قبل شهر من إجراء انتخابات رئاسية، تعيش مصر وسط أجواء محتقنة، وعلى وقع إجراءات قمعية واعتقالات ضد كل من أعلن نيته الترشح لانتخابات الرئاسة.

فإلى أين يتجه نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي نحو ترسيخ دعائم حكمه، وتكريس نوع من السلطوية الفردية أو الحكم الفردي المطلق؟ أم أن الضغط سيدفع المعارضة إلى لملمة شتاتها وقيادة حراك سياسي لمواجهة القمع والاستبداد؟ أو أن احتمال حدوث تغيير داخلي ما يبقى أمراً وارداً.

أسابيع قليلة تفصل المصريين عن انتخابات رئاسية يبدو الفوز فيها مؤكدا للسيسي بعد إقصائه كل المرشحين الذين قد يشكلون تحديا حقيقيا له، فضلا عن الحملة التي تشنها السلطات ضد كل من يرفع صوته ناقدا أو محتجا أو مطالبا بمقاطعة الانتخابات.

ويبدو أن السيسي يسعى إلى استكمال ما بدأه في ولايته الأولى، لتركيز مزيد من السلطات بيده في ولايته الثانية، والإمساك بكل مفاصل الدولة، وقد قطع بالفعل خطوات كبيرة في هذا الاتجاه، من خلال إقصاء منافسيه للانتخابات والسيطرة على وسائل الإعلام، وإسكات المنتقدين والمعارضين والمحتجين، وغيرها من الإجراءات التي تعكس حقيقة طموحاته، بعيداً عن أي مسارات ديمقراطية.

تاريخ متجذر
حول هذا الموضوع، يقول الأكاديمي والباحث السياسي الدكتور عبد الفتاح ماضي إن العالم العربي له خبرة طويلة في ترسيخ الحكم الفردي بعد الانقلابات والاستيلاء على السلطة بطرق عنيفة.

واعتبر أن الأمور في مصر تسير على هذا النحو، لأنه مرّ أكثر من أربع سنوات على الثورة المضادة، التي حدثت خلالها خطوات عديدة وسياسات ترسخ لحكم الفرد، فقد تخلص السيسي من خصومه داخل المؤسسة العسكرية وفي الحياة السياسية، وسيطرة على مؤسسات كثيرة في الدولة، لذلك فإن سيناريو الحكم الفردي المطلق من الوارد جدا حدوثه، رغم ما فيه من تداعيات خطيرة.

وأوضح ماضي أن السيسي تخلص من كل خصومه السياسيين معتمدا على تشرذم قوى المعارضة من ناحية، ومن ناحية أخرى عدم وجود قوى بديلة يمكنها مواجهته، أضف إلى ذلك الدعم الإقليمي والدولي لتثبيت الأوضاع في مصر بهذا الشكل، حيث إنه ليست هناك مصلحة دولية لتغيير الوضع في مصر.

واعتبر أن هناك إبداعا في طرق السيطرة والهيمنة على المجتمع، من بينها فكرة التفويض، التي لم تؤت ثمارها في المرة الأولى، ولذلك فإن تكرارها لن يكون له أي تأثير، وحتى البلاد المستبدة لا تُحكم بهذا الشكل.

الدولة العميقة
من جهته، يرى الباحث في المعهد الإيطالي للشؤون الدولية البروفيسور الأميركي روبرت سبرنغ بورغ أن سلطات السيسي وقوته تنحصر في دائرة ضيقة، ليس فقط في البلاد بل حتى ضمن الدولة العميقة.

وأوضح أن السيسي وصل إلى السلطة بمساعدة المخابرات العسكرية، وبالتالي فإن دعمه محدود، لا سيما أن هناك صراعا يجري داخل الدولة العميقة، وهو ما ظهر عن طريق قاعدة الدعم لأحمد شفيق وسامي عنان، وهما أيضا جزء من الدولة العميقة، لذلك رأى فيهما السيسي فرصة لضرب الدولة العميقة التي لديها معارضة شديدة للسيسي.

ولفت بورغ إلى أن السيسي يمكنه اللجوء لتعديل دستوري ليبقى في الحكم مدى الحياة، وهو يعرف أن لديه مشاكل كبيرة في الشعبية داخل الوطن وداخل الدولة العميقة، ولذلك فهو يمد يده للعالم الخارجي سواء إسرائيل أو الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا والإمارات والسعودية، أو لأي طرف على أمل أنهم سوف يكفلونه ويضمنون بقاءه.

واعتبر أن المشكلة الرئيسية تكمن في الاقتصاد، فقد استخدم السيسي كل القروض الخارجية التي تشكل 400% من نسبة الناتج الوطني، وهو يدفع فوائد كبيرة على ديون الدولة، وعليه أن يعيد هذه المبالغ التي تراكمت عليه بشكل كبير، وبالتالي يقع أعمق وأعمق في الحفرة، ويحتاج إلى دعم ليخرج منها، ولذلك فإن همه الرئيسي الآن أن يرى العالم أن مصر أكبر من أن تسقط أو تنهار وبالتالي عليهم مساعدته ودعمه.

السيناريو الأسوأ
ويتفق أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة الدكتور حسن نافعة مع فكرة أن سيناريو الحكم الفرديي المطلق هو السيناريو الأسوأ بالنسبة للدولة والمجتمع المصري، لكنه الأكثر احتمالا في الواقع، بسببب بنية النظام السياسي في مصر الذي أرساه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وأصبح راسخ الجذور معع  السادات ومبارك، مؤكدا أن ما سيواجهه السيسي أكبر مما واجهه مَن قبله.

ولم يستبعد نافعة أن يقوم السيسي بتعديل الدستور ليبقى في السلطة، وهو أمر من الناحية النظرية سهل ولجأ إليه السادات من قبل، لكنه قد لا يكتفي بتعديل الدستور لأنه إذا عدله ليسمح بمدد أخرى؛ عليه أن يقوم بتعيين نائب له، وهذا سيدخله في معضلة أخرى.