كشفت صحيفة ذي غارديان البريطانية أن إيران مارست ضغوطا من أجل حضور مصر اجتماع لوزان الأخير بشأن الأزمة السورية، في مؤشر جديد على تقارب النظام المصري مع طهران.

وبحسب الصحيفة فإن وزير الخارجية الإيراني لم يوافق على حضور هذا الاجتماع الذي كان مخصصا لوزراء خارجية روسيا والولايات المتحدة وتركيا والسعودية وقطر وإيران، إلا بعد ضمان حضور وزيري خارجية مصر والعراق.

حلقة الخميس (20/10/2016) من برنامج "حديث الثورة" طرحت هذا التطور للنقاش، وتساءلت عن الرسالة التي أرادها الإيرانيون من وراء ضغوطهم تلك، وهل نحن أمام مؤشر على تحول النظام المصري تجاه المعسكر الروسي الإيراني، وابتعاده عن دول الخليج التي دأب على اعتبار أمنها جزءًا من أمن مصر القومي؟

وهل هذا الابتعاد المصري عن المواقف الخليجية قاصر على الأزمة السورية، أم يشمل أيضا باقي الملفات الإقليمية المطروحة؟ وماذا سيستفيد النظام المصري من وراء تغيير بوصلته تجاه المعسكرين الإيراني والروسي؟

مخالفة الثوابت
الرئيس السابق للبرلمان العربي علي الدقباسي يرى أن لكل دولة خصوصية يجب احترامها وتفهم طبيعة المصالح، لكن في الحالة المصرية الأمر لا يتعلق فقط بالخصوصية والمصالح، وإنما بقضية بالغة الأهمية والخطورة، وهي توافق أو تعارض هذه الخطوات مع ثوابت السياسة العربية، التي يجب أن تنطلق منها سياسات الدول العربية.

وأضاف أن الجميع يرى ويدرك التهديد الذي تمثله إيران على الأمن القومي العربي، والدور الذي تلعبه في سوريا والعراق واليمن، فضلا عن التوتر الذي تتسبب فيه حاليا مع الخليج بشكل عام والسعودية بشكل خاص.

وأكد الدقباسي أن مصر كانت ولا تزال هي الشقيقة العربية الكبرى، عليها دور واستحقاقات، ويجب ألا تُخرجها مصالحها عن الثوابت العربية ومقررات الجامعة العربية.

في ظل هذا التوجه المصري ماذا على دول الخليج أن تفعل؟ يجيب الدقباسي أن سياسات دول الخليج واضحة ومعلنة وبسيطة، وهي في المقابل تتعرض للجحود وللابتزاز إعلاميا، مؤكدا أن دعمها كان لمصر ولم يكن للسيسي.

غموض دبلوماسي
الكاتب والمحلل السياسي محمد قواص لفت من جهته إلى زاوية أخرى تتعلق بغموض الدبلوماسية المصرية خلال السنوات الأخيرة، فهي دائما ما تلوح بتحالفها مع دول الخليج بينما تبقي الباب مفتوحا مع إيران.

لكن قواص يرى أنه ليس من حق مصر منطقيا أن تكون في حلف واحد مدافعة عن دول الخليج التي ترى خطرا إيرانيا، وفي نفس الوقت في تحالف مضاد يضم إيران، وعليها أن تختار بشكل واضح لأن الموقف الحالي والرمادية لا يليقان بأداء دولة كبرى عربية يحتاج العرب إلى دورها الأساسي في المنطقة.

وقال إن على الدبلوماسية المصرية أن توضح لماذا صوتت للقرارين الفرنسي والروسي في مجلس الأمن الدولي؟ وماذا تخطط على المستوى المتوسط والبعيد لعلاقاتها مع الخليج؟ وهل هي مستعدة لأن تضحي بهذه العلاقات مقابل علاقات أخرى؟

تحديد للأولويات
في المقابل، لا يرى الباحث في الشأن المصري توفيق حميد أي تغير في بوصلة القاهرة من الخليج إلى إيران، وقال إن السيسي عندما أكد على دفاع مصر عن دول الخليج كان يعني رد أي اعتداء عليها، لا أن يقوم الجيش المصري بعمليات "عنترية" خارج الحدود.

واعتبر أن التوجه المصري نحو إيران هو مجرد تحديد لأولوية المواجهة بالنسبة للنظام المصري، مؤكدا أن العلاقة الجديدة مع إيران ليست دليلا على أن النظام سيبتعد عن الأشقاء في الخليج، وليس بالضرورة سياسيا أن تواجه الجميع.

وأوضح حميد أن القاهرة ترى أن تنظيم الدولة الإسلامية هو الخطر الأول والأولى بالمواجهة، مشددا في هذا الصدد على أنه لا يوجد دليل على وجود تحالف مصري إيراني، والأمر فقط يتعلق بأولوية المواجهة.

وبشأن الوضع في اليمن وموقف مصر منه، اعتبر حميد أن نظام السيسي يرى أن الخطوة التالية لأي تدخل مصري خارجي ستشكل خطرا على دول الخليج، مثل ذلك الذي قد يحدث إذا سقط نظام الأسد وسيطر تنظيم الدولة على الوضع في سوريا.

تواطؤ مصري
لكن الكاتب والباحث السياسي ياسر الزعاترة يرى في الموقف المصري سببا لإغراء إيران بالمزيد من العدوان على الأمن القومي العربي، بعدما سيطرت على أربع عواصم عربية، وتريد تصدير الثورة، فهي بذلك تهدد الوضع العربي والإسلامي برمته.

واعتبر الزعاترة أن نظام السيسي يتواطؤ مع أكبر عدوانين يستهدفان الأمة وهما الصهيوني والإيراني، وهو أمر يخالف بشدة المشهد المصري التقليدي.

وقال إن تواطؤ النظام المصري مع إيران يمتد ليشمل اليمن والعراق ولبنان، وعلى السيسي أن يحدد موقفه، إما أن يكون مع غالبية الدول التي تتعرض للعدوان، أو مع إيران وحلفها المضاد.

تصعيد متوقع
بدوره، رأى الكاتب والمحلل السياسي سليمان العقيلي في التوجه المصري بدءا لكشف سياستها المتدثرة سابقا بالأغطية القومية، لاسيما أن الإصرار الإيراني على مشاركة مصر في لوزان سبق تصويت القاهرة على مشروع القرار الروسي في مجلس الأمن وبالتالي سبق رد الفعل السعودي.

وأكد أنه ينبغي أن تنتهي "حفلة التكاذب" في العلاقات الخليجية المصرية، وأن يقال للقاهرة: إما معي أو ضدي، لأن هذا هو الذي ينبغي أن يكون في هذه المرحلة الدقيقة والمصيرية في تاريخ المشرق العربي، وفي تاريخ النظام السياسي العربي الذي يعاد تشكيله من القوى الكبرى بمشاركة من بعض القوى العربية مثل القاهرة.

وأكد العقيلي أن الموقف المصري بالنسبة للكثير من دول الخليج له تأثير أكبر من القلق، لأنه يتخندق في الصف المعادي للمصالح الخليجية والعربية، والخطوات المقبلة ربما تشهد تقليص العلاقات مع القاهرة، إلا إذا تنبهت الأخيرة لمخاطر المشهد الجيوسياسي في المنطقة.

وختم بأن الأمر سيخلق حالة من التوتر الشديد بين الكثير من العواصم الخليجية وبين القاهرة، معتبرا أن هذا لا يصب في مصلحة العمل العربي، وعلى العقلاء في مصر تدارك سقوط القاهرة في يد الملالي كي لا يسقط الأمن القومي العربي.