لم تكن منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر ساحة مفتوحة للسباق على النفوذ والسيطرة مثل ما هي عليه اليوم.. دول كثيرة تبحث لها عن موطئ قدم لمد نفوذها عبر قواعد عسكرية أو موانئ تجارية.

هذا السباق ما هو إلا مرحلة أولى في طريق مزيد من التوسع والتمدد لبعض الدول خارج أراضيها وتعزيز وجودها على ضفتي البحر الأحمر. لكنَّ غياب مشروع عربي مشترك لاستثمار المكانة الإستراتيجية للبحر الأحمر فتح الباب أمام مشاريع توسع فردية لبعض الدول العربية ودخول قوى إقليمية ودولية أخرى لملء الفراغ.

التنافس الإقليمي والدولي في البحر الأحمر ليس بجديد، لكن الأوضاع المضطربة بالمنطقة والفشل في إدارة الخلافات بين دولها، يعزز المخاوف من أن تؤدي هذه المنافسة المحتدمة إلى تأجيج الخلافات القائمة وربما إشعالها.

حلقة (2018/1/11) من برنامج "سيناريوهات" تناولت أبعاد السباق المحموم على النفوذ في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وانعكاساته على مستقبل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة.

وعرضت الحلقة ثلاث سيناريوهات محتملة لهذا الصراع، أولها أن تسعى الدول الإقليمية والدولية لتعزيز نفوذها وتوسيعه في المنطقة، والثاني وصول الأوضاع إلى حد تأجيج الخلافات بين هذه الدول المتنافسة بسبب تضارب المصالح والأجندات، أما السيناريو الثالث فهو أن تصل هذه الدول إلى التعاون والتنسيق كخيار أمثل لكل الأطراف حفاظا على مصالحها وعلى أمن المنطقة واستقرارها.

تعزيز نفوذ
عن هذا الموضوع، يقول الكاتب الصحفي المصري رجب الباسل إن هناك لاعبين موجودين سيحاولون تدعيم وجودهم في المنطقة مثل الولايات المتحدة وفرنسا، وكذلك بالنسبة للوجود الإقليمي كالإمارات.

وأضاف أن هناك لاعبين جددا ربما يدخلون بشكل مباشر سعيا للحصول على نفوذ في المنطقة كالصين المرشحة لدور قوي في الفترة المقبلة.

واعتبر الباسل أن الانسحاب العربي من المنطقة أغرى دولا أخرى بإنشاء موطئ قدم لها، كما أن الدول الكبرى تحاول حماية مصالحها الاقتصادية في المنطقة، حيث يمر بالبحر الأحمر 3.3 ملايين برميل نفط يوميا، زيادة على التجارة الأخرى، فضلا عن القوات والقواعد التي تنشئها بعض الدول في إطار الحرب على الإرهاب.

بؤر الصراع
ومن جانبه، اعتبر الدبلوماسي السوداني السابق الدكتور أحمد المفتي وهو عضو السودان السابق في مفاوضات حوض النيل وخبير في القانون الدولي، أن الاهتمام التقليدي بالبحر الأحمر كممر للتجارة الدولية تغير الآن تماما.

وأضاف أن هناك حاليا ثلاث بؤر للصراع والتنافس على النفوذ، أولها الحرب في اليمن، وثانيها الحصار على قطر، وأخيرا التحرك المصري فيما يتعلق بحلايب وسد النهضة.

وأوضح أن الصراع على النفوذ في المنطقة جذب دولا أخرى مثل تركيا وروسيا، مشيرا إلى أن الوجود التركي في جزيرة سواكن السودانية، حتى وإن كان تجاريا، سيخلق حساسية شديدة من السعودية ومصر، بالنظر إلى الأهمية التي توليها السعودية للبحر الأحمر في حربها باليمن، فضلا عن خلافاتهما مع قطر التي تدعمها تركيا.

تحركات تركيا
أما الخبير التركي في الشؤون الأفريقية كاني تورن، فأكد أن تركيا ليست لاعبا ولا ساعيا للنفوذ في المنطقة كما هو الحال مع البلدان الأخرى، وجزيرة سواكن فيها مبان تعود إلى العهد العثماني حيث ستتولى مؤسسات التطوير التركية تطويرها وترميمها بالاتفاق مع الحكومة السودانية.

وأوضح أن هذه الجزيرة كانت تستخدم إبان الحكم العثماني مركزا لتقديم الخدمات للحجاج، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان قال إن هذه الوظيفة يمكن إحياؤها مرة أخرى في المستقبل بعد ترميم المباني، وستصبح الجزيرة منطقة جذب سياحي.

وشدد تورن أن اهتمام تركيا بالمنطقة ليس جديدا، فمنذ بداية الألفية الحالية ولدى تركيا خطط جديدة لتطوير سياساتها الخارجية، وخاصة فيما يتعلق بأفريقيا، حيث فتحت سفارات جديدة وقامت بعمل إغاثي إنساني، إضافة إلى ممارسة نفوذ اقتصادي.