا تُسَّير كدولة مستقلة منذ 92 ولا تهتم فعلاً بآليات القرار الاتحادي، كما أنه حاصل فعلاً أن الجبل الأسود منذ 97 تُسَّير كدولة مستقلة أعتقد أنه يجب احترام الحقيقة الواقعة وتقنين هذا الواقع بنصوص دستورية وبتفهم وإيجابية، يجب أن تنظم علاقتنا المستقبلية وكل الصلات بين شعبي صربيا والجبل الأسود بطريقة لا يُلحق فيها أحدهما الضرر بالآخر، بل بالعكس من ذلك تماماً، يجب أن يدعم أحدهما الآخر مع حقه بأن يمكِّن بلاده بنفسه وأن يتحرك بكل طاقته نحو الاندماج الأوروبي.

أحمد كامل: هل تعتقون بأن بلجراد يمكن أن تغير موقفها من معارضة تفكيك الاتحاد اليوغسلافي؟

ميلوجوكانوفيتش: أنا لا أحب أن تسمي العملية بالانفصال أو التفكيك الجبل الأسود هي دولة مثلها مثل صربيا، نحن لا ننفصل عن صربيا لأننا لسنا جزءً منها، نحن دخلنا معها في الاتحاد اليوغسلافي بإرادتنا الحرة وباستفتاء شعبي، ولنا الحق بأن نقرر الخروج من هذه الاتحاد أيضاً بإرادتنا الحرة وباستفتاء شعبي، ويمكن للصرب أن يفعلوا نفس الشيء ليس رداً على مطالبنا الاستقلالية وإنما حرصاً على مصالحهم. أعتقد أن صربيا ستدرك أن يوغسلافيا لم تكن إلا وهماً، وهماً لم يعد له وجود منذ التسعينات، منذ انسحبت منها وعلى التوالي كل من سلوفينيا وكرواتيا والبوسنة ومقدونيا، بعد عشر سنوات ثقيلة من أزمات البلقان بقي من يوغسلافيا دولتان تعملان بشكل منفصل للحصول رسمياً على الوضع القانوني الذي كانتا تتمتعان به قبل قيام الاتحاد اليوغسلافي، وطبعاً كلاهما يكافح من أجل الوصول إلى مستوى المعيشة الأوروبي والاعتراف الدولي، لذلك أعتقد أن صربيا ستدرك ذلك ليس بفضل إلحاح الجبل الأسود، وإنما استجابة لمصالحها الذاتية.

موقف الغرب من انفصال الجبل الأسود عن يوغسلافيا

أحمد كامل: يقول الغربيون –وأقصد تحديداً الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة- أن انفصال الجبل الأسود عن يوغسلافيا سوف يفتح الباب من جديد لصراعات جديدة في منطقة البلقان، صراعات هي في غنى عنها، هل توافقون على ذلك؟

ميلوجوكانوفيتش: أنا لا أشاطرهم هذا الرأي، وأعتقد أنه نتيجة للأطروحات الجديدة لسياسيي بلجراد الجدد الذين يستخدمونها بهدف تخويف المجتمع الدولي وبالتالي كسب دعمه ضد تطلعات الجبل الأسود. برأيي هذا دليل على انعدام الحجة لدى ساسة بلجراد في رصدهم لمبادرتنا، أعتقد أن المسرح السياسي في صربيا ليس ناضجاً بدرجة كافية ليقبل مثل هذه المبادرة التي هي في النهاية لصالح صربيا، إنهم بحاجة لمزيد من الوقت على ما يبدو. ولكن دعنا نعود إلى سؤالك الذي يطرح المعضلة الرئيسية: هل استقلال الجبل الأسود سيزعزع استقرار البلقان ويهزه بقوة؟ لا أعتقد ذلك، والذين يحاولون اختلاق مثل هذه الأطروحات يبنونها على أسس خاطئة، إنهم يريدون إثبات فكرة خاطئة هي أن الوضع الراهن بين صربيا والجبل الأسود سيضمن استقرار البلقان، الواقع يثبت عكس ذلك تماماً، السنوات التسع الماضية تظهر أن العلاقات بيننا كانت أسوأ من أي وقت مضى، وهي الآن مازالت سيئة.

لقد اكتشفت الجميع أن توقع تحسن العلاقات بيننا بمجرد سقوط ميلوشيفيتش كان حلماً لم يتحقق أبداً، يجب إيجاد صيغة جديدة لعلاقات صربيا بالجبل الأسود، ونحن قدمنا اقتراحاً بهذا الشأن، لا نُصر على أن اقتراحنا هو الصيغة المثالية، لكنه يظهر رؤيتنا المستقبل هذه العلاقات، نحن نريد إعادة النظر في علاقتنا بصربيا وهذا أمر لا يمكن أن يكون سبباً لعدم الاستقرار في البلقان، بل على العكس سيكون عامل استقرار للدولتين وللمنطقة. أنا لا أقبل أيضاً تلك الأطروحات التي تقول أن استقلال الجبل الأسود سيعقد مشكلة (كوسوفو) الوضع في كوسوفو صعب جداً، ونحن بالطبع قلقون بشأنه ومهتمون بحصول تغيير إيجابي في الوضع. نحن نعتقد أن حل مشكلة كوسوفو سيساهم في استقرار المنطقة ككل، ويسهل جذب السياحة والاستثمارات إليها، وهذا بالطبع يحقق لنا مصلحة استراتيجية، لكننا متأكدون أن حل أزمة كوسوفو لا يعتمد على الجبل الأسود، نحن لم نساعد أبداً في إشعال ولا في استمرار مشكلة كوسوفو، وفي النهاية لسنا جزءاً من صربيا كي نؤثر على مشكلات كوسوفو.

أحمد كامل: أنتم سوف تجرون استفتاءً عل الأرجح على الاستقلال، وبلجراد تقول أنها ضد هذا الانفصال أو الاستقلال. الاتحاد الأوروبي وأميركا أيضاً يعارضون، في النهاية من سوف يقرر هذا الاستقلال؟ هل هي مسألة داخلية، أم ثنائية مع بلجراد، أم أن القرار دولي في النهاية؟

ميلوجوكانوفيتش: بالطبع نحن نكن بالغ الاحترام لمواقف ومصالح المجتمع الدولي في البلقان، ونحترم الدور الذي لعبته الأسرة الدولية لحل أزمات البلقان التي دامت طوال العقد الماضي. لكن في هذه الحالة نحن تحكمنا مصالح بلادنا، إننا نرى -كمواطنين في الجبل الأسود- أن مصلحتنا هي في أن نحكم أنفسنا بأنفسنا، هذا ليس قراراً مزاجياً. بل نتيجة لتجربة سنوات من العيش في اتحاد ثنائي مع صربيا، طبعاً نحن ندرك بأن المسألة لا تخصنا نحن فقط، أولاً: يجب علينا إجراء حوار صادق وصريح مع صربيا حول هذه القضية، تحلل صربيا والجبل الأسود من ذلك الاتحاد الثنائي يجب أن يكون ودياً، ويجب ألا يقودنا إلى إفساد علاقاتنا الثنائية ولا إلى تهديد الاستقرار في المنطقة. من أجل ذلك نحن نحاور صربيا، ونأمل في الوصول إلى اتفاق على أن نحول الدولة المشتركة إلى اتحاد بين دولتين، أو أن نصبح مجرد جارين جيدين.

من المهم جداً الحديث إلى المجتمع الدولي وأن نشرح لدول العالم أن مبادرتنا لن تكون بلقنة إضافية للبلقان -كما قال أحدهم بتعسف- ولا تمزقاً بلقانياً دموياً جديداً، كما قال آخر. على العكس من ذلك مبادرتنا هي اقتراح تكاملي قائم على أسس جديدة نرى أنها السبيل الوحيدة الممكنة أمامنا. نحن نقترح نهاية لمسيرة تفكك يوغسلافيا السابقة، كما تعلمون فإنه في مطلع التسعينيات نالت أربع دول من اتحاد يوغسلافيا السابقة استقلالها، ولم يبق إلا صربيا والجبل الأسود في الاتحاد، المفارقة الحزينة الآن تتمثل بأن أسوأ العلاقات هي التي تربط بين هؤلاء الذين بقوا داخل الاتحاد. نحن نعتقد أن مسيرة التفكك يجب أن تصل إلى نهايتها المحتومة المتمثلة بعودة صربيا أو الجبل الأسود إلى ما كانتا عليه قبل قيام الاتحاد اليوغسلافي، لذلك نحن نعتقد أنه حتى المجتمع الدولي لن يصر على موقفه المتحفظ على استقلالنا لأنه يريد قبل أي شيء آخر استقرار البلقان، ونحن مقتنعون أن مبادرتنا تشكل مساهمة في ذلك الاستقرار.

أحمد كامل: انفصال الجبل الأسود سوف يخنق صربيا ويحرمها من منفذها الوحيد على البحر، هل سوف تستغلون هذا الوضع لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية؟
ميلوجوكانوفيتش: استقلال الجبل الأسود ليس خسارة لصربيا، لأن هذه الأرض ليست لهم ليخسروها، إنها أرضنا، وما نقوم به هو تنظيم بلادنا بطريقة نراها الأفضل لمستقبلنا، بالتالي لا يوجد مبرر لشعور صربيا بالخسارة، كيف تخسر شيئاً لا تملكه؟! أما بالنسبة لفقد صربيا للمنفذ على البحر فإننا لا نستطيع تغيير مكان البحر، لكننا نستطيع أن نؤكد أننا نريد حدوداً مفتوحة تماماً مع كل جيراننا صربيا وكرواتيا وألبانيا والبوسنة، وذلك للسماح لأكبر عدد من السياح وأكبر حجم من السلع بالمرور عبر موانئنا، لا أرى أي تغيير في هذا المجال.

أحمد كامل: كنتم حليفاً للغرب في حربه ضد ميلوشيفش في حرب كوسوفو، وأيضاً هو دعمكم في موقفكم من ناحية الانفصال، الآن حصل تغير والغرب لا يدعم انفصالكم، لماذا غير الغرب موقفه؟

ميلوجوكانوفيتش: أعتقد أن الغرب يخشى على الاستقرار الهش في البلقان، وهو لم ينسى بعد ما حدث خلال العقد الماضي، الغرب لديه شكوك بشأن قدرة البلقان على تفهم مطالبنا، إنني أقدر اهتمامهم وقلقهم وخوفهم من تكرار مآسي العقد الماضي، لكنني لا أقبل أن تكون بلادي رهينة النظرة السيئة للغرب نحو البلقان، لقد نجحت الجبل الأسود وخلال سنوات الأزمات العشر في حكم نفسها، ونجحت في تقديم نموذج للتعايش بين القوميات في البلقان، لذلك أنا مقتنع وفي البيئة الجديدة المتحررة من تهديدات ميلوشيفيتش أن الجبل الأسود قادرة على تحقيق استقلالها بطريقة ديمقراطية وسليمة، وأن هذا سيحقق مصالح صربيا والجبل الأسود.

أحمد كامل: هل كان سقوط ميلوشيفيتش وبالاً عليكم؟ هل تخشون من تحسن علاقات بلجراد مع الغرب؟

ميلوجوكانوفيتش: سقوط نظام ميلوشيفيتش كان مصدر سعادة كبيرة وارتياح كامل لنا في الجبل الأسود، ويجب أن نتذكر أننا كنا في السنوات الأربع الأخيرة في حرب مع ديكتاتورية ميلوشيفيتش، وأننا تعرضنا يومياً لشتى أشكال المخاطر، أعتقد أن نظام ميلوشيفيتش بدأ بالانهيار تحديداً في الجبل الأسود، وسقوط ميلوشيفيتش في بلجراد كان الفصل الأخير من حرب قاسية وقذرة حارب فيه الجبل الأسود الديمقراطي ضد استبداد ميلوشيفيتش. نحن لا نخشى من قيام علاقات جيدة بين بلجراد والغرب، على العكس من ذلك نحن نرى في ذلك عامل استقرار للمنطقة.

أحمد كامل: هددت أوروبا بقطع المساعدات عنكم بحال انفصالكم، هل تستطيعون مقاومة الضغوط الغربية؟

ميلوجوكانوفيتش: الغرب لم يوجه لنا تهديداً بمعنى الكلمة، إنما طالبنا بالحذر وبعدم اتخاذ أي قرار منفرد، وحثنا على الاستمرار في الحوار مع بلجراد. وكما قُلت لكم نحاور بلجراد، لكننا لن نضحي بمصالحنا الوطنية. لا أعتقد أن الغرب سيستخدم أياً من أساليب الضغط على الجبل الأسود، بل إنه سيحترم حجتنا المقنعة، وأعتقد أنه من خلال الحوار مع صربيا سوف نصل إلى حلٍ يقبله الغرب. إنهم يفضلون حلاً يتم التوصل إليه عبر الحوار بيننا وبين بلجراد. يمكننا أن نقبل العيش في دولتين مستقلتين متحالفتين أو كمجرد جارين في البلقان، مهما كان اختيارنا فلن يكون مُضراً للغرب وسيكونون سعداء به.

أحمد كامل: هناك معلومات صحفية من أن (كاراجيتش) أسرة كاراجيتش تعيش في الجبل الأسود وأنه يزور أسرته من وقت إلى آخر. هل هذه معلومات صحيحة؟ وما هو موقفكم من مسألة التعاون مع محكمة (لاهاي) وتسليم مجرمي الحرب؟

ميلوجوكانوفيتش: نعم، يعيش جزء من عائلة (رادوفان كارادزيتش) في الجبل الأسود أمه وأخته، وكما قُلتم أنتم يُقال أن السيد (كارادزيتش) موجود في الجبل الأسود، أي أنها مجرد شائعات على حد علمنا منذ اتهم من قِبل محكمة لاهاي لم يدخل أراضي الجبل الأسود، موقفنا من التعاون مع محكمة لاهاي معروف تماماً، نحن مستعدون للتعاون مع كل المنظمات الدولية بما فيها محكمة لاهاي وجاهزون لتنفيذ كل واجباتنا تجاه المحكمة.

أحمد كامل: تتحدث تقارير في الصحافة الغربية خصوصاً عن تسامحكم بنشاط الجريمة المنظمة واقتصاد السوق السوداء، فهل هذه المعلومات صحيحة؟

ميلوجوكانوفيتش: يوجد سوق سوداء وتهريب في الجبل الأسود، ولكن ليس أكثر مما يوجد في أي بلد آخر في المنطقة أو أي بلد يعيش فترة انتقالية، من غير الواقعي ادعاء عدم وجود هذه الأشياء في الجبل الأسود، لكننا والحكومة واعون لهذه المشكلة ونحاول مواجهتها. معركتنا مع الاقتصاد الأسود تأثرت في السنوات الماضية بحالة الحصار التي فرضها علينا نظام ميلوشيفيتش الآن ومع انفتاحنا على العالم تتوفر لدينا مقومات التعاون مع المنظمات الدولية التي تتعامل مع هذه المشكلة. أعتقد أنهم سيساعدوننا في مكافحة هذه الظاهرة التي تشهدها المجتمعات المعاصرة. عندما نتحدث عن الجبل الأسود كدولة مستقلة فإننا نتحدث عن دولة القانون، نحن نريد أن تحكم القوانين بلدنا، أعرف أنه في بعض وسائل الإعلام الغربية وخلال الحملة العنيفة ضد استقلال الجبل الأسود أعطيت هذه القضية حجماً يفوق حجمها الحقيقي، فقد كان الهدف منع الجبل الأسود من الحصول على استقلالها التام، لكنني متأكد أن مثل هذه الحملات انتهى، سوف ننظر للأمر ولكل مشكلاتنا بواقعية وموضوعية، ونحن لدينا ما يكفي من الطاقات الديمقراطية لحل هذه المشكلة بطريقة فعالة في فترة قريبة قادمة.

أحمد كامل: السيد الرئيس، شكراً جزيلاً لكم، شكراً.