رغم تهديدات الإدارة الأميركية بوقف المساعدات المالية، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالأغلبية الساحقة قرارا يرفض أي تغيير في وضع القدس القانوني، ويدعو الولايات المتحدةإلى سحب اعترافها بالمدينة المقدسة عاصمة لإسرائيل.
 
وبعد دعوة للدول التي صوتت بـ"لا" أو امتنعت عن التصويت أو لم تصوّت، لحضور حفل استقبال مطلع العام الجديد، تبدو العلاقة بين المنظمة الدولية وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مفتوحة على الكثير من السيناريوهات، فقد تسعى واشنطن لممارسة مزيد من الضغوط على المنظمة الدولية لجعلها أكثر تماهيا مع مصالحها، وقد ترفض بعض الدول الأعضاء هذه المقاربة الأميركية وتسعى لإحياء مطالب إصلاح المنظمة الدولية لإعادة الاعتبار إليها وجعلها أكثر فاعلية وكفاءة، وربما تسير الإدارة الأميركية إلى مراجعة سلوكها خوفا من تزايد عزلتها الدولية.
 
حلقة (2017/12/28) من برنامج "سيناريوهات" ناقشت مستقبل العلاقة بين واشنطن والأمم المتحدة، بعد تصويت الجمعية العامة بأغلبية كبيرة ضد القرار الأميركي بشأن القدس.
 
مدير مركز النزاع والعمل الإنساني بمعهد الدوحة للدراسات العليا سلطان بركات توقع أن يستمر النهج الأميركي في التعامل مع الأمم المتحدة، ولا سيما في قضية القدس أو أي موضوع آخر متعلق بإسرائيل، والتي كانت دائما مركزا للخلاف بين واشنطن والأمم المتحدة.
 
وحسب بركات فإنه في حين تهاجم واشنطن الأمم المتحدة في بعض القضايا، تتقارب مع المنظمة الدولية وبعض المؤسسات التابعة لها، فهي تدعم بعض مؤسساتها وتتفق معها في قضايا أخرى.
 
وتعليقا على تهديد السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة نكي هيلي بوقف المساعدات الأميركية عن الدول التي ستصوت ضد قرار ترمب بالجمعية العامة للأمم المتحدة، أكد أن أسلوب الضغط على الدول قديم واستخدمته الولايات المتحدة عدة مرات، ولكنه كان يتم في السابق بشكل دبلوماسي وليس بشكل علني، فعلى سبيل المثال جمدت واشنطن دعمها لليونيسكو منذ 2011 حتى اليوم بسبب منح فلسطين عضوية دائمة، وتكرر ذلك مع منظمة الصليب والهلال الأحمر لعدة سنوات عندما كان هناك رفض لإضافة شعار نجمة داود إلى جانب الصليب والهلال.
 
وشدد بركات على أن سلاح المال سيظل مشهورا في وجه الأمم المتحدة، وقد تقلص الإدارة الأميركية مساهمتها في ميزانية الأمم المتحدة، ولكن هذه الخطوة لن تؤثر على الدول التي صوتت ضد قرار ترمب، ولكن يمكن أن تلجأ أميركا لسلاح وقف المساعدات الخارجية، حيث تقدم واشنطن مساعدات مالية لنحو 200 دولة في العالم، وكثير من هذه المساعدات تقدم للرؤساء وقادة الجيوش، وإذا توقفت يمكن أن تغير مواقف سياسية في بعض الدول.
 
حسابات ترمب
من جانبه أكد أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جورج تاون تشارلز كوبتشان أن المقاربات المالية تعد جزءا من العلامة التجارية لترمب منذ ظهوره السياسي الأول في حملته الانتخابية، فهو يرى أن الاتفاقات التجارية والحلفاء والأمم المتحدة تستغل الولايات المتحدة ماليا، ويسعى لوقف هذا الاستغلال من وجهة نظره.
 
وأوضح أن سبب الأزمة الحالية بين الأمم المتحدة وإدارة ترمب تتعلق بالقدس، فقد أساءت الإدارة الأميركية الحسابات ولم تكن تتوقع هذا الموقف الرافض لقرارها في مجلس الأمن، وهذا التصويت الكبير في الجمعية العامة.
 
ورأى كوبتشات أن التهديدات الأميركية للأمم المتحدة مجرد ضجيج لن يقود لعمل حقيقي في المنظمة الدولية، ولكنه يتوقع أن يحدث تخفيضا للمساهمة الأميركية في ميزانيتها أو ميزانية الوكالات الدولية التابعة لها، حتى يقول ترمب لقاعدته الانتخابية: لقد خفضت ميزانية الأمم المتحدة والوكالة التابعة لها التي اتخذت مواقف ضد إسرائيل.
 
وعن مستقبل العلاقة بين إدارة ترمب والأمم المتحدة قال "شخصية ترمب غريبة وبراغماتية، فعندما يتعلق الأمر بمواجهة كوريا الشمالية أو الأزمة في سوريا أو أوكرانيا أو مواجهة انتشار أسلحة الدمار الشامل يعتمد على دعم الأمم المتحدة وعلى حلفاء الولايات المتحدة، وفي ملفات أخرى يهاجم الأمم المتحدة وحلفاء أميركا، كملف القدس وقضايا المناخ واتفاق التجارة الدولية والملف الإيراني".
 
سيطرة أميركية
بدوره قال عميد كلية الحقوق بجامعة القدس محمد شلالدة إن "القرارات التي اتخذتها الولايات المتحدة في الفترة الأخيرة أفقدت الأمم المتحدة هيبتها ومصداقيتها أمام المجتمع الدولي".
 
ورفض شلالدة فكرة تدهور العلاقة بين الولايات المتحدة والمنظمة الدولية، وأضاف أن أميركا ستواصل سيطرتها على الأمم المتحدة، لأنها تستخدمها في تحقيق مصالحها وأهدافها، مما سيؤدي لتهميش دور الأمم المتحدة في المحافظة على الأمن والسلم بالعالم.
 
واستبعد أن تجري إصلاحات حقيقية في هيكلة الأمم المتحدة في ظل السيطرة الأميركية على مجلس الأمن والمنظمات الدولية، لكنه رأى إمكان وضع ضوابط على مجلس الأمن بإيجاد رقابة سياسية من خلال الجمعية العامة ورقابة قضائية من خلال محكمة العدل الدولية.