اندلعت مواجهات مسلحة في محافظة الأنبار العراقية قبل عام مضى، بعدما تدخلت القوات الحكومية لفض اعتصام احتجاجي في مدينة الرمادي.

وعلى مدى عام كامل طالب المشاركون في هذه المواجهات بإصلاحات سياسية وقانونية تنهي تهميش المكون السني في العراق.

التجاهل الحكومي لهذا المطلب واستخدام القوة لقمع المحتجين، مهّدا أرضية مناسبة لتمدد تنظيم الدولة الإسلامية في مناطق واسعة من العراق.

مطالب وطنية
مدير المعهد العراقي للتنمية والديمقراطية الدكتور غسان العطية قال إن الفرص الضائعة للوصول بالعراق إلى بر الأمان تمثلت في عجز قادة البلاد عن توفير رؤية سياسية مشتركة، إضافة إلى التناقضات الطائفية التي أجبرت العرب السنة على حمل السلاح.

وأضاف العطية أنه كانت هناك فرصة تاريخية لإعادة الاستقرار إلى البلاد وهي خروج الأميركيين، ولكنه أشار إلى أن رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي نجح في كسب عداء جميع مكونات الشعب العراقي تقريبا، وفشل في تحقيق المصالحة الوطنية.

ووصف المطالب التي صاحبت اعتصامات العراق بأنها كانت وطنية وتدخل في إطار حقوق الإنسان، ولكنها لم تكن لها قيادات معتدلة، الأمر الذي فتح الباب أمام جماعات محددة لتقفز عليها وتستغل الأوضاع لمصالحها الخاصة.

وأكد العطية أن الصورة التي عليها العراق الآن كان يمكن أن تكون مختلفة لو أن المالكي استجاب لمطالب المعتصمين.

ووصف دخول البعد الطائفي بعد الانسحاب الأميركي من العراق بإحدى مميزات دول المشرق العربي، إضافة إلى تعامل المكون الشيعي بعقلية المنتصر، وتهميشه السنة الذين كانوا دعاة القومية العربية.

معادلة مختلة
من ناحيته، أوضح أستاذ العلوم السياسية في جامعة جونز هوبكنز الدكتور خليل العناني أن الحكومات العربية كانت تسعى للسيطرة على السلطة، وتنهي فرص وجود بدائل سياسية أخرى، وانتهجت في معظم الأحوال سياسة الحزب الواحد والرئيس الأوحد.

وأضاف العناني أن الشارع العربي ظل يقود نفسه خلال السنوات الأربع الماضية، وسقطت بذلك رؤوس الأنظمة في مصر وتونس نتيجة انتهاجها سياسة تجاهل مطالب الشعوب، وأكد أن الأنظمة العربية شاخت وتيبست عروقها وتمارس الوصاية وتقايض الخبز بالحرية، رغم أن الخبز لم يعد متوفرا.

وأشار إلى أن مفهوم الدولة يتم خلطه بمفهوم النظام في العالم العربي، الأمر الذي جعل معادلة الحكم "مختلة"، لأن الأنظمة تحصل على ما تريد وتحرم المواطن أبسط خدماته الأساسية.

ليست ثورة
ورأى الكاتب الصحفي فيصل عبد الساتر أن ما حدث في البلدان العربية لا يمكن أن يسمى ثورة، وأكد أن هناك دولا تم نقل "العدوى" إليها بهدف تدميرها كليا، ودعا إلى تذكر الأحداث التي صاحبت سقوط الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، حيث كان هناك قتل وعنف، ولكن لم يكن هناك حديث من أي جهة عن بروز حالات لتصنيفات طائفية.

ودعا عبد الساتر الدول العربية التي تنادي بتطبيق الديمقراطية في سوريا إلى أن تطبق هذا الشعار في بلدانها أولا، ومن ثم تطالب بتطبيقه في سوريا.

ثورة اجتماعية
من جانب آخر، قال عبد اللطيف الحناشي أستاذ تاريخ الفكر السياسي في الجامعة التونسية وعضو الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، إن الذي حدث في تونس ثورة ذات بعد اجتماعي تطورت شيئا فشيئا.

وأضاف الحناشي أن التجربة التونسية كانت حركة سلمية عفوية لم تقف وراءها أحزاب ولا جماعات، وأن الحراك كان سلميا منذ البداية عدا حركة قفصة عام 1989، الأمر الذي يوضح أن التجربة التونسية كانت سلمية إلى حد بعيد طوال مسيرتها السياسية.

ولشرح وتحليل تشكيل الدولة التونسية الحديثة، قال الحناشي إن المعارضة التونسية بدأت تتشكل سلميا منذ العام 1974 رغم أن النظام الحاكم قتل من قتل وشرد من شرد ومارس العنف الصامت والصارخ ضد القوى الإسلامية والتقدمية.

اسم البرنامج: حديث الثورة

عنوان الحلقة: جدلية العلاقات بين الحكومات العربية وشعوبها

مقدم الحلقة: محمود مراد

ضيوف الحلقة:

-   غسان العطية/مدير المعهد العراقي للتنمية والديمقراطية

-   خليل العناني/أستاذ العلوم السياسية بجامعة جونز هوبكنز

-   عبد اللطيف الحناشي/أستاذ تاريخ الفكر السياسي بالجامعة التونسية

-   فيصل عبد الساتر/كاتب صحفي

تاريخ الحلقة: 2/1/2015

المحاور:

-   تجاهل مطالب الشعب

-   تقصير في كثير من الجوانب الخدماتية

-   تغول السلطة التنفيذية على باقي السلطات

-   قوى خارجية تدعم أنظمة استبدادية

محمود مراد: مشاهدينا الأعزاء السلام عليكم ورحمة الله وأهلا بكم إلى هذه الحلقة من حديث الثورة، في أيام كهذه قبل عام اندلعت مواجهات مسلحة في محافظة الأنبار العراقية بعد ما تدخلت القوات الحكومية لفض اعتصام احتجاجي في مدينة الرمادي طلب المشاركون فيه على مدى عام كامل إصلاحات سياسية وقانونية تنهي تهميش المكون السني في العراق، التجاهل الحكومي إلى هذا المطلب واستخدام القوة لقمع المحتجين وفرّ أرضية لتمدد الدولة الإسلامية في مناطق عراقية واسعة، ننطلق من قراءة دلالات الحالة العراقية لنناقش مآلات عدم تعاطي الحكومات إيجابيا مع الاحتجاجات السلمية لقطاعات من مواطنيها ودور الدولة إزاء شعبها وسبل تحصين المجتمعات العربية في مواجهة التطرف والعنف ولكن نتابع أولا هذا التقرير.

[تقرير مسجل]

وليد العطار: "الحرب على الإرهاب" تحت هذا الشعار حرك نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي السابق قواته قبل عام لفض اعتصام في مدينة الرمادي تجمع فيه ممثلون لعشائر محافظة الأنبار طالبوا فيه وعلى مدار عام كامل مع مواطنيهم في محافظات أخرى بإيقاف ما وصفوه بنهج الحكومة الطائفي إزاء المكون العراقي السني وإلغاء المادة الرابعة من قانون الإرهاب ومنذ ذلك الحين اتسع نطاق المواجهات وتعمق لتصبح حربا مفتوحة زحف بعدها تنظيم الدولة الإسلامية وتمدد في محافظات عراقية رغم تشكيل تحالف دولي للقضاء عليه، سوريا كالعراق فمنذ اندلاع الثورة السورية عام 2011 صمت آذان نظام بشار الأسد وحكومته عن مطالب المتظاهرين بالحرية والديمقراطية وتعامل معهم بوصفهم إرهابيين فلم يجد المتظاهرون السلميون أمامهم إلا حمل السلاح للدفاع عن حرماتهم لمواجهة نيران قوات النظام وقمعها، وبحسب إحصائيات الأمم المتحدة فقد خلف القتال منذ بدايته نحو 200 ألف قتيل في حين تتحدث المعارضة عن مقتل أكثر من 300 ألف فضلا عن ملايين النازحين واللاجئين ولا تعرف إلا الآن سبيل لتسوية الأزمة السورية.

[شريط مسجل]

حسني مبارك: أتحدث إليكم في ظرف دقيق.

وليد العطار: أما في مصر فلم يرضِ ترافق مناخ الحريات المقيد قبل 2011 مع سطوة الأجهزة الأمنية طموح أجيال جديدة تطلعت إلى دولة توفر العيش والحرية والكرامة لمواطنيها وأعمت القوات الأمنية عين نظام دام في السلطة لثلاث عقود عن رؤية المتغيرات في مكونات شعب قارب التسعين مليونا انهارت القوة أمام اندفاعات ثورة يناير وسقط رأس النظام لكن جسم النظام بقي حتى انقلب على التجربة الديمقراطية الوليدة رافعا شعارات الحفاظ على الدولة والحرب على الإرهاب في مواجهة من رفضوا تحركه في الثالث من يوليو2013، أريقت دماء المئات في مجازر مختلفة لكن يبدو أن سطوة الأمن لم تحقق استقراراً تاما في مصر وفي ظل غياب أفق لحوار يسفر عن تسوية سياسية أو صيغة للتوافق بين كافة فئات ومكونات المجتمع بدا خيار العنف جاذبا لأفراد ممن انخرطوا سابقا في الحراك السلمي المطالب بالتغيير من العراق إلى سوريا ومصر وحتى اليمن حيث عادت قوى النظام القديم إلى صدارة المشهد تساؤلات عدة تثور عن أسباب انسداد أفق الحوار بين النخبة الحاكمة وقطاعات من شعوبها وعن مآلات عدم تجاوب مع طموحات جماهير تطالب بدولة تقوم بإرساء قواعد العدل والإنصاف بين مواطنيها.

[نهاية التقرير]

محمود مراد: لمناقشة موضوع حلقتنا ينضم إلينا من لندن الدكتور غسان العطية مدير المعهد العراقي للتنمية والديمقراطية، ومن واشنطن الدكتور خليل العناني أستاذ العلوم السياسية في جامعة جونز هوبكنز ومن بيروت السيد فيصل عبد الساتر الكاتب الصحفي، ومن تونس الدكتور عبد اللطيف الحناشي أستاذ تاريخ الفكر السياسي في الجامعة التونسية وعضو الرابطة للتونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، مرحبا بكم جميعا، والسؤال للدكتور غسان العطية، دكتور غسان العراق الآن يقف على صفيح ساخن في لحظة بالغة الحرج من تاريخه يمكن أن تنزلق فيها البلاد إلى ما لا يحمد عقباه صحيح أن العراق لم يكن بعافية تماما على مدى العقدين الماضيين أو يزيد لكن ماذا لو استجابت حكومة نوري المالكي قبل عام للمطالب التي رفعها قطاع من الشعب العراقي وربما في نظر كثيرين هي مطالب عادلة؟

تجاهل مطالب الشعب

غسان العطية: شكرا، بالنسبة إلى الحالة العراقية ممكن وصفها بأن الفرص المُضاعة مرة تلو الأخرى، الفرص المضاعة تمثلت بأن عدم قدرة القادة العراقيين المعارضين للنظام السابق بأن يوفروا رؤية سياسية مشتركة وبالتالي لما سقط النظام السابق على يد الأميركان تعاملوا مع النظام الجديد كفرصة وكغنيمة يتقاسموا المنافع فيما بينهم وأكثر من هذا وذلك بغياب الرؤية السياسية للعراق القادم كانت في الحقيقة هناك تناقضات جوهرية انطلقت من معادلة طائفية إثنية قائمة على طرف يربح وآخر يخسر، انتهى الأمر إلى انفجارات سياسية من طرف العرب المحافظات العربية السنية الذين شعروا بالتهميش إلى حمل السلاح ودخلوا بنفق كبير ودخل العراق بحرب طائفية، تم تهدئة الوضع ب2008 و2009 واستقر الوضع نسبيا وخرجوا الأميركان من العراق وأصبح العراق أمام فرصة ذهبية لإعادة الاستقرار جاءت حكومة المالكي 2010 كحكومة مؤيدة من الكرد ومن العرب السنة ومن الشيعة يعني لم تأتِ حكومة بهذا التأييد، هذا التأييد كله ما هي مضت إلا سنتين وإلا تدريجيا استطاع المالكي أن يكسب عداء الكرد وعداء السنة وعداء قسم كبير من الشيعة، المأساة الكبيرة إن المالكي أضاع فرصة لاستقرار العراق وانتقال العراق من حالة طائفية إلى حالة استقرار وطني هذا كانت تتمثل فيما حصل في الأنبار، في الأنبار كان هناك استياء شعبي وأتكلم وأنا كنت في العراق آنذاك وزرت الأنبار وصلاح الدين وديالى، المطاليب الشعبية الواسعة هي مطاليب مشروعة وحقوق إنسان لكن المشكلة هذه المشاعر وهذه المطاليب لم تكن لها قيادات ناضجة ومعتدلة وإنما هذه المطاليب التي تكررت قفزت قلة سياسية واغتنمت الفرصة لتتحدث باسمهم وهذا ما حصل في سوريا وهذا ما حصل في مصر وكذلك ربما في اليمن، بالعراق لما قامت الأحداث شخصيا وبعلم المالكي زرت الأنبار وكان واضحا أن 80% من عندهم مطاليب مشروعة وتتعلق بوظائف برواتب بمعتقلين عشرات آلاف المعتقلين حتى من يصدر أمر بالإفراج عنه يبقى بالسجن أشهر وأشهر خوفا إن هناك جهة أخرى تطالب به وأكثر من ذلك وقصص لي معرفة مباشرة فيها في ديالى يعتقل شباب وبعدين يقولون لهم أنتم أبرياء زين أطلقوا سراحهم يقولوا لا لازم تدفعوا ألف دولار على كل رأس كي نطلق سراحه، هذه الحالة خلقت حالة من الاستياء المطلق في هذه المناطق، هنا الاعتصام في الأنبار كانت الفرصة أمام الحكومة السابقة أن تكسب 80% تكسب قوى الاعتدال العربي السني تكسبهم عن طريق إجراءات حقيقية وكانت هناك أطراف بالذات بالأنبار مستعدة لذلك ولكن المالكي..

محمود مراد: ترى دكتور غسان..

غسان العطية: ركز على..

محمود مراد: ترى لو حدث ذلك..

غسان العطية: نعم.

محمود مراد: أكان تنظيم الدولة يجد الحاضنة الشعبية التي يتمتع بها الآن؟

غسان العطية: بارك الله فيه نهائيا، أبناء المناطق هذه وجدوا نفسهم بين مطرقة المالكي وبين سندان إن لا خيار لنا إلا إن نرضى بداعش أو تنظيم الدولة، وأعطيك مثل خلال 2003 في مدينة الصدر كان تطلع مظاهرات يقولوا ألف أميركي ولا تكريتي وبعدين في 2013 و2014 أنا سمعتها من أبناء الموصل يقولوا ألف داعش ولا مالكي يعني شوف الدنيا كيف تتغير، هذه الحالة من ردود الفعل الشارع عاطفي وهو يتجه عاطفيا العيب بالقيادات والنخب السياسية، بالعراق مع الأسف النخب إما شيعية طائفية وإما نخب سينية طائفية، الرقم الغائب عراقيا وهو مأساة العراق، العراق خيمة وتد الخيمة هم عرب العراق كسر هذا العامود باسم الشيعة والسنة فانتهى العراق باللحظة التي انتهت هويتنا العربية وبرزت هويتنا الطائفية الشيعية والسنية، من أسباب كسر هذه الهوية هو التراث السيئ لحزب البعث للسلطة الذي هو ليس أفكار حزب البعث وإنما الممارسات والحديث باسم البعث كما حصل في الماضي أساءت لمفهوم العروبة والانتماء العربي لما أصبحت..

محمود مراد: دعني..

غسان العطية: أفكار هذا التيار لسبب خاطئ..

محمود مراد: دعني..

غسان العطية: هذا الوضع كله أدى إلى أبناء المحافظات وأقول لها بصراحة حتى في الموصل من رحّب بداعش أعطيك مثل قيل لي أن تنظيم الدولة الإسلامية دخل بالموصل ليس القنابل إنما بالهورينات بالزامور مال السيارات وخلال أيام أخذ الأنبار وأخذ صلاح الدين، كل هذه معاملة المالكي تحديدا يتحمل مسؤولية أساسية في أن دفع أبناء تلك المناطق ليرضوا بالشيطان للخلاص من وضعه..

محمود مراد: دعنا نوسع الصورة..

غسان العطية: هل هذه حل مشكلتهم؟ لا.

محمود مراد: دعنا نوسع الصورة شيئا ما ونتوجه بالسؤال للدكتور خليل العناني ما حدث في العراق ربما تكرر بصور ذات الدرجة من الوضوح في بلدان الربيع العربي الأخرى ويمكن أن نقول هذا عن بلدان أخرى لم تمتد إليها موجة الاحتجاجات، في تقديرك ما الذي سبب هذا الانفصال بين الحكومات والأنظمة وبين مطالب الشعوب المشروعة على الرغم من انقشاع شبح الاستعمار في هذه البلدان منذ 60 عاما، ماذا كان يفترض خلال هذه الستين عاما أن يحدث حتى تتقارب الحكومات والأنظمة مع شعوبها على النحو الموجود في البلدان المحترمة؟

خليل العناني: يفترض أن تؤدي عملية الاستقلال بعد الاستعمار إلى بناء عقد اجتماعي جديد بين الحكومات وبين الشعوب تقوم فيه الحكومات بخدمة شعوبها باحترام إرادتها واحترام حقوقها وحرياتها ما حدث أنه أصبح لدينا حكومات تسعى فقط للسلطة وتحاول الاستئثار بها تمنع أي فرص لتداول السلطة مع قوى سياسية أخرى تقوم بتجميل الحياة السياسية تنهي فرص وجود بدائل سياسية أخرى باستثناء الأنظمة القائمة معظم الدول العربية انتهجت نهج الحزب الواحد والرئيس الواحد أو الرئيس الأوحد والكلمة الواحدة لكن لا بد أن نضع ذلك في إطار ما حدث خلال الأعوام الأربعة الماضية أتصور أنه حصاد الربيع العربي وهو حصاد إلى حد ما هزيل حتى هذه اللحظة ونعتبر أنها موجة أولى من الربيع العربي يعني العنصر المؤثر فيها كان عنصر الشعوب بمعنى آخر الشارع العربي كان هو الذي يحرك الأحداث خلال الأعوام الأربعة الماضية أتصور أنه لدينا ثلاثة نماذج يمكن التحدث من خلالها حول رد فعل الأنظمة العربية تجاه احتجاجات الشعوب وتجاه الثورات أو تجاه المظاهرات، النموذج الأول أو الطريقة الأولى التي تم التعامل بها مع هذه الاحتجاجات هو نموذج الاستخفاف وعدم الاكتراث وهذا كان واضحا إلى حد بعيد في حالة تونس وحالة مصر عندما لم يتم أخذ الشارع بمأخذ جدي عدم الاستماع للمطالب الناس عدم إعطاء فرصة للتعبير عن الآراء بشكل سلمي وبشكل واضح فسقطت الأنظمة أو على الأقل سقطت رؤوس الأنظمة في مصر وفي تونس، النموذج الآخر النموذج الثاني هو النموذج القمعي أو نموذج عدم التسامح وهذا واضح إلى حد بعيد في حالة سوريا في حالة ليبيا أثناء القذافي في حالة البحرين، النموذج الثالث هو النموذج الاستيعابي أو النموذج الاحتوائي وهذا النموذج كان واضحا للغاية في حالة المغرب على سبيل المثال عندما قام الملك المغربي بإحداث نوع من الإصلاحات السياسية قام من خلالها باستيعاب بعض مطالب الشارع إلى حد ما النموذج الأردني أيضا قام ببعض هذه الإصلاحات على الأقل على المستوى الاقتصادي والمستوى الاجتماعي، أيضا النموذج اليمني إلى حد ما قام بنوع من الاحتواء للشارع، الأنظمة العربية إلى الآن هي أنظمة تيبست عروقها وشاخت لحد بعيد لا تعتمد إلا فقط على استخدام القوة على أجهزة الاستخبارات على الأجهزة الأمنية إلى حد بعيد لا تعترف بأن هناك شعوب لديها حقوق مشروعة ولديها مطالب مشروعة هناك تعامل بمنطق فوقي إلى حد بعيد هناك نوع من الوصاية أو Patronage نوع من الدولة الرعوية التي تقوم بمعادلة إعطاء الخبز مقابل الحرية حتى الخبز لم يعد متوفرا حتى الآن..

محمود مراد: وهذا تحديدا ما كنت أود أن أسألك عنه يا دكتور خليل. 

خليل العناني: الأنظمة السلطوية في العالم العربي تتعامل مع شعوبها بمنطق نعم..

محمود مراد: يعني حتى المهام التقليدية التي ينبغي أن تتطلع بها الدولة..

خليل العناني: نعم.

محمود مراد: هي مقصرة فيها في بعض أو في كثير من الحالات في البلدان أو في الدول العربية فقط كلما توجه أي انتقادات للأنظمة تشرع على الفور في الاختباء خلف مفهوم الدولة ومن خلف هذا المخبئ أو خلف هذه الواجهة تمارس ألوانا من الظلم وألوانا شتى من القمع..

خليل العناني: نعم.

محمود مراد: حتى أن الدكتور سيف عبد الفتاح يذهب إلى أنها في مواجهة تقصيرها في مهامها الأساسية وعدم إعطائها الخبز أو توفير حياة كريمة للمواطنين فقط الظلم وحده هو الذي توزعه بالمجان وعلى نفقتها للمواطنين أي فرصه أو أي قابلية للحياة يمكن أن يتوفر لأنظمة ودول كهذه؟

خليل العناني: هذا صحيح أنا أعتقد أنه في إشكالية كبيرة في مفهوم الدولة في العالم العربي، مفهوم الدولة يتم خلطه بمفهوم النظام، ومفهوم النظام يتم خلطه بمفهوم الرئيس أو بمفهوم الذي يحكم، هناك دمج لهذه المكونات الثلاثة على الرغم من أن هناك فروق كبيرة، مفهوم الدولة تحول في العالم العربي إلى مفهوم مقدس أو إلى بقرة مقدسة لا يجوز انتقاضها على الرغم أن مفهوم الدولة الذي تم إنشاؤه قبل أربعة قرون وفق معاهدة وستفاليا في العالم الغربي جاء من أجل إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع في إطار ما يطلق عليه العقد الاجتماعي الذي تقوم فيه الدولة بتوفير الحد المطلوب للحياة من تعليم ومن صحة ومن حريات ومن حقوق مقابل أن تتمتع بالشرعية مقابل أن يقوم الشعب بإعطائها نوع من الشرعية والرضاء والقبول، ما يحدث في العالم العربي هي معادلة مختلة الأنظمة العربية والحكومات العربية والدول العربية تحاول أن تقوم يعني بالحصول على ما تحتاجه وعدم إعطاء الشعب ما يريد معنى آخر الأنظمة العربية لا تفهم على الإطلاق أن هناك حقوق مفروضة عليها هي تنظر فقط إلى جانب الواجبات على المواطن، المواطن لا بد أن يحترم الدولة لآبد أن يحترم قوانين الدولة لابد أن يحترم مؤسسات الدولة في المقابل هذا المواطن ليس لديه الحق في الحصول على ما يحتاجه من خدمات أساسية من تعليم من صحة وما إلى ذلك، أنا أتصور النقطة الأساسية أيضا في هذا الإطار كلمة الفساد مفهوم الفساد المشكلة الرئيسية في عدم توفر الخبز وعدم توفر حياة اقتصادية كريمة للمواطن العربي هي بالأساس مفهوم الفساد يعني على سبيل المثال في مصر على الأقل خلال العقود الثلاثة الماضية هناك حالة تفشي للفساد سواء فساد مؤسسي أو فساد شخصي برامج التحرر الاقتصادي أو الخصخصة التي تمت في مصر خلال العقدين الماضيين أدت في النهاية إلى تكديس الثروة والسلطة في يد مجموعة قليلة قامت باختصار الدولة واختزالها في يدها قامت باحتكار كل مصادر الثروة أصحبت هناك أغلبية لا تملك وأقلية تملك وتحكم في نفس الوقت وهذا ما أدى إلى الانفجار الكبير عام 2010/2011 أتصور نحن إزاء موجه أخرى من الربيع العربي قد تؤدي إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

تقصير في كثير من الجوانب الخدماتية

محمود مراد: طيب دعني أطرح السؤال ذاته على السيد فيصل عبد الساتر ضيفنا من بيروت إذا تطرقنا إلى الحالة السورية أي فرصة لبقاء نظام كهذا في ظل تقصيره في الجانب الخدماتي وضمان حياة كريمة للمواطن السوري يعني متوسط دخول الأفراد في سوريا من أقل متوسطات الدخول في العالم إن لم يكن في الوطن أو العالم العربي وفي المقابل ليس هناك يعني حياة كريمة ولا ديمقراطية توفرت لهذا الشعب أي فرصة يمكن أن تتوافر لهذا النظام في تقديرك؟

فيصل عبد الساتر: أولا شكرا واسمح لي بداية يعني أن أدخل مدخلا آخر لأن يعني سياق الحلقة دخل مدخلا خاطئا من وجهة نظري حيث أعتبر أن العراق هو النموذج الأول لتعاطي الحكومات بشكل سلبي مع حركة الاحتجاج التي حدثت في العالم العربي وهذا الأمر..

محمود مراد: لا هو فقط في ظل الذكرى الأولى لفض اعتصام الرمادي وليس يعني العراق كان مدخلا للأمر أو لهذا الداء الموجود في مفاصل الدول العربية تقريبا كاملة تفضل.

فيصل عبد الساتر: مع ذلك أريد أن أصوب النقاش لأنه أيضا غاب عن ذكركم أيضا يعني مسألتين هامتين مسألة ليبيا ومسألة البحرين، في حين أن البحرين هي ثاني دولة عربية حدث فيها ما حدث ولم يتحدث عنها أحد علما بأنها الحركة الوحيدة التي تسمى بالسلمية في كل ما حدث في العالم العربي ولا زالت سلمية حتى هذه اللحظة وبالمناسبة في موجزكم قبل قليل ذكرت المذيعة أن بعض المتظاهرين قاموا بالاحتجاج على اعتقال علي سلمان وهناك مغالطات كثيرة أولا هؤلاء ليسوا بعض المتظاهرين هذه حركة شعب مستمرة من عام 2011 ثانيا علي سلمان هو الشيخ علي سلمان وهو زعيم المعارضة البحرينية التي لا تزال تنادي بالسلمية..

محمود مراد: لكن اسمه في نهاية المطاف علي سلمان.

فيصل عبد الساتر: أعود..

محمود مراد: يعني لم ننتقص من قدر الرجل إذا أطلقنا عليه اسمه الذي سماه آباؤه به.

فيصل عبد الساتر: لا لا في حين أنتم تركزون على تنظيم الدولة في حين أننا نقول أن هؤلاء داعش إرهابية مثلا على سبيل المثال لن أدخل في نقاش حول هذا الموضوع أعود إلى سؤالك يعني حول مسألة سوريا أولا إذا كنا نريد أن يعني نجعل هناك معيارية معينة كما تفضل الدكتور العناني من واشنطن وأنا أحييه ربما لهذا التوصيف الدقيق ما بين حركة قمعية وحركة استيعابية وحركة إلى آخره لكن علينا أن ندخل أيضا بمعايير محددة ما هي المعيارية التي على أساسها ممكن أن نسمي هذه حركة احتجاج أو نسميها ثورة أو نسميها حركة شعب وهل هذا له علاقة بالحرية والديمقراطية أو له علاقة بأبسط حقوق الإنسان إلى آخره فإذا كان هناك من معيارية موحدة على ما كنا نسميه حركة الربيع العربي التي انطلقت في العالم العربي فهذا يعني أن كل  الدول التي حدث فيها ما حدث فيها هي أفضل بكثير من الدول التي لم يحدث فيها شيء، وهنا الطامة الكبرى  الملكيات والإمارات والمشيخات التي ليس فيها أي نوع من أنواع التداول للسلطة أو الديمُقراطية أو التعبير عن الرأي تصبح هي الدول الأكثر أمنا وأماناً وتصبح الجمهوريات التي فيها بعض من مظاهر الديمُقراطية ولو شكلية وبعض من مظاهر التعبير ولو شكلية وبعض من حرية الإعلام ولو شكلية تصبح هي يعني أسوأ الدول التي ممكن أن نسميها في العالم العربي.

محمود مراد: هل أنصفت، هل تنصف، سيد فيصل هل تنصف عندما توصف الوضع بهذه الصورة يعني من تسميهم الدول الملكية أو الإمارات الملكية هذه على الأقل وفرت لقمة العيش لمواطنيها، حياة كريمة لمواطنيها على المستوى الاقتصادي حتى لو لم يكن هناك ديمُقراطية ولم يكن هناك تداول للسلطة فهل هذا الأمر متوافر في الدول التي تمارس الديمُقراطية ولو شكلاً كما قلت؟

فيصل عبد الساتر: أنا يعني لم أدخل أستاذ محمود من باب الإنصاف أو عدم الإنصاف أنا أدخل هنا من باب التوصيف أيهما أفضل الخبز أو الحرية، الديمقراطية أو الأمان إلى آخره ، هذه مسألة جدلية ..

محمود مراد: لا تعارض أستاذ فيصل، لا تعارض بين الاثنتين يعني لا تقف الديمقراطية بحالٍ من الأحوال كبديل من الخبز والعيش الكريم وإنما هذه تكمل تلك، تفضل.

فيصل عبد الساتر: جيد، جيد  دعني أكمل الفكرة إذاً أقول أن هذه المسألة جدلية مثلاً بالنسبة للمواطن السوري أنت تحدثت عن سوريا نحن نريد أن نقول أن ما حدث في العالم العربي هو أولاً ليس برنامجاً ثورياً ولا في أي بلد من البلدان العربية حدثت هناك ثورة ولا يمكن تسمية ثورة على كل هذه الاحتجاجات، ممكن أن تكون هناك بعض المطالب الوجيهة لبعض الدول أو لبعض الشعوب في بعض الدول العربية وممكن أن يكون هناك حركة مدفوعة من الخارج  أسوةً يعني بما حدث في كثير من البلاد العربية لذلك أعود إلى سوريا، مسألة الاستهداف هنا مسألة أساسية، المسألة ليست مسألة عدوى هناك دول يعني أصيبت بعدوى وكان يراد من خلال هذه العدوى مثلاً إصابتها بالشلل الكامل  أو بجلطة نصفية أو بصداع في الرأس أو بدمار كلي لذلك كل دولة على حدا ممكن أن نوصفها، مثلاً في العراق نحن نسينا أن هناك تاريخاً سيئاً منذ الـ2003 منذ سقوط  نظام صدام حسين وصولاً إلى حالة الاستقرار النسبي التي حدثت وصولاً إلى 2008 و 2009 ماذا حدث في الست سنوات؟ كان هناك عمليات قتل يومية تفجير وتفخيخ واغتيالات وسيارات انتحارية ولم يكن أحد في هذا العالم يتحدث لا عن سنة ولا عن شيعة ولا عن عرب ولا عن كُرد وكانت كل الدول تدعم هذه المجموعات ولم يتحدث أحد، جاء الـ2011 برزت المسألة الطائفية والمذهبية هذا أيضاً في سوريا،  في سوريا يُصر البعض على أن التحرّك الذي حدث في سوريا هو تحرّك سلمي وديمُقراطي في آذار 2011 في حين أن كل الوثائق تدلل بأن هناك كان استخداماً للسلاح في آذار 2011 في درعا وكان هناك استخدام للسلاح في دوما في 2011 أيضاً إذاً لم تكن الحركة سلمية..

محمود مراد: يا سيد فيصل ..

فيصل عبد الساتر: كان هناك سيناريوهات متعددة وكان هناك..

محمود مراد: يا سيد فيصل حتى لو افترضنا جدلاً صحة ما تقول وأنا لا أعتقد أنه صحيح هذه الذاكرة ليست بعيدة وهذه الأحداث ليست بعيدة وما حدث في سوريا في ..

فيصل عبد الساتر: أنا لدي ما يثبت ذلك. .

محمود مراد:  وما حدث في سوريا بواكير التحركات الاحتجاجية في سوريا كانت سلمية تماماً وكنا ننقلها على الهواء مباشرة بالصور الحية كانت هذه التجمعات..

فيصل عبد الساتر: لدي ما يثبت ذلك..

محمود مراد: تضرب بالمدفعية وتضرب بأسلحة ثقيلة دونما رأفة ودونما النظر لطبيعة هذه المطالب المرفوعة، لو كان النظام السوري حصّن نفسه قبل هذه الاحتجاجات بديمُقراطية حقيقية وتلامس مع مطالب الشعب السوري أكان حدث ما حدث في تقديرك؟ 

فيصل عبد الساتر: يا سيدي أنا لا أقول أن النظام السوري خارج عن النقد، كل نظام في منطقتنا العربية هو داخل ضمن سياق النقد العام لكن نتحدث هنا عن ثقافة، هذه الثقافة إذا ما يعني إذا ما قلنا أنها يعني غير موجودة في أكثر عالمنا العربي فهذا يعني توصيفاً دقيقاً لواقع الحال، أما بالنسبة لسوريا لوحدها يعني نجتزئ سوريا لوحدها ونسحبها من كل باقة الدول العربية وتصبح السعودية تنادي بالديمُقراطية في سوريا وقطر تنادي بالديمُقراطية في سوريا والمغرب ينادي بالديمُقراطية في سوريا والإمارات طيب لماذا لا يطبقون الديمقراطية عندهم مثلاً فليكونوا هم نموذج لكي تكون سوريا ديمقراطية هذا واحد  على الأقل. .

محمود مراد: هل تقبل مناداة هذه الدول بالرفق والرحمة والمعاملة الإنسانية للمواطن السوري هل تقبل هذا المطلب أم لا؟

فيصل عبد الساتر: أنا لا أقول أن لا يكون هناك مطالب يعني تتحسس واقع الشعب وبآلام الشعب لكنك أنت لم تترك فرصة، أين هي الفرصة التي تركت في العراق أيام العملية الديمُقراطية الجديدة؟ أين هي الفرصة التي تركت لسوريا بعد عام 2000 وانتصار المقاومة في لبنان وجاء كولن باول يهدد سوريا، أين هي الفرص التي تركت لكل العالم العربي؟ إذاً هناك مايسترو واحد كان يقود كل ما يحدث في العالم العربي وإلا بالله عليك أستاذ محمود..

محمود مراد: سأطرح هذا التساؤل على الدكتور غسان العطية ولكن..

فيصل عبد الساتر: بس ملاحظة، ملاحظة أخيرة بالله عليك قل لي يا أستاذ محمود ومعنا الأستاذ من تونس قل لي هل البوعزيزي يصبح هو أسطورة كل الثورات العربية وهو بالكاد كان يدافع عن مسألته الشخصية فيصبح أيقونة لكل هذه الثورات، هذا يعني أعتقد أنه شيء من التبسيط والسذاجة والضحك على العالم العربي.

محمود مراد: دكتور عبد اللطيف الحناشي؛ ما ردك؟

عبد اللطيف الحناشي: يعني أن الذي حدث في تونس هو في الواقع هو ثورة ذات بعد اجتماعي  تطورت شيئاً فشيئاً لئن تكون ذات بعد سياسي وذلك من خلال  شعاراتها التي رفعت، وحادثة البوعزيزي وقع قبلها الكثير من أحداث مثلها ولكن كانت اللحظة التاريخية مختلفة تماماً ولذلك لأن في تونس كان هناك  تراكم لنضالات عديدة أدت إلى هذا الحدث ولكن فيما بعد بطبيعة الحال شهدت تطورات عديدة، أريد في الواقع إن سمحتم أن أشارك في هذا النقاش الثري وإن شئتم أن أتحدث عن تونس التي تختلف أو تجربتها على الأقل تختلف عما حدث في البلدان التي تم ذكرها الآن، في تونس  الحركة كانت حركة سلمية كانت حركة عفوية لا تقف وراءها أحزاب ولا منظمات صحيح أن هذا الشباب أو هذه المجموعات وجدت في مقرات الاتحاد العام التونسي للشغل ملجأً لها وكذلك مقرات الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ولكنها كانت حقيقةً عفوية وكما قلت هي جزء مما حدث في تونس على الأقل من انتفاضة الحوض المنجمي التي تعود إلى سنة 2008 هذه النقطة الأولى، النقطة الثانية في تونس هناك اختلاف جذري عما يتحدثون عنه أولاً أن الدولة العربية الحديثة هي دولة عنيفة من أصلها وتأسست في الأصل على العنف يعني إذا رجعنا إلى  تأسيس الدولة السورية أو الدولة العراقية أو حتى الدولة المصرية يعني كلها أو أغلبها هذه المنطقة عرفت انقلابات عسكرية عنيفة ثم أن هذه المنطقة تتميز بتعدد الأقليات الدينية، الأقليات الطائفية، الأقليات القومية عكس مثلاً ما يوجد في تونس، هناك اندماج تقريباً كلي للمسألة الدينية والمسألة القومية وكذلك وهذا أعتقد مهم جداً أن الحراك السياسي في تونس كان حِراكاً سلمياً منذ البداية باستثناء حادثة 1980 التي دعمها المرحوم القذافي ودفع باتجاه ما تُعرف بعملية قفصة سنة 1980 ما عدا ذلك كانت كل الحركات سلمية هذا من ناحية، من ناحية ثانية أن النظام السياسي في تونس خاصة نظام الزعيم بورقيبة كان مقارنةً بالأنظمة التي سادت في الشرق هو نظاماً سلمياً ما بين ظفريين أقل عنف مما كان عليه أو كانت عليه الأنظمة في المشرق العربي، ولذلك يجب أن نفهم ما حدث في تونس على هذه الخلفية أيضاً هذه عناصر يمكن أن تساعد كذلك لفهم نجاح التجربة التونسية السلمية  هذه التجربة التي..

تغول السلطة التنفيذية على باقي السلطات

محمود مراد: ومع ذلك دكتور عبد اللطيف، دكتور عبد اللطيف على مدى عقود عقب الاستقلال، على مدى عقود عقب الاستقلال في تونس مارست الدولة سلطاتها بتغول من السلطة التنفيذية على باقي السلطات في الدولة، كيف تفسر ذلك؟

عبد اللطيف الحناشي:  نعم هناك نقطة هامة جداً  في تونس يعني إذا أردنا أن نشرح وأن نحلل الدولة الحديثة وآليات عملها إن شئنا فإننا يجب أن نرجع إلى التاريخ، في التاريخ التونسي في حركة التحرر الوطني التي قادها الحزب الوطني الدستوري بقيادة الزعيم الحبيب بورقيبة كانت حركة سلمية وتأسست على مفهوم الوحدة القومية التي استمرت بعد الاستقلال رغم أن بداية الاستقلال وقع خلاف وصراع  داخل هذا الحزب بين الزعيم المرحوم صالح بن يوسف وكذلك الزعيم الحبيب بورقيبة ولكن سريعاً ما تدارك هذا الحزب الأمر وبدأت هناك وحدة قومية جديدة بتحالفٍ مع الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الفلاحين واتحاد الصناعة والتجارة، في تونس لم يقع عنفاً شديداً مقارنةً بما وقع في المشرق العربي، أنا يمكن أعطيك محطات أساسية في عام 1962 وقع انقلاب تم إجهاضه وهذا الانقلاب لم يحدث وهي الحادثة الوحيدة التي وقعت في تونس فيما بعد كل الحركات كانت حركات سلمية ولم يواجهها النظام بعنفٍ يعني عنف شديد وإنما عالجها وخاصةً كانت في أغلبها حركات طلابية، والمعارضة بدأت تتشكل حقيقةً منذ سنة 1974 و 1971 بطبيعة الحال بدأ هذا نمو للمعارضة ولكن المعارضات أيضا كانت سلمية والنظام صحيح أنه اعتقل وعذّب وشرّد ولكن  في عهد خاصةً الاستبداد أي عهد المخلوع بن علي كان هناك نوعان في الواقع من القمع ومن التسلّط ومن الإرهاب ما بين ظفريين الذي مارسها هذا النظام ما يعرف أو ما يمكن أن نطلق عليه أو أطلقت عليه العنف الصامت والعنف الصارخ ضد  الحركة الإسلامية وكذلك بعض القوى التقدمية..

 محمود مراد: دكتور عبد اللطيف دعنا نعود مجدداً إلى الدكتور غسان العطية ونحيل إليه السؤال الذي طرحه السيد فيصل عبد الساتر أو الملاحظة التي طرحها، يعني دكتور غسان أنت قُلت إن المالكي وحكومته جاءا بتوافقٍ سني كردي شيعي يعني تقريباً مكونات الشعب العراقي كلها كانت متوافقة على حكومة المالكي وهو حتى جاء بعملية تبدو في شكلها ديمُقراطية، لكن السيد فيصل عبد الساتر يقول أنه لم يحظ أو الحكومات المتعاقبة في العراق لم تحظ بالفرصة الكافية لترسيخ أقدام الديمقراطية في التربة السياسية العراقية، كيف ترد؟

غسان العطية: الملاحظة الأولى أن ليس التعميم على كل الدول العربية التي ذكرتها  خطأ يجب أن نأخذ كل حالة بحالة ولكن ما يميّز دول المشرق العربي بدون شك هناك قواسم مشتركة تختلف عن تونس تحديداً، النقطة الأساسية بالنسبة للعراق أن الظاهرة المهمة جداً بعد الاحتلال الأميركي هو دخول البُعد الطائفي، اثنين الولايات المتحدة اعتمدت سياسة إن العراق قسموه سنة، شيعة، كُرد، وبالتالي اللي دخل بالعملية دخل الإسلام السياسي لأول مرة متمثلاً بالأحزاب الإسلامية الشيعية هذه الأحزاب اللي هي إلها علاقة جيدة وكانت إيران تدافع عنها وتحميها وتأسست في إيران بعضها، هذه الوضعية لما جاءت هذه القوى إن كانت شيعية أو سنية تعاملت بروحية المنتصر والسذاجة الأميركية قالوا والأغلبية شيعية وأكراد فالسنة يقبلوا بالديمُقراطية ولبئس المصير، ما كانوا مدركين حقيقة العراق الأكراد منذ تأسيس الدولة كان يشعروا بالتهميش وبقوا عنصر مثير للمشاكل للثورات إلى أن حصلوا الآن شبه استقلال كامل فإذا كان الأكراد الذي لم يكن لهم صديق سوى الجبل استطاعوا أن يحققوا ما حققوه بعد 80 سنة، كيف الحال لما تريد تهمش مكوّن أساسي من الشعب العراقي باسم سني وهو ما كان يعتبر نفسه سني هو يعتبر نفسه عربي وكان داعي للقومية العربية ومتحمّس للقومية العربية وفي سلسلة تاريخ العراق من تأسيسه إلى سقوط نظام البعث هو كان صراع سياسي وليس طائفي، هنا شيء جديد حصل، بالبداية الأحزاب الإسلامية الشيعية لم تُحسن التعامل مع الآخرين وتعاملت بروحية الانتقام وأقولها وأنا ابن الجنوب حتى يفهم المشاهد هذه الروحية بدأت بحل الجيش، لما تحل الجيش مئات الآلاف عوائلهم وين رواتبهم، وين مكانتهم، وين احترامه لنفسه إضافة لذلك تلغي مناصبهم باجتثاث البعث بهذا، علماً بس بين قوسين روعة النموذج التونسي أنه لم يطبّق الاجتثاث وبالتالي صارت مصالحة وطنية وتمكن الآن يصير تداول سلمي للسلطة بالعراق يريدوا الاجتثاث ويريدوا أن يستعملوها أسلوب لمنع الطرف الثاني من أن يكون له دور لا أن يكون بالسلطة، الثالثة النقطة الأخرى المؤسفة المنطقة تعيش استقطاب طائفي الطرف الإيراني هو يقول قادتهم يقولوا نحن أصبحنا نتحكم بأربع عواصم عربية أو لنا نفوذ إيراني بأربع عواصم عربية، سيد سلامي أحد قادة الحرس الثوري يقول خلقنا في بغداد الآن قوة شعبية مسلّحة متعاونة معنا 10 أضعاف حزب الله، يا سيدي هذا الوضع كله يجب أن تضعه بنفسك بينما تونس لم تكن محاطة بجيران ومن له جيران كجيران العراق يكون الله بعونه ما يحتاج إلى عدو إذا عندك مثل هؤلاء الجيران أعطيك نموذج حتى..

محمود مراد: طيب الحالة، الحالة المصرية، دعني أطرح السؤال على السيد خليل العناني، الدكتور خليل العناني الحالة المصرية ليس فيها جيران العراق وأيضاً لم يكُن فيها الاجتثاث الذي مورس ضد البعثيين أو ضد الجيش مؤسسة الجيش كما حدث في العراق ومع ذلك انتكست هذه الحالة، وكما قال أحد الصحفيين المصريين عندما كانت ثورة 25 يوليو أو بينما كانت 25 يناير عفواً ثورة من الشعب على المؤسسات التقليدية كانت 30 يونيو ثورة من المؤسسات التقليدية ضِد الشعب وعادت الأنظمة القديمة كما كانت، كيف تُفسر هذا الأمر دكتور خليل؟؟

خليل العناني: يعني أعتقد تفسيرهُ يكمُن فيما قُلناه سابقاً أنهُ نحنُ نتحدث عن نموذج دولة عربية فقد مُبررات وجودهُ، نموذج قام بالأساس قبل 50 عاماً على شرعية الاستقلال وأصبح في حاجة إلى شرعية الإنجاز وشرعية الأداء وشرعية التوافق والرضا والقبول المُجتمعي، 25 يناير كانت عبارة عن فعلاً يعني قفزة للإمام، كانت مُحاولة لإسقاط العقد الاجتماعي القديم الذي كان يقوم على احتكار الدولة لكُل شيء وعدم إعطاء المُجتمع أي شيء، عُنصر الحسم فيها كان للشباب التي تم تهميشُها خلال عقود كثيرة، فكرة الاحتجاج كانت فكرة جديدة بالنسبة للمُجتمع المصري، المُجتمع اكتشف نفسه أو أعادَ اكتشاف نفسهُ بشكل كبير، فكرة المواطن وتمكين المواطن وقوة المواطن أصبحت فكرة مُؤثرة جداً، الذي حدث أنهُ مجموعات كبيرة لم يكُن بينها رابط تنظيمي أو رابط أيديولوجي مُحدد قامت بالانتفاض، وقامت بالثورة، قامت بالتظاهُر من أجل أن تستعيد حقوقها، من أجل أن توسع المجال العام لحركتها، من أجل أن تستفيد من حالة الانفتاح في التكنولوجي وحالة التواصل الاجتماعي، من أجل إحداث تغيير في هذه المُعادلة العقيمة مُعادلة أن الشعوب مُجرد Subject مُجرد موضوع أو موضوعة لتحكم الدول أو تحكُم الأنظمة من خلال الأدوات القمعية والأدوات القهرية، ما حدث بعد ذلك في الثالث من يوليو هو بالفعل كانت عملية ثورة مُضادة قامت بمُحاولة استعادة الوضع القديم، مُحاولة إعادة المُعادلة إلى ما كانت عليهِ في السابق، مُحاولة إظهار أن الدولة هي التي تُحرك الأمور أن الدولة هي المُتحكم، مُحاولة وقف أي مُحاولة حتى للتفكير وأن يحلُم المُجتمع بأن يُصبح هو الذي يُسيطر على ذاتهِ والذي يُحرك لآمالهَ وطموحاتهِ، أن يُصبح هو المُحرك للسياسة في المُجتمع وبالتالي الفرق كبير بين ما حدث في 25 يناير كان هُناك لحد بعيد توافق على الأقل على الأهداف الرئيسية: حُرية، كرامة، عدالة اجتماعية، في 30 يونيو أو في 3 يوليو كي أكون أكثر دقة، الذي حدث أنهُ المؤسسة الرئيسية التي كانت تقوم بالحُكم خلال ال 60 عاماً قامت بالثورة المُضادة من أجل أن تستعيد وضعها، يعني لا بُد أن أضع ذلك في الإطار المصري الحديث، مصر مُنذُ 1952 وحتى الآن تُحكم من خلال مؤسسة فوقية وهي المؤسسة العسكرية، وهذا أمر واضح سواء كان من خلال النصوص الدستورية أصبحت الآن أمراً واقعاً، أو من خلال الخبرة التاريخية الذي حكم مصر خلال العقود الستة الماضية جاء من خلفية عسكرية، الذي قام بوضع النظام السُلطوي ووضع بُنيتهِ ووضع مؤسساتهِ هو نظام عبد الناصر مُنذُ عام 1952 وحتى الآن، و الذي جاء بالسياسة على حساب الديمقراطية وعلى حساب الحُرية وعلى حساب حقوق الإنسان، الذي حدث في 25 يناير كانت هُناك مُحاولة جريئة من الشعب المصري لاستعادة السُلطة  باعتبارهِ هو مقر السُلطة وهو المُستهدف منها، قام من خلال ذلك بإطلاق نوع من الانفتاح الكبير في المجال العام، حُريات، انتخابات حُرة وديمقراطية جاءت برئيس للسُلطة، هذا الرئيس كان لديهِ مشاكل كثيرة، كان لديهِ أخطاء كثيرة، ولكن الدولة القديمة أو الدولة العميقة لم تكُن راضية عن ذلك وقامت بما قامت بهِ في الثالث من يوليو، الآن هذه الدولة تقوم بكُل ما تملك من أجل منع أي مُحاولة أُخرى للثورة، يعني قانون التظاهُر في مصر على سبيل المثال يمنع أي مُحاولة للتظاهر، يقوم بضربات استباقية لأي مجموعات شبابية أو مجموعات سياسية تُحاول أن تقوم بما قامت بهِ 25 يناير، رغم أن هذا النظام جاء من خلال التظاهُر جاء من خلال تظاهُرات 30 يونيو، وبالتالي نحنُ إزاء عملية جذب وعملية صراع وهذا الصراع لن يُحسم في الأمد القريب، هُناك مُحاولة من الدولة لاستعادة سُلطتها  وهيبتها وقوتها حتى لو من خلال القوة وليس من خلال الرضاء ومن خلال الإنجاز، هُناك مُجتمع يرفُض ذلك، هُناك مُجتمع وإن كان حتى هذه اللحظة يُحاول أن يتمالك وأن يُعيد تنظيم صفوفه إلا أنهُ لم يقبل على الإطلاق بأن فرض المُعادلة القديمة عليه مُجدداً، هُناك حاجة ماسّة جداً لهذهِ القوى السياسية أن تُعيد تنظيم صفوفها، أن تتخلى عن مُراهقتها وصبيانيتها، أن تتخلى عن مطالبها الفئوية وأن تتوحد تحت شعارات تضُم الجميع وليس التهميش، أنا أتفق جداً مع الأستاذ غسان من لندن..

قوى خارجية تدعم أنظمة استبدادية

محمود مراد: طيب هذا عن الحالة المصرية، هذا عن الحالة المصرية دكتور خليل لكن يعني في الدول التي شهدت احتجاجات وُرفعت فيها دعني أطرح السؤال على السيد فيصل عبد الساتر، الدول التي شهدت احتجاجات على نطاق واسع ورُفعت فيها مطالب مشروعة من قبيل العيش والحُرية والكرامة الإنسانية، بل وإسقاط النظام إذا كان هذا النظام مُتجاوزاً في حق شعبه، أكان يُمكن لهذه الأنظمة أن يُكتب لها هذا الصمود أو تتمكن من هذا الصمود إذا لم تكُن هُناك قوىً خارجية ترفدُها بأسباب الحياة في تقديرك؟ هل كان يُمكن للنظام السوري أو للنظام العراقي في الوضع الراهن أن يصمُد أمام هذه الاحتجاجات كُل هذه الفترة إذا لم تكُن هُناك قوى خارجية تُساندُه؟ وربما نعني بذلك صراحةً إيران.

فيصل عبد الساتر: سوف أُجيبك بطريقة مقلوبة، لو أن هذه المُعارضات وهذه الاحتجاجات التي حصلت لو لم يكُن لها إعلام يتبناها ودول تدعمُها وتؤمن لها كافة الوسائل وتُقيم لأشخاص هذه المُعارضة في فنادق 5 نجوم أجنحة مُعينة وتُعطيهم الأموال، كان لهذه الاحتجاجات أن تستمر 4 سنوات سواء في سوريا أو في غير سوريا، يعني لنكُن أيضاً..

محمود مراد: يعني أنتَ لا تُريد أن تُجاوب على سؤالي مثلاً بهذا السؤال الذي طرحتهُ، هل لا تُريد أن الإجابة عن السؤال..

فيصل عبد الساتر: لا أنا أُريد أن أعكس الآية..

محمود مراد: وهل هذه المُعارضات التي يعني تجلس في فنادق 5 نجوم وتجد من يرعاها من الدول وتجد من يرعاها من الإعلام أو يُسلط الضوء على احتجاجاتها، هل ترفع مطالب غير مشروعة؟ عندما تتحدث عن الديمقراطية وتتحدث عن العيش الكريم وانتهاء التعذيب والتنكيل بالمواطنين وتوفير لُقمة العيش والحياة الكريمة، هل هذه المطالب غير مشروعة؟

فيصل عبد الساتر: طيب يا سيدي، أستاذ محمود أولاً أنا أُراقب سير الحلقة، فأنت كُل ضيوفك لا تُقاطعهم أبداً دعني أُكمل الفكرة وأنا إذا أردت أن تدخُل معي في سجال..

محمود مراد: للأسف أنتَ لا تُجيب عن سؤالي يا سيد فيصل، أنا سألتك هل يُمكن؟

فيصل عبد الساتر: لا أنا قُلت لكَ، قُلت لكَ أعكس السؤال يعني لو كانت لو كانت هذه الاحتجاجات غير مدعومة من دول..

محمود مراد: خلي عكس السؤال، أو خلي طرح الأسئلة، يعني خلي مسألة طرح الأسئلة هذه لي، يعني أنا أرجو منك على السؤال حتى يستقيم سير الحلقة، أو سير الموضوع الذي نناقشه.

فيصل عبد الساتر: أنا ليَ الحق، ليَ حق الإجابة.

محمود مراد: تفضل.

فيصل عبد الساتر: قُلت أن هذه الأنظمة، هذه الأنظمة نعم هذه الأنظمة كانت تستطيع أن ترى حُلولاً لكثير من الحركات الاحتجاجية لو لم يكُن هُناك أهداف خلف هذه الاحتجاجات كانت تُريد أكثر من ذلك بكثير، وهُنا أعود إلى مسألة اعتراضية مع احترامي للدكتور غسان العطية المسألة ليست مع تجرُبة المُعارضة العراقية التي أتت بعد سقوط نظام صدام حسين، فأنت تعرف وأنتَ ابن العراق وأنا اطلعت على كُل أدبيات المُعارضة العراقية، من كانت المُعارضة العراقية؟ كان الحزب الشيوعي العراقي والأحزاب الإسلامية، هل كان هُناك مُعارضة أُخرى في العراق؟ لم يكُن هُناك مُعارضة، فلماذا نعترض إذا كان هؤلاء الذين أُعدموا والذين أبعدوا أن أتوا إلى العراق وكانوا يُريدون أن يُقدموا تجرُبة؟ المالكي ألم يبطش بالتيار الصدري وقتل منهم العشرات والمئات؟ ألم يبطش بحركة ما يُسمى حركة المهدوية في كربلاء؟ إذن لم يكُن يُميز، كان يُريد أن يفرِض نظاماً على الجميع لكن للأسف الشديد لم تكُن هُناك فُرص مواتية، كان هُناك من يُريد أن يقول بأن السُنة عرب والشيعة غير عرب، طيب الشيعة في العراق عرب أو مو عرب؟هل هُناك أحد من ساسان يعني من الشيعة في العراق، هذا الشيعة كُلهُ عرب حتى المسيحي عربي، هُناك الكُردي هي الإثنية الثانية أو العرقية الثانية، ثم أذهب الآن إلى سوريا وأُريد أن أُجيب عن سؤال الأستاذ محمود بشكل مُباشر، نعم هذه الأنظمة كما أن لديها يعني من يدعمها من الخارج أيضاً المُعارضات كان لديها من يدعمها من الخارج، كُل حركة الاحتجاج في العالم العربي وهُنا يجب التمييز بين الحالة التونسية التي هي حالة خاصة والتي لا يجب أن نُسميها يعني أو نُحاول مُقارنة مع بقية الدول الأخرى، ليس على اعتبار أن تونس هي الرمز بهذا الإطار لأن تونس خالية من الأمراض الأخرى التي موجودة في أكثر الدول العربية، وهُناك من يُفتش لتونس عن مرض الآن مسألة الجنوب والشمال، إن شاء الله يعني إن شاء الله تخرُج تونس من هذه المُشكلة ولا يحدث هُناك مُشكلة ما بين الشمال والجنوب...

محمود مراد: ومع ذلك يعني أنتَ ما زلت في إجابتك عن سؤالي إلا أنك أحلت الأمر أيضاً للمُعارضة التي تحظى بدعم من الخارج لكننا نتحدث عن النظام..

فيصل عبد الساتر: لا لا عم أُجيب عن السؤال، عم أُجيب عن السؤال، المُعارضات ما كان لها أن تستمر...

محمود مراد: للأسف الوقت لم يعُد يُسعفنا، دعني أطرح السؤال على الدكتور عبد اللطيف الحناشي ونعود إلى الحالة التونسية مُجدداً، دكتور عبد اللطيف رغم ما قُلت عن الحالة التونسية فإن الاحتجاجات يعني زين العابدين بن علي وجد فرصةً سانحة أو أتيحت لهُ فرصة في سنواتٍ طويلة حكم فيها تونس ومع ذلك لم تستطع الأجهزة المُعاونة لهُ أن تنقُل لهُ نبض الشارع حتى تفجرت كُل هذه الأمور في أواخر عام 2010 وبواكير عام 2011، ما الذي سبّب هذه العُزلة بين بن علي ونظامهِ وبين الشعب التونسي؟ 

عبد اللطيف الحناشي: يعني بن علي عندما جاء، جاء ببيانٍ كان بيان نستطيع أن نقول قد وجدَ إقبال وقبول من كُل النُخبة التونسية تقريباً لأنهُ وعد بالديمقراطية والحياة الكريمة والمُساواة والعدالة الاجتماعية، ولكن فيما بعد وخاصةً مُنذُ اصطدامهِ بالحركة الإسلامية المُتمثلة بحركة النهضة آنذاك تغير الأمر، وأصبحت هُناك العائلات هي التي تحكُمُ سواء عائلة بن علي أو عائلة زوجتهِ، وهذا مما سارع في إفسادِ وفسادِ الحياة السياسية والاقتصادية وأدى كذلك إلى تعميق الهوة بين الفئات الاجتماعية التونسية، وأصبحت هُناك طبقة جديدة مفروزة تابعة لهذه المجموعات وبن علي حكم ولأول مرة في تونس حكم بالأمن ولم يحكُم بغير الأمن، واستطاع خلال هذه الفترة الطويلة ومن خلالِ القمع أن يقمع النُخبة السياسية أو ما تبقى منها في الداخل لأن جزء كبير جداً من الحركة أو من حركة النهضة إما في السجونِ أو في المنافي في حينِ أن بقية المُعارضة التي وجدت في الساحة بقيت تُناضلُ..

محمود مراد: طيب دكتور عبد اللطيف يعني، عموماً في الحالة العربية بصفة عامّة إذا صمّت الدولة آذانها وأدارت ظهرها لمطالب مواطنيها المشروعة، يعني ماذا على المواطنين أن يفعلوا لكي يُحافظوا على كيان الدولة وفي الوقت ذاتهُ يُحققوا هذه المطالب؟ هل عليهم أن يقبلوا بالمذُلة والمهانة كي يُحافظوا على استقرار الدول وهذا الكيان المُسمى بين قوسين دولة؟

عبد اللطيف الحناشي: لا بطبيعة الحال على الشعب أو الشعوب أن تُناضلَ ولكن النضال يجبُ أن يكون سلمياً والنضال من أجل تحقيقِ المُساواة كما قُلنا والعدالة الاجتماعية، وهُناك إرشادات مُتعددة لتحقيقِ هذه الأمور...

محمود مراد: طيب إذا انسدت آفاق النضال السلميّ، باختصار شديد لو تكرمت إذا انسدت آفاق النضال السلميّ، ماذا عليهم أن يصنعوا؟ يعني الطبيعي أنهم سيلجئون إلى العُنف، هل تجد سبيلاً آخر؟

عبد اللطيف الحناشي: يعني هو في الحقيقة أن العُنف يُولدُ العُنف، إذا أبدت الدولة أو إذا مارست الدولة عُنفاً صارخاً فبالتالي الشعب أو النُخبة السياسية ستُبدعُ نضالاً آخر، وهذا النضال هو مُتفاوت أنا لا أدعو أو لا أقولُ للعُنف، ولكن هُناك مجالات عديدةً للتظاهُرِ، للكتابةِ الآن مثلاً في هذا الوقت هناك وسائل التواصل والاتصال الحديثة يُمكن استخدامها وكذلك يُمكنُ العمل مع أطرافٍ في الداخل وكذلك القوى الوطنية والديمقراطية والإنسانية في العالم..

محمود مراد: شكراً أعتذرُ منك على المُقاطعة، أشكرك شُكراً جزيلاً الدكتور عبد اللطيف الحناشي أستاذ تاريخ الفكر السياسي في الجامعة التونسية، عضو الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وأشكر ضيفنا من بيروت السيد فيصل عبد الساتر الكاتب الصحفي، ومن واشنطن الدكتور خليل العناني أستاذ العلوم السياسية في جامعة جونز هوبكنز، ومن لندن الدكتور غسان العطية مُدير المعهد العراقي للتنمية والديمقراطية، أشكركم مُشاهدينا الأعزاء على حُسن المُتابعة، بهذا تنتهي هذه الحلقة، إلى اللقاء في حديثٍ آخر من أحاديث الثورات العربية، دُمتم في رعاية الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.