- المحاكمة وحجم الانتهاكات الحاصلة
- مقاربة الملفات وآليات القضاء
- ممارسات استمرت لعقود
- شبهة تسييس القضاء
- مبارك في حماية الدولة العميقة
- آلية تفعيل العدالة الانتقالية

 الحبيب الغريبي
زكريا شلش 
 ناجح إبراهيم 
 أيمن نور 
 محمد الجوادي

الحبيب الغريبي: أهلاً بكم مشاهدينا الكرام في حديث الثورة، تحت وطأة هتافات محامي وأهالي قتلى الثورة المصرية وجرحاها أعلنت الدائرة العاشرة بمحكمة جنايات القاهرة محرجة على حد قولها تنحيها عن إعادة محاكمة الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، مبارك الذي ظهر في حالة صحية تبدو جيدة ملوحاً بيديه لمن يراه، كان يفترض به أن يمثل مثقلاً بعقود من الانتهاكات في حق بلده وشعبه ومصادرة الحريات أمام هيئة قضائية يعرفها المصريون جيداً، إنها تلك التي برأت كثيراً من المتهمين في واقعة الجمل الشهيرة ضمن مسار قضائي لم يكتب له أن يستمر فأرسل ملف مبارك المزدحم بتهم القتل والكسب الممنوع وإساءة استعمال النفوذ إلى محكمة استئناف فالقاهرة مرفقاً بأسئلة مصرية حارقة حول دور القضاء ودور الفاعلين السياسيين فيما آلت إليه ما يمكن وصفها بمحاكمة القرن في مصر.

[تقرير مسجل]

محمد الكبير الكتبي: مع كل ظهور للرئيس المصري المخلوع حسني مبارك أمام المحاكم تعود للأذهان قصة ثلاثين عاماً من حكمه وتفاصيل ما شهدته مصر خلال تلك السنوات، هدف ثورة الخامس والعشرين من يناير التي أطاحت بمبارك ليست محاسبة محدودة لمن قمع أو قتل المتظاهرين أو أفسد هنا أو هناك أو غير ذلك من أمثال التهم التي حوكم أو يحاكم عليها الرئيس المخلوع حالياً، كان الهدف محاسبة مبارك والنظام على حصاد 30 سنة، أصبح مبارك رئيساً في سبتمبر عام 81، تراجعت مصر خلال سنوات حكمه، وحسب ما كشفته مفردات الثورة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً حيث سيطر على مركز القرار فيها نخبة أسست مراكز قوى لا تطال، واتخذت الاعتقالات والتعذيب والرشى والمحسوبية سبيلاً لتثبيت النظام وبلغ الأمر درجة أنهم أعدوا لتوريث الحكم، زيفت الانتخابات لصالح الحزب الوطني فاختفى الرأي الآخر وفشلت مصر اقتصادياً في ميادين عديدة داخلياً وخارجياً في غياب الرقيب الذي ينادي بالإصلاح ووصلت نسب الفقر والبطالة والعجز الصحي حدا مخيفاً واحتلت مصر بكل تاريخها الصحي أعلى النسب العالمية في تلوث البيئة وانعكاساتها الصحية المختلفة، ويقول الاقتصاديون أن حجم ديون مصر وأموالها المهربة للخارج بلغ أرقاماً خرافية وقدرت الإحصائيات أن نحو 4 ملايين مصري هاجروا للخارج منهم مئات الآلاف من الكفاءات النادرة وأن 45% من المصريين يسكنون العشوائيات، السؤال الذي يطل بين الثنايا يتعلق بأوان محاكمة مبارك وأركان نظامه على خلفية تلك القضايا بكل تفاصيلها المزعجة، ما هي الحلقة المفقودة هنا؟ فالمحاكمات والجدل المصاحب لها والفرحة المحيطة بها اقتصرت حتى الآن فقط على النزر اليسير بينما يعلم الجميع أن القدر الأكبر من قضايا الفساد الممتد طيلة 30 عاماً لا يزال ينتظر.

 [نهاية التقرير]

الحبيب الغريبي: ولمناقشة هذا الموضوع معنا من القاهرة كل من الداعية والمفكر الإسلامي وهو أحد مؤسسي الجماعة الإسلامية الدكتور ناجح إبراهيم، ومعنا الدكتور محمد الجوابي المؤرخ والمفكر السياسي، ويشاركنا أيضاً من القاهرة المستشار زكريا شلش الرئيس بمحكمة استئناف القاهرة ورئيس محكمة جنايات الجيزة، ومن بيروت الدكتور أيمن نور رئيس حزب غد الثورة، مرحباً بكم جميعاً، يفترض أن أبدأ معك حضرة المستشار زكريا شلش لأن المشهد اليوم طغت عليه الحيثيات والتفاصيل القانونية، من خلال إعلان المحكمة أو هيئة المحكمة التنحي عن النظر في هذه القضايا المعروضة بداعي استشعار الحرج، كيف تحكم على هذا الإخراج القضائي وما معنى استشعار الحرج؟

زكريا شلش: استشعار الحرج يرجع أساساً إلى القاضي الذي ينظر الدعوة، يعني ليس استشعار الحرج سبب من أسباب رد القاضي، أسباب رد القاضي واردة في قانون الإجراءات الجنائية على سبيل الحصر وأحال فيما لم يرد فيها في قانون المرافعات. طبعاً لو كان القاضي هذا وكيل نيابة حقق في هذا أو مأمور ضبط قضائي أو كان هو اللي أحال الدعوة، أو أبدى فيها رأيا أو أشياء من هذا القبيل يبقى هنا ده سبب للتنحي أو سبب لرد القاضي نفسه، ولكن  في هذه القضية بالذات ليس هناك سبب من أسباب الرد. قيل من بعض من تحدثوا أن سبب الرد يرجع.. أن سبب طلب المحامين رد المحكمة يرجع إلى انه فصل في القضية المسماة بموقعة الجمل، ولكن ليس هناك أدنى صلة أو علاقة بين موقعة الجمل والقضيتين التي يحاكم عنهما الرئيس السابق حسني مبارك، ولكن أنا استشعر أن الهجمة الشرسة التي يتعرض لها القضاء المصري منذ أن اصدر حكماً بحل مجلس الشعب وتلاه محاصرة المحكمة الدستورية العليا، وتلاه شبكات التواصل الاجتماعي التي لا تيأس من سب القضاة، ثم أقوال المرشد الأخيرة بأن القضاء في مصر فاسد والقضاء مش عارف إيه، وسنضطر أن نعزل 3500 قاضٍ. ورئيس الجمهورية لما يقعد في مؤتمر المرأة ويقول أنا أحترم القضاء، هما طلعوهم كلهم من السجون وفاضل يدوهم مكافآت،  طبعاً كل الكلام ده ضغوط نفسية على أي قاضي مش على القاضي الذي ينظر الدعوة، طبعاً إحنا لما نشوف الأوضاع بالشكل ده هل هم يريدون إسقاط السلطة القضائية، هما اسقطوا الشرطة وكنا نعرف أن المخطط التالي هو إسقاط القضاء ما يكتفوش بالشرطة بس ولكن معظم مؤسسات الدولة، فطبعاً دي أوضاع يعني إحنا جديدة علينا، يعني الرئيس السادات كان ينادي القضاة وأنا حضرت مؤتمر له في سنة 1980 يقول: أصحاب المقام الرفيع، والرئيس مبارك رغم اختلافنا في بعض السياسات بتاعته إنما إحنا ما لناش دعوة بالسياسة، ولكن أحفظ له انه دائم القول أن في مصر قضاة لها أن تفخر بهم، الرئيس جمال عبد الناصر كان لا يبدي رأيا مجرد رأي في قضية معروضة أمام القضاء، عشنا وشفنا التطاول على القضاء وعشنا وشفنا رئيس الجمهورية يعلن انه هو مش عجبه أحكام البراءة، إحنا كنا قبل...

الحبيب ألغريبي: سأعود إليك...

زكريا شلش: قبل ما تعرض علينا هذه القضايا، دقيقة وحدة بس، قبل ما تعرض علينا هذه القضايا قلنا لو هما عايزين القاضي يبقى جلاد المحاكمات الجنائية لها أصولها، يروحوا يشكلوا محاكم استثنائية زي ما هم عايزين.

المحاكمة وحجم الانتهاكات الحاصلة

الحبيب الغريبي: دعني انتقل حضرة المستشار ستكون معنا على امتداد هذه الحلقة، أنتقل إلى الدكتور أيمن نور، دكتور أيمن كيف رأيت دلالات ما جرى اليوم وهل تعتقد أن المحاكمة ترتقي بشكل أو بآخر إلى مستوى وحجم الانتهاكات الحاصلة؟

أيمن نور: اسمح لي أنا سأبدأ بالنقطة الأخيرة وهو حجم الانتهاكات، عندما يكون محاسبة وتقديم الرئيس السابق محمد حسني مبارك.. محاسبته عن الفساد المالي و العنوان الأكبر هو 5 فيلات في شرم الشيخ فنحن أمام خلل في قرار الاتهام، أنا اعتقد أن قرار الاتهام الذي صدر في هذه القضية هو أصل المشكلة، وأنا أعتقد أن هناك جرائم واسعة لم ترد في ملفات هذه القضية التي اختزلت بشكل واضح ولم يكن مقبولاً أبداً أن نختزل كل فساد هذه المرحلة في قبول رشوة أو في وساطة أو يعين لقبول رشوة في حالة جمال وعلاء، لكن على أي حال من الأحوال نحن أمام حكم قضائي صدر، هذا الحكم تعرض للنقد وهناك إعادة محاكمة، كون أن القاضي استشعر حرجاً فهذا حقه ويجب أن نحفظ للرئيس السابق ولمعاونيه وأبنائه كل حقوقهم كمواطنين يجب أن يقدموا لمحاكمة عادلة، أنا ضد بالقطع التجريح الذي يمارس في شأن القضاة، ولكن كمان ضد أن بعض القضاة يتصوروا انه ليس بالإمكان أبدع مما كان، وأنا عايز أقول أن هناك أسماء معلوم كان موقفها ومعلوم أحكامها المسبقة وكانت في النهاية يتوقع البعض أن هذه الأسماء تستشعر بعض الحرج في أن تستمر في نفس الدور بعد قيام الثورة، لكن يبدو أن الثورة لم تصل بعد إلى دهاليز القضاء المصري.

مقاربة الملفات وآليات القضاء

  • الحبيب الغريبي: لكن دكتور أيمن وأنت معي بالتأكيد في المطلق القضاء له أدوات يعني وآليات معينة في مقاربة الملفات يعني يحتاج إلى قرائن وإلى أدلة، صحيح أن هناك حالة اقتناع ووجدان كاملة لدى الكثير من المصريين بحصول هذه الانتهاكات سواء على المستوى السياسي وعلى المستوى الجنائي وعلى المستوى الاقتصادي، ولكن كيف يمكن تحويل حالة هذا الاقتناع إلى حقيقة قضائية.. هذا هو المُشكل.

أيمن نور: أعود مرة أخرى وأتحدث عن جدية قرارات الاتهام، اعتقد أن بعض قرارات الاتهام التي أحيل بها بعض المتهمين في قضايا لها علاقة بالحقبة السابقة أو بالثورة كانت قرارات اتهام مختزلة جداً وبعضها لم يكن جدياً في إحكام الاتهام، واسمح لي أقولك أن احد أسباب البراءة في هذه الدعوة أن الدعوة انقضت في شان موضوع الفيلات التي حصل عليها الرئيس السابق ونجلاه، اسمح لي أقولك على مفاجأة موجودة في أوراق النيابة العامة وكان ينبغي أن تكون في الاعتبار وتقدمها النيابة في هذه المحكمة، أني تقدمت ببلاغ أصل استجواب كنت تقدمت به في البرلمان وطلب رئيس البرلمان مني أن أقدم هذه الأوراق للنيابة العامة وهذا ليس مكان البرلمان، تقدمت بالبلاغ لمكتب النائب العام سنة 2004 هذا البلاغ بشأن فيلات شرم الشيخ، هذا البلاغ يقطع التقادم وبالتالي كان ينبغي أن تقدم النيابة هذه الأوراق في الدعوة بشكل ما كانش يسمح بالحكم بالبراءة نتيجة تقادم هذه الوقائع.  هذا مثال عابر أنا عايز أقول انه هناك خللا اعترى الإعداد لهذه القضايا سواء من جهات البحث والتحري وهي الشرطة وأحيانا من النيابة العامة انه الحقيقة يعني أنا بنظر بعين القلق لبعض الجهد الذي بذل ولم يكن بقدر وحجم هذه القضايا. إحنا نحترم قضاءنا ونؤكد انه قضاء شامخ وعظيم لكن أيضا نؤكد أن هناك ثغرات هبت منها رياح عاتية هزت صورة العدالة في مصر قبل ثورة 25 يناير وللأسف أيضا بعد ثورة 25 يناير.

الحبيب الغريبي: دكتور ناجح إبراهيم هل تتفق في أن هناك ثغرات في الأداء القضائي.. هناك حلقة مفقودة ربما في التعاطي القضائي مع هذه الملفات المتراكمة من الانتهاكات والفساد التي استمرت على مدى ثلاثين سنة؟

ناجح إبراهيم: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أنا سجنت أربعة وعشرين عاما في عهد الرئيس حسني مبارك الذي استمر ثلاثين عاما، ورغم ذلك أرجو أن أكون عادلا معه ومنصفا معه. أنا أؤيد الدكتور أيمن نور أن تكون محاكمته محاكمة عادلة، محاكمة كأي مواطن.أؤيده أن حسني مبارك لم يحاكم إلا على الشهر الأخير في فترة حكمه فقط، وكان المفروض أن يحاكم إذا حوكم على كل الجرائم التي ارتكبها في ثلاثين عاما من التعذيب والقتل وإهدار كرامة الناس والمبيدات المسرطنة وبيع القطاع العام بثمن بخس، كل هذه جرائم اكبر من الجريمة الأخيرة أو تساويها أو تضاهيها، لكن المشكلة انه حوكم على الشهر الأخير أو العشرين يوما الأخيرة اللي هي كانت من الثورة، ولم تكن هناك أدلة والقضية كانت مسلوقة وما إلى ذلك فلا  نعيب القضاة الذين حكموا بالأوراق التي أمامهم لكن المشكلة كانت في الأدلة والبراهين والتحريات، وكل هذه كان فيها قصورا وخللا وكان معروفا انه هو يمكن يأخذ براءة في الحكم، وممكن يأخذ في النقض والاستئناف براءة، لاسيما انه في أحداث قتل كثيرة حدثت مش معروف مين اللي ارتكبها تعطيه قوة للمحامين انه هو يقولك مش معروفه،  في ناس قتلت ثاني وما حدش معروف مين اللي قتلها. الخلاصة التي أريد أن أقولها أن النتيجة التي وصلنا إليها كانت متوقعة ومحتملة ولم تكن مفاجئة لأحد، كل الذين درسوا القانون وأنا منهم يعلموا ذلك ويعلموا أن القضية كانت يعني قضية مهلهلة من ناحية الأوراق والأدلة والمستندات والتحريات، وأنا كإنسان مسلم أرى أن العدالة الحقيقية ستكون عند الله سبحانه وتعالى وان العدل في الدنيا حتى وان حدث فهو عدل نسبي أما العدل المطلق الحقيقي على كل شاردة وواردة هو عند الله سبحانه وتعالى الذي يعلم السر والمخفي.

ممارسات استمرت لعقود

الحبيب الغريبي: دكتور محمد الجوادي ربما نتحدث معك من زاوية معينة باعتبارك مؤرخا، يعني هذه الثورة هي قامت على حقبة كاملة على ممارسات استمرت لعقود ولم يكن هدفها محاسبة محدودة ربما، كيف ترى المسألة برمتها يعني منذ نجاح الثورة إلى حد الآن في محاكمة الفاعلين  ورموز الفساد، يعني هل تراها في الطريق الصحيح؟

محمد الجوادي: دعني اخرج من سنة 2013 وأتصور نفسي في سنة 2025 أو 2030 ونحن نكتب تاريخ هذه الفترة، سيقال انه القضاء المصري في هذه الفترة تعرض لأكبر مأزق في تاريخ قضاء في العالم كله، وهو انه أصبح عنده قانون عقوبات وقانون آخر يمكن أن يسمى قانون إلغاء العقوبات وهو قانون الإجراءات الجنائية، فأنت في كل قضية تعرض مواجه بقانون عقوبات محدد وواضح وحاكم وحازم وفي نفس الوقت معك قانون الإجراءات الجنائية الكفيل بأن ينقض كل شيء بلا شيء يعني  لسبب بسيط لا يؤثر في الموضوع وإنما يسمى كما يقول القانونيون خطأ ماديا بسيطا أن يذكر الإنسان 13 مكانا 12 مثلا فينقض الحكم كله بما بذلت فيه محكمة محترمة لها الإجلال والتقدير من جهد عظيم طيلة شهور طويلة، ينقض هذا الحكم لخطأ مادي وقد رأينا هذا في قضايا محددة ومعينة، إذن هذا المأزق الذي واجه.. أنا أتكلم الآن وأنا في سنة 2030 مثلا إذا قدر لنا أن نعيش، سنقول أن المأزق الأول الذي وضع  فيه القضاء المصري وحسم هذه المعركة هذا الحسم الذي لا يحبه الناس ولا يرتاحون إليه  ويقلقون منه ويفزعون وتمتلئ صفحات التواصل الاجتماعي كما قال المستشار زكريا شلش  بهذا الانتقاد الذي لا يتأتي إلا من شعور حقيقي عند الناس حتى لو كانوا مخطئين في هذا الشعور نتج من هذا المأزق الأول، المأزق الثاني الذي يحكم القضاء الآن  وممارساته هو أننا انتقلنا من مرحلة سيادة القانون إلى مرحلة عبادة القانون، فنستمع إلى بعض المستشارين وهم يجاهرون بأن المستشار  الواحد بألف مما تعدون وبأنه أفضل من البشر وبأنه طبقة غير طبقة البشر، وأن كلامه لا بد أن ينفذ حتى لو كان كلاما مرسلا وأن رأيه حتى لو كان في القضايا العامة هو الصواب، وأنه هو القانون، فتحولنا من سيادة القانون وهي ظاهرة صحية نادي بها أنور السادات في 71 وأسس عليها الدستور وبني عليها مؤسسات الدولة إلى ظاهرة جديدة هي عبادة القانون، هذه الظاهرة لا تقود إلا  إلى نتيجة واحدة وهي انتحار الجهاز القضائي، وقد قلت هذا مرارا وتكرارا مع كل الحب والتقدير والإجلال الذي أُكنه واعبر عنه لرجال القضاء رجلا رجلا وفردا فردا ومؤسسة مؤسسة، لكن تصرفات البعض منهم تقود إلى تدمير المؤسسة،  حتى إنني سئلت في هذه القناة المحترمة عن شبه.. بين وجه الشبه بين 69 في  مذبحة القضاء وما يحدث الآن فقلت إذا كان ما حدث لـ 69 مذبحة فإن ما يحدث الآن هو انتحار يقوم به صاحب الشأن نفسه،  تصور سيدي الفاضل أن عندك مريضا أُعد وجهز لغرفة العمليات وقدر وانتبه كل الناس لذلك ثم جاء الجراح فاستشعر الحرج أن يجري العملية أو استشعر الرهبة من أن يجري العملية، ألم يكن هناك.. هذا هو السؤال، أنا لا أُجيب على أسئلة الناس ولكني أُجيب.. أكرر الأسئلة التي تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي، أما كان هناك وقت مسبق لأن يستشعر هذا الحرج بدلا من هذه المسرحية الأمنية التي كلفتنا الملايين، والتي بذل فيها آلاف الجنود والضباط وقتهم وأعصابهم من اجل تامين جلسة تنتهي هذه النهاية، طبعا لاستشعار الحرج تقاليده وله إجراءاته التي اشرنا إليها في الإجراءات لكن ألم يكن الأمر برمته محتاجا إلى شيء من الإدارة الحكيمة التي تتولاها جمعيات القضاة في جمعية لقضاة الاستئناف في هذه المحكمة، نحن أمام كرة رميت، ألقيت خطأ في ملعب القضاة ونسب الخطأ فيها إلى القضاة بينما هم بُراء من هذه التصرفات التي ستنسب إليهم، لكن أن يدافع احد عن هذا الموقف الذي نحن فيه اليوم من القلق والضجر والإحباط..

الحبيب الغريبي: أشكرك دكتور حتى أكون عادلا في توزيع الكلمة.. أعود إلى دكتور أيمن: يعني القضاء وأنت تعلم انه أيضا دخل في دائرة التجاذبات السياسية والمشهد المصري معروف بحالة الاصطفاف السياسي وصراع الإرادات إلى أي حد أيضا هذا كله اثَر في الأداء القضائي أن صح التعبير؟

أيمن نور: يعني الحقيقة اسمح لي بس أعقب تعقيبا بسيطا على كلام صديقي الدكتور محمد الجوادي، طبعا بعد شكر الدكتور ناجح إبراهيم على كلمته عايز أقول: قانون الإجراءات ليس هو القانون الذي يلغي قانون العقوبات، قانون الإجراءات هو قانون الضمانات والحريات، وقانون الإجراءات هو الحرية هو العدالة ويجب أن نحافظ على هذا القانون حتى ولو أفلت بعض المتهمين بفضل هذا القانون الذي يوفر ضمانة للحرية لقطاعات عديدة من المجتمع ومن المتقاضين. مرة أخرى عايز أقول انه فكرة الاستقطاب التي تمر بها البلاد الحقيقة أصابت كل الفئات وكل الطوائف وفي مقدمتها قضاة مصر، وأنا يعني أنا قانونيا من أسرة قانونية يحزنني جدا أن يكون القضاء طرفا في هذا الصراع السياسي، كما أُدين محاصرة مدينة الإنتاج الإعلامي أُدين محاصرة المحكمة الدستورية وما حدث أمامها، لكن أيضا لا استطيع أن اقبل القول أن القضاء في أحسن أحواله، القضاء ليس في أحسن أحواله، ربما هذه ليست مهمتي كمحامي وليست مهمتي كسياسي هذه مهمة القضاة ويجب أن يطلع بها أهل هذه المهنة ويلعبوا دورا حقيقيا في تنقية الصفوف وفي الإصلاح وفي وضع قانون جديد يقر السلطة القضائية ونظاما خاصا ينقي هذه السلطة من بعض الشوائب التي زرعت في جسد القضاء المصري لسنوات طويلة كي تنفذ إرادات سياسية ومصالح خاصة لبعض رموز النظام السابق. كلنا يعلم الأسماء، كلنا يعلم الوقائع، كلنا يعلم القضايا، لا أريد أن أتحدث عن أمور تبدو وكأنها شخصية لكن أنا بقول العدالة العدالة العدالة هي صمام الأمان لقيام دولة القانون ولن تصلح أحوال هذا البلد إلا بعودة دولة القانون. أنا شخصيا يعني وأنا كان بيني.. ما هو معلوم للكافة مع النظام السابق ومع الرئيس السابق ونجله لكن أنا الحقيقة لا اخجل أن اطلب العدالة الكاملة للرئيس السابق ونجليه وكل المتهمين في كل القضايا بغض النظر هم يستحقوا هذه العدالة أو لا لكن لأن مصر لا تستحق أن تكون بعد الثورة كنفسها قبل الثورة، مصر لا تستحق أن تكون هناك قضايا ذات طبيعة سياسية وهذا ما عانينا منه ودخلنا بسببه السجون لسنوات طويلة. أنا سأختم تعليقي في هذا وأنا أؤكد أن روح العدالة تقتضي أن لا نتدخل في تفاصيل العملية القضائية بهذه الصورة التي نراها الآن، نحن نمارس ضغطا يصل إلى حد الإرهاب للقاضي الجديد الذي قد يتصدى لهذه الدعوى، نريد أن نترك له ملفات، من لديه معلومات يستطيع أن يتقدم بها إلى النيابة العامة أو يتقدم بها لجهات التحقيق أو لغيرها لكن لا نستطيع أن نناقش جلسة جلسة بهذه التفاصيل وفي النهاية هناك قاضي ربما يشاهد الإعلان ربما يتابع الفضائيات.. هذا تأثير وهناك مواد في قانون العقوبات تعاقب على هذا التدخل في مسار العمليات القضائية، هذه مصادرة على المطلوب نحن نطلب العدالة أنا ضد الذين يتظاهرون يطلبون محاكمة الرئيس وإعدامه، الله محاكمة إيه إذا كنت أنت مقررا إعدامه من البداية، وأنا برضه ضد الكلام عن فكرة صدور قرار سياسي بالإفراج عن الرئيس مبارك، لكن إذا كان له الحق القانوني وفقا لقانون السجون ينطبق عليه العفو الصحي فهذا حقه، ومبارك الآن مواطن مصري ..

الحبيب الغريبي: عائدون دكتور إلى النقاش فقط استسمحك واستسمح ضيوفي في التوقف عند فاصل قصير نعود بعده لمناقشة قضيتنا.

[فاصل إعلاني]

شبهة تسييس القضاء

الحبيب الغريبي: أهلاً بكم من جديد مشاهدينا الكرام، نحن نناقش قضية إعادة محاكمة حسني مبارك والجدل الدائر حولها والآليات التي يمكن تصلها، أعود إليك حضرة المستشار زكريا شلش يعني هناك انطباع واستمعنا من أحد ضيوفنا إلى جزء منه بأن القضاء أيضاً دخل بشكل لافت إلى الصراع السياسي وبأنه أصبح طرف مما أثر على أدائه ودوره ثم هناك انطباع لدى الناس يعني لدى العامة عموماً بحصول حالة استفزاز ربما له، من خلال اختزال محاكمة مرحلة سياسية كاملة في مبارك وأنجاله، هذا ما وهناك أيضاً من يقول بأن القضاء أصبح ربما شريكاً أو قائداً حتى للثورة المضادة، ما ردك؟

زكريا شلش: أولاً القضاء ليس له أي شأن لا بالثورة المضادة ولا بالثورة الإيجابية، القضاء بعيد كل البعد عن السياسة، وأنا أختلف مع الدكتور محمد الجوادي في كلامه أن القضاء ينتحر، ولكن أقول له القضاء يُنحر كما نحرت الشرطة، لأن طبعاً إحنا فوجئنا بتشكيل من بعض القضاة بسموا أنفسهم "قضاة من أجل مصر"، خرجوا علينا في وسائل إعلام في مؤتمر صحفي في نقابة الصحفيين وقالوا أن الرئيس مرسي هو اللي نجح وأصواته كذا وكذا وإحنا جبنا النتائج ده من القضاة وتبين إنهم ما جبوش نتائج من القضاة هم صوروا إن النتائج اللي جايبها الدكتور مرسي والناس بتوع الدعاية بتوعه ثم أعقبها اللي هم راحوا تصور بعضهم وهو يزور مكتب الإرشاد وهو يشارك في مظاهرات الجيزة مع الإخوان المسلمين وانضم بعضهم إلى ما يسمى بجبهة الضمير هذا عمل سياسي ولا لأ؟ طبعاً ده عمل سياسي صرف، تقدم الكثير من القضاة ضدهم ببلاغات ولم يتخذ فيها أي إجراء..

الحبيب الغريبي: حضرة المستشار دعنا في موضوعنا بالتحديد يعني دعنا في موضوع محاكمة أو إعادة محاكمة مبارك رجاءً يعني حتى لا نتوه بالتفاصيل الأخرى.

زكريا شلش: القضاء ليس له علاقة بالسياسة.

الحبيب الغريبي: نعم، القضاء ليست له أي علاقة..

زكريا شلش: يعني القضاء ليس له أي علاقة بالسياسة، ولكن العلاقة اللي لهم بالسياسة ما حدش بكلمهم، النهاردة إحنا نتكلم في استقلال القضاء وحصانته في حاجة اسمها استقرار القضاء وحصانته المقررة لمصلحة الشعب المصري وليس مقررة لمصلحة القضاة، النهاردة لما يطلع علينا المرشد السابق يقول إحنا في سبيلنا لعزل ثلاث آلاف و500 قاضٍ طب ما كنتم بالأول نُصوا على الكلام ده في الدستور، الدستور في المادة 170 بقول القضاة مستقلون وغير قابلين للعزل وأحال القانون في ثلاث مسائل بس، اللي هم التعيين والتأديب والنّدب وما لم يرد به نص الدستور زي الإعارة والترقية، فأي قانون يطلع بتخفيض السن سيبقى غير دستوري إحنا مش خايفين من المذبحة ولكن إحنا نشتم ظروف مشابهة لمذبحة القضاة زي ما قال الدكتور محمد الجوادي، نشتم نفس الظروف اللي سبقت مسألة مذبحة القضاء سنة 1969، في تنظيم داخل القضاء..

الحبيب الغريبي: طيب معلش يعني خلينا ليكون الإيقاع أسرع انتقل إلى الدكتور ناجح إبراهيم، دكتور هل تعتقد أن إعادة محاكمة مبارك وعلى ضوء ما جرى اليوم يمكن أن يكون يعني نقطة تدارك لما حصل في السابق؟

ناجح إبراهيم: هو إعادة محاكمة الرئيس مبارك أظن لم تخرج عن المحكمة السابقة وستأخذ وقتاً طويلاً وستكون غير ذي جدوى لأن الأدلة ضعيفة، المستندات ضعيفة، التحريات ضعيفة، كل الأوراق المقدمة ضعيفة لا تدل دلالة حقيقية على أنه أصدر أمراً بقتل المتظاهرين، والقضية كلها خاصة بقتل المتظاهرين، لو أردنا محاكمة حقيقية بمحاكمة على الثلاثين سنة على الأخطاء الكبرى في عهد الرئيس مبارك، أما هذا استنزاف للوقت وهدم أيضاً للسلطة القضائية دون داعٍ، أنا رأي برضه أن السلطة القضائية يعني جُرت إلى السياسة جراً وهناك تعسف في اللجوء إليها في قضايا سياسية بعينها حينما كل قضية سياسية بين السياسيين تحل بالحوار والنقاش يذهب بها الجميع إلى القضاء، كأن القضاء متفرغ لحل المشاكل السياسية هذه ليست مشاكل تخص المحاكم إنما هي مشاكل تخص الساسة والسياسة والحوار ومائدة المفاوضات بين الساسة، لكن كلما اختلفت الساسة ذهبوا إلى المحاكم كلما حكمت المحكمة لطرف اغتاظ الطرف الآخر وهاجم القضاء، وهلل الطرف الذي حكم القضاء لصالحه بأن عندنا قضاء شريف وقضاء نزيه وعظيم والذي يقول قضاءنا نزيه اليوم يشتم فيه غداً والذي يقول قضاءنا مسيس وسيء اليوم يمدح فيه غداً على حسب مصلحته، الحاجة الثانية أن القضاء جاني ومجني عليه، المحاكم حوصرت، المحاكم ليس فيها أمان، المحاكم حوصرت من الداخل والخارج في حوالي خمس مواضع موجودة إذن القضاء نحن نجني عليه وسيهدم كما هدمت الشرطة وكما حاول البعض هدم الجيش، كان هناك محاولة لتفكيك مصر نريد أن نحافظ على البقية الباقية من القضاء، منهج الرسول الصلاة والسلام عليه في الإصلاح هو التدرج إن إحنا نشيل لبنة فاسدة ونضع لبنة صالحة، أما أن تريد بعض يريد البعض هدم الكون ثم إعادة بناءه على طريقته قد يستطيع هدم ثم لا يستطيع البناء.

الحبيب الغريبي: دكتور أنت..

ناجح إبراهيم: تزيل لبنة.

الحبيب الغريبي: أنت قلت منذ قليل بأنه يفترض أن يحاكم مبارك على ملفات ثقيلة يعني ملفات فساد وانتهاكات..

ناجح إبراهيم: على الملفات الثقيلة.

الحبيب الغريبي: طيلة ثلاثين سنة ولكن أيضاً ذكرت في نفس التدخل بأن الأدلة والقرائن ربما ضعيفة والملفات قد تكون هزيلة، هل الحقيقة هي هذه أم أن هناك غطاء ربما يتمتع به مبارك؟

ناجح إبراهيم: لأ الأدلة على موضوع قتل المتظاهرين ضعيفة لأنه ليس هناك دليل مباشر على أنه سمع من الرئيس مبارك أمراً بقتل المتظاهرين، أما في القضايا الثانية فالأدلة فيها قوية زي السرقة، الابتزاز، القتل، التعذيب كل هذه ملفات ممكن أن تدين الرئيس مبارك ثلاثين سنة سيبقى فيها حاجات كثيرة لاسيما النيابة دي الوقتِ وضعها غير الأول يعني.

مبارك في حماية الدولة العميقة

الحبيب الغريبي: دكتور أيمن نور يعني هناك سؤال ربما عالق إلى حد الآن في حلوق الكثيرين يعني هل فعلاً مبارك يتمتع بأي حماية سواء أكان من الدولة أو ما يسمى بالدولة العميقة مما أثر ربما على مجريات محاكمته منذ بدايتها؟

أيمن نور: يعني خليني أقول لك بصراحة، الأجهزة التي كانت تعمل بعد الثورة مباشرةً أجهزة مهمتها الضبط والربط والتحري زي الرقابة الإدارية الحقيقة كانت تعمل بنفس الأشخاص الذين عينهم الرئيس السابق، النيابة العامة كان النائب العام هو نفس الشخص الذي تعامل سنوات طويلة جداً مع الرئيس السابق والنظام السابق، أجهزة الشرطة وربما حتى الآن مازال بعضها لديه عاطفة خاصة تجاه النظام الذي عاش في كنفه سنوات طويلة، من هنا لا نستطيع أن نثق في حياد عمليات جمع المعلومات والتحريات التي تمت في هذا التوقيت، لكن ليس البديل من وجهة نظري هو أن نهدم كل هذا وأن ندعو إلى محاكمات ثورية وأن نقيم المحاكم في الميادين ونصدر أحكام باعتبار أننا ثورة، هذا كلام في غاية الخطورة لأنه يدفعنا لمزيد من الاضطراب، أنا شخصياً أتصور أن الحل أن يكون هناك لجان سياسية لجان للحقيقة للوصول إلى الحقيقة كما حدث في جنوب أفريقيا باحترافية عالية جداً، يجب أن نستفيد من هذه التجارب، لا نستطيع أن نغلق كل الملفات ونقول يعني كفاني الله شر القتال، هذا أمر يهدر حق هذه الأمة وحق التاريخ في أن يعرف ماذا حدث في هذا البلد لمدة ثلاثين سنة، وأيضاً لا نستطيع أن ندعو لمحاكمات استثنائية ومنصات في الشوارع ونصدر أحكام بالإعدام قبل أن ننظر أوراق أو قبل أن يكون هناك أوراق أو خارج المحكمة الطبيعية التي نؤمن أنه يجب أن تبقى هي مجال التقاضي وليس الرأي العام وليس شاشات التلفزيون وليس صفحات الصحف، في النهاية يجب أن نقبل بحلول وسط، جزء من هذه الوسطية في الحلول هي أن يكون هناك لجان للحقيقة وأن نطلب الجميع أن يأتي ويعترف وأن يأخذ صكوكا أحياناً بالغفران إذا ما قدم بيانات حقيقية عن وقائع الفساد التي تمت، الآن لدينا رقابة إدارية جديدة بقيادة جديدة بالقطع هي أفضل من سابقتها، لدينا نيابة عامة مختلفة بغض النظر عن موقفي من ضرورة أن يتم تعيين النائب العام من خلال الدستور الجديد وهو من خلال المجلس الأعلى للقضاء، لدينا أجهزة أمن ربما اختلفت أو تحركت بعض المواقع وجاء أشخاص جدد هذا قد يساعدنا في الوصول إلى الحقيقة وهو أهم من الوصول إلى الأحكام، أنا لا يعنيني إدانة مبارك أو إعدام فلان أو سجن فلان هذا أمر ليس هو الأهم الآن، الأهم الآن أن نعرف الثغرات ونغلقها في المستقبل ونحافظ على بلدنا من الفساد والاضطراب الذي نعيش فيه منذ عامين.

الحبيب الغريبي: دكتور الجوادي هل تتفق مع ما قاله الدكتور أيمن من أن الوصول إلى الحقيقة هو أهم من الوصول إلى أحكام ثم بودي أن أطرح سؤال آخر يعني هو قال لا مجال لمحاكمات سياسية، لا مجال لمحاكمات استثنائية بالنظر إلى تجارب الثورات والانتقال الديمقراطي في العالم، هل هناك وصفة أسلم إن صح التعبير وكيف تنظر إلى تناول القضاء المصري لهذه الملفات بحسب ما يجري؟

محمد الجوادي: أنا يعجبني تعبير حضرتك وصفة يعني فأنا الحقيقة سأقدم الروشتة الآن، العقار الأول في الروشتة هو أنه استكمال لكلام الأستاذ الدكتور ناجح إبراهيم والكلام أستاذنا المستشار زكريا شلش فإنه في الحقيقة إن الوقائع تعتبر أدلة، وفي ذلك بحث فقهي كبير بدأه القاضي الدولي المصري العظيم عبد الحميد البدوي في محكمة العدل الدولية في قضية كوسوفو وبريطانيا في نهاية الخمسينيات ودرس هذه الدراسة وبسطها لنا المستشار الدكتور عبد العزيز سرحان والدكتور أحمد أبو الوفا أستاذ القانون، أستاذان في قانون الدولة، هذا الفهم الفقهي العظيم في أن الوقائع في حد ذاتها أدلة وكيف تعتبر أدلة؟ يقضي على كل ما تداولت به الآراء في موضوع أن الأدلة ناقصة وأن الأدلة أعدمت وأن الأدلة طمست، الوقائع ثابتة ولا مجال لإنكار الوقائع، كيف يمكن اعتبار الوقائع أدلة؟ هذا بحث فقهي عظيم نستطيع أن نقدم فيه الكثير.

الحبيب الغريبي: ولكن كانت هناك، كانت وقائع دكتور في موقعة الجمل ومع ذلك حكم بالبراءة للجميع.

محمد الجوادي: وهذا هو ما جعل القاضي يستشعر الحرج اليوم لأنه علم أنه سيواجه ولم يكن يتصور هذا الانتقاد الذي ووجه به فاكتفى بانتقاد الذي ووجه به في المرة الأولى ولم يكرر الانتقاد مرة ثانية، ليس معنى هذا أنه صدر عن عقيدة غير عقيدته ولكنه وجد أن عقيدته لا تلقى هذا الارتياح لا القضائي ولا القانوني ولا الدفاعي ولا الشعبي ولا الجماهيري ولا الصحفي والاجتماعي، وأنا أضيف إلى جملة الدكتور أيمن نور في حديثه السابق على حديثي مباشرة حين قال لا يهمني أنا يهمني أنا لا يهمني الحكم على مبارك، لكن يهمني مشاعر الجماهير، يهمني مشاعر الشهداء، يهمني مشاعر الثورة، يهمني مشاعر الثكلى، طوبى لهؤلاء، طوبى للحزانى، كما يقول سيدنا المسيح في موعظة الجمل، طوبى للحزانى لأنهم يتعزون أأتي أنا وألغي هذا التعزي، طوبى للبسطاء الذين يرثون الأرض، طوبى للمساكين الذين طوبى لهؤلاء..

الحبيب الغريبي: دعني، دعني دكتور عفواً دعني أسأل الدكتور ناجح إبراهيم وهو أحد المكتوين بنار هذه الاعتقالات وهذا الظلم، دكتور هل أنت تقبل يعني بالوصول فقط إلى الحقيقة كما كان يقول الدكتور أيمن نور أن الفاعل لا بد أن ينال جزاءه بالنهاية؟

ناجح إبراهيم: أنا رجل قد لا يقاس عليه، أنا لدي كم من التسامح كبير جداً قد لا يكن عند الكثيرين وقد لا يقبله الكثيرون، أنا خرجت من السجن بعد هذه ربع قرن تقريباً وأنا أقول دائماً أنني أذكر الذين أحسنوا إلي وأنسى الذين أساؤوا إلي، وأنا الآن رجل قدري لا يهمني سجن مبارك أو خروجه أو ما إلى ذلك لأنني أؤمن بأن يعني اختيار الله أعظم من اختياري ولا يعني أشغل نفسي بهذه القضية، هو في السجن ولا، ولأني أعلم أن الحكم الحقيقي هو عند الله سبحانه وتعالى، وأن العدالة المطلقة هي عند الله سبحانه وتعالى، لا يشغلني ولا تشغلني عدالة الدنيا أبداً لأنها في النهاية مهما يعني تحروا فيها العدل فهي عدالة منقوصة لا تتناول إلا جزءاً يسيراً من الحق والعدل، ولذلك أنا لا أشغل نفسي ولا حتى أشغل نفسي من عذبني أو من أساء إلي يسجن أو يحدث له كذا ولا أشمت في أحد قد لا تكون هذه الطبيعة غير مقبولة عند آخرين وقد تكون مش موجودة عند آخرين، ولكن هذا ما تعلمته في الحياة وربما ورثت التسامح هذا عن أمي وأبي وسنوات السجن الطويل زادتني إيمانا بأن اختيار الله أعظم من اختياري وأفضل من اختياري، لكن الشباب لا يقبلوا مثل هذه المبادئ ويريدون أن يروا الثأر كما يقول الدكتور الجوادي ويريد أن يرى يعني شفاء صدره ممن ظلمه أو ممن قتل أولاده وممن نكل به وما إلى ذلك، الإسلام أوجد يعني عمل حاجتين رضي بالعدل وحث على الإحسان يعني الإسلام فيه الاثنين العدل والقصاص وفيه العطف "فمن عفي له من أخيه شيءٌ فإحسان" ففيه القصاص وفيه العدل.

الحبيب الغريبي: دكتور أيمن.

ناجح إبراهيم: على حسب النفوس.

آلية تفعيل العدالة الانتقالية

الحبيب الغريبي: نعم، دكتور أيمن ولكن أيضاً دكتور أيمن هناك ضرورة لإحقاق الحق وضرورة لئن يأخذ العدل مجراه الآن نحن في مطب أو مصر ربما في هذا المطب بين السياسي والقضائي بين الحاضر والمستقبل، كيف يمكن تحقيق العدالة وفي نفس الوقت بناء الدولة وتناسي جراحات الماضي يعني كيف يمكن تفعيل العدالة الانتقالية دون أن تكون لها آثار سلبية على الواقع المصري؟

أيمن نور: يعني خليني بس أوضح ثلاثة نقاط قبل أن يسارع البعض على مواقع التواصل الاجتماعي بتوجيه كل النيران إلى شخصي..

الحبيب الغريبي: باختصار دكتور لأن ليس أمامنا وقت كثير.

أيمن نور: أنا نتحدث عن الحقيقة في شأن الأمور ذات الطبيعة الاقتصادية والمتصلة بالفساد، لا بديل عن المحاكمات في قضايا الدم، وهذا ليس حقي بل حق أهل هؤلاء الشهداء هذا أولاً، ثانياً الحقيقة ليست بديلا عن المحاكمات أنا ما بطلبش أنهم يخرجوهم من محاكمات ونكتفي باعترافات ولجان تقصي الحقيقة، لكن أنا بطلب أن يكون هناك لجان للحقيقة في شأن كل ما حدث في الثلاثين سنة وأنا بظن أنه قانونا بعض هذه الأمور لا يمكن إحالتها للمحكمة لمضي المدة أو للتقادم أو غيره، لكن يجب أن لا يوقفنا هذا التقادم أو عدم الإحالة عن حقنا في معرفة ماذا حدث في بلادنا كي لا يتكرر هذا في المرحلة السابقة أنا مع العدل، أنا مع المحاكمات العادلة ، مع العدل للمتهمين والعدل لأصحاب الحقوق معاً وفي وقت واحد.

الحبيب الغريبي: شكراً لك، حضرة المستشار زكريا شلش يعني من واقع هذه التفاصيل والمتاهات القانونية يعني كيف يمكن النظر إلى مستقبل هذه المحاكمات التي لها أيضاً طابع سياسي يعني كيف يمكن للعدالة أن تتحقق بهذه الخلفية السياسية باختصار؟

زكريا شلش: هو طبعاً أن هنا مش بصفتي قاضٍ بس ولكن بصفتي مواطن عادي، لا يجوز وضع المسؤولية عند القضاة لأن المسؤول أساساً عن جمع الأدلة والإتيان بأدلة يقينية تقنع المحكمة بالإدانة هو الأجهزة الأمنية نفسها، شرطة مخابرات أي جهة أمنية هي المسؤولة عن تجهيز الأدلة وليس القاضي، ووكيل النيابة مجرد محقق، القاضي يحكم على الأدلة اللي قدامه فما نحطش المسؤولية عند القاضي، النهاردة برضه زي المجني عليهم إحنا طبعاً كلنا متعاطفين معهم وأكثر من اللازم لأن دول أخواتنا وأبناءنا برضه متعاطفين مع اللي قُتلوا في ظل رئاسة الدكتور مرسي اللي ما حدش تكلم عنهم، فالنهادرة يعني نتكلم عن دول ونتكلم عن دول ولازم دول يأخذوا حقهم متساويين ونرفع يدنا عن القضاء وما نحطش المسؤولية على القضاة.

الحبيب الغريبي: أشكرك جزيل الشكر المستشار زكريا شلش رئيس محكمة استئناف القاهرة ورئيس محكمة جنايات الجيزة، أشكرك دكتور أيمن نور رئيس حزب غد الثورة، وأشكر الدكتور أيضاً محمد الجوادي المؤرخ والمفكر السياسي، والدكتور ناجح إبراهيم الداعية والمفكر الإسلامي وأحد مؤسسي الجماعة الإسلامية، شكراً لكم جميعاً، أشكركم مشاهدينا الكرام ونلتقي إن شاء الله في حديث آخر من أحاديث الثورات العربية دمتم بخير.