في 17 ديسمبر/كانون الأول 2010، أقدم الشاب التونسي محمد بوعزيزي على إحراق نفسه في محافظة سيدي بوزيد احتجاجا على سوء الأوضاع المعيشية، مطلقا شرارة ثورة اجتاحت تونس وأطاحت بنظام زين العابدين بن علي، وامتدت لتشعل ثورات أخرى في عدة بلدان عربية حاملة شعارات تطالب بالكرامة والحرية والديمقراطية.
 
ورغم العثرات نجحت تونس في تحقيق تحول ديمقراطي وفق دستور توافقت عليه مختلف القوى السياسية، لكن هذا لم يكن الحال في باقي ثورات الربيع العربي. ففي مصر جرى الانقلاب على التجربة الديمقراطية في مهدها، وتحولت الثورات في سوريا واليمن وليبيا إلى صراعات مسلحة.

حلقة (17/12/2015) من برنامج "حديث الثورة" ناقشت أثر الثورة التونسية وما آلت إليه من مكاسب وتحديات في مسيرة ثورات الربيع العربي، تزامنا مع الذكرى الخامسة لاندلاع شرارتها.

وبدأ رئيس برنامج العلوم السياسية في معهد الدوحة للدراسات العليا عبد الوهاب الأفندي بتحية ثورة تونس، قائلا إنها ليست ثورة المهمشين بل ثورة النبلاء والشرفاء الممثلين للوجه الحضاري في العالم العربي. ورأى أن هذه الثورة كانت ترغب في أن يكون جميع الناس أحرارا، واصفا الجهات الفاعلة -كحركة النهضة والاتحاد العام للشغل والرباعي الذي حصل مؤخرا على جائزة نوبل للسلام- بالتحلي بالحكمة والحوار.

وأضاف أن جهات في تونس كانت ترغب في إسقاط الثورة كما حدث في بلدان أخرى، لكن تضحية من كان في السلطة -كالرئيس المنصف المرزوقي وحركة النهضة- فوتت هذه الفرصة.

video

نجاح رغم العقبات
من جهته، قال عضو المكتب التنفيذي لحركة النهضة وزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية السابق سمير ديلو، إن المسار الثوري ليس خطا مستقيما وإنما هو مسار تعترضه كثير من العقبات، قائلا إن الثورة التونسية لم تغير مسار التاريخ فقط، وإنما غيرت الجغرافيا أيضا، فالجارة ليبيا لم تعد كما كانت، "وسوريا ومالي تكادان تصبحان بلدين مجاورين لتونس، فلم نعد نطمئن كثيرا لما تقوله الجغرافيا".

أما أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في باريس زياد ماجد، فقال إن جغرافيا تونس وبعدها عن المناطق الملتهبة في الشرق الأوسط كان له تأثير إيجابي على نجاح الثورة، كما أن كون الثورة التونسية هي الأولى في الوطن العربي كان عاملا إضافيا في نجاحها قبل أن تتحرك القوى الإقليمية والدولية.

من جهتها، ترى كبيرة الباحثين في معهد "وودرو ولسون" مارينا أوتاواي أن ليبيا هي الدولة الوحيدة تقريبا التي شهدت ثورة بحق، "فلكي نتمكن من الحديث عن الثورة، فنحن بحاجة إلى تغيير كامل في الطبقة السياسية، وهذا ما لم يحدث في مصر وتونس مثلا، وما شهدناه في هذه الدول هي انتفاضات وقدر محدود من التغيير".

وأضافت أوتاواي أن الإدارة الأميركية لم تكن تعرف ماذا تفعل، فقد دعمت الانتفاضة التي أطاحت بنظام حسني مبارك في مصر مثلا، لكنها بعد ذلك لم تنزعج من إزاحة جماعة الإخوان المسلمين عن السلطة بالقوة.

لكن الأفندي اختلف كليا مع أوتاواي في وصف ما حدث بالهبات، مؤكدا أنها ثورات حقيقية فعلا، مؤكدا أن ما حدث في مصر كان ثورة عالمية أثرت في العالم كله، وأوضح أن هذه الثورات أتت بتغيير جذري لولا قيام ثورات مضادة لها.

وأضاف أن الانقلاب العسكري الذي جرى في مصر لاحقا لم يكن انقلاب عبد الفتاح السيسي وإنما انقلاب بنيامين نتنياهو (رئيس الوزراء الإسرائيلي)، وبسبب النفوذ الإسرائيلي القوي في واشنطن فإن الإدارة الأميركية لم تحرك ساكنا تجاهه. 

video

ثورات مضادة
ويرى ديلو أن الحكمة غلبت في تعامل القوى السياسية التونسية، خشية إسالة أنهار من الدم، ولذلك فجائزة نوبل التي حصل عليها الرباعي هي جائزة للشعب التونسي بأكمله.

وقال أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية زياد ماجد إن الثورة التونسية هدفت إلى الإطاحة برأس النظام ورأس المنظومة البوليسية، ولأن الجيش التونسي كان مؤسسة محترفة تخضع لسيادة الدولة أكثر من خضوعها لعائلة الرئيس فهي من حمى تونس من ثورة مضادة، أما في مصر فإن الثورة المضادة بقيادة الجيش كانت قوية للغاية وهو ما أجهض الحكم المنتخب. وأضاف ماجد أن الجيش السوري هو "جيش عائلة الأسد، ولم يرق حتى لأن يكون جيش النظام، وقد تفوق على الجميع في تحويل الثورة إلى صراع عسكري".

وأقرت أوتاواي بأن الولايات المتحدة والدول الأوروبية تحاول أن تحمي مصالحها، فإدارة أوباما رأت أن من مصلحة أميركا أن تبقي على علاقة ودية مع مصر، "وحتى لو أن الولايات المتحدة سمت ما حدث في مصر باسمه الحقيقي وهو الانقلاب لما تغير شيء في الواقع".

لكن أفندي أشار إلى أن تسمية أميركا ما حدث في مصر بالانقلاب كان من الممكن أن يغير كثيرا من الواقع المصري، "فلو قالت أميركا للنظام المصري: لا تذبحوا الناس في رابعة لما حدث ذلك، ولو قالت له: لا تعذبوا المعتقلين، لما حدث ذلك..".

وفي حين أشاد الأفندي بحركة النهضة الإسلامية في تونس، فإنه عاب على الإسلاميين في مصر عدم مرونتهم.

اسم البرنامج: حديث الثورة

عنوان الحلقة: في ذكراها الخامسة.. هل نجحت الثورة التونسية؟

مقدم الحلقة: محمود مراد

ضيوف الحلقة:

-   عبد الوهاب الأفندي/معهد الدوحة للدراسات العليا

-   سمير ديلو/وزير حقوق الإنسان السابق في تونس

-   زياد ماجد/أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميرية - باريس

-   مارينا أوتاواي/كبيرة الباحثين في معهد وودرو ولسون

تاريخ الحلقة: 17/12/2015

المحاور:

-   زخم الثورة والنضج المطلوب

-   أسباب نجاح الثورة التونسية

-   أفق التحول الديمقراطي في بلدان الربيع العربي

-   مسار الثورات المضادة

-   الغرب بين العنف والديمقراطية في المنطقة العربية

-   المراجعة الفكرية لجماعة الإخوان المسلمين

محمود مراد: السلام عليكم ورحمة الله وأهلاً بكم إلى هذه الحلقة من حديث الثورة، في الـ 17 من ديسمبر عام 2010 أقدم الشاب التونسي محمد بوعزيزي على إحراق نفسه في محافظة سيدي بوزيد احتجاجاً على سوء الأوضاع المعيشية مطلقاً شرارة ثورة اجتاحت تونس وأطاحت بنظام زين العابدين بن علي وامتدت لتشعل ثورات أخرى في عدة بلدان عربية حاملة شعارات تطالب بالكرامة والحرية والديمقراطية، رغم العثرات نجحت تونس في تحقيق تحول ديمقراطي وفق دستور توافقت عليه مختلف القوى السياسية لكن هذه لم تكن الحال في باقي ثورات الربيع العربي، ففي مصر جرى الانقلاب على التجربة الديمقراطية في مهدها وتحولت الثورات في سوريا واليمن وليبيا إلى صراعات مسلحة، نناقش في حلقتنا هذه نتاج الثورة التونسية بعد 5 سنوات من انطلاقها وما حققته من مكاسب وما تواجهه من تحديات وأثرها في بلدان الربيع العربي ولماذا أخفقت تجربة تحول الديمقراطية في بلدان عربية أخرى، نبدأ النقاش بمحاولة قراءة التجربة التونسية الراهنة عبر ميزان المكاسب والتحديات لكن بعد متابعة تقرير نبيل الريحاني.

]تقرير مسجل[

مريم بلعالية/مذيعة الجزيرة: وقد أكد ممثلون عن المعارضة التونسية حضروا التجمع الاحتجاجي أن الشاب أشعل النار في نفسه...

نبيل الريحاني: ما الذي فعلته تونس بالعالم العربي!! أتت قلاع الاستبداد من حيث لا تحتسب يقول كل الذين يجزمون بأن النار التي أحرق بها محمد البوعزيزي جسده يوم الـ 17 من ديسمبر سنة 2010 أضرمت الثورة في دول ما كان لأوضاعها أن تستمر على ما كانت عليه، يجادل فريق بأن بلد الزيتونة وقع ضحية لأمر دُبر بليل حاكته أيادٍ خارجية تمرست بطبق التحولات الكبرى في بلاد العرب وغيرها من وراء الستار غير أن الوقائع قبل المواقف تُذكر هؤلاء أن شرارة الثورة التي انطلقت من ربوع سيدي بوزيد والقصرين ما كانت سوى نتاج لاستفراد بالقرار وإمعان في التهميش وسدٍّ لكل أبواب المشاركة أصر عليها الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، هرب بن علي وكان على تونس أن تواجه قدرها وأن تختبر قدرة أبنائها على طي صفحة من التاريخ وافتتاح أخرى، الذين جمعتهم ساحات القصبة في نسختيها الأولى والثانية فرقتهم خلفيات وشعارات وأجندات الملل الفكرية والأحزاب السياسية وكان لا بد من صندوق الاقتراع مهما طال وعسر مخاض الانتقال الديمقراطي، لم يكن إنشاء هيئة لتحقيق أهداف الثورة كافياً لانجازها ولم يكن لانتخابات المجلس التأسيسي في 2011 إلا أن تصب زيت النتائج على نار الاستقطاب السياسي الحاد بين عشرات الأحزاب التي خرجت من ضيق الاستبداد إلى وسع الحرية تقطع المسافة المحتومة بين زخم الثورة والنضج المطلوب لبناء الجمهورية الثانية فالدولة الديمقراطية المنشودة، رحلة اكتنفتها ألغام المطلبية المشطة والاضطرابات الاجتماعية والتدهور الأمني المتصاعد بان بالكاشف أن للثورة أعداء يتربصون بها وأن المنظومة القديمة ضاربة الجذور في أجهزة الدولة قادرة على التقاط الأنفاس وإعادة الانتشار، لم يصدر القضاء التونسي إلى اليوم حكمه الفصل فيمن اغتال كل من شكري بلعيد ومحمد البراهمي ولم تتوضح الصورة الكاملة بعد حول صناع وتجار الإرهاب في تونس لكن الأكيد هو أن هذه الأحداث فرضت عمراً قصيراً لتجربة الترويكا بقيادة حركة النهضة الإسلامية ووضعت البلاد والثورة أمام مفترق طرق مصيري إما التنازلات المتبادلة أو الذهاب إلى السيناريو السوري أو المصري في حد أدنى، اشترطت الترويكا الفراغ من دستور جديد وإنشاء هيئات تعديلية دستورية مستقلة مقابل النزول عن سدة حكم أجلستها عليها إرادة الناخب التونسي في أول انتخابات تعددية ديمقراطية نزيهة في تاريخ تونس، الوفاق كلمة بشر بها رباعي رعى حواراً وطنياً لم يخلُ هو الآخر من جدل بين من رآه طوق نجاة للبلاد والعباد ومن وجد فيه قفزاً في استحقاقات الثورة بعناوين يحسبها الظمآن ماء، وفاق مهد لتشريعيات ورئاسيات 2014 تلك التي أعادت توزيع الأوراق والأدوار لتحل المعضلة الأهم في تونس وسائر الدول العربية ألا وهي الصراع من أجل السلطة، جاب السؤال التونسي أرجاء الوطن العربي هل يمكن للديمقراطية أن تستقر بين العرب؟ قال القائمون على جائزة نوبل للسلام 2015 بلى وهم يسلمون تونس تثميناً دولياً مرموقاً لرعاة الوفاق فيها من أبرز منظمات المجتمع المدني لكن بلاداً عربية أخرى ما تزال تتلمس طريق الحرية بيد مضرجة بالدماء الغزيرة، ترى في تونس على علات مسارها الثوري أفقاً ممكناً وبوصلة ثورية ملهمة، لم تنتهِ القصة مع حلول ذكرى اندلاع الثورة التونسية يقول التاريخ أن سنواتٍ خمس ليست سوى بداية في ذاكرة شعب أثبت للعرب أن الأقدار ستستجيب عاجلاً أم آجلاً إن هي أرادت الحياة وأن كسر قيود الاستبداد صبر مرحلة.

]نهاية التقرير[

محمود مراد: لمناقشة هذا الموضوع ينضم إلينا هنا في الأستوديو الدكتور عبد الوهاب الأفندي رئيس برنامج العلوم السياسية في معهد الدوحة للدراسات العليا، ومن باريس الدكتور زياد ماجد أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في باريس، ومن تونس السيد سمير ديلو عضو المكتب التنفيذي لحركة النهضة ووزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية السابق، ومن واشنطن السيد مارينا أوتاواي كبيرة الباحثات في معهد وودرو ولسون، مرحباً بكم جميعاً والسؤال للدكتور عبد الوهاب الأفندي، دكتور عبد الوهاب عندما ننظر إلى ما آلت إليه الأمور في تونس ونقارن ذلك بما حدث في بقية البلدان التي شهدت هبات انتفاضات ثورات سمها كيف شئت ربما يشعر الناظر بشيء من الارتياح لكن هل يعني ذلك أن تونس وضعت قدمها على الطريق الصحيح فعلاً وأمنت غدر الانتفاضات المضادة أو الثورات المضادة؟

عبد الوهاب الأفندي: يعني أولاً ونحن اليوم نحيي الثورة التونسية المجيدة أريد أن أصحح خطأ يعني يتكرر حتى في الجزيرة هذه ليست ثورة المهمشين والمعطلين كما يُكرر إنما هي ثورة الشرفاء والنبلاء الممثلون للوجه الحضاري للعالم العربي، الذين ثاروا في تونس وفي مصر مثل الذين بدؤوا كلنا خالد سعيد مثل الذين ثاروا لأن بوعزيزي قد يعني أحرق نفسه وظلم، كانوا يرفضون الظلم، كانوا كثير منهم نخبة لا يمسهم هذا الظلم مباشرة لكنهم رأوا أن المجتمع المتحضر لا يمكن أن يقوم إلا إذا ثار الناس على الظلم، نفس الشيء في ميدان التحرير وبالتالي هذه الثورة كانت تريد أن يكون كل الناس أحرار، كل الناس متساوون والذين قاموا عليها يحملون هذا الشرف والنبل، الذي حدث انه في تونس استمرت التيارات الديمقراطية موحدة إلى حد ما وفي نفس الوقت اكتسبت الجهات التي لها دور قيادي مثل حركة النهضة وكذلك الاتحاد العام للشغل والرباعي الذي حصل على جائزة نوبل تمسكوا بالحكمة ونظروا إلى المدى البعيد، كان في تونس كما في الدول الأخرى جهات تريد أن تسقط الديمقراطية لأغراض ضيقة يعني هناك الذين ثاروا وحاولوا إسقاط حركة النهضة ولم يريدوا إسقاط الحركة الحقيقة أرادوا إسقاط الديمقراطية كما حصل في مصر لأسباب يعني ضيقة، لكن الفارق في تونس أن الجهات حركة النهضة والجهات اللي كان بيديها السلطة والرئاسة المنصف المرزوقي ورئاسة أيضاً بن جعفر للمجلس كانوا ديمقراطيين حقيقيين وبالتالي ضحوا على المدى القصير حتى تكسب تونس على المدى الطويل، هذا للأسف لم يحدث في جهات أخرى وبالتالي نحن يعني نأمل لأنه النجاح يولد النجاح، في تونس الآن لأن الثورة نجحت ولأن الديمقراطية في حالة نجاح أصبحت توقعات الناس هي استمرار الديمقراطية وبالتالي الناس يتصرفوا الذي يريد أن يسقط الديمقراطية في تونس يعرف انه لن ينجح وبالتالي حتى لو كان ضد الديمقراطية هو يتعايش مع الديمقراطية لأن Momentum والزخم مستمر.

زخم الثورة والنضج المطلوب

محمود مراد: سيد سمير ديلو يعني فهمنا من كلام الدكتور عبد الوهاب الأفندي أن النخبة التونسية تحلت بقدر من المسؤولية أرسوا سابقة في العمل السياسي العربي ربما ينبني عليها نجاح في المستقبل، لكن هناك في المقابل من يرى أن الثورة في خطر في تونس شأنها شأن بقية البلدان وإن تحصنت بشيء من النجاحات كما أسلفت، لكن هل حققت الثورة ما ثار عليه الثوار أو ما ثار من أجله الثوار فعلاً؟

سمير ديلو: لا أظن أن الثوار أنفسهم كانوا يظنون أنهم سيحققون أهدافهم في سنوات قليلة، أنا لا أريد أن أعود إلى مثال الثورة الفرنسية الذي يضرب دائماً ولكن في إطار المسار الثوري التونسي هناك العديد من الطلبات ليست حصيلة إرادة ولا قرار ولكنها نتيجة لمسار طويل متعرج المسار الثوري ليس خطاً مستقيماً وإنما هو مسار تعترضه الكثير من العقبات الكأداء، حسب المجالات هناك مجالات مثل الحريات أو استكمال بناء المؤسسات أو كتابة الدستور هذه تتعلق بتواضع وتوافق وتوفر الإرادة ولكن كل الطلبات الاقتصادية الاجتماعية المتعلقة بالتشغيل والمتعلقة بالكرامة في بعدها الاجتماعي هذه ليست موقوفة على الإرادة فقط وإنما تتطلب إمكانيات وبعض هذه الإمكانيات ليست رهينة إرادتنا الوطنية الإقليمية والمحلية ولكن هي أيضاً تخضع لإكراهات إقليمية ودولية، يكفي أن نعرف أن المسار الثوري في العالم العربي في تونس أساساً في البداية لم يغير المسار التاريخي فقط وإنما غير الجغرافيا أيضاً، بعض جيراننا بعد الثورة لم يعودوا جيراننا قبلها، ليبيا لم تعد ليبيا ومالي وسوريا يكادان يصبحان بلدان مجاوران لتونس، لم نعد نطمئن كثيراً إلى ما تقوله الخرائط الجغرافية، نحن لسنا متفائلين بالمعنى العاطفي..

محمود مراد: عفواً هل يمكن أن توضح لنا كيف يمكن لسوريا أن تكون جارة لتونس!!! لم أفهم هذه النقطة.

سمير ديلو: يعني قلت تكاد تكون جارة بالطبع المعطيات الجغرافية لا تقول هذا ولكن التونسيون يتحولون إلى سوريا وكأنهم يتحولون إلى دولة مجاورة، تحدث عمليات إرهابية في تونس من عائدين من سوريا، تحسن الوضع في سوريا إن شاء الله سيكون له انعكاس مباشر على الوضع في تونس تماماً كما الوضع في ليبيا والعكس بالعكس ولكن الخلاصة التي نصل إليها أن تونس ليست جزيرة، هي أثرت في المسار اللاحق لما حصل في تونس في أواخر 2010 وبدايات 2011 وهي تتأثر حالياً، في بدايات 2011 كان المسار الثوري في حالة صعود تونس وليبيا ومصر واليمن وسوريا للأسف الشديد بعد الانتكاسة المصرية كانت هناك مراهنات على استعادة وعلى استنبات المثال المصري في تونس ولكن ذلك فشل وأنا لا أريد أن أكرر...

محمود مراد: طيب لهذا حديث آخر سنأتي عليه، لهذا حديث آخر سنأتي عليه وعلى ذكره في أثناء هذه الحلقة، دعني أطرح السؤال على الدكتور زياد ماجد فيما يتعلق بالعامل الخارجي الذي أشار إليه ضيفنا من تونس، مسألة الموقع الجغرافي لتونس الكثافة السكانية لتونس هل تعتقد أنها أثرت من حيث عدم توحش الثورة المضادة أو وجود داعمين إقليميين ودوليين لها على النحو الذي حدث في بلدان أخرى؟ هل تعتقد أن تونس أفلتت من هذا الفخ بسبب العاملين الذين أشرت لهما؟

أسباب نجاح الثورة التونسية

زياد ماجد: نعم هناك جانب من الموضوع التونسي يرتبط بجغرافيا تونس، يرتبط ببعدها عن المناطق الملتهبة تاريخياً في الشرق الأوسط ويرتبط بحجمها ويرتبط أيضاً بالتوقيت كون تونس كانت أول ثورة لم يكن هناك الكثير من اللاعبين الخارجيين الذين قد أعدوا حسابات وباشروا بتنفيذ مخططات معينة أو محاولة استباق أمور أو استيعابها، إنما أعتقد أيضاً إذا سمحت لي أن بعض العوامل الداخلية التونسية التي ربما يفيد التفكير بها لعبت دوراً رئيسياً وحاسماً ربما في مسار هذه الثورة التونسية وما تبعها من انتقال سياسي، الموضوع الأول هو دور الجيش التونسي فالجيش التونسي على خلاف الجيش المصري وعلى النقيض تماماً من الجيش السوري لم يكن جيش آل بن علي أو آل الطرابلسي أو من كانوا في السلطة، كان جيش الدولة التونسية، لم يكن منذ أيام بورقيبة لاعباً أو فاعلاً سياسياً رئيسياً في البلاد وهذا جعل منه إلى حد ما على الحياد ومنع بالتالي زخم ثورة مضادة محتملة، الموضوع الثاني هو الطبقة الوسطى المدنية التونسية المتعلمة التي استفادت من تراكمات بورقيبة إلى حد بعيد رغم أزمات البطالة وحقوق الإنسان الكبيرة التي كانت موجودة في ظل استبداد بن علي، ثم هناك الموضوع الخاص أيضاً بعلاقة النخب التونسية خارج تونس بأبناء الوطن نفسه وهنا الموضوع الذي ذكرتموه حول ثقافة ديمقراطية ما، حول تجنب الأسوأ، حول القبول بالمسار الديمقراطي وبالانتخابات ودور النهضة كان جيداً بالطبع، قبول الخسارة لاحقاً وباقي النخب اللجوء إلى الانتخابات وليس إلى المحاولات الانقلابية، هذه وفرت على تونس الكثير من المصاعب وأبقتها رغم العقبات ورغم موضوع الحدود الليبية التي طبعاً نعرف وضعها الأمني اليوم رغم موضوع الجهاديين التونسيين وهم بالآلاف الموجودين في سوريا وبعضهم يحاول العودة رغم هذه المشاكل الكبرى والتضخم وقلة الاستثمارات الخارجية راهنا إنما المسار يبدو مطمئنا على الأقل في المدى المنظور وطبعا قد يصبح إذا تحصن أكثر أهمية في المدى البعيد، مشكلة سوريا مثلا أو مصر وقرب الحدود هناك إلى كثرة من التدخلات الدولية التاريخية وإلى المحاور الإقليمية الخليجية والإيرانية ثم إلى محاولة روسيا العودة إلى الخريطة الارتباك الأميركي الذي صار يتطور في الحالة السورية تحديدا حدود إسرائيل كل هذه الأمور عقدت الأمور في المشرق العربي ووفرت تونس على نفسها كثير من المشاكل بسبب تكوينها الداخلي وبسبب هذا البعد الجغرافي.

محمود مراد: سيدة مارينا أوتاواي الذي تابع تصريحات الرئيس الأميركي باراك أوباما إبان الانتفاضة التي حدثت من المصريين في عام 2011 وتصريحاته الشديدة القطع للرئيس السابق حسني مبارك ارحل الآن تعني الآن دون إبطاء ربما توسم خيرا في هذا الرجل أو في الغرب بصفة عامة إزاء ثورات الربيع أو موجة ثورات الربيع العربي لكن المتابع لتصرفات تلك الدول لاحقا في السنوات التالية ومدى ترحيبهم بعناصر ورموز الثورات المضادة يجد فجوة منطقية لا يستطيع أن يفهمها في تصرفات هذه الدول، هل ترين ما يراه أصحاب هذا الرأي؟

مارينا أوتاواي: بادئ ذي بدء أود أن أوضح أن معظم الدول التي نتحدث عنها لم تختبر الثورات أو على الأقل لم تقم بذلك بعد، ربما الاستثناء الوحيد هو الاستثناء الليبي لكي نتمكن من الحديث عن الثورة نحن بحاجة إلى تغيير كامل في الطبقة السياسية إذا ما نظرنا إلى تونس إلى مصر ربما شهدنا قدوما لبعض العناصر الجديدة التي انضمت للطبقة السياسية إلا أن الطبقة السياسية بقيت مشابهة لما كانت عليه في السابق إلى حد كبير بالتالي ربما شهدنا انتفاضات في هذه الدول وقدرا ضئيلا من التغيير لكن من دون أدنى شك هذا التغيير لم يصل إلى حد اعتباره ثورة، بالنسبة إلى موقف الولايات المتحدة فيما يتعلق بما أود أن اسميه أنا الانتفاضة ربما أعتقد أن الحماس الساذج هو الذي كان سائدا من قبل الإدارة ومن قبل الجمهور الأميركي بشكل عام ربما اعتبروا أن الناس كانوا قد انتفضوا في الشارع وهذا سوف يؤدي إلى تغيير ديمقراطي فورا إلى أن الأمور لا تسير على هذه الشاكلة ولم نشهد دعما مستداما لهذا التغيير الذي كان يبدأ في هذه الدول وبكل بساطة لأن إدارة أوباما لم تكن تعرف كيف تصل إلى هذا التغيير وتحققه، على سبيل المثال دعمت الانتفاضة في مصر لأنها لم تكن تحبذ نظام مبارك ولكن بعد ذلك تغيرت الأمور وانهارت وجماعة الإخوان المسلمين كانت قد انتخبت والأميركيين يعتبرون أو يولون الأهمية لقضية من انتخب لكن في الوقت عينه لم يزعجها أن يغادر أو تغادر هذه الجماعة النظام لأنه لم توافق على سياسة هذه الحركة..

محمود مراد: ولكن عفوا سيدة مارينا عفوا على المقاطعة يعني ربما لم يزعجها أن يحدث انقلاب عسكري على المسار الديمقراطي يعني نحي جماعة الإخوان المسلمين جانبا وركزي في وجود نظام ديمقراطي كان يعتمد على تداول السلطة والانتخابات وربما تذهب جماعة الإخوان المسلمين أو رئيسها من خلال صندوق الاقتراع، لم يكن بالضرورة الحل الوحيد لذهاب هذه الجماعة بحيث لا ينزعج الأميركيون هو الانقلاب العسكري.

مارينا أوتاواي: في الواقع الحل الوحيد لم يكن حلا كان يريده الأميركيون أعني بذلك الانقلاب العسكري في مصر، بكل صراحة كانت الولايات المتحدة تشعر بقدر من اللغط فيما بتعلق بالوضع في مصر كان ثمة حكومة منتخبة ديمقراطيا لا تتصرف بشكل ديمقراطي بالمقابل كان لدينا معارضة يمثلها الجيش وهؤلاء حتى أقل ديمقراطية لأن لا شيء ديمقراطي عندما تقوم بانقلاب عسكري حتى عندما تظاهر الناس ضد مرسي لم تكن الإجابة على ذلك بشكل ديمقراطي، بالتالي أعتقد أن إدارة أوباما لم تكن الأمور واضحة عندها لجهة الوضع في مصر.

محمود مراد: دكتور عبد الوهاب الأفندي ضيفتنا من أميركا تقول إنها مجرد هبات وليست ثورات، هناك من يلجأ إلى التعريف التقليدي لموضوع الثورة على أنه فعل فجائي للقطع مع الماضي تماما هل لم تتوافر مقومات هذا التعريف فيما حدث في الدول العربية؟

عبد الوهاب الأفندي: أولا أحيي الصديقة مارينا من واشنطن وأختلف معها تقريبا كليا في كل ما قالت، لأن حقيقة هذه الهبة لم تكن هبة كانت ثورة فعلا يعني ثورة يعني بحجم لم يحدث لا في الثورة الفرنسية ولا حتى في الثورة الأميركية بمعنى الطوفان الذي حدث في مصر وصل حتى شواطئ واشنطن ويعني استلهمته حركة Occupy Wall street العالم كله شهد بأن هذه الثورة التي حدثت في مصر لم تكن ثورة عادية كانت ثورة عالمية والكل في مصر استوعب هذه القضية وكان الزخم يسير في اتجاه أنه يحصل ديمقراطيا، أنا يعني عندي انتقاداتي على حركة الإخوان المسلمين وحكمها لكن في حالة الإخوان المسلمين لم تكن يعني المشكلة مع حركة الإخوان لم يكن الشعب المصري ولم تكن أميركا إنما كانت إسرائيل يعني انقلاب السيسي هو انقلاب نتنياهو حقيقة، وبالنسبة لنفوذ إسرائيل القوي في واشنطن الإدارة الأميركية لم تحرك ساكنا لأنها لا تريد تواجه اللوبي الصهيوني.

محمود مراد: يعني أنا لا أريد أن نتوسع كثيرا في تحليل الحالة المصرية هذا سنرجئه للنصف الثاني من هذا اللقاء لكن..

عبد الوهاب الأفندي: حقيقة يعني الإدارة الأميركية والدول الغربية يعني تنظر بمنظار أنا أراه مقلوب، يعني مثلا الآن عندما تحصل مواجهة بين أردوغان في تركيا وبين بوتين يقفوا يتفرجوا وكأن بوتين وأردوغان هو نفس الشيء يعني هذا رجل ديمقراطي حليف للغرب وعضو في الناتو وذاك يعني رجل فتوة مجرم حرب قاتل يريد أن يدمر العالم كله ويقتل الأبرياء..

محمود مراد: دون إطلاق مثل هذه الأوصاف التي لا تعضدها أحكام محاكم دولية ولا قرارات من الأمم المتحدة عفوا..

عبد الوهاب الأفندي: أنا رأيي أهم من المحاكم الدولية، لكن يعني مرسي كان ديمقراطيا لم يكن هناك معتقل في حكمه لم يكن هناك قوانين شريعة ولا شيخ إسلامي يتعامل يعني كان ديمقراطي مثله مثل الرئيس يعني المنصف المرزوقي لكن الخطأ الذي ارتكبوه الإخوان المسلمين والحكومة أنهم لم يدركوا حجم المصالح التي كانت ترتبط بالنظام السابق وكان يجب أن يرى..

محمود مراد: يعني ترى أنها ثورات بالفعل ليست هبات أو مجرد انتفاضات.

عبد الوهاب الأفندي: ليست ثورة هذه ثورة عظيمة هذه يعني غيرت وضع.

محمود مراد: لكن كل هذه الهبات كما قالت لم تأتِ بتغيير جذري في الطبقة السياسية أو في النخب.

عبد الوهاب الأفندي: لا، أتت بتغير جذري لكن قامت عليها ثورة مضادة..

أفق التحول الديمقراطي في بلدان الربيع العربي

محمود مراد: يعني حتى تونس هل تونس أتت بتغيير جذري هذا الباجي قائد السبسي هو رئيس من المستقبل؟

عبد الوهاب الأفندي: طبعا يعني الآن خلينا من تونس في مصر نفسها يعني عندما عبد الناصر مثلا أطاح بالإخوان المسلمين هل كان في مظاهرات تخرج ضده هل كان أحد يتكلم، الآن الظروف تغيرت، الناس تخرج مظاهرات كل يوم ضد السيسي لا أحد يخاف حاجز الخوف كسر، الوضع تغير، السيسي نفسه يدعي أنه ديمقراطي، في تونس أيضا الباجي قائد السبسي صحيح أنه يمثل النظام القديم لكنه لا يستطيع التصرف مثل النظام القديم تونس تغيرت العالم انقلب لم يحدث شيء.

محمود مراد: أرجو منكم أن تبقوا معي أنت والضيوف الكرام والسادة المشاهدين فاصل قصير مشاهدينا الأعزاء نعاود بعده النقاش في حلقتنا هذه من حديث الثورة.

[فاصل إعلاني]

محمود مراد: أهلا بكم من جديد في هذه الحلقة من حديث الثورة، الثورة التونسية ألهمت الشباب الغاضب من تردي الأوضاع المعيشية وإهدار أجهزة الأمن إنسانيتهم فثاروا في مصر واليمن وليبيا وسوريا على أنظمة لم تحقق لهم على مدار عقود الحد الأدنى من العيش الكريم والحرية لكن النتائج تباينت فقد نجحت مختلف القوى التونسية عبر الحوار والتوافق في تأمين تحول ديمقراطي هادئ لكن تعثر كان كما يبدو قدر بلدان أخرى فتحولت الثورة السلمية إلى عمل مسلح في ليبيا وسوريا وأخفقت محاولات التوافق في اليمن وجرى الانقلاب في مصر على التجربة الديمقراطية في مهدها، نناقش أسباب هذا الإخفاق بعد متابعة تقرير ماجد عبد الهادي الذي يرصد مسار الثورات المضادة في بلدان الربيع العربي.

[تقرير مسجل]

ماجد عبد الهادي: عند أبواب العاصمة الليبية طرابلس تعثرت الثورات العربية ابتداء بعدما كانت قد جرفت حكم كل من الرئيسين التونسي زين العابدين بن علي والمصري حسني مبارك في أسابيع قليلة، هنا تفوق العقيد معمر القذافي على نظيريه المخلوعين قبله في استخدام لغة الحديد والنار وتأجيج القمع إلى مستوى المذبحة فخرج على مواطنيه بكتائبه العسكرية وترسانته التسليحية ليقتل المتظاهرين بالجملة ويستخدم الطائرات في قصف معاقل الثوار ثم جاء بالمرتزقة من دول إفريقية وأوروبية شرقية ليعيدوا من وصفهم بالجرذان إلى جحورهم، ورغم تحرك المجتمع الدولي للمساعدة على خلعه وتمكن الثوار لاحقا من القبض عليه وقتله فإن تجرؤه على سفك دم شعبه بتلك الكثافة الاستثنائية شكلت سابقة سرعان ما حذا حذوه على طريق تكرارها نظيره السوري بشار الأسد وتفوق أيضا من دون أن يخشى حسابا أو عقابا، لا أحد عرف إذ ذاك سر ثقة النظام السوري بأن المجتمع الدولي لن يتدخل لتلبية نداءات الاستغاثة المتعالية من الضحايا المدنيين في درعا وحمص وحماة وإدلب وغوطة دمشق غير أن التجربة دفعت أيضا إلى تحليلات ومواقف متباينة تراوح بين التغني بجدارة دولة المقاومة والممانعة في الصمود أمام المؤامرة الكونية والتشكيك في المقابل بأن نفوذ إسرائيل ومعها الولايات المتحدة الأميركية هو ما حال دون المجتمع الدولي ومعاقبة الأسد الذي حمى وأبوه من قبله حدود الاحتلال على جبهة الجولان طوال الأربعين عاما، لكن وأيا تكن الخفايا فإن ما حدث علنا طوال ما يقرب من خمس سنوات هو ولادة وتنامي الثورة المضادة من رحم نظام الأسد بمجرد أن هبت لنجدته قوى طائفية ومذهبية إقليمية أبرزها إيران وحزب الله ناهيك عما تلقى من دعم روسي بلغ أخيرا حد التدخل العسكري المباشر، بذلك صار قتل مئة ألوف السوريين روتينا لا يؤرق الضمير العالمي وبذلك فتحت الأبواب أمام فلول أنظمة الحكم الساقطة لتعيد حساباتها، ماذا كان ينقصنا لنفعل مثل بشار ألسنا جيران إسرائيل وأصدقائها تسأل دهاقنة الدولة العميقة في مصر على الأرجح قبل أن يرى العالم نسخة أخرى من الثورة المضادة تطيح التجربة الديمقراطية بكل رموزها وتحاول تخليق أخرى على شاكلتها من بقايا نظام القذافي في ليبيا، بينما عاد دكتاتور اليمن السابق بشحمه ولحمه واستنسخ تجربة نظيره السوري بالتحالف مع الحوثيين ومن ورائهم إيران وصولا إلى تدبير الانقلاب الذي به اكتمل إجهاض أحلام طالما راودت ملايين العرب لتحل محلها كوابيس الموت بل الموت ذاته ومعه التنكيل والزنازين والتدمير والتشريد الجماعي عقابا لا راد له على كل قرية غنت يوما للحرية.

[نهاية التقرير]

مسار الثورات المضادة

محمود مراد: نستأنف النقاش مع ضيوفنا حول الثورة التونسية وأسباب نجاح عملية التحول الديمقراطي فيها بينما تعثر هذا المسار في بلدان أخرى والسؤال للسيد سمير ديلو، ما أسباب استمرار مسار التحول الديمقراطي في تونس أيعود في ذلك بتقديرك إلى مرونة حركة النهضة أم إلى قدرتها وقدرة الإسلاميين في تونس على تحييد دعاة استئصال التيار الإسلامي وقد كانوا كثيرين و عبروا عن أنفسهم على أنهم كثيرون؟

سمير ديلو: قد أفاجئك وأفاجئ ضيوفك ومستمعيك إذا قلت أنه حتى الاستئصاليون أنفسهم كانوا جزءاً من الحل لأنهم أيقنوا أن استنساخ تجارب الاستئصال وأساسا مع ما حصل في مصر سيكون ثمنه أنهار من الدم ولذلك غلبت الحكمة وساهم الجميع في الحل ولذلك كانت تهنئة العالم وكانت الجائزة التي حصل عليها الرباعي هي في الحقيقة جائزة للجميع لأن الذي تفوق هم الشعب التونسي الذي اشترى أمنه واشترى حريته ومواصلة مساره الديمقراطي بتوافق وتلازم من الجميع، الجميع يقولون أن الترويكا أو حركة النهضة قد سلمت السلطة وتنازلت ولكن الذين تنازلوا هم الجميع لأن المطالبات كانت بإيقاف المسار الديمقراطيـ وفي المقابل فإن حركة النهضة قالت أن الأهم ليس الحفاظ على السلطة ولكن الأهم هو الحفاظ على الانتقال الديمقراطي اليوم نحن نتقدم أكيد أنه بخطوات وئيدة ولكنها خطوات ثابتة، في تونس نتحدث لا عن ثورة نجحت ولكن عن مسار ثوري يتقدم..

محمود مراد: عفوا على المقاطعة أي نعم هذا تحديدا ما كنت أود السؤال عنه أستدعي الكلمات التي قالتها ضيفتنا من واشنطن بشأن ما حدث في البلدان العربية هل هو ثورة أم هو مجرد هبات وانتفاضات، إذا كنا نتحدث عن تغيير كامل في النخبة السياسية أو الطبقة السياسية فإن هذا لم يحدث في تونس، الديمقراطية حتى أفرزت وجوها من الماضي .

سمير ديلو: لا أستاذ محمود أنا لا أوافق ضيفتك من واشنطن ولكن أنا أوافق الدكتور عبد الوهاب الأفندي في حديثه عن ثورات عظيمة، الثورة المصرية هي ثورة عظيمة والثورة التونسية ثورة عظيمة وكذلك الثورة اليمنية قبل أن ينقلب عليها عسكرياً والثورة السورية قبل أن تغتال من الداخل بالتدويل وبالتسليح وبالتآمر الخارجي، ولكن في تونس لا يمكن أن نقول أنه هناك انقلاب ناعم على الثورة لأن الثورة التونسية منذ بدايتها لم تكن قائمة على القطع وعلى الإقصاء وإنما كانت ثورة إدماجية كانت ثورة تستعمل كل ما في الماضي من إمكانيات ومن وسائل للتقدم تعرف أستاذ محمود طائرة بن علي التي حملته إلى جدة لم تكن على قدر من الاتساع لكي تحمل معه كل من حكموا معه وكل من استعملهم البقية بقوا في تونس وكل من سخر جهوده لخدمة الثورة استوعبته الثورة بشروطها لا بشروطه، الباجي قايد السبسي لم ينتخب من الخارج ولم يعين من الخارج وإنما انتخبه الشعب التونسي والحزب الذي فاز في انتخابات نوفمبر 2014 كانت حركة النهضة أول المهنئين له قبل أن تعلن النتائج بشكل رسمي وقد قصدنا ذلك في قيادة حركة نهضة لأن الديمقراطية ليست انتخابات فقط وإنما هي قبول بالفوز وتسليمٌ أيضاً بعدم الفوز إن حصل ذاك هو سر النجاح النسبي واستمرار مسار الانتقال الديمقراطي في تونس أن النخبة كانت على قدر من المسؤولية يسمح لها بجعل الوطن قبل الأحزاب.

محمود مراد: دكتور زياد ماجد بدا في مرحلة ما من مسار الثورات العربية أو الهبات العربية أن القوى المسلحة عامل حاسم لا بد من اعتباره في كل تحليل، هل تعتقد أن التباين طبيعة الجيوش في مصر أو في تونس عما هي الحال في مصر أو في سوريا أو في غيرها يعني أفاد تونس كثيراً في عملية التحول الديمقراطي؟

زياد ماجد: طبعاً الدولة الاستبدادية في تونس كانت دولة بوليسية وتحول العنف فيها غالباً مع مرور الوقت إلى عنف رمزي وإلى حائط أو جدار خوف وجدار أحياناً رقابة ذاتية كان يفرضها المواطنون على أنفسهم، تحطيم حاجز الخوف بالثورة التونسية بهذا المعنى هدفت إلى الإطاحة برأس النظام وبرأس هذه المنظومة البوليسية أما الجهاز التكنوقراطي وبعض أعضاء النادي السياسي أو النخبة السياسية الغير متورطين في القمع أو المؤسسة العسكرية التي كانت مؤسسة محترفة تخضع لسيادة الدولة أكثر مما تخضع لعائلة الرئيس فهي ربما ما حمت الثورة التونسية من ثورة مضادة وجعلت التغيير تدريجياً من دون أن يقطع بالكامل مع الماضي، في الحالة المصرية كان هناك ثورة ضخمة وكان هناك الكثير من الأمور التي يمكن أن تقال في الخصائص العلمية للثورات كانت متوفرة في ميدان التحرير وفي الميادين المصرية وكان هناك نية في طي صفحة من الاستبداد طويل العمر في مصر منذ عقود إنما الثورة المضادة كانت قوية جداً أيضاً وقادها الجيش، الجيش الموجود في السلطة بشكل مباشر أو خلف الكواليس منذ العام 1954 بعد محاولة عامين من محمد نجيب أن لا يكون الجيش هو مباشرة في الصدارة إنما أصبح موجوداً ورؤساء مصر ضباط سابقين والمؤسسة العسكرية سميت بالدولة العميقة ليس ذلك عن عبث وقادت هجوماً مضاداً أو ثورة مضادة وأطاحت بالحكم المنتخب بمعزل عن أخطاء هذا الحكم المنتخب والكثير من المآخذ عليه، في الحالة السورية الجيش هو جيش العائلة وليس حتى جيش النظام جيش آل الأسد وحافظ الأسد الذي صمم المؤسسات الأمنية والعسكرية في سوريا صممها أدخل فيها العامل الطائفي العامل المناطقي وأدخل فيها أيضاً فكرة أساسية كانت موجودة في فلسفة الحكم عنده جعل الانقلابات المسلحة أو العسكرية عفواً عليه متعذرة بعد أن أتى هو نفسه بانقلاب عسكري، لذلك هذا الجيش والمؤسسة الأمنية بشكل عام في النظام السوري تماسكت في وجه الثورة السلمية ومارست عنفاً شديداً متوحشاً عليها بمعنى أن العنف أصبح بذاته آلياً ثورة مضادة دفعت لاحقاً إلى العسكرة وطبعاً في الحالة السورية حدود سوريا والجيوستراتيجية السورية والمصالح في سوريا وهمجية النظام الاستثنائية ربما فقط ينافسه فيها كان صدام حسين أو القذافي إنما النظام السوري تفوق على الجميع الكيماوي الطيران البراميل التعذيب في السجون ونقرأ اليوم عن التقارير حول الموت في سجون نظام الأسد، هذا العنف كان بذاته أداة لجعل الثورة تتحول لصراع عسكري يستجلب تدخلات في ظل عجز أوروبي وبطء أميركي شديد في التعامل مع الموضوع مما جعل سوريا في المأساة التي نعرفها اليوم.

الغرب بين العنف والديمقراطية في المنطقة العربية

محمود مراد: ربما كانت لفظة بطء غير دقيقة في توصيف الدور الأميركي فيما حدث في تقدير كثيرين، دعني اطرح السؤال على السيدة  مارينا أوتاواي، سيدة مارينا عندما وقعت هجمات سوسة في تونس بادرت القيادة الفرنسية ممثلة بالرئيس فرانسوا أولاند إلى وصف ما يجري في تونس بأنه حرب نقف فيها في خندق واحد مع التونسيين لاستعادة الديمقراطية أو الحفاظ على الديمقراطية نفس هذا الرجل فرش السجاد الأحمر وتعامل بأريحية تامة مع انقلابيين أصبحوا زعماء في البلدان الأخرى أعني بذلك مصر تحديداً وحذا حذوه كثيرون من القيادات الغربية يعني فرانسوا أولاند وديفد كاميرون وباراك أوباما حتى والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل كلهم فرشوا السجاد الأحمر للانقلابيين على المسار الديمقراطي، كيف نفهم هذا التناقض إذا أردنا تحليل موقف الغرب؟

 مارينا أوتاواي: أتوقع كما قال أحد الضيوف قبل قليل فإن الولايات المتحدة ودول أوروبا تحاول أن تحمي مصالحها ودعوني أشير إلى أن كل الدول تقود سياساتها الخارجية على أساس مصالحها أكثر منها على قاعدة المبادئ، الأميركيون غالباً ما يتحدثون عن المبادئ والقيم لكن الولايات المتحدة دولة ككل الدول الأخرى فهي تحاول أن تحمي مصالحها وهذه هي قوة دفع الأساسية خلف السياسة الخارجية الأميركية، إدارة أوباما وهنا أنا لا أساند هذا الموقف لكن اشرح أن إدارة أوباما قررت أنه في نهاية المطاف من مصلحة الولايات المتحدة وفي ضوء الحالة المعقدة في الشرق الأوسط أن تبقي ليس على علاقات ودية هي ليست علاقات جيدة لكن علاقة عادية مع مصر وهذا ما حصل في الواقع، كذلك دعوني أشير إلى انه حتى لو كانت الولايات المتحدة قد سمت الانقلاب باسمه الحقيقي لكونه انقلاباً وفعلاً كان انقلاب وما من طريقة أخرى لتوصيف ذلك ما من مصطلح آخر يمكن أن نستخدمه لنوصف ما جرى في مصر في يوليو من العام 2013 إذن لو حتى قامت الولايات المتحدة بتسمية ذلك انقلاب لما كان شيء ليتغير في الواقع، اعتقد أن ذلك ما كان ليوقف الجيش وكما قال أحد الضيوف كذلك الجيش كان في السلطة في مصر منذ العام 1954 والجيش هو الآن القوة الأساسية حتى بعد العام 2011 لا تنسوا أنه بعد رحيل مبارك كان المجلس العسكري هو الذي أمسك زمام السلطة في الدولة لم يبتعد عن السلطة رسمياً إلا في يونيو من العام 2013، ولكن في صيف ذلك العام كانوا يقومون بمحاولات ضد نظام مرسي بالتالي الجيش لم يخرج يوماً من السلطة في مصر وعليه أنا لا اعتقد أنه يمكن أن نتحدث عن ثورة في هذا البلد.

محمود مراد: دكتور عبد الوهاب الأفندي ربما تقول ضيفتنا أن المتحدثين الأميركيين الذين مارسواً قدراً هائلاً من الأكروبات الكلامية والرياضات الذهنية الشاقة حتى تجنبوا توصيف ما حدث في مصر بأنه انقلاب عسكري، لو أن هب أننا فرضنا جدلا أنهم قالوا انه انقلاب عسكري كان ذلك يغير شيئاً من واقع الثورات العربية بصفة عامة ومصر تحديداً؟

عبد الوهاب الأفندي: نعم طبعا يغير كثيراً هؤلاء يخافون من أميركا أكثر مما يخافون الله سبحانه وتعالى وبالتالي لو أن أميركا قالت لهم مثلاً لا تقتلوا الناس أو مثلاً أميركا لو قالت لا تضربوا رابعة ما ضربوا رابعة، لو قالت مثلاً لا تعذبوا الناس في السجون..

محمود مراد: هي تقول هذا ليل نهار في الحقيقة لكن ربما تفعل غيره.

عبد الوهاب الأفندي: لا تقول هذا هم لم يتخذوا موقف قوي فيما يتعلق بهذا الأمر ومن الواضح أن المخابرات بين البلدين تتفاهم وكما ذكرت هناك لوبي قوي مؤيد لمصر داخل الإدارة الأميركية لكن نحن حقيقة هناك نقطتان: النقطة الأولى تتعلق بالغرب والإدارة الأميركية هناك فعلاً كأي تبحث عن مصلحتها لكن اعتقد أن هناك قصر نظر ليس من مصلحة الولايات المتحدة وليس من مصلحة أوروبا استمرار هذا النظام الانقلابي ولا السماح للأسد أن يستمر لأن هذا كما رأينا أن الآن قصة اللاجئين وهذه لن تنتهي الآن ولم تبدأ، لو أن أوباما نفذ قراره بقصف الأسد عندما ضرب الكيماوي لم تكن مشكلة اللاجئين مثل الآن.

محمود مراد:  المشكلة ليست اللاجئين فقط انظر إلى الكوادر البشرية الهائلة التي يحصل عليها  تنظيم الدولة الإسلامية..

عبد الوهاب الأفندي: هذا قصر النظر يعني ليست مصلحة أميركا في أن تكون هذه الأنظمة مثل مبارك والسيسي وغيرها لأنه الآن ماذا سيحدث لو انهارت مصر، انهارت سوريا ثلاثين مليون ومشوا منهم كذا مليون لاجئين ماذا سيحصل لو انهارت مصر؟ ومصر الآن على شفا الانهيار اقتصادياً ولو استمر هذا النظام فستنهار، لكن دعنا نعود إلى النقطة الأساسية هي النقطة الداخلية أن الثورات في تونس الثورة في تونس نجحت وأنا هنا انتهز هذه الفرصة أيضاً لأشيد بالشيخ راشد الغنوشي وحركة النهضة نحن نبخسهم حقهم أنهم هم تحلوا بالمرونة قبل الثورة وبعد الثورة وأثناء الثورة وأثناء الحكم وكانوا دائماً يضعوا مصلحة البلد والمصلحة القديمة والتعاون مع الآخرين في الأمام، فيما يتعلق بمصر وتونس أيضاً عنا مشكلتان المشكلة الأولى الإسلاميين، الإسلاميون يحتاجوا كان أن يكونوا في مصر أكثر مرونة وكانت هناك نصائح لهم كثيرة منها من راشد الغنوشي ومن أردوغان ومن غيره أن يكونوا أكثر مرونة..

محمود مراد: لم يتمكنوا من قراءة المشهد جيداً في اللحظات الأخيرة.

عبد الوهاب الأفندي: النقطة الثانية هي الليبراليين العرب أيضاً الليبراليين العرب هم أيضاً مشكلة لأنهم لم يستطيعوا في يوم من الأيام أن يكونوا ليبراليين حقيقيين أو يضطلعوا بدور قيادي ودائماً أصبحوا هم وبقايا اليسار تمسكوا بابن علي الذي هو ليس يساري ولا ليبرالي ثم تمسكوا بمبارك فهذا يسيء إلى سمعتهم ويؤدي بهم إلى أن الشعب يرفضهم ثم يعودوا ويعالجوا دائهم على قلة شعبيتهم  بنفس التي كانت هي الداء والآن يقفوا مع دكتاتور آخر.

محمود مراد: دعنا نتحول للحديث عن المستقبل والسؤال للسيد سمير ديلو، هناك قلق من تراجع مستوى الحريات في تونس ناهيك طبعاً عن بلدان الربيع العربي الأخرى لكن في تونس تحديداً هناك قلق مؤخراً من تراجع مستوى الحريات قوانين الطوارئ أو الأحكام العرفية الاستثنائية واستغلال مسألة الحرب على الإرهاب في تغذية هذا التراجع، ما رأيك؟

سمير ديلو: هذا تحدي عالمي ولا يخص تونس فقط كل مسار ثوري تعترضه صعوبات واجهة المحافظة على الحريات هي واجهة رئيسية نحن كنا في الحكومة ونعرف حجم الجهد الذي يجب أن يبذل لأن هناك صمود أحياناً داخل بعض أجهزة الدولة بتقلد الإرهاب طوراً والمصلحة الوطنية أحياناً وما درج عليه العمل ولكن في كل الأحوال هناك شروط عديدة أولاً استكمال مسار الإصلاح القانوني استكمال إصلاح المؤسسات واليقظة المستمرة للمواطنين وللإعلام وللمجتمع المدني، كل هذه المسارات متوفرة في تونس سوف تتواصل الانتهاكات في تقديري إلى ربما سنوات لاحقة ولكنها في كل الأحوال لا يمكن أن تكون سياسة دولة وإنما مجموعة من الانتهاكات الفردية التي يقف الآن المجتمع المدني والخيرون في أي مكان من أجهزة الدولة.

محمود مراد: في نصف دقيقة لو تكرمت بناء على هذا الكلام هناك ملاحظة تتمثل في غياب الرؤساء الثلاثة عن إحياء ذكرى الثورة التونسية في مهدها في محافظة سيدي بوزيد كما أن هناك ملاحظة عامة ضعف وفتور التغطية الرسمية من وسائل الإعلام الرسمية لذكرى الثورة، ما دلالات ذلك في نص دقيقة لو تكرمت؟

سمير ديلو: ذكرى الثورة التونسية ليس 17 ديسمبر فقط ليس اليوم وإنما هو من 17 ديسمبر 2010 إلى 14 يناير القادم وبالتالي ستبقى الاحتفالية طيلة هذه الأسابيع ربما يتعلق الأمر ببعض التوترات التي شهدتها مدينة سيدي بوزيد بالأمس لأسباب مختلفة ولكن ربما يكون هناك حضور للرؤساء في موعد لاحق.

المراجعة الفكرية لجماعة الإخوان المسلمين

محمود مراد: دكتور زياد ماجد ما مدى القبول الغربي بتكرار تجربة حركة النهضة في بلدان أخرى إذا ما راجعت الحركات الإسلامية التي ربما تصدرت الواجهة عقب 2011 راجعت أدبياتها وحذت حذو النهضة هل يقبل الغرب بهذا؟

زياد ماجد: أنا لا اعتقد إننا أصبحنا في وضع مختلف بعد تصاعد العنف وبعد ظاهرة داعش وهناك مزيج من الجهل ومزيج من التطرف السياسي في الغرب أيضاً تجاه الإسلام السياسي ككل، صار هناك سلة واحدة يمكن أن توضع فيها جميع الحركات وهذا يتطلب جهداً أيضاً من قبل هذه الحركات الإسلامية خاصة تلك التي تستطيع أن تميز نفسها عن العنف الذي تعتمده داعش أو شبيهاتها والظاهرة أصبحت الآن عالمية تضرب في أكثر من مكان هناك ضرورة لمراجعة بعض الأدبيات ليس إرضاءً للغرب لكن مخاطبة للعرب أنفسهم والناس الذين ثاروا على الطغيان وعلى الاستبداد ولم يريدوا أن يستبدل استبداد باستبداد آخر فالمسألة مطروحة طبعاً الإسلام السياسي ما تعني به الآن هل مازال لهذه الكلمة معنى؟ الإخوان المسلمون من جهة الحركات السلفية من جهة أخرى الشخصيات الإسلامية التي تكتب وتنشر من الضرورة أن تبحث في كل هذه الأمور وبلورة برامج جديدة.

محمود مراد: أطرح نفس السؤال على ضيفتنا من واشنطن سيدة مارينا التعامل الغربي مع حركات الإسلام السياسي ربما يرى البعض أن الضغط على الحركات المسالمة السياسية مثل الإخوان المسلمين على نحو ما حدث في لندن اليوم ربما يعد ذخيرة لحركة كحركات متطرفة وراديكالية كتنظيم الدولة الإسلامية، إلى أي مدى يعي صانع القرار الغربي هذا؟

مارينا أوتاواي: أعتقد انه من المهم جداً أن نتذكر أن الناس في الغرب لا يفكرون جميعهم بنفس الطريقة انظروا ما حدث على سبيل المثال بعد الاعتداءات في باريس مؤخراً الجولة الأولى من الانتخابات المحلية شهدت صعوداً لليمين المتطرف وهذا اليمين الذي يتسم برهاب الإسلام أو الإسلاموفوبيا لكن في الجولة الثانية من هذه الانتخابات بعينها خسر اليمين المتطرف لأن غالبية المواطنين في هذا البلد كان لهم موقف، موقف يعتبر أن هذا الخوف من الموقف المعادي للإسلام هو خطر على فرنسا، الأمر الثاني ينسحب على الولايات المتحدة نحن ربما نسمع ما يصرح به دونالد ترامب الذي يدعو إلى إبقاء المسلمين خارج الولايات المتحدة لكن إذا ما نظرنا إلى استفتاءات الرأي العام معظم الناس لا يوافقونه الرأي بالتالي اعتقد أن الرأي العام وكذلك سلوك الحكومات في الغرب لا يلتقيان دائماً فيه الكثير من الاختلافات وأكثر تعقيداً من ذلك وبالتالي لا بد من التمييز بين الحركات الإسلامية المعتدلة والحركات المتطرفة مثل داعش، لكن أنا اعتبر أن البعض يرفض هذا التمييز حتى داخل الشرق الأوسط وبشكل خاص في مصر، مصر تعتبر أن كل إسلامي في هذه المرحلة هو إرهابي ولا نجد نفس المفهوم هذا في الغرب اليوم.

محمود مراد: شكراً جزيلاً لك السيدة مارينا أوتاواي كبيرة الباحثين في معهد وودرو ولسون كانت معنا من واشنطن، وأشكر كذلك ضيفنا في الأستوديو الدكتور عبد الوهاب الأفندي رئيس برنامج العلوم السياسية في معهد الدوحة للدراسات العليا وضيفنا من باريس الدكتور زياد ماجد أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في باريس، ومن تونس كان معنا السيد سمير ديلو عضو المكتب التنفيذي لحركة النهضة ووزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية السابق شكراً جزيلاً لك، وشكراً جزيلاً لكم مشاهدينا الأعزاء إلى اللقاء في حديث آخر من أحاديث الثورات العربية والسلام عليكم.