أنيط بهيئة الحقيقة والكرامة التونسية مسؤولية التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة بين عامي 1955 و2013، وقد دخلت الهيئة عامها الثالث، إذ بدأت عملها في يونيو/حزيران 2014.
تنضوي هذه الهيئة ضمن مسار سياسي يعرف بالعدالة الانتقالية، وهي كلمة مفتاحية في فترات التحول السياسي عندما تقرر الشعوب الانتقال من نظم قمعية أو عنصرية إلى نظم تقوم على الديمقراطية وسيادة القانون، وتستهدف كشف الحقيقة وجبر ضرر الضحايا، وتأسيس مستقبل أفضل للشعوب.

بدأت حلقة برنامج "حديث الثورة" بتاريخ (16/6/2016) قبل كل شيء بالاستماع لشهادة المعتقل السياسي السابق في تونس منجي الخلفي الذي سجن لمدة 16 سنة منذ عام 1990، مبينا أن التنكيل طال كل عائلته بين السجن والمنع من العمل والسفر.

مقياس للثورة
عقب تأسيس هيئة الحقيقة والكرامة تقدم الخلفي بملف بشأن الانتهاكات التي تعرض لها، مضيفا أن جلسة استماع لأربع ساعات لم تترك كبيرة أو صغيرة إلا وسجلتها، مفيدا أن الهيئة مكسب لكل تونس ومقياس حقيقي لنجاح الثورة.

لا ينتظر الخلفي -كما أوضح- أن يتشفى بمن ظلمه سابقا، وأن ما يريده هو كشف الحقيقة واعتراف من ارتكب الانتهاكات، ورد الاعتبار حتى يشكل ذلك رادعا، أما المحاسبة فينبغي أن يحاكموا محاكمة عادلة، بحيث يكون شعار تونس "لا ظلم بعد اليوم".

 ومن لندن قال الخبير في القانون الدولي محمود رفعت إن مقارنة المشهد التونسي بمناطق الجوار العربي شيء، ومقارنته بمفهوم العدالة الانتقالية شيء آخر.

ويوضح فكرته بالقول إن المحاسبة ضمن العدالة الانتقالية برزت بصورتها الأقوى من خلال جنوب أفريقيا، بإيمان الطرفين الجلاد والضحية بالمحاسبة والتسامح، حيث خرج نيلسون مانديلا من السجن ولم يهرب "الجلادون البيض"، لافتا إلى أن أركان نظام زين العابدين بن علي ورؤوس أمواله ما زالت ملموسة في تونس.

الأكاديمي والمحلل السياسي عبد السلام الككلي تحدث عن جملة عراقيل تعرضت لها الهيئة، ومن ذلك منعها من الوصول إلى الأرشيف الذي يضم الانتهاكات، مبينا أن الشعور العفوي بالظلم مختلف عن كشف الظلم، فالناس لا يعرفون الحقائق وإن كانوا يشعرون بها.

وفي رأيه أن الهدف من الهيئة ينبغي أن يكون معرفة كيف كانت آلية عمل الاستبداد، ومن هم الذين تعاملوا معه، ليس على مستوى أشخاص فقط بل على مستوى الهيئات والمؤسسات، وهو "الأمر الذي يتعلمه التونسيون الآن".

video

تحتاج الهيئة -وفقا للككلي- إلى خبراء ومؤرخين، خاصة أن الحيز الزمني يبدأ منذ 1955 وهو الأمر الذي يستلزم تحقيقات واسعة وجلسات استماع طويلة.

خالد الكريشي نائب رئيس هيئة الحقيقة والكرامة تحدث عن عراقيل، بل قصف تعرضت له الهيئة من الدولة العميقة، في محاولة لإرباك هذا المسار.

عامان على انطلاق الهيئة أجملهما الكريشي بالقول إن من شككوا فيها وقالوا إنها ولدت ميتة أو ستعيش أشهرا في أفضل الأحوال هم من كانوا في ما بعد ضمن من قدموا ملفاتهم إلى الهيئة التي أصبحت العمود الفقري للتحول الديمقراطي التونسي.

الخبير محمود رفعت يرى أن الهيئة التونسية ذات طابع استشاري تفتقر إلى آلية قضائية، وهذا يفقدها فعاليتها. أما الكريشي فرد بأن الهيئة لديها صلاحيات تقريرية وليست استشارية، وأن القانون منحها صلاحيات استثنائية، ولا يمكن -قانونيا- تعطيل عملها.