ليست الحرب وحدها التي تسببت في نزوح خمسة ملايين عراقي بحسب تقارير غير رسمية، وإنما عمليات تهجير وتغيير ديمغرافي، بانت دلائلها في مناطق استعيدت من سيطرة تنظيم الدولة الإسلاميةفي ديالى وبابل ونينوى وأخيرا صلاح الدين.


أهالي تلك المناطق واجهوا قيودا تكاد تمنع الكثيرين من العودة إلى ديارهم، مما دفع ناشطين لدعوة المجتمع الدولي إلى وقف سياسة التغيير السكاني.

التهجير ليس جديدا إذن. الجديد هو ما اتخذه مجلس محافظة صلاح الدين شمالي العراق من قرار يقضي بترحيل أسر من ينتمون إلى تنظيم الدولة إلى خارج المحافظة لمدة لا تقل عن عشر سنوات، لكنه هذه المرة موقع عليه وممهور بالأختام الرسمية.

ولا يبدو شعار الحرب على تنظيم الدولة قادرا على تغطية تفاصيل القرار وتبريرها. فبنوده تشمل تعريف المستهدفين بالتهجير، وهو "أسر الداعشيين" من الزوجات والأبناء والأمهات والإخوة والأخوات.

video

القيادي بالمشروع العربي في العراق ناجح الميزان قال إن سياسة الدمج في القوات الأمنية والجيش منذ ما بعد الاحتلال الأميركي جلبت عناصر أغلبهم كانوا في إيران ومعبؤون بالانتقام ويرون في كل أهل السنة دواعش، وبالتالي تحرق وتدمر بيوتهم بعد استعادتها من تنظيم الدولة.

يعني هذا في رأيه أن ما لم يفجره التنظيم ومن لم يقتله هو مستهدف من قبل مليشيات الحشد الشعبي بالقتل والتهجير وسلب الممتلكات، مؤكدا أن لا الحكومة ولا الحكومات المحلية ولا المحافظين ولا القيادات الأمنية تستطيع مخالفة ما يريده قائد في الصف الثاني من الحشد الشعبي.

ثلاث مراحل
من ناحيته قال الناشط الحقوقي العراقي ومدير المركز الوطني للعدالة محمد الشيخلي إن عمليات التهجير توزعت على ثلاث مراحل:

الأولى: وهي التي اعتمدها الاحتلال الأميركي عندما أصدر ما يسمى قانون إدارة الدولة الانتقالي الذي جاء ببدعة لم تعرفها الجغرافيا العراقية وهي "المناطق المتنازع عليها"، حيث بدأ تهجير الآلاف من العرب خاصة في كركوك.

الثانية: وجاءت بعد تفجير المرقدين العسكريين في سامراء عام 2006، إذ ارتكبت المليشيات المجازر بحق العرب السنة في بغداد وأفرغت مناطق كاملة منهم وأحرق 97 مسجدا وسحل الأبرياء في الشوارع.

الثالثة: وهي مرحلة الحشد الشعبي التي تتبع سياسة ممنهجة لتفريغ مناطق من سكانها العرب السنة في حزام بغداد وشمال بابل والمحافظات الغربية.

ولخص الشيخلي ما يريده بالقول إن ثمة سياسة تغيير ديمغرافي تنفذها الحكومات المركزية بالتعاون مع المليشيات ومع إقليم كردستان.

أسئلة عالقة
عضو مجلس العشائر العربية في صلاح الدين وكركوك ثائر البياتي قال إن الأسئلة العالقة بالنسبة إليه هي إلى أين يهجّرون؟ وأي المحافظات ستستقبلهم؟ وما ذنب الأب الذي لم يسيطر على ابنه فيجري تهجيره؟

أساس القضية، كما يشرحها البياتي، ليس انتماء لتنظيم الدولة أو رضا بما يفعله، بل كرها بما كان يلحق بهم على يد الحكومة التي انتقمت من حراكهم السلمي على مدار سنة، وقاد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي حملة طائفية قسم بها الناس إلى معسكر يزيد ومعسكر الحسين.

video

من زاويته، برر رئيس اللجنة الأمنية بمجلس محافظة صلاح الدين جاسم الجبارة قرار التهجير بسؤاله كيف يمكن لمسؤول أن يرضي المتضررين من السكان وأن يحضر للسكن بينهم من دمر وقتل واغتصب ونكّل؟

ولفت إلى أن قرارا مماثلا صدر في محافظة الأنبار "فلماذا لم تثر ضده ضجة كحال قرار صلاح الدين؟".

أما سؤال "أين يذهبون؟" فيجيب عنه بأنه كما ترفض دول استقبال لاجئين "فنحن أيضا الوضع الأمني لدينا هش، ويحتمل أن تكون هناك خلايا نائمة"، مبينا أن المقاتلين -مثلا- في الشرقاط يعلمون أن الجيش لا محالة قادم، فيرسلون عوائلهم إلى مناطق أخرى.

ناجح الميزان وافق على أن هناك متضررين من تنظيم الدولة، ولكن أيضا هناك القوات الأمنية والعسكرية التي كان عليها أن تحمي المحافظات، وكل هؤلاء يجب أن يرحّلوا، لأنهم سلموا سلاحهم للتنظيم، وختم متسائلا "من يطالب بحقوق الرافضين لداعش ولكن قتلهم الحشد الشعبي فقط لأنهم سنّة؟".