حققت الحملة العسكرية الجديدة التي شنتها المعارضة السورية المسلحة لفك الحصار عن شرقي حلب في يومها الأول مكاسب ميدانية هامة، وذلك بعد تحضيرات كبيرة وشبه معلنة جهزتها أطراف الصراع في المدينة استعدادا لما وصفتها بمعركتها الشاملة والحاسمة.

وإذا كانت المعارضة تسعى لرفع الضيم عن مائتين وخمسين ألف مدني يعانون الأمرين من حصار قوات النظام لأحيائهم، فإن النظام السوري يكافح لتثبيت مواقعه الميدانية تحسبا لأي جولة تفاوض مرتقبة.

هذه المستجدات تزامنت مع تقرير أممي اتهم النظام السوري بشن هجمات كيميائية، كما تزامنت مع اجتماع ثلاثي جمع كلا من روسيا وإيران وسوريا على رفض ذلك التقرير، وسط تعهد من موسكو بدعم دمشق والذهاب حتى النهاية في معركة حلب رغم كلفتها الإنسانية.

في هذه الأثناء، يخرج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتصريحات اعتبر فيها أنه من "غير المناسب في الوقت الحاضر استئناف الغارات الجوية" على حلب، وقال إن الهدنة الإنسانية الحالية ينبغي أن تستخدم من أجل مغادرة المدنيين المدينة.

وأضاف الرئيس الروسي أن الهدنة وجدت لـ"يتسنى لشركائنا الأميركيين الوفاء بوعودهم بفصل ما تسمى المعارضة المعتدلة عن الجماعات الإرهابية".

حلقة الجمعة (28/10/2016) من برنامج "حديث الثورة" تناولت أبعاد التطورات الميدانية في حلب والاتهامات الموجهة للنظام السوري بقصف المدنيين بالأسلحة الكيميائية، ودلالات التصريحات الروسية الأخيرة بشأن الوضع في سوريا.


مقومات نجاح
حول هذا الموضوع، يرى الخبير العسكري والإستراتيجي عبد الناصر العايد أن حملة المعارضة المسلحة تملك مقومات النجاح، وإذا سارت العمليات بشكل جيد يمكنها التأثير في كامل المشهد العسكري في حلب.

وبشأن تصريحات بوتين، أكد العايد أنه "مثير للسخرية"، واعتبر أن الرئيس الروسي ربما يريد أن يرسل رسائل دبلوماسية بطريقة مضحكة، والحقيقة أن القصف لم يتوقف، لكن وتيرته خفّت بشكل كبير بسبب الطقس والغيوم، فضلا عن وجود خشية روسية من وصول أجهزة تشويش إلكترونية على الطائرات والأسلحة الذكية للمعارضة المسلحة.

وأضاف أن الروس يعتقدون أن هناك مفاجأة ما تنتظرهم بعد ظهور طائرات الأواكس في سماء المنطقة خلال اليومين الماضيين، لذلك يبدون حذرا شديدا.

ووصف العايد الإستراتيجية الروسية في سوريا بأنها "متوحشة"، وتعتقد أنه يمكنها أن تقتل نزعة السوريين نحو الحرية، لكنه أكد أن دروس التاريخ أثبتت أن العكس هو الصحيح.

وقال إن روسيا تعتقد أنه يمكنها تكرار تجربة غروزني في سوريا "وهم خاطئون في ذلك وأعتقد أنهم ذاهبون باتجاه النموذج الأفغاني".

لكن الكاتب والمحلل السياسي الروسي ليونيد سوكيانين أكد على ضرورة إعطاء المزيد من الفرص للاستمرار في الهدنة، وتمكين المدنيين والجرحى من مغادرة مدينة حلب.

وبشأن التقارير التي تشير إلى مسؤولية النظام السوري عن قصف المدنيين بالأسلحة الكيميائية، قال سوكيانين إنه إذا كان نظام الأسد متورطا في ذلك فيجب مقاضاته أمام محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية، مشككا في أي تقرير يصدر عن الأمم المتحدة بهذا الشأن.

وحول تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف التي ربط فيها بين ما يحدث في مدينة الموصل العراقية وحلب السورية، قال إن التشابه بين حلب والموصل موجود من حيث وجود قوى إرهابية وتقاطع المصالح الإقليمية والدولية والضحايا من المدنيين.


محاولة للتضليل
في المقابل، اعتبر المتحدث باسم الهيئة السورية العليا للمفاوضات وسفير الائتلاف السوري في فرنسا منذر ماخوس أن الحديث الروسي عن هدنة هو محاولة دبلوماسية وسياسية للتضليل وللخروج قليلا من ضغط المجتمع الدولي.

وقال إن هناك قرائن لمنظمات حقوقية دولية على استعمال النظام الأسلحة الكيميائية، مشددا على أن النظام وحلفاءه يراهنون على الحسم العسكري بدليل استعدادهم لاقتحام حلب.

أما عن التطورات الميدانية على الأرض، فاعتبر ماخوس أن تحركات المعارضة المسلحة تأتي كمبادرة مهمة، وهي تأتي لإفشال أو تعطيل المشروع الذي يقوم به الروس وآخرون لاقتحام حلب.

أما عما تطلبه موسكو من واشنطن لجهة فصل المعارضة المعتدلة عن غيرها، فأكد أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز دانيال سيروار أن القصف الروسي والسوري المتواصل دفع المعارضة المعتدلة وغيرها للالتحام والتوحد ليصبح الفصل بينهما أمرا صعبا ويحتاج لأشهر.

ويرى سيروار أن الروس عالقون في حلب ولا يحرزون أي تقدم، وهم في مأزق حقيقي ويحاولون تحريك المعارضة خارج شرق حلب.

وأضاف أن روسيا ستسعى للتوصل إلى حل سياسي يُبقي الأسد في السلطة عبر الوسائل العسكرية، وقال إنهم يستخدمون مفاوضات وقف إطلاق النار لتضليل الرأي العام، وهم بعد كل ما قاموا به بحق السوريين لن يبقوا ليوم إذا لم يكن الأسد في السلطة.