عرف التحول الديمقراطي في دول الربيع العربي تحديات ومخاطر يراها الباحثون في التاريخ أمرا طبيعيا لدى وقوع الثورات.

ومن هذه التحديات عوامل داخلية تعيق عملية التحول تحمل مسميات عديدة مثل الدولة العميقة والثورة المضادة وقوى الشد العكسي، وقوى ما قبل الدولة. كل هذه الملفات تصدرت حلقة "حديث الثورة" مساء 14/6/2014.

أما العوامل الخارجية فلم يتجاهلها ضيوف الحلقة، ولكنهم أكدوا أن الوعي واليقظة المحلية كفيلان بتحصين بلادهم ضد أي عوامل تعصف بمنجزاتهم.

النموذج التونسي
تونس التي انطلقت منها شرارة الربيع العربي تبدو في اللحظة الراهنة الدولة الوحيدة القادرة على التعامل بمرونة مع المرحلة الانتقالية.

العناني:
الجيش في تونس احترافي ليس لديه أطماع لكن الجيش المصري لم يترك السلطة منذ العام 1952 ولديه مصالح سياسية واقتصادية

ويحيل رئيس رابطة تونس للثقافة والتعدد أحميد النيفر هذا الأمر إلى أن في بلاده نخبا سياسية ومجتمعا مدنيا متفاعلا، لافتا إلى ان "العائلات السياسية الكبيرة" خاصة الحركة الإسلامية لديها حركية داخلية، بما يعني أنها غير منغلقة كما هو الحال في دول أخرى.

وأضاف النيفر أن المؤسسة العسكرية والأمنية في تونس ما زالت تحافظ على قدر من الحياد ضمن النظام الجمهوري، مما حقق النجاح للنموذج التونسي.

مع هذا ثمة مخاطر تتهدد هذا النموذج ليس بينها الدولة العميقة بل "الإرهاب" الذي يتسلل بصورة مؤكدة إلى البلاد، في مقابل تراجع مفهوم الدولة الحديثة التي أرست في تونس نظاما وتوافقا اجتماعيا رغم ما فيها من أخطاء، حسب قوله.

أما الكاتب الصحفي المستقل كامل المرعاش فتحدث عن أسباب التعثر في ليبيا، وقال إن هناك قبيلة عميقة مقابل مصطلح الدولة العميقة، وإن بلاده عاشت بلا أحزاب طيلة 60 عاما وتحت حكم فردي 42 عاما.

وأضاف أن مفهوم المؤسسات لا يعني شيئا في ليبيا حتى مع بروز عدد كبير منها عقب الثورة، واصفا هذه المؤسسات بأنها "دكاكين" لا تؤسس ولا تؤثر في المشهد السياسي.

وبين المرعاش أن الصراع في ليبيا نشأ قبليا مسلحا ضد نظام معمر القذافي، ولكن بعد انتصار الثورة تقوقعت كل قبيلة وأصبحت تطالب بنصيبها في السلطة.

تونس ومصر
من جانبه قارن أستاذ العلوم السياسية في جامعة جونز هوبكنز خليل العناني بين الحالتين المصرية والتونسية، فقال إن مصر لم يكن فيها خطابا إسلاميا متقدما، وإن النخبة السياسية العلمانية لم تكن بالنضج الكافي بحيث لم تقبل الحوار مع القوى الإسلامية.

محمد الظاهري:
من بين مواطن ضعف الثورة اليمنية أنها نشأت في محيط إقليمي غير ثوري يخاف من التغيير، وأن المؤسسات المعارضة لم تكن ثورية بل هي في ثقافتها أقرب إلى الإصلاح السياسي

أما في تونس فرأى العناني أن الجيش احترافي ليس لديه أطماع، بينما لم يترك الجيش المصري السلطة منذ العام 1952 ولديه مصالح سياسية واقتصادية، وأضاف أن العامل الإسرائيلي يعد عنصرا مؤثرا، حيث ليس من مصلحة إسرائيل وجود ديمقراطية إلى جانب ما تقول إنها الديمقراطية الوحيدة في المنطقة.

وبحسب العناني فإن الذي استفاد من الثورات هم الدولة العميقة والقوى المتطرفة، أما الشباب فهم إما محبطون أو مهمشون أو في السجون، ومع هذا خلص إلى أن انتصار الثورة المضادة مؤقت وأن الرأي العام العربي بات مؤثرا.

ثورة غير مكتملة
ومن اليمن وصف أستاذ العلوم السياسية في جامعة صنعاء محمد الظاهري الثورة هناك بأنها ثورة غير مكتملة سلمية في واقع عنيف، وأنه لا يوجد جيش وطني بل مليشيات حاكمة، إذ انضم جزء من الجيش للثورة والتحق آخر بالنظام الحاكم.

وبالترافق مع هذا يرى الظاهري أن القبيلة أيضا ليست كتلة صامتة، بل كانت موزعة بين من تركت السلاح والتحقت بالثورة السلمية ومن استقطبت لصالح النظام، بين قبيلة ثارت وأخرى "خانعة".

وأكد الظاهري أن غالبية الشعب اليمني لن يقبل عودة النظام الوراثي، لكن من بين مواطن ضعف الثورة اليمنية أنها نشأت في محيط إقليمي غير ثوري يخاف من التغيير، وأن المؤسسات المعارضة لم تكن ثورية، بل هي في ثقافتها أقرب إلى الإصلاح السياسي.

اسم البرنامج: حديث الثورة

عنوان الحلقة: دول الربيع العربي.. عثرات وآمال

مقدم الحلقة: محمد كريشان

ضيوف الحلقة:

-   خليل العناني/ أستاذ العلوم السياسية في جامعة جونز هوبكنز

-   كامل المرعاش/ كاتب صحفي ليبي مستقل

-   محمد الظاهري/ أستاذ العلوم السياسية في جامعة صنعاء

-   أحميدة النيفر/ أكاديمي ورئيس رابطة تونس للثقافة والتعدد

تاريخ الحلقة: 14/6/2014                          

المحاور:

-   الوضع المصري وانعكاس الوضع التونسي

-   السلاح والقبيلة والنفط

-   الدولة العميقة واستحقاقات الثورة المضادة

-   معوقات داخلية وأخرى خارجية

-   محيط خليجي للثورة اليمنية

محمد كريشان: أهلا بكم مشاهدينا الكرام في حلقة جديدة من حديث الثورة، ما كان لثورات الربيع العربي أن تنفجر تباعا لو كانت نظم الحكم فيها تملك آليات قادرة على تحقيق طموح مواطنيها للحرية والعدالة الاجتماعية وكما كان انطلاق هذه الثورات من تونس فريدا وغير متوقع فإن هذا البلد ما زال يحتل موقعا متميزا على مسار التحول الديمقراطي بين أقرانه من دول الربيع العربي فبعد التوافق على دستور جديد للبلاد يؤسس لجمهورية ثانية خطت الأطراف السياسية التونسية خطوة جديدة بالتوافق على تقديم الانتخابات التشريعية على الانتخابات الرئاسية بعد خلاف طويل، وبذلك تنتهي أزمة سياسية حادة كانت تقف حجر عثرة في طريق تحديد مواعيد الانتخابات المقبلة التي ينص الدستور على إجرائها قبل انتهاء هذا العام، مناخ التوافق هذا افتقده المصريون قبل مظاهرات الـ 30 من يونيو الماضي والتي مهدت للانقلاب على أول رئيس مدني منتخب، وما زال هذا التوافق مفتقدا رغم إقرار دستور جديد وانتخاب قائد الانقلاب المشير عبد الفتاح السيسي رئيسا جديدا للبلاد في ظل واقع يتم فيه إقصاء تيار عريض من المصريين، وفي ليبيا عجز المؤتمر الوطني العام والحكومات المتعاقبة بعد انتصار ثورة السابع عشر من فبراير في فرض الأمن وتحسين الوضع الاقتصادي في البلد الغني بثرواته النفطية، وفي خضم الخلافات بين كافة القوى حول مستقبل البلاد السياسي ظهر على سطح الأحداث اللواء المتقاعد خليفة حفتر وقواته رافعا لواء محاربة ما يسميه الإرهاب وإعادة الأمن لليبيين، أما في اليمن فإن التوافقات الذي انتهى إليها مؤتمر الحوار الوطني لم تعصم البلد من استنزاف قواها في مواجهات مع الحوثيين في الشمال والقاعدة في الجنوب، وعلى وقع الاضطراب الأمني و التجاذب السياسي خرجت مظاهرات تحتج على ارتفاع الأسعار ونقص الوقود وانقطاع الكهرباء بل وتعالت أصوات مؤخرا تطالب بعودة الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح وابنه إلى المشهد السياسي، وقد حاول الرئيس عبد ربه منصور هادي احتواء هذه الاحتجاجات وما وصف بتحركات قوى الثورة المضادة بتعديل وزاري في حكومة الوفاق الوطني شمل خمس حقائب وزارية سيادية. حلقتنا هذه نناقشها مع ضيوفنا من تونس، الدكتور أحميدة النيفر الأكاديمي ورئيس رابطة تونس للثقافة والتعدد، هنا في الأستوديو الدكتور خليل العناني أستاذ العلوم السياسية في جامعة جونز هوبكنز ومن باريس كامل المرعاش الكاتب الصحفي الليبي المستقل، ومن صنعاء محمد الظاهري أستاذ العلوم السياسية في جامعة صنعاء، نبدأ من تونس كما بدأت ثورات الربيع العربي من تونس ونسأل الدكتور أحميدة النيفر ما الذي جعل التجربة التونسية هي الوحيدة الناجحة تقريبا الآن في ظل المشهد العربي الذي استعرضناه قبل قليل في دول مصر واليمن وليبيا.

أحميدة النيفر: هي ناجحة فعلا لكن لا بد من التنسيب لأن هذا النجاح الملحوظ والذي تتبعثر جهود كثيرة لتحقيقه وتواصله مهدد بكثير من المخاطر فلا بد إذن أن نبدأ بالقول بأن هذا النجاح موجود ولكن يحتمل كثيرا من التعثرات، لماذا نجح؟ لأنه لوجود ثلاث عناصر أساسية في تقديري العنصر الأساسي الأول هناك نخب سياسية ومجتمع مدني يتفاعلان بصورة فاعلة وقد أثبت الحوار الوطني والحوار الاقتصادي الذي كان مبرمجا لأن يقع هذه الأيام أثبت أن هذا التفاعل بين النخب السياسية المتنوعة والمتعددة المشارب مع مجتمع مدني ناشئ استطاع أن يكون عنصرا فاعلا، العنصر الثاني الذي أعتبره مؤثرا جدا هو هذه الحركة الداخلية في بعض الأحزاب الكبيرة أو في بعض العائلات السياسية الكبيرة وأقصد بالذات عائلة العائلة الإسلامية أو التيار الإسلامي فيها حركية داخلية ليست منغلقة بالصورة التي توجد في مواقع أخرى، والعنصر الثالث هو أن المؤسسات الكبرى التقليدية وأقصد بالأساس المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية ما تزال محافظة على قدر لا بأس به من الفاعلية و الحياد في نفس الوقت وحفاظها على أن تبقى ضمن مؤسسة جمهورية وضمن النظام الجمهوري. هذه العناصر الثلاثة في بتفاعلها حققت هذا النجاح الملحوظ الذي يبقى كما قلت.

محمد كريشان: نعم.

أحميدة النيفر: مهددا ببعض المخاطر..

الوضع المصري وانعكاس الوضع التونسي

محمد كريشان: هنا نسأل الدكتور خليل العناني ما الذي حال دون بروز على الأقل عنصر من بين هذه العناصر الثلاثة في دولة مثل مصر مثلا.

خليل العناني: أنا أتصور إن الوضع في مصر عكس الوضع في تونس تماما على سبيل المثال إذا أخذنا العناصر اللي تفضل بها الدكتور أحميدة النيفر فنجد إنه لدينا مجتمع مدني في مصر منقسم على ذاته، مجتمع جزء منهم تم استقطابهم من خلال الدولة وتم إفساده من خلال الدولة وجزء لا يزال يعني يكافح من أجل إقرار بيئة ديمقراطية حقيقة تحترم حقوق الإنسان والحريات. هذه واحدة، الأمر الثاني إنه الحركة الإسلامية في مصر لم يحدث لها نوع من التطور السياسي والفكر الإيديولوجي كما هو الحال في حالة تونس وأتصور أن جزءا رئيسيا من ذلك أن هناك هيمنة للتيار المحافظ داخل حركة جماعة الإخوان المسلمين على إدارة الأمور منذ على الأقل منذ عشرين عاما وبالتالي ليس هناك خطابا تقدميا إسلاميا يستطيع أن يتجاوز الإطار الإيديولوجي الضيق من أجل بناء توافقات خارج الإطار الإسلامي، الأمر الثالث كما تفضل الدكتور أحميدة النيفر هو متعلق بطبيعة الجيش في البلدين الجيش التونسي لحد بعيد جيش جمهوري جيش احترافي ليس لديه أطماعا سياسية أو اقتصادية مقتصر على ذاته، أما في الحالة المصرية الجيش المصري أو المؤسسة العسكرية بشكل عام مرتبطة بالسلطة منذ 52 حتى الآن، تلعب دورا أحيانا دورا مباشرا أحيانا دورا غير مباشر لكن لديها مصالح أساسية سياسية واقتصادية، الأمر الرابع أعتقد أيضا هو نضج النخب السياسية في كلا البلدين، أنا أتصور النخبة السياسية المصرية خاصة العلمانيين والليبراليين ليست بالنضج الكافي التي تسمح لهم أن يتجاوزوا هذا الاستقطاب بل العكس هم كانوا جزءا رئيسيا في هذا الاستقطاب، لم يتقبلوا أي نوع من الحوار مع القوى الإسلامية، فضلوا التحالف مع القوى العسكرية والمؤسسة العسكرية على حساب القوى السياسية الأخرى، الأمر الخامس والمؤثر أيضا هو عامل إقليمي مهم هو إسرائيل، الجوار الإسرائيلي لمصر هو عنصر مؤثر من ناحيتين الناحية الأولى البعد الدولي يعني ليس من مصلحة إسرائيل أن تكون هناك ديمقراطية في مصر لأسباب كثيرة أولها أسطورة الاستثناء الإسرائيلي أن لا تكون هناك ديمقراطية أخرى..

محمد كريشان: وكتب ذلك في الصحافة الإسرائيلية قالوا نحن ننتخب الأسد وننتخب السيسي صراحة..

خليل العناني: كتب ذلك عن اليوم الأول لثورة يناير وبالتالي الديمقراطية في مصر ليست مصلحة إسرائيلية بالأساس.

محمد كريشان: إذا كانت الصورة بهذا الشكل في مصر نحن الآن في الجولة الأولى من البرنامج نسأل فيما يتعلق بليبيا نسأل السيد كامل مرعاش، ما أسباب التعثر في ليبيا

كامل المرعاش: والله أسباب كثيرة جدا ربما لا يسع حلقة واحدة أن نتحدث عنها ولكن كل ما قاله ضيفاك الكريمان يصدق على الحالة الليبية بالشكل السلبي، طبعا كلنا يعرف أن ثورة 17 فبراير بدأت سلمية ولكنها تحولت إلى ثورة عنيفة أي أن الثورة الليبية ولدت من رحم العنف وكان للقبيلة وللمناطقية وغيرها من الفئات في ليبيا دورا كبيرا والذين حاربوا النظام وأسقطوه كانوا يتفقون على شيء واحد وهو إسقاط النظام وظهر هذا الانقسام واضح حتى في أثناء يعني تشكيل المجلس الوطني الانتقالي رغم أن السادة في المجلس الوطني الانتقالي تمكنوا من إخفاء هذا الانقسام داخله لخوفهم على أن الغرب ربما يقف موقفا آخر من الثورة الليبية ولا يساعدها في إسقاط النظام لأننا كنا نعرف أنه هناك فضل كبير يرجع إلى التدخل الغربي وحلف الناتو في كسر شوكة النظام التي كانت قوية والتي لولا تدخل هذا الحلف لما تحقق الانتصار والقضاء عليه، إذن المشهد اختلف تماما عندما انتهى النظام وأصبحت هناك مجموعات مسلحة التي سطت على هذا السلاح المكدس في المخازن القذافي العسكرية، وفي غياب مأساوي للنخب السياسية في غياب مأساوي لمؤسسات المجتمع المدني غاب الحوار ودخلنا إلى لغة السلاح وإلى لعنة السلاح ولعنة النفط لأن الصراع في ليبيا حقيقة هو الصراع على الثروة النفطية بالأساس يعني ولهذا ظهرت لدينا المجموعات التي أوقفت النفط في ليبيا وظهرت مجموعات أخرى من التبو والطوارق وغيرها يطالبون بمطالب وكل من هذه المجموعات تريد فرض إرادتها على الآخرين بقوة السلاح، الحقيقة غياب المجتمع المدني تصور مجتمع يعيش بدون أحزاب منذ ستين عاما ويعيش في قمع سلطة واستبداد وحكم فردي لمدة 42 سنة، لا تعني شيئا مؤسسات المجتمع المدني في ليبيا وإن هي كثرت بعد الثورة ولكنها مفككة وهي عبارة عن دكاكين في الواقع لا تؤسس حقيقة ولا تستطيع أن تؤثر في المشهد السياسي رغم أن الحراك الذي حصل في بنغازي وفي طرابلس وهما المدينتان الكبيرتان في ليبيا استطاع أن يضغط على المؤتمر الوطني العام اللي هو انعكاس لهذا الواقع المنقسم في ليبيا و الذي فشل فشلا ذريعا..

السلاح والقبيلة والنفط

محمد كريشان: سيد مرعاش بعد إذنك أخذنا السيد مرعاش إلى نقاط مهمة تتعلق بالسلاح والقبيلة والنفط، على الأقل هناك عنصران تشترك اليمن فيهما وهما موضوع السلاح والقبيلة وهنا نسأل الدكتور محمد الظاهري عن الأسباب التي جعلت الأمور تتعثر في صنعاء رغم انه كان هناك حوار وطني ويفترض الآن أن ندخل في مراحل ترجمة هذا الحوار، ما الذي حصل حتى تكون التجربة اليمنية متعثرة إلى حد الآن؟.

محمد الظاهري: نعم، المحاكاة فعلاً من ثورة تونس في اليمن أيضاً نحن نقول هناك تأثير وتأثر في نقل التجارب والنماذج ولكن هناك خصوصية بمعنى جوهر الظاهرة أو جوهر البيئة من حيث طبيعة بناء الدولة بناء القوة طبيعة الثقافة السائدة في اليمن أيضا للأسف أقول أنها ثورة غير مكتملة وهي سلميةٌ كانت في واقع عنيف وكان الخارج إقليميا و دولياً قريب منها أكثر مما ينبغي، صحيح على سبيل المثال المؤسسة العسكرية هي لها خصوصيتها بمعنى أنها في اليمن منقسمة وغالباً ما أردد مقولة أن في اليمن وأخشى أن أعمم أن لدينا مليشيات حكام وليس يعني جيوش أوطان. المؤسسة العسكرية عندما قامت الثورة انقسمت جزء منها أنضم للثورة وأنصارها وأيدها وجزء أستمر مع الذي كان حاكماً في هذا السياق، أيضاً النظام القبلي في اليمن ليس كتلةً مصمتة هو يعني لدينا في القبائل مسالمة وغالبية القبائل اليمنية قد ناصرت الثورة وتركوا السلاح في مناطقهم وقراهم و جاءوا سلميين ولكن يعني بالمقابل أستطاع الذي كان حاكماً أن يستخدم البعض، لأن القبائل في اليمن بعضها ثائر وبعضها خانع وبعضها يتحالف مع الحاكم وبعضها يتحالف مع المعارضة، إذن هذان العاملان أثرا. الإشكالية الأخرى أن بالنسبة للنخبة للحزبية والنخبة السياسية في اليمن لدينا خصوصية هنا قد تكون خصوصية مثبطة وليست لصالح الثورة صحيح أن شباب الثورة سواء كانوا مستقلين أو متمردين على أحزابهم قد خرجوا وأشعلوا الثورة ولكن يعني وجد لدينا شباب ثوري ولم توجد لدينا قيادات حزبية وسياسية ونخب ثورية وبالتالي حدث صراع بين الشرعية الثورية والشرعية التوافقية وانتصرت الشرعية التوافقية وتم اختزال الثورة إلى ما هو اقرب من الإصلاح السياسي آليتها التنفيذية وانتقلنا قصراً إلى المشهد ألتمديدي وليس الانتقالي وأنا أفرق بين المشهدين يعني ألتمديدي بمعنى تمديد المشاكل ووجدت حكومة توافقية لم تنجح تحولت إلى استئثارية ومحاصصة وتقاسم وللأسف يعني لا حظ معي الجيش الذي يفترض أنه أداة محركة للأسف منقسم، القبائل أيضاً يعني رغم أن غالبيتها كانت مع الثورة أيضاً هناك من يحاكي الحاكم..

محمد كريشان: إذاً سيد ظاهري بعد إذنك هناك مثلما استعرضنا لحد الآن هناك نقاط تشابه وتقاطع ونقاط اختلاف بين كل هذه الدول إذا أردنا أن نفكك الموضوع بشكل أفضل الآن بعد هذه الجولة الأولى التي حاولنا أن نفهم فيها أسباب النجاح النسبي مثلما قال ضيفنا من تونس وأسباب التعثر أيضاً بدرجات متفاوتة في هذه الدول، هنا نسأل الدكتور أحميدة النيفر مثلما كان التسلسل في الثورات تباعاً بدءاً من تونس هناك حديث الآن عن تسلسل في الثورة المضادة وكأن كتاباً فتح ويراد له أن يغلق وتنتهي المسألة تعبير الدولة العميقة وهو التعبير الذي أصبح دارجاً الآن برأيك إلى أي مدى في تونس قد تكون الدولة العميقة إلى جانب العناصر الثلاثة التي ذكرتها لم تكن بالقوة الشديدة الباطشة التي حالت ربما دون تقدم الأمور بشكل أفضل حتى وإن كانت تدريجياً؟.

أحميدة النيفر: هذا المصطلح الدولة العميقة في تقديري يحتاج منا إلى شيء من التأمل في خصوص الوضع التونسي على الأقل، في خصوص الوضع المحلي الدولة العميقة تبدو لي كلمة فيها مبالغة شديدة، هناك إمكانيات لانتكاسة واردة من أطراف موجودة لها مصالح في الأجهزة التنفيذية في المصالح الاقتصادية المرتبطة بها في الارتباطات التي لديها مع جهات أجنبية، بدون شك هذا موجود لكن تصوير أن لهذه القوى سلطة وقوة وإمكانية إفراز ما يسمى ثورة مضادة هذا أتصوره أمر غير دقيق، الأخطر من الدولة أو ما يقال أنه الدولة العميقة ألأخطر منه عناصر أخرى وأريد هنا أن أحدد عنصران أساسيان العنصر الأول هو ظاهرة الإرهاب التي تتسلل بصورة مؤكدة في تونس لتصبح حقيقةً خطرا داهما و تصبح مهددة للثورة بصورة حقيقية، إلى جانب هذا الاعتبار هناك تراجع مفهوم الدولة أصلا مفهوم الدولة بدأ يخفت بدرجة كبيرة في وضع تونسي كانت الدولة الحديثة رغم ما فيها من انتقادات وجهت إليها ورغم ما فيها من أخطاء وقعت قبل خمسين سنة فإنها استطاعت أن ترسي نظاماً اجتماعيا فيه قدر لا بأس به أستطاع أن يحقق توافقا اجتماعيا في تونس رغم هناته ونقائصه هذه الدولة الحديثة بدأت تتراجع وهذا خطر ثانٍ يمكن أن يستفاد منه من قبل الذين ينضمون إلى ما يسمى الثورة المضادة، إذنً لا أعتبر أن مشكلة الدولة العميقة هي كما هو الشأن في المناطق الأخرى المناطق العربية الأخرى هناك إشكال حقيقي في تونس افهم أن تراجع وخفوت أهمية الدولة الحديثة وما ينبغي أن يكون حولها من إجماع وحولها من تعاقد إلى جانب تسلل الظاهرة الإرهابية المسلحة هما العنصران الحقيقيان الذين يهددان الثورة.

الدولة العميقة واستحقاقات الثورة المضادة

محمد كريشان: نعم، هو ربما تعبير الدولة العميقة أنطلق من مصر دكتور عناني حتى أني استحضر كاريكاتيرا جميلا في إحدى الصحف المصرية أحدهم يرفع بالوعة غطاء البالوعة ويطل ويقول دي طلعت عميقة قوي يعني عميقة أكثر من اللازم في إشارة إلى الدولة العميقة، هل في الحالة المصرية تعتبر أن هذه الدولة العميقة لعبت رأس الحربة فيما يسمه البعض الثورة المضادة أو الانقلاب على كل ما جاءت به ثورة يناير.

خليل العناني: بلا شك أعتقد إننا إذا وضعنا الأمر في إطاره المنهجي والأكاديمي فإن الدولة العميقة مصطلح ظهر في تركيا في البداية عندما كانت هناك محاولات من المؤسسات القديمة للدولة التركية تحاول أن تجهض أي تجربة ديمقراطية خاصة إذا كان هناك عنصر إسلامي في هذه التجربة، في مصر أتصور أننا نتحدث عن دولة عميقة ونظام عميق النظام العميق يعني في هذه الحالة مؤسسات قديمة شبكات مصالح جماعات لديها مصالح كلها تتناقض مع الثورة المصرية هناك محاولة لإجهاض كل ما يتعلق بالتغيير في مصر هذه الجماعات والشبكات والقوى جاءت في لحظة معينة وتعاملت مع بعضها البعض وتعاونت، طبعاً اللي أعطاهم فرصة لذلك هو أخطاء الثورة أو أخطاء السلطة الجديدة أو أخطاء الجماعات التي حاولت أن تقيم نظاما ديمقراطيا حقيقيا ففشلت أو لم تنجح في ذلك فقامت قوى الثورة المضادة باستغلال ذلك، أنا أتصور نحن الآن أمام مشهد معقد للغاية، الربيع العربي يتعرض لانتكاسة واضحة للغاية، هذه الانتكاسة لها بعدين البعد الأول كما تحدث الدكتور أحميدة نحن إزاء ظهور ما يطلق عليه الفاعلون ما دون الدولة، أصبحوا الآن عنصرا رئيسيا في التحولات في المنطقة العربية، أتحدث على جماعات متشددة جماعات متطرفة موجودة في ليبيا موجودة في سوريا موجودة في العراق الآن تكتسح تحاول أن تعيد ترسيم الحدود، أتصور أننا الآن أمام تفكيك نظام سايكس بيكو الذي تم إنشاؤه قبل مئة عام من الآن وهناك محاولة لإعادة ترسيم هذه الحدود من خلال جماعات ما دون الدولة، الأمر الثاني هناك محاولة حثيثة وقوية من كل قوى النظام القديم كي تعود إلى الواجهة كي تقوم بإجهاض التغيير والآن أصبح يتم استخدام خطاب الإرهاب مقابل خطاب الديمقراطية، خطاب الاستقرار مقابل خطاب الاستبداد، نضحي بالديمقراطية من أجل أن يكون هناك استقرار، نضحي بالحريات من أجل مكافحة الإرهاب، أتصور نحن نعيش الآن لحظة انتصار للثورة المضادة، أتصور أنه انتصار مؤقت لأن هناك متغير رئيسي في هذه المعادلة هو متغير جديد في كل الدول العربية هو متغير الشعب أو متغير الرأي العام، لأن متغير الرأي العربي لم يعد ساكناً أصبح رأيا عاما مؤثرا متفاعلاً متقلباً بشكل كبير، إذا لم تكن الأنظمة الجديدة حتى بافتراض أن هذه الأنظمة تحظي بقدر من الشرعية من خلال العملية الانتخابية لدينا بعض الملاحظات عليها في النهاية هي مطلوب منها أن تقوم بإحداث إصلاح اقتصادي واجتماعي وسياسي حقيقي بدون ذلك سوف تصبح المسألة أكثر تعقيداً، نحن إزاء مشهد ملتبس متداخل، هناك قوى تحاول العودة مرة أخرى هناك قوى تحاول الخروج من إطار الدولة، نحن لدينا حالة تفكك للدولة المركزية أو الدولة الوطنية التي تم إنشاؤها منذ حوالي سبعين أو ثمانين عاما، الوضع ده يفرض على القوى الحية، يعني من المفارقات أنه الذي استفاد بشكل كبير في الثورات العربية هما طرفان، القوى المضادة أو الدولة العميقة والقوى المتطرفة أو القوى التي لديها أيديولوجية متطرفة أما القوى الحية قوى الشباب التي قامت بالثورات العربية أصبحت الآن إما مهمشة إما محبطة إما في السجون أو المعتقلات.

محمد كريشان: نعم، أشرت إلى نقاط ربما تكون أيضاً ليبيا معنية بها بموضوع الإرهاب موضوع الاستقرار والأمن كأولوية جعلت البعض حتى إما أن يترحم على العهد السابق أو يطالب بضرورة بروز شخصية مثل خليفة حفتر يمسك الأمور من جديد بيد من حديد وينهي ما أعتبر تسيباً و فوضى، على كلٍ سنعود إلى هذا البعد في موضوع التجربة الليبية مع الدكتور كامل مرعاش بعد هذا الفاصل نرجو أن تبقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

محمد كريشان: أهلا بكم من جديد ما زلتم معنا في هذه الحلقة من حديث الثورة، كان يفترض أن نبدأ بالتساؤل الذي طرحته قبل قليل والمتعلق بالوضع في ليبيا ولكنه أيضا ينطبق إلى حد ما على الوضع في اليمن حيث عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي جعل البعض في الفترة الأخيرة حتى يطالب بعودة الرئيس علي عبد الله صالح وهذه مسالة أيضاً تكررت في كثير من الدول التي شهدت ثورات في الفترة الأخيرة، سيد الدكتور الظاهري يعني كيف يمكن أن نحمل طرفا معينا مسؤولية هذا التعثر من تراه مسؤولاً عما يجري الآن في اليمن مثلاً؟

محمد الظاهري: جميل أخي محمد أنك استخدمت البعض الذين يطالبون بعودة الذي كان حاكماً لأنني أنا أعيش في اليمن وفي العاصمة صنعاء وأود أن أطمئن إلى أن غالبية الشعب اليمني قد تغيرت ثقافتهم ولن يعود الحكم الوراثي أو تعود الثورة المضادة رغم أنه بالفعل لكل ثورة مضادة اعتقد أن مواطن ضعف ثوراتنا في الربيع العربي أنها كانت سلميةً وان الذين كانوا حاكمين للأسف في إطار ما أطلقتموه من الدولة العميقة في اليمن لا توجد دولةٌ عميقة في اليمن ولا يوجد أيضاً كائن سياسي أو دولة تحتكر حق استخدام القوة وتملكها. في اليمن بناء القوة موزع بين حركات ومؤسسات وأحزاب وجماعات يعني متعددة والدولة إحدى هذه الجماعات وبالتالي لا نستطيع المطابقة أو المشابهة بين الدولة العميقة مثلاً في مصر أو فيما كان سائداً في تركيا وهو موجود في اليمن، أعتقد أن لدينا إشكالية في اليمن كما قلت أن ثورتنا قد أُصيبت بعدم الاكتمال وهي قد أتاحت فرصة هي تتيح الفرصة للخصم أو للعدو أن يعيد تربيت أوراقه بل يسعى للحضور لكن في المقابل أيضاً قد أُصيبت بما أسميه النصفية بمعنى أنها لم تكتمل بسبب كما قلت المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية لأن المحيط الإقليمي والدولي لا يريدها ثورة ناجزة وإن كنت لا أؤمن بنظرية المؤامرة لأنها بديهية لا تحتاج إلى إثبات، إذاً لدينا للأسف في اليمن المؤسسات التي كانت معارضة مؤسسات مثلاً أحداث اللقاء المشترك وشركائهم للأسف لم تكن هذه القيادات لم تكن ثورية فهي كانت في ثقافتها وسلوكها أقرب إلى الإصلاح السياسي وتعايشت مع هذا الوضع بينما الشباب وهنا أنا أتفق مع الدكتور أحميدة أن الشباب قد أُقصي أو كان حاضراً في إطار التنظيم الحزبي، أعتقد أن هناك عوامل عديدة قد ساهمت في عدم إنجاز الثورة وتحقيق أهدافها أولاً المتغير الداخلي حزبياً لدينا ما أسميه الأبوة الحزبية ما تزال قيادات الأحزاب اقرب إلى الأبوة السياسية يعني ولم تصبها ثقافة الثورة والتغيير، هذا جانب آخر أنها ما تزال تتقمص شخصية المعارضة وهي الآن تشارك في السلطة، وقد صككت مفهوماً جديداً في العلوم السياسية هو المعارضة الحاكمة خصوصية يمنية نحن نقول في النموذج الليبرالي الغربي أن فكرة تبادل الأدوار الذين يحصلون على أغلب الأصوات يحكمون كأغلبية والذين يحصلون على الأقل يعارضون، في اليمن الآن يقتسمون السلطة يعني الذي كان حاكماً والتي كانت معارضة، وما زالوا مصرين على أن يديروا شؤون اليمن في إطار الحكم وأيضاً يتنصلون من مثالبهم وعجزهم ويتقمصون دور الحاكم والمعارضة معاً..

محمد كريشان: نعم.

محمد الظاهري: أعتقد هنا أن..

محمد كريشان: هناك أيضاً هناك أيضا دكتور بعد إذنك هناك أيضاً ظاهرة في بعض دول الربيع العربي سبب الثورة أساساً اقتصادي اجتماعي صعوبات الحياة وفرص العمل وغيره مثلاً تونس أصلاً البداية كانت بهذا الشكل ثم تدرجت الأمور إلى شعارات، بالنسبة لليبيا وهنا أعود للسيد كامل المرعاش في باريس البلد لم يكن يعاني وضعاً اقتصادياً صعباً كانت المسألة اختناقا سياسيا ولهذا افتقد الكثيرون الاستقرار بعد سقوط القذافي وظهور شخصية مثل اللواء المتقاعد خليفة حفتر في استلهام للتجربة المصرية أعطى البعض الحق في القول بأننا نريد الاستقرار والقضاء على الإرهاب قبل أي أولوية أخرى هل تعتقد بأن هذا ساهم أيضاً في الفترة الأخيرة على الأقل في تعثر التقدم السياسي في التجربة الليبية؟

كامل المرعاش: نعم اتفق تماماً معك في هذا التحليل وأضيف إضافة بسيطة أن مفهوم الدولة العميقة ربما في ليبيا يتم استبداله بالقبيلة العميقة، الخلاف الحقيقة في ليبيا حتى في أثناء فترة الصراع مع النظام الصراع المسلح مع النظام بُنِي بهذا الشكل بُنِي على بنية قَبَلية يعني هناك قبائل تسلحت وحاربت النظام، قبائل كثيرة في ليبيا فعلت ذلك وكان في ذلك الوقت الهدف واحد وكان الجميع يتوحدون على إسقاط النظام لكن بعد ذلك ماذا تم؟ كل قبيلة تقوقعت إلى مواقعها الخلفية وأصبحت تطالب بنصيبها في السلطة ولم يحدث ذلك التوافق لأن هذه القضايا لم تكن تقاد من قِبَل نخب ثقافية وسياسية تعي مستقبل ومصلحة ليبيا، أنا أتحدث عن القبائل ثم هناك المجموعات الإسلامية التي أيضاً كان لها برنامجها الأيديولوجي الآخر والذي يتدرج من الاعتدال إلى التطرف، ونجد بعض الحركات الإسلامية التي لا تؤمن أصلاً بالدولة المدنية في ليبيا وهذا معلن، يعني أنصار الشريعة قالوا ذلك صراحة قالوا نحن لا نعترف بالديمقراطية والديمقراطية شيء من الكفر وغيره، إذن هذا المشهد الليبي مشهد مختلف ويعني مُشتت ومنقسم وهذا انعكس حقيقة على الوضع المعيشي للمواطن الليبي العادي الذي افتقد الأمن وافتقد الصحة وافتقد التعليم، أصبح هناك انهيار لكل هذه البنية التحتية التي كانت يعني ربما إلى حدٍ ما ليست جيدة على كل حال وخصوصاً القطاع الصحي، نحن نعرف أن اللبيبين يذهبون للعلاج إلى تونس وإلى مختلف بلدان العالم ولكن على الأقل كان فيه الحد الأدنى من الأمن والاستقرار والتعليم، بعد ثلاث سنوات انهار كل شيء والحكومات المتعاقبة على ليبيا نقلت ليبيا من دولة فاشلة إلى دولة مُستباحة وهذا يتحمل مسؤوليته النُخب السياسية كما تحدث ضيفاك، لا يوجد نُخب سياسي للأسف الشديد في ليبيا استطاعت أن تقود المرحلة ربما لصعوبتها لأن القرار ليس في يد النُخَب السياسية، القرار يملكه أمراء الحرب أو زعماء الميليشيات سواء كانت دينية أو مناطقية أو قَبَلية أو حتى إثنية، يعني هناك التبو الآن لديهم قوة في الجنوب الليبي لا أحد يستطيع أن ينكر ذلك، الطوارق الآن قوة عسكرية، الأمازيغ لهم قوة عسكرية وهناك قبائل كبرى لها أسلحة ولها طائرات ولها عتاد كبير يعني جداً.

محمد كريشان: نعم هو الملاحظ مرعاش الملاحظ منذ..

كامل المرعاش: وهذه هي التي لا تريد أن تتوافق في التوصل إلى حل..

معوقات داخلية وأخرى خارجية

محمد كريشان: يعني بعد إذنك بعد إذنك الملاحظ منذ بداية الحلقة نحن نخوض في المعوقات الداخلية لم نتطرق إلى العناصر الخارجية باستثناء إشارة الدكتور العناني السريعة لإسرائيل، نريد أن نعرف وهنا أسأل الدكتور أحميد النيفر أين يرى العناصر الداخلية والعناصر الخارجية لأن البعض يعتبر بأن مثل ما كانت للثورات رعاة داخليون وربما في الخارج للثورة المضادة رعاة في الداخل والخارج بالنسبة للحالة التونسية برأيك عندما كانت الثورة المضادة في أوجها على الأقل قبل أن تدخل الأطراف التونسية في توافقات معينة أين هو العنصر الداخلي والخارجي في ميزان تقدير كل عنصر؟

أحميدة النيفر: هو فعلاً القضية هذه المعادلة بين الداخل والخارج هذا جزء هام لفهم المشهد المحلي من جهة وفهم المشهد العربي من جهة ثانية، بقدر ما تكون العناصر الداخلية أكثر يقظة وفاعلية بقدر ما تتراجع تأثيرات الخارج، أنا في تقديري تحدثنا عن الداخل أكثر لأننا أتصور أننا واعون بدرجة أو بأخرى بأن هذه هي الأهم رغم اعترافنا بأن هناك عناصر خارجية لها دخل، يعني في الوضع التونسي البلد المجاور لنا البلد الصديق والبلد الأخ اللي هو ليبيا يؤثر بصورة كبيرة، البلد الآخر المجاور لنا الأخ الكبير الجزائر يؤثر فينا، المغرب يؤثر فينا أوروبا القريبة جداً تؤثر، لكل هذه العناصر الخارجية لكن مدى هذا التأثير سينقص أو يزيد وفق الوضع الداخلي ودرجة الوعي ودرجة الفاعلية التي تحققها العناصر الداخلية التي أشرنا إليها سواء منها المؤسسات الدنية أو النُخَب السياسية أو مؤسسات الدولة، إلى آخره يعني هذه المعادلة ينبغي أن نضعها في الاعتبار لنقول إن العناصر الخارجية لها دخل بدون شك لكن سيبقى نسبياً إذا كانت العناصر الداخلية أدركت أن لها فعلاً مشروعاً أو بداية مشروع أو قدرة على حوار داخلي يمكن أن يصنع مبادرات وبدائل منتظرة ومنشودة للانتظارات الداخلية.

محمد كريشان: يعني إذا كانت تونس بهذه المعادلة دكتور عناني بالنسبة لمصر الوضع مختلف، أشرت إلى إسرائيل، بالنسبة لسوريا مثلا الوضع مختلف تماما أيضا العنصر الإسرائيلي يلعب دورا كبيرا معادلة الداخل والخارج خاصة مع وجود أطراف عربية لم تبدِ حماسة لإسقاط مبارك لكن أبدت حماسة شديدة لإسقاط مرسي ولعودة العسكر بطريقة أو بأخرى إلى الحكم ما تفسيرك؟

خليل العناني: هذا صحيح أعتقد أنه منذ أول يوم في الربيع العربي أو ثورات الربيع العربي كانت هناك ثورة مضادة نجحت في البحرين نجحت في اليمن إلى حد بعيد كما تفضل الأخ في اليمن تحدث أنه تحولنا من ثورة إلى إصلاحات سياسية نجحت في مصر يعني الثورة المضادة واضحة جدا في حالة مصر نجحت أو تحاول أن تنجح في ليبيا طبعا في حالة سوريا واضح أن هناك اعترافا إقليميا بالتدخل في الصراع السياسي هناك، هناك دور قوي جدا لإيران بل أيضا البعد الدولي، لكن فيما يتعلق بالثورة الإقليمية المضادة التي يعني متورطة فيها بعض الأطراف العربية ومع إسرائيل طبعا هذا من المفارقات التاريخية أن يكون هناك تعاون إسرائيلي عربي في إطار إجهاض الربيع العربي.

محمد كريشان: يعني التقاء موضوعي ليس بالضرورة بالمعنى التنسيقي؟

خليل العناني: هو التقاء مصلحي بالأساس أن الربيع العربي يمثل خطرا حقيقيا وخطرا وجوديا على هذه الأنظمة، أتصور أن هناك هدفان رئيسيان للثورة الإقليمية المضادة هما أوﻻ أن يتم وقف عجلة التاريخ وقف التغيير أن يتم منع هذا التحول الذي يحدث داخل الأقطار العربية قبل أن يصل إلى مجتمعات معينة، أن يؤدي ذلك إلى الإطاحة بعروش وبأنظمة إلى حد بعيد من محافظة ورافضة للتغيير من الداخل، يستتبع ذلك التخلص من الإسلاميين وهنا الأمر لا يتعلق بالإسلاميين باعتبارهم قوى دينية محافظة لأن هناك أنظمة عربية محافظة أكثر من الإسلاميين، بل متعلق باعتبارهم قوى اجتماعية قوى سياسية لها تأثير مهم تمثل البديل الوحيد للأنظمة السلطوية الموجودة الآن وبالتالي حدث نوع من الالتقاء بين هذه القوى، البعد الدولي أيضا مهم أنه بالمناسبة هذا ليس أمرا للاستفتاء بالنسبة للعالم العربي يعني إذا رجعنا إلى تاريخ الثورات خلال القرون الأربعة الماضية الثورات التي حدثت خلال الربيع الأوروبي خلال القرن 19 كانت هناك أيضا ثورة إقليمية مضادة من القوى الإمبراطورية المحافظة التي ترفض التغيير ترفض إعطاء مساحة للمجتمعات تتبع نظاما إقطاعيا نظام النبلاء على حساب الشعوب هذا ما حدث الآن بالعالم العربي هو امتداد لهذه الحالة التاريخية، الثورات ليست عبارة عن مرحلة تاريخية معينة هي عبارة عن عملية أو صيرورة تاريخية تؤدي إلى تفاعل عوامل داخلية وعوامل خارجية.. الأمر كما تفضل الدكتور أحميد على مدى قدرة قوى العمل الداخلية على عدم إعطاء أي منفذ أو أي فرصة للقوى الخارجية كي تنفذ من خلالها وتقوم بانقلابها على الثورة الحقيقية، ما حدث في مصر هو واضح أمر واضح للغاية هناك تداخل شديد جدا للعوامل الإقليمية والعوامل الداخلية تم استغلال أخطاء جماعة الإخوان المسلمين في السلطة، تم استخدام أخطاء بعض القوى الثورية التي لم تكن بالقدر الكافي من التنظيم ومن القوى كي تفرض نفسها على القوى السياسية التقليدية المحافظة... وتم استخدام كل الأنواع استخدام الإعلام استخدام المثقفين استخدام بعض المؤسسات داخل الدولة من أجل أن يتم إجهاض هذه الثورة، الوضع الإقليمي العربي الآن ﻻ يشجع على الثورات بالعكس هو وضع حدا بعيدا ضد الثورات العربية كما قلت بالسابق الهدف الرئيسي أن يتم وضع حد لهذه الحالة المتفاعلة المتغيرة التي قد تؤدي..

محيط خليجي للثورة اليمنية

محمد كريشان: إذا كانت المشكلة في مصر بهذا النحو في اليمن مثلا دكتور الظاهري البعض يشير إلى أن مشكلة اليمن أنها قامت بثورتها في محيط خليجي غير متحمس لذلك حتى أنه سعى بالمبادرة الخليجية إلى محاولة ترتيب الوضع بعيدا عن الوصول بالأمر إلى أقصاها الذي قد يكون جذريا أكثر من المطلوب، هل تعتقد الآن بأن جزء مما يوصف ربما بالثورة المضادة في اليمن يعود جزء منه إلى هذه البيئة الجغرافية والسياسية التي تتحرك ضمنها اليمن؟

محمد الظاهري: صحيح أخي محمد وأنا أود هنا التذكير إلى أن الثورة اليمنية قد يعني لم تكتمل بسبب ما عُرف بالمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية يعني بتأثيرات إقليمية ودولية وأميركية تحديدا وسعودية أيضا وفي هذا السياق أود الإشارة هنا إلى أن اليمن قد وضعت في إطار للأسف في إطار البند السابع أو الفصل السابع، أيضا ضيفك الدكتور العناني في الأستوديو تحدث عن النظام الإقليمي، كنا ندّرس طلبتنا في الجامعة عن النظام الإقليمي العربي ونتحدث عن الدولة القائد في إطار النظام الإقليمي العربي وكانت مصر تحضر بهذا النموذج ولكن عقب ثورات الربيع العربي تقدمت دولة أقل سكانا ومساحة وهي تونس وغدا النموذج التونسي هو الذي يحتل النموذج في إطار هذا النظام الإقليمي العربي على الأقل ثوريا ﻷن مصر للأسف بعد ثورة 25 يناير وإجهاضها حضر يعني الحكم العسكري وهو بالضرورة ليس ثوريا على الأقل، ابتداء في اليمن يعني نحن قريبون من الخارجي سواء أكان الإقليمي سعوديا وإيرانيا أو كان دوليا وأميركيا تحديدا للأسف يعني نحن مفتعلون به ولسنا فاعلين ولكن ما زلت يعني مصرا على أن المتغيرات الداخلية هي التي حالت دون اكتمال ثورتنا، لدينا نخب حزبية متكلسة متخشبة لدينا مؤسسة عسكرية منقسمة لدينا قبائل منقسمة بل الأمل معقود على شبابنا وعلى أيضا بوادر ثورات المؤسسات التي يبدو لي أنها ستحضر في إطار المؤسسات الحزبية، وأعتقد أن هناك موقعا استراتيجيا لليمن ومطالب إقليمية ودولية ﻻ تسمح بالوصول بالدولة اليمنية للفشل لكن بالفعل ثورتنا يعني لم تكتمل بسبب أن هذه الثورة قد أعلنت في محيط غير ثوري وبسبب أيضا وجود نخب حزبية وسياسية يعني للأسف تخاف من التغيير وليست..

محمد كريشان: نعم، ولكن بالنسبة للحالة الليبية مثلا سيد كامل مرعاش في باريس أشرت إلى السلاح والقبيلة والنفط بالنسبة للنفط مثلا البعد الخارجي في الموضوع الليبي دول أبدت حماسة شديدة لإسقاط القذافي ولكنها الآن تبدو وكأنها تركت ليبيا تواجه مصيرها بنفسها أين العنصر الخارجي الآن فيما يجري في ليبيا؟

كامل المرعاش: نعم، يعني أنا أولا لست ممن يعني يؤطرون سياسة المؤامرة الخارجية لأنني أعرف أن في ليبيا من ينفذ سياسات خارجية هي أيدٍ ليبية وبالتالي هي التي يقع عليها عبء المسؤولية ولكن دعني أقول لك أن فعلا الغرب كانوا متحمسين لإسقاط القذافي وهو ما زال يهتم بليبيا بشكل كبير لأن موقع ليبيا الإستراتيجي بين الشمال والجنوب والشرق والغرب لا يمكن أن يستهان به، رأينا ذلك عندما حاول البعض تصدير النفط خارج إطار الشرعية كيف أن الولايات المتحدة هي من أوقفت هذا الأمر، لا أعتقد أن السيد جدران الآن بإمكانه أن يصدر النفط من جديد بعد أن عرف وفهم الرسالة التي أرسلت من الولايات المتحدة يعني أنا أرى أن هناك أيدٍ خفية تلعب في ليبيا هذا صحيح ليبيا أصبحت مرتعا لكل أجهزة الاستخبارات الدولية وحتى الإقليمية، يا أخي حتى دول لا نحلم أن تكون لها موقع قدم في ليبيا حتى تشاد والنيجر لها مخابرات تعمل في الجنوب الليبي إذن ليبيا بهذه الحالة هي دولة مستباحة وهذا يتيح الفرصة لكل الدول أن تلعب بها ودليل الانقسام الغربي حول ليبيا هو كثرة المبعوثين يا أخي كيف يكون هناك مبعوث للاتحاد الأوروبي ثم تقرر بريطانيا أن تعين مبعوثا لها وفرنسا واسبانيا وإيطاليا وربما غدا الولايات المتحدة بطبيعة الحال وربما غدا دول أخرى قد تسعى أيضا أن ترسل مبعوثين خاصين، ما دور هؤلاء المبعوثين وهناك مبعوث للأمم المتحدة يحاول مساعدة الليبيين إذن هناك انقسام حقيقة انقسام غربي حول ليبيا ما زال هناك انقسام وطالما أن هذا الانقسام موجود هذا لا يساعد على الإطلاق في إيجاد توافق ليبي ليبي لحل المشكلة الليبية وخصوصا مع هذه الصعوبة الكبيرة في الحصول على هذا التوافق في ليبيا، مبعوث الأمم المتحدة قدم اقتراحا لكنه اقتراح خاطئ..

محمد كريشان: بعد إذنك سيد مرعاش يعني بعد إذنك حتى أنهي بعد إذنك حتى ننهي هذه الحلقة بأسلوب مع كل ضيف استعرضنا بعجالة الأوضاع الداخلية البيئة الإقليمية نريد أن ننهي مع إشارة سريعة مع كل ضيف في أقل من دقيقة ما الذي يراه بالنسبة للمستقبل في ضوء هذا التشخيص السريع الذي قمنا به، الدكتور أحميدة النيفر؟

أحميدة النيفر: يعني هناك رهانات في كل قطر هناك أمور مشتركة هناك جذع مشترك لكن هناك رهانات خاصة بكل قطر، الرهان الذي أراه الرهان يمكن أن نسميها الرهانات الأربعة الانتقال الديمقراطي وانتقال الثورة لكي تصبح واقعا اجتماعيا، رهان الدولة الجديدة ينبغي أن يكون هناك تفكير وعمل من أجل الدولة القديمة بطرقها القمعية انتهت رهان التعليم الجديد المؤسسة التعليمية الرهان الاجتماعي التنموي أي منوال تنموي ينبغي أن يكون ثم الرهان الرابع كيف تنشأ علاقة مع المجتمع باختلافه بتعدده كيف يمكن أن ننشئ علاقة إيجابية مع هذا التعدد المجتمعي القائم هذه الرهانات الأربعة التي أرها ينبغي أن يفكر فيها في الوضع التونسي..

محمد كريشان: نعم باختصار الدكتور الظاهري.

محمد الظاهري: أعتقد لدينا ثلاثة مشاهد أو سيناريوهات محتملة، السيناريو الآن قد بدأ بالفعل وهو سيناريو التنديد وفيه للأسف مشهد ثأري تحالفات بين قوى واحدة وسابقة يعني ما زالت ثأرية تلتفت إلى الماضي وتريد أن تحسن شروط التفاوض، المشهد الثاني وهو المشهد المرغوب فيه وهو التجديدي ومعناه الانتقال من تطبيق إلى تطبيق وثائق الحوار الوطني ومخرجاته في إيجاد دولة مؤسساتية تحت القانون والدستور..

محمد كريشان: الثالث..

محمد الظاهري: والثالث هو المشهد غير المرغوب فيه وهو المشهد التفكيكي وهو أقرب إلى الحرب الأهلية ونتمنى أن لا يحدث هذا المشهد ونتمنى كل القوى السياسية أن تتجه باتجاه المشهد الثاني وهو التشييد الرشيد في هذا..

محمد كريشان: السيد مرعاش..

كامل المرعاش: والله الحقيقة النقاط الأربعة التي ذكرها زميلي من تونس نحن في ليبيا يعني بالنسبة لنا ليبيا محتاجة للأمن والاستقرار وأقصد بالأمن الأمن الاقتصادي والاجتماعي والشخصي للمواطنين، ونحن نأمل كثيرا ونعلق آمالا كبيرة على الانتخابات القادمة يوم 25 يونيو التي ربما تكون مخرجا من هذا النفق المظلم الذي توجد فيه ليبيا بالرغم من الصعوبات التي تواجه هذه الانتخابات أتمنى من كل قلبي أن يتجه كل الليبيين إلى التصويت وانتخاب برلماني جديد وبنخب سياسية جديدة لإخراج ليبيا من هذا المأزق.

محمد كريشان: دكتور العناني..

خليل العناني: أنا اعتقد المطلوب الآن من القوى الثورية العربية القوى الثورية الحية الحقيقة خاصة القوى الشبابية أن تأخذ خطوة إلى الخلف وتتريث في مواقفها بحيث تأتي برؤية جديدة تقوم على أكبر قدر من التوافقات وأن تقوم بخلق رأي عام وبيان شعبي داعم في العالم العربي.

محمد كريشان: شكرا جزيلا لكل ضيوفنا شكرا لك الدكتور خليل العناني ضيفنا هنا في الأستوديو أستاذ العلوم السياسية في جامعة جونز هوبكنز، شكرا لضيفينا من تونس الدكتور أحميدة النيفر الأكاديمي ورئيس رابطة تونس للثقافة والتعدد من باريس أيضا كامل المرعاش الصحفي الليبي المستقل، ومن صنعاء الدكتور محمد الظاهري أستاذ العلوم السياسية في جامعة صنعاء، في أمان الله.