مقدم الحلقة:

ميشيل الكيك

ضيف الحلقة:

إيفان فيدرين: وزير خارجية فرنسا

تاريخ الحلقة:

28/10/2001

- موقف فرنسا من الضربات الأميركية ضد أفغانستان
- دور باريس في بناء مستقبل أفضل لأفغانستان

- نظرة فرنسا لتغيير الولايات المتحدة موقفها إزاء قضية الشرق الأوسط

- الموقف الفرنسي من الشأن الداخلي الأفغاني

إيفان هوبير فيدرين
ميشيل الكيك
ميشيل الكك: أهلاً بكم إلى هذا اللقاء الخاص مع وزير الخارجية الفرنسية إيفان فيدرين.

موقف فرنسا من الضربات الأميركية ضد أفغانستان

إن سؤالي الأول يتعلق بأفغانستان، ما هو موقفكم من الضربات الأميركية والبريطانية ولماذا نرى اليوم بأن فرنسا هي بعيدة عن المشاركة الفعلية في العمليات العسكرية؟

إيفان فيدرين: إن العملية عسكرية أميركية أساساً، وقد اعترف بشرعيتها مجلس الأمن مباشرة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر المأساوي، وتمنى العالم بأسره أن يستهدف رد الفعل تنظيم القاعدة وكذلك طالبان التي بدونها لم تكن المنظومة الإرهابية لتعرف هذا التطور، وكانت هذه نية السيد بوش والسيد باول.

إذن يجب تحمل هذا، ومن البديهي أن الأمر ليس ممتعاً ولكنه رد فعل ينبغي القيام به لصالح مجموع بلدان العالم بما فيها عدد كبير من البلدان العربية والإسلامية التي قد تواجه التهديد الإرهابي، ولا يمنع ذلك من التفكير فوراً فيما بعد ذلك، ونحن
-الفرنسيين- نشطون جداً وأظهرنا ذلك في مخطط جديد طرحناه -مؤخراً- لمعالجة الوضع الإنساني العاجل حالياً، وفيما يتعلق بالحياة السياسية في أفغانستان.

ميشيل الكك: كان الرئيس (جاك شيراك) عبر في السابق عن تضامن فرنسي كامل مع الولايات المتحدة حتى على الصعيد العسكري، لكننا نرى فرنسا على حياد في هذا الصراع كيف تفسر هذه الحيادية؟.

إيفان فيدرين: لا طبعاً.. لا يمكننا وضع العمل العسكري الحتمي -أقول الحتمي- ضد المنظومة الإرهابية محل تعارض مع المستقبل السياسي لأفغانستان، لا أحد محايد في هذا الصراع، كل حكومات العالم تقريباً أعلنت انخراطها في مكافحة الإرهاب، وهو أمر جديد حقاً، إذن لا وجود لحكومات محايدة، ومجموع دول الأمم المتحدة التزمت بقرار مجلس الأمن الذي اعتبر الولايات المتحدة في حالة دفاع مشروع عن النفس، أي الرد المشروع حسب المادة الحادية والخمسين من ميثاق الأمم المتحدة بالعمليات العسكرية بالنظر إلى قدرات المنظمومات الإرهابية على إلحاق الضرر، ولكنه لا يكفي بالطبع، الأميركيون والأوروبيون يقولون إنها لا تكفي، وإنما يجب إيجاد حل سياسي للمشكلة، ولا يجب وضع الأمرين محل تعارض.

إذن لا وجود لحياد فرنسي ولا لأي دولة أخرى، فكل الحكومات العربية أو الإسلامية تقريباً التزمت بالكفاح ضد الإرهاب وهو أمر طبيعي، لأننا إذا نظرنا إلى حصيلة الإرهاب الذي لا أسميه إسلامياً لأن ذلك موغل في البشاعة والقسوة ويجب البحث عن مصطلح آخر أقول إن حصيلة هذا الإرهاب منذ سنوات اكتوت به الشعوب العربية والإسلامية، إذن فهو عمل مهم للجميع.

ميشيل الكك: البريطانيون أعلنوا عن إرسال رجال ومظليين لمساعدة أميركا، لكن المشاركة الفرنسية تبقى ضعيفة أو معدومة.

إيفان فيدرين: لقد كانت هناك مشاركة بسفن وتسهيلات جوية، ويمكن أن تكون هناك مشاركة جوية على مستويات أخرى، ليس هذا مشكلة، والحقيقة أن الولايات المتحدة نظمت أمورها لتعمل بمفردها، فحتى وإن كانت هناك مشاركة هامشية من دول أخرى.

ميشيل الكك: ألم يطلب الأميركيون مساعدة فرنسية؟ هل طلبوا المساعدة اللوجستية فقط؟

إيفان فيدرين: هناك بعض التسهيلات من بعض الدول، ولكن ليس ذلك أساسياً، ويوجد عدد كبير من الدول على استعداد للمشاركة، لكن من الأسهل للولايات المتحدة من الناحية الفنية واللوجستية أن تعمل وحدها وتعودت على هذا، فعندما تنشأ التحالفات العسكرية تظهر مشاكل تنظيمية وعملية، إذن لا فرق فالأهم هو الموقف الأساسي، نعم نحن ملتزمون بالكفاح ضد الإرهاب، ورد الفعل كان مشروعاً، لكننا نفكر في الشعب الأفغاني الذي عانى كثيراً خلال السنوات العشرين الماضية حتى قبل الأعمال العسكرية، إنه شعب مسه الضر منذ زمن طويل ويوجد ملايين اللاجئين و المرحلين وضحايا للجوع والجفاف قبل العمليات الحالية، وعلى العالم بأسره أن يكون له مشروع لأفغانستان، ونحن -الفرنسيين- قدمنا اقتراحات وقمنا بجهود إنسانية كالكثير من الدول الأخرى، ويجب تعزيز المساعدات لأنها غير كافية.

هناك مشكلة للوصول إلى الشعب الذي لم ينقذ من براثن طالبان بعد، ثم إن نظام طالبان يمنع إيصال المساعدات، إذن فأعمال المساعدة لا تمس إلا الهوامش، وهناك جهود يجب تعزيزها على المستوى الإنساني الآن، وهناك أيضاً حل سياسي، ونحن ندافع عن حل لأفغانستان تتجمع فيه كل مكونات الأمة الأفغانية لإعادة المستقبل.

ميشيل الكك: لماذا برأيكم أن الدول العربية لاسيما الكبرى منها مثل مصر والسعودية لا يمكنها التحالف بوضوح مع الولايات المتحدة اليوم كما حصل أثناء حرب الخليج، هل هناك خشية حقيقية من حدوث تدهور كبير في العالم العربي؟

إيفان فيدرين: ليس الأمر قابلاً للمقارنة تماماً، لأن الولايات المتحدة لم تبحث عن بناء تحالف عسكري، وعندما يتكلم (باول) عن تحالف فإنه يقصد تحالفاً سياسياً ملتزماً بالكفاح ضد الإرهاب، مع عدد كبير من الدول العربية التي لديها دواعي حقيقية للالتزام بمكافحة الإرهاب، وكذلك الأمر للصين كما رأينا في قمة شنغهاي وللهند وروسيا وكل البلدان الأوروبية والبلدان الإفريقية، وكانت هناك مبادرة الرئيس عبد الله وان البارزة عن مشاركة الدول الإفريقية في مكافحة الإرهاب، هذا هو التحالف، هناك العمل العسكري وهو أميركي أساساً، وهناك التحالف السياسي.

مكافحة الإرهاب عمل طويل النفس لأنه يجب محاربة الأيديولوجيات التي تغذي، الأهارب و محاربة تمويلة و الأوضاع التي تغذية كل هذا نحن ملتزمون به تماماً، وأعتقد أن السعودية ومصر لأنك -ذكرتهما ملتزمتان- بوضوح بمكافحة الإرهاب.

ميشيل الكك: وهل تعتقدون أن المملكة العربية السعودية يمكنها أن تلعب دوراً أساسياً خصوصاً وأنها كانت تعترف بحكومة طالبان؟

إيفان فيدرين: ولكنها الآن..

ميشيل الكك[مقاطعاً]: في السابق بالطبع كانت تعترف بطالبان ويمكنها أن تلعب دوراً لإيجاد حل سياسي.

إيفان فيدرين: أعتقد أن السعودية تلعب دوراً مهماً، ومن وجهة النظر الفرنسية نولي اهتماماً كبيراً بالتشاور مع المسؤولين السعوديين، وفي هذه المرحلة التي يجب فيها التذكير ليس فقط في عواقب هذه الأزمة الرهيبة على مُجمل المنطقة ولكن في الحل السياسي لمستقبل أفغانستان وفي موضوعات أخرى مهم لنا أن نتشاور.

دور باريس في بناء مستقبل أفضل لأفغانستان

ميشيل الكك: بالنسبة إلى نظيركم الأميركي كولن باول لقد تحدث عن دور الأمم المتحدة تضطلع به في أفغانستان بعد سقوط طالبان، هل سيكون لفرنسا هنا دور متقدم في هذا المجال أكثر من دورها العسكري في المرحلة الحالية؟

إيفان فيدرين: أعتقد أننا كنا الأوائل الذين قدموا مخططاً فيه الجوانب الإنسانية والسياسية وجانب البناء الاقتصادي للمستقبل، ويرتكز هذا أساساً على الزراعة..، (..) بالنسبة للجانب السياسي دافعنا عن وجوب إيجاد اتفاق سياسي بين البشتون والأوزبيك والطاجيك والهزازة والآخرين، ونعتقد أن الملك السابق قد يلعب دوراً رمزياً في المرحلة الانتقالية، والقرار يرجع إلى الأفغان، ولنا حوار مكثف مع الباكستانيين والإيرانيين والأوزبيك والطاجيك والروس، وقد كنت أنا ورئيس الوزراء جوسبان في موسكو يوم الثالث والعشرين من أكتوبر وتحدثنا مع الرئيس بوتن عن هذه القضية، كلنا يريد الذهاب في اتجاه واحد وهو ما يعني السماح للأفغان بالتحكم في أقدارهم، لقد كان وضعهم مأساوياً منذ وقت طويل، ومن جهة أخرى ننصح بعدم تكرار الحروب الأهلية التي ابتدت خلال سنة 92 وما تلاها لسوء الحظ، وباقناع كل دولة مجاورة لأفغانستان أنه من الطبيعي أن ترغب في وجود نظام غير مُعادٍ لمصالحها في كابول، ولكن يجب ألا تملي هي الحل.

إذن فنحن لا نبحث عن فرض حل وإنما عن خلق ظروف تسمح للأفغان بالتحكم في أقدارهم، وفي هذا السياق الأمم المتحدة مدعوة إلى لعب دور أساسي بإضفاء الشرعية على مجموع القرارات وذلك بنصوص تصدر عن مجلس الأمن وربما أن تذهب أبعد من ذلك بتوفير مشاركة أو دعم للسلطة الانتقالية، وربما بالمساهمة في توفير الأمن للبلد.

ميشيل الكك: هل تعتقدون أن هذا هو الحل السياسي الوحيد المنظور في الأفق لتفادي الاستمرار في العمليات الحربية؟

إيفان فيدرين: إنهما شيئان متميزان، أعرف أن الأعمال العسكرية ينظر إليها نظرة سيئة في جانب منها، واسمح لي بالتذكير أن الإرهاب مسَّ الكثير من المدنيين ليس فقط في نيويورك، وإنما في عدد كبير من البلدان العربية والإسلامية منذ سنين، إذن لا يجب نسيان هذا العنصر، ومن جهة أخرى المدنيون الذين أُسيئت معاملاتهم في أفغانستان وقع لهم ذلك قبل وقت طويل من هذه الضربات، فقد كانت هناك حروب أجنبية وأخرى داخلية والعواقب البشعة لنظام طالبان على حياة الشعب الأفغاني وعلى نساءه ورجاله.

ميشيل الكك: الأميركيون يرتكبون دائماً الأخطاء ثم يعترفون بها كما فعلوا بالسفارة الصينية في بلجراد.

إيفان فيدرين: نعم، أعرف ذلك جيداً وهو شيء جيد وقد يحدث هذا، وفي كل الحروب لسوء الحظ وأنا آسف له توجد حراسات وأخطار ومن الجيد الاعتراف بذلك، لكن ليس هذا هو الهدف، يجب قول الحقيقة للناس وهو أنه توجد منظومة إرهابية لا يطيقها الجميع في العالم الإسلامي والعالم الأميركي والأوروبي والروس والصينيون، إنه لا يطاق من حيث مستوى الإيذاء واللامعقول، هذا النوع من الإرهاب ينبغي أن يثير العالم الإسلامي، وذكر الإسلام مع هذا النوع من الأعمال ينبغي أن يثير إدانات في العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، لأنهم تجرءوا وربطوا الإسلام الذي هو دين تسامح ودين عظيم بالطبع، وأن نجرؤ على ذكر الإسلام مع هذا النوع من الأعمال شيء مخيف، وفي لحظة ما ولأن المنظمات الإرهابية وصلت إلى مستوى من الإيذاء جعل هذا العمل العسكري حتمياً، فمن المحزن أن يؤدي ذلك إلى بعض النتائج غير المرغوب فيها، ولكن طالبان قدمت تسهيلات للمنظومة الإرهابية وخلطت الأمور إلى حدٍ دفع إلى القيام بهذا العمل، وهذا العمل هو الذي اُعتبر مشروعاً وأؤكد على ذلك، وهو أمر لا يحدث كثيراً في مجلس الأمن طبقاً للمادة الحادية والخمسين من ميثاق الأمم المتحدة، إنه ليس عملاً ضد أفغانستان، إنه عمل داخل أفغانستان لأنه هناك توجد القواعد.

ميشيل الكك: العمليات العسكرية الأميركية قد لا تكون من دون فائدة فلا أهداف أو مواقع استراتيجية يقصفونها، لكن السؤال كيف سيعثرون على بن لادن أو يعتقلونه؟

إيفان فيدرين: أنت محق في هذا، ولكن للإيقاع بشبكة القاعدة وتدميرها ينبغي الذهاب إلى هناك أولاً، وفي مرحلة أولى يجب القيام بعمليات ربما يكون ذلك مؤسفاً ولكنه حتمي، إنه منطقي إذا أردنا التفكير تفكيراً سليماً، وقد كانت هناك مطارات وثكنات وميادين تدريب وأجهزة اتصال وكل شيء، كان ينبغي العمل هكذا.

ميشيل الكك: عدة مواقف عربية عبرت عن قناعتها بوجوب الانتهاء من هذه الحرب سريعاً لأن التمادي بها قد يؤدي إلى زعزعة بعض الأنظمة العربية لاسيما في الخليج.

إيفان فيدرين: أعتقد أنها أنظمة.

ميشيل الكك: من الواقع أن هناك شرخاً قوياً بين الشارع العربي والأنظمة العربية.

إيفان فيدرين: أعتقد أنها أنظمة قوية يقودها أُناس مسؤولون اتخذوا المواقف التي كان يجب اتخاذها وهو أن الإرهاب بلغ مستوى لا يطيقه الجميع، إذن ينبغي شرح هذه القرارات الشجاعة للرأي العام، ومرة أخرى فإن هذه الأعمال ليست ضد العالم العربي أو العالم الإسلامي، فنحن معاً ضد الإرهاب وليست حتى حرباً ضد أفغانستان، نحن نبحث عن تحرير الشعب الأفغاني من قبضة نظام طالبان المخيفة ومن المنظومة الإرهابية التي استقرت هناك وتستعمل هذا البلد البائس، مشروعنا إذن
-كما أعتقد- لأفغانستان يمكن أن يُفهم، وأقول لمشاهديكم من العرب والمسلمين: إنه يجب دعم هذا المسعى، نريد خلق الظروف التي يستطيع بعدها الشعب الأفغاني السيطرة على مصيره بعد هذه المأساة القاسية، ولكن يجب أن يكون لمجموع من لهم تأثير بدءاً من الدول المجاورة لأفغانستان أن يكون لها مواقف مسؤولة.

ميشيل الكك: كان هناك حديث عن إمكانية أن تطال الضربات الأميركية دولاً عربية معينة، فهل تعتقدون أن هذا الاحتمال مازال وارداً؟

إيفان فيدرين: هذا النقاش انطلق من عدد من التصريحات الصحفية الأميركية، ومن جهة أخرى فإن سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة كان قد قال: إن بلده يحتفظ بإمكانية ضرب البنى التحتية للقاعدة في أماكن أخرى محتملة، ولكن كما لاحظتم فإن بوش إلى الآن كان واضحاً تماماً وباول أيضاً، فهما يقومان بعمل ضد تنظيم القاعدة وطالبان في أفغانستان، وإلى هذا الحد أستبعد أي احتمال آخر، إنني أعاين ما يُفعل، وما يُفعل يبقى في دائرة ما اعتبره مجلس الأمن مشروعاً.

نظرة فرنسا لتغيير الولايات المتحدة لموقفها إزاء قضية الشرق الأوسط

ميشيل الكك: ننتقل إلى الوضع في الشرق الأوسط والمآسي التي تجري في الأراضي الفلسطينية، ونلاحظ تغيراً في الموقف الأميركي لاسيما لجهة المطالبة الأميركية الصريحة بالانسحاب الإسرائيلي من مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني، ما هو رأيكم بهذا التغير؟ وهل تعتقدون أن الولايات المتحدة تعلمت من أخطائها السابقة إزاء الشرق الأوسط لاسيما في تعاملها ودعمها المطلق لإسرائيل؟

إيفان فيدرين: أرى أن التصريحات الأميركية الصادرة عن بوش وباول في الأسابيع الماضية شجاعة ومفيدة ومهمة، فمن الهام جداً أن يتكلم بوش عن دولة فلسطينية بأنه يمكننا رؤية الوضع الحالي المستعجل فيما يتعلق بظروف حياة الفلسطينيين المخيفة، وعدم توفر الأمن الذي يشعر به الإسرائيليون، كل هذا يجعل إطلاق مسار السلام من جديد صعباً.

إذن يجب الخروج من هذا الوضع، وهناك أعمال تتطلب الاستعجال للقيام بها، فلقد لاحظت التصريحات الفرنسية الواضحة بشأن الأحداث الحالية، والتي تطالب فيها الحكومة الإسرائيلية بسحب الجيش الإسرائيلي من مناطق (أ) الخاضعة للسلطة الوطنية الفلسطينية والتي أُعيد احتلالها طبقاً للاتفاقات، فهذا لن يؤدي إلى شيء في واقع الأمر، ولكن في الوقت نفسه كررت منذ يومين موقفنا وهو إنشاء دولة فلسطينية قادرة على البقاء إلى جنب إسرائيل وتحترم حقها المشروع في الأمن مثلما تحترم إسرائيل الحق المشروع في الأمن للدولة الفلسطينية، بهذا الحل وحده يمكن الخروج من هذه المأساة ومن الهوة التي وقع فيها الإسرائيليون والفلسطينيون.

إن هذا هو موقف فرنسا منذ عام 82 وفر موقف الاتحاد الأوروبي منذ عام 99، ونحن مسرورون بذلك، وهذا ما بدأنا نسمعه من المسؤولين الأميركيين إنه هام لأنه تجب مساعدة هذين الشعبين الذين وجدا نفسيهما في كماشة تدفعهما إلى التناحر، كما ندعو إلى تشكيل تحالف عالمي للنوايا الحميدة يضم كل الدول التي تريد إحلال السلام والأمن في الشرق الأوسط، فهناك الأوروبيون ولا سيما فرنسا وهناك الولايات المتحدة وروسيا وعدد كبير من الدول العربية التي أعدت مخططات، وأنا هنا أتكلم عن المقترحات الأردنية والمصرية والأممية بطبيعة الحال.

إذن يجب أن يجتمع كل الذين يرون أن هذا الوضع لا يطاق لإعادة إطلاق مسار السلام بدلاً عن مسار الموت والدمار.

ميشيل الكك: والأخطر هو أننا نرى الإسرائيليين يتجاهلون الدعوات الأميركية ويعتبرون أن لا قيمة لها ولا يردون عليها، فما هو رأيكم بهذا الموقف الإسرائيلي؟

إيفان فيدرين: الدعوات الأميركية إلى الانسحاب العاجل هو ما نقول به نحن أيضاً، وأعتقد أن على الإسرائيليين تنفيذ هذا الانسحاب، لأنهم في طريق لا مخرج منه، وهم يعلمون ذلك، وأنا أسمع ما يقوله السيد (شيمون بيريز) أيضاً وهو مهم، فعلى كل حال لا يمكن الاستمرار في هذه الأعمال التي يجب ألا تقع ويجب عكس الاتجاه تماماً. العمل الأميركي هذه الأيام قريب جداً مما يقوم به الأوروبيون وهو مهم جداً، ويجب التعلق بهذا الخيط الرفيع من الأمل.

ميشيل الكك: تشاركون في المنتدى الأوروبي المتوسطي والعلاقات مع دول شمالي إفريقيا، ونلاحظ موقف ليبيا بعد ما سمعنا العقيد القذافي يتحدث على محطتنا أيضاً فهو تقريباً يتحدث كالغربيين وهو على نفس الموجة معهم عندما يقول: إذا الولايات المتحدة ترد في إطار الدفاع المشروع عن النفس، كيف تمثلون هذا التغير في الموقف الليبي؟

إيفان فيدرين: هناك إرادة واضحة من ليبيا منذ فترة لإعادة قبولها في المجموعة الدولية، وكان مجلس الأمن قد علق العقوبات المفروضة عليها، ونحن نرى السياسة الليبية تسير في هذا الاتجاه ونحن سعداء بسماع العقيد القذافي يتحدث في هذا الاتجاه، لكن في الحقيقة العالم كله يتحدث هكذ ا، ومفهوم الدفاع المشروع من النفس اعترف به مجموع أعضاء الأمم المتحدة، هذا يعني أن ليبيا تريد التصرف كعضو في المجموعة الدولية التي تواجه خطراً مشتركاً.

ميشيل الكك: وهل هذا سيساعد ليبيا على إعادة الاندماج في الأسرة الدولية؟ وهل يمكن رفع العقوبات عنها بعد أن جُمدت هذه العقوبات حالياً؟

إيفان فيدرين: من المؤكد أن هذا هو هدف ليبيا، ولأنكم تتحدثون عن المنتدى أريد القول: إنه فرصة طيبة، فهذا المنتدى المتوسطي يسمح لبلدان أوروبية المتوسطية ولبلدان شمال إفريقيا يسمح لها بالحوار بصراحة كبيرة، نعم هو منتدى غير رسمي، لسنا ملزمين فيه بمفاوضات ونقول فيه الأمور بصراحة، وهو أمر مهم جداً في هذا الوقت، لأننا أصبحنا أمام كل هذه الأخطار وأمام مخاطر الخلط التي حاربناها في فرنسا كثيراً، وعكس كل من يريد إطلاق صراع الحضارات لأسباب مجنونة توجد إجابة هي: حوار الحضارات، حوار الثقافات، والتعاون، وكانت هذه سياستنا دائماً، نحن في فرنسا لم ننتظر الحادي عشر من سبتمبر لقول هذا، ولم ننتظر ذلك التاريخ لاكتشاف الوضع المأساوي في الشرق الأوسط، ولكنه ضروري أكثر من أي وقت مضى.

ميشيل الكك: نعم حتى أن وزير التعاون سيد (جوزلان) كان موجوداً في ليبيا والسودان، لماذا وقع الاختيار الفرنسي على هاتين الدولتين في هذا الوقت بالذات؟

إيفان فيدرين: إذا نظرتم إلى اتصالات وزيارات رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وأنا والسيد جوزلان ومسكوفيتشي فإننا على اتصال مع كل هذه البلدان ونذهب إلى كل مكان، كما أن هناك لا تقسيم الزيارات والمهام، ويتعلق بتوزيع الزمن وهي مسألة معقدة جداً، إننا كنا نريد إجراء اتصالات مع هذه البلدان كلها، ومنذ أيام سافرت إلى تونس والجزائر والمغرب في زيارات سريعة واتصلت هاتفياً مع الموريتانيين وطلبنا من السيد جوزلان زيارة ليبيا والسودان وسأذهب إلى السعودية ولنا اتصالات دائمة مع المصريين، إذن هي سياسة شاملة يجب إبرازها وهي سياسة فرنسا، وهي مفيدة الآن أكثر من أي وقت مضى.

الموقف الفرنسي من الشأن الداخلي الأفغاني

ميشيل الكك: السؤال الأخير، السيد أحمد شاه مسعود كان جاء إلى فرنسا واستقبلتموه شخصياً.

إيفان فيدرين: استقبلته هنا بالتحديد على غداء في قاعة طعام قريبة من هنا.

ميشيل الكك: نعم، لكنه لو حصل على الدعم الدولي اللازم في حينه لما كنا تفادينا برأيكم الكثير من المشاكل في الوقت الحالي؟

إيفان فيدرين: هذا يتعلق بنحن التي استعملتها في سؤالك.

ميشيل الكك: أقصد بالطبع دعم فرنسا وكافة الدول الغربية.

إيفان فيدرين: ولكن فرنسا أعتقد أنه البلد الوحيد الذي.

ميشيل الكك: اُستقبل مسعود في البرلمان الأوروبي لكنه لم يستقبل من قبل الرئيس شيراك مثلاً أو على مستويات دولية عالية، فالمجتمع الدولي اليوم يعطي الشرعية كاملة لتحالف الشمال من أجل التخلص من حكومة طالبان.

إيفان فيدرين: هناك عنصران في سؤالك، سيكون أولاً من المفارقة أنه في الوقت الذي كانت فيه فرنسا البلد الوحيد الذي أبقى على علاقة حقيقية مع أحمد شاه مسعود وساعده بطرق مختلفة، وكنت أنا الوزير الوحيد في دولة غربية كبيرة يستقبل مسعود، إذن من المفارقة إلقاء اللوم على فرنسا خاصة من قبل الذين لم يفعلوا شيئاً.

ميشيل الكك: هناك مآخذ عامة على الغرب بمجمله وليس تحديداً على فرنسا.

إيفان فيدرين: عندما استقبلت مسعود هنا لم يأتِ للعتاب ولكنه جاء لتقديم الشكر والامتنان وطرحت أسئلة حساسة وفكرنا في المساعدات الإنسانية، وكما تعلم هناك العديد من المنظمات الفرنسية غير الحكومية تعمل بشكل نشط جداً في بيشاور، ولكنها لا تستطيع الوصول إلى الأفغان إلا بواسطة حدٍ أدنى من الاتصال بطالبان، فقلت له مثلاً: هل تقبلون فكرة أنه لمساعدة السكان الأفغان أن يكون لكم حد أدنى من الاتصالات مع طالبان بما في ذلك الاتصالات الدبلوماسية على مستويات متواضعة؟ ورد قائلاً: نعم نتفهم ذلك، لأنه ولسوء الحظ فإن 60% من السكان تحت سيطرة طالبان، وكنا نساعد أيضاً أولئك الذين كانوا يعيشون في المنطقة التي يسيطر عليها تحالف الشمال ومسعود وهم يمثلون من 5 إلى 10% من السكان، وخضنا مع مسعود نقاشات حقيقية، لقد كان رجلاً مثيراً للاهتمام، وكانت الحرب التي يخوضها حرباً حقيقية من أجل بلده، وأحست بأسى وحزن عميقين لدى سماعي خبر اغتياله الذي تم بعد خداع وخيانة.

وإذا عدنا إلى وضع أفغانستان الحالي يجب علينا البحث عن حل توفيقي، علينا مساعدة الأفغان كي يتفقوا فيما بينهم، أي البشتون والطاجيك والأوزبك والآخرين. ومسعود كان قائداً كبيراً مع أنه كان من الطاجيك، ولكن كانت له خبرة قتالية كبيرة وكرزمة قوية، استطاع بهما تجاوز أصوله الطاجيكية ولكنه لم يكن ليشكل وحده الحل، إذن حتى لو كان حياً الآن ومن المحزن ألا يكون معنا، أقول حتى لو كان موجوداً فإنه يجب البحث عن ائتلاف، وكان سيكون مساهماً في هذا الاتجاه، وستكون مساهمته ثمينة جداً لمد الجسور بين تحالف الشمال والبشتون الذين لا يخضعون لنظام الملا عمر، يجب إيجاد هذه المعادلة الوفاقية بين مختلف القوى في أفغانستان ويبقى ذلك هدفاً.

ميشيل الكك: وشكراً لمشاهدينا على حُسن المتابعة لهذا اللقاء الخاص مع وزير الخارجية الفرنسية إيفان فيدرين.