- واقع القضاء فيما قبل الثورات العربية
- الدول العربية وفشلها في تحقيق استقلالية القضاء

- استقلالية القضاء إحدى معارك الثورات

- الاستقلال المالي للقضاء

- البقاء ضمن سياسات الماضي

ليلى الشايب
أحمد إدريس
جمال فهمي
كلثوم كنو
أحمد صابر
ليلى الشايب: مشاهدينا السلام عليكم وأهلاً بكم في حديث الثورة، يبرز القضاء في زمن الربيع العربي كأحد أهم قضايا التحول الديمقراطي، وسيكون تحقيق استقلاليته تحدياً أساسياً في مشروع بناء الجمهورية العربية الثانية، فطيلة العقود السابقة فشلت كل مساعي تحقيق استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية بوصفها سلطة مستقلة ومكافئة ونديةً لها، لكنها في الحقيقة تحولت إلى مجرد أداة في يد الدكتاتور العربي يستخدمها على الوجه الذي يكرس استبداده، في مصر مثلاً فرغت لجنة مراجعة مشروع قانون السلطة القضائية من إعداد مسودة المشروع الرامي إلى تكريس مبدأ استقلال القضاء، وتشهد الساحة المصرية جدلاً بين تيارين داخل السلطة القضائية حول مشروع القانون الجديد المقرر عرضه على مجلس القضاء الأعلى لإقراره في وقت لاحق، ويأمل القضاة أن يتم البت في مشروع القانون قبل إجراء الانتخابات البرلمانية المقبلة .

[تقريرمسجل]

محمود حسين: لم يكن هؤلاء وحدهم من يطالبون بتطهير القضاء واستقلاله، هتافاتهم جاءت تجسيداً لآراء غالبية الثوار الذين شاهدوا بأم أعينهم ما يصفونه بتغول السلطة التنفيذية على السلطة القضائية إبان فترة حكم نظام الرئيس السابق حسني مبارك، هؤلاء أيضاً حملوا عبء المطالبة باستقلال القضاء قبل الثورة وبعدها، وفي سبيل هذا الهدف تعددت طروحات التيار المطالب باستقلال القضاء لإنجاز مطالبهم ولعل أبرزها انتزاع اختصاصات وزير العدل ومنحها لمجلس القضاء الأعلى، وتبعية التفتيش القضائي للمجلس للحيلولة دون تعدي السلطة التنفيذية على القضاء، مطالب تجلت في مشروع قانون السلطة القضائية المزمع إقراره من المجلس العسكري الذي يدير شؤون البلاد حالياً.

عبد الله فتحي/ سكرتير نادي القضاة: أولاً تفعيل مبدأ الأقدمية المطلقة كثابت من ثوابت القضاء وقيمة وتقليد من تقاليده، ثاني حاجة تحقيق استقلال القضاء استقلالا كاملاً وتحصينه ضد أي اختراق من قبل السلطة التنفيذية أو أي سلطةٍ أخرى بنزع كافة الاختصاصات والسلطات والصلاحيات اللي كانت ممنوحة لوزير العدل ونقلها إلى مجلس القضاء الأعلى.

محمود حسين: هذه المطالب كانت حلماً للقضاة وعندما حان وقت تنفيذها دب الخلاف فيما بينهم، فاللجنة التي شكلها مجلس القضاء الأعلى لمناقشة مشروع القانون الجديد والتي تضم في عضويتها رموزاً من المطالبين باستقلال القضاء قوبلت بمعارضةٍ شديدة من مجلس إدارة نادي القضاة، مجلس ضم شخصياتٍ يقول عنها أنصار تيار الاستقلال إنها كانت دائماً في خندق المعارضة لاستقلال القضاء، لكنها اليوم تدعي غير ذلك.

أحمد صابر/ المتحدث باسم تيار استقلال القضاء: مشروع المستشار الزندي كله مأخوذ من أفكارنا السابقة، لأن هذا التيار استظل في النادي 16 سنة، لم يقدم على الإطلاق مشروعات لأنه كان هو ضد فكرة إنه يكون في مشروع قانون.

محمود حسين: هو إذن جدلٌ بين أهل البيت الواحد، يعكس قلقاً متنامياً حول مستقبل السلطة القضائية في مصر، والتي يطالب قطاعٌ كبيرٌ من أبنائها بضرورة تنقيتها من كثيرٍ من الشوائب التي علقت بها بفعل النظام السابق.

فؤاد راشد/ قاضي مصري: عندما يقال إن دائرة معينة حصل فيها المرشح فلان على 11 ألف صوت في الحقيقة، ثم أعلن أنه لم يحصل إلا على 800 صوت، ثم يصمت ويقال إن الشعب يريد تكريم القضاة، الشعب يريد تكريم القضاة ولكن عليه على القضاة أن يطهروا أنفسهم ثم يطلب بعد ذلك إلى الشعب أن يكرمهم.

محمود حسين: مستقلٌ ولا يخضع لرقابة أحد هكذا كان ينظر الرئيس المصري السابق حسني مبارك إلى القضاء المصري، وما إن سقط نظام حكمه حتى أجمع القضاة على أن القضاء لم يكن مستقلاً، وأن الهدف من مشروع قانون السلطة القضائية الجديد هو وضع مبدأ استقلال القضاء موضع التنفيذ، محمود حسين، الجزيرة، القاهرة.

[نهاية التقرير]

واقع القضاء فيما قبل الثورات العربية

ليلى الشايب: ولمناقشة هذه القضية ينضم إلينا من تونس أحمد إدريس رئيس مركز الدراسات المتوسطية والدولية، ومن القاهرة جمال فهمي الكاتب الصحفي وأحد مؤسسي حركة كفاية، ومن تونس أيضاً القاضية كلثوم كنو الكاتبة العامة للجمعية التونسية للقضاة، أرحب بضيوفي جميعاً وأبدأ بالسيد جمال فهمي بما أن تقريرنا انصب تقريباً كله على واقع القضاء والمساعي لإصلاح القضاء في مصر، كيف يمكن بشكل مختصر تشخيص واقع القضاء العربي في الدول العربية في السنوات الماضية وإلى ما قبل الثورات؟

جمال فهمي: يعني الحقيقة السمة المشتركة ربما الحالة المصرية ربما مختلفة قليلاً ربما أفضل قليلاً، لكن السمة العامة المشتركة ما بين الحال في كل الأقطار العربية حال القضاة والقضاء في كل الأقطار العربية، هو أنه يفتقر تماماً إلى ضمانات استقلال حقيقية، هذا لا يلغي وجود قضاة مستقلين يراعون ضمائرهم، ولكن القضية هنا هي النظام القضائي، المعايير التي تضمن استقلالا حقيقياً للقضاء، وتمثل خط دفاع أمام تغول السلطة التنفيذية، طبعاً نحن نعرف أن لا سلطات في الوطن العربي في ظل غير سلطةٍ واحدة في ظل هذا النوع من الحكام وهذا النوع من الأنظمة الحاكمة في أغلب أقطارنا العربية، الأغلبية الساحقة دعيني أقول من أقطارنا العربية، لا يوجد غير سلطات غير سلطةٍ واحدة هي سلطة الحاكم الفرد حتى ليس سلطة ليس سلطة تنفيذية بالمعني حتى المؤسسي، لكنها حتى سلطة الحاكم الفرد ومن ثم لا سلطات على الإطلاق ولا دولة قانون ومن ثم طبيعي أن يكون القضاء ليس سلطة ولكنة أداة تستخدمها السلطة التنفيذية، يستخدمها الحاكم الفرد هذا لفرض إرادته ولتعقب من يريد تعقبه وعقاب من يريد عقابه وأن يفلت من العقاب من لا يريد أن يعاقبه ومن يدخل في الزمرة الحاكمة، فهذه الحالة هي السمة العامة، ما جرى في مصر في الواقع، مصر يمكن ربما حالةً خاصة كما أشرت من قبل لديها قضاء له تاريخ عريق، في فترات مختلفة كان يحدث نوع من المقاومة لمحاولة السلطة التنفيذية التغول في شؤون القضاء والتدخل في شؤونه، الفترة الأسوأ هي الثلاثين عاماً التي حكمها حسني مبارك في تاريخ القضاء المصري الحديث هي الفترة الأسوأ لكن 30 سنة أيضاً ليست فترة قليلة تلاعب في شؤون العدالة، وشوه السمعة الجيدة التي كان يتمتع بها القضاة المصريون، لكن هؤلاء القضاة هم أنفسهم الذين ثاروا وهم في العام 2005 مع الحراك الذي شمل المجتمع كله وكان تعبيره مثلاً حركة كفاية وغيرها من الحركات الاحتجاجية والتي كانت تقول كفاية وهذا شعارها الذي كان يعني كفاية لحسني مبارك كفاية لحكمه كفاية لما شهده هذا الحكم من توسيع دائرة القمع إلى حد غير مسبوق، هؤلاء القضاة هم الذين ثاروا هم الذين رفعوا شعار ضرورة استقلال السلطة القضائية وتوفيرها للمواطن لنزاهة مرفق العدالة

ليلى الشايب: في خضم هذا الحراك أستاذ جمال فهمي أصبحت كلمة استقلالية القضاء والاستقلالية بحد ذاتها هي كلمة السر منذ الثورات، ما الذي يعنيه عملياً استقلال القضاء؟

جمال فهمي: نعم يعني استقلال القضاء ليس مجرد شعار، هناك معايير متعارف عليها في الدنيا كلها، لتوفير ضمانات حقيقية وتقنين هذه الضمانات بما يكفل للقضاة استقلالا حقيقياً عن التدخلات، يعني على سبيل المثال في مصر هناك سلطات واسعة لا يجب أن تكون لوزير العدل، السلطة التنفيذية الذي يمثل السلطة التنفيذية فيما يخص شؤون العدالة والقضاء على سبيل المثال هو مثلاً الذي يعين النائب العام وهو منصب خطير وبالتالي يخضع النائب العام صاحب هذا المنصب الخطير لإرادة السلطة التنفيذية وهو جزء مهم من النائب العام هذا وجهاز الإدعاء العام عموماً هو جزء مهم وخطير من السلطة القضائية، أيضاً جهاز التفتيش القضائي الذي يراقب عمل القضاة ويراقب كل المعايير القانونية

ليلى الشايب: نعم سنخوض في كل هذه التفاصيل ربما في باب حلول إصلاح القضاء تونس التي تعيش أيضاً مخاض ما بعد الثورة ومحاولة الإصلاح، إذن تونس تعيش على ما يبدو واقعا قضائيا جديدا وتتلمس طريقها فيه وسط اجتهادات العاملين في الحقل القانوني في ترتيب الأولويات التي يجب إتباعها وصولاً إلى هذه الغاية، المحامي والناشط الحقوقي التونسي العياشي الهمامي يدلي برأيه في هذه القضية لنستمع.

[شريط مسجل]

العياش الهمامي: بالنسبة لاستقلال القضاء أعتقد أهم ما يلزم فيه هو أولاً تطهير القضاء من القضاة الفاسدين والقضاة يعرفوهم وجمعية القضاة عبرت عن استعدادها لهذا ، وعلى الوزارة كان تسمع صوت القضاة في هذا الموضوع، ثانياً بالطبع تغيير تنقيح شامل للقانون الذي ينظم حياة القضاة وطريقة انتدابهم وتأديبهم اللي هو القانون الأساسي للقضاة والقانون المنظم للمجلس الأعلى للقضاء، إلى جانب طبعاً تغيير الخارطة القضائية في تونس لتمكين المواطن من الوصول إلى العدالة بطريقة أسهل.

الدول العربية وفشلها في تحقيق استقلالية القضاء

ليلى الشايب: الأستاذة القاضية كلثوم كنو في تونس يعني بعد مرور أكثر من نصف قرن وأكثر على استقلال الدول العربية يظل التساؤل حول أسباب فشل هذه الدول ومؤسسات الدولة فيها فشلها في تحقيق استقلال سلطة القضاء؟

كلثوم كنو: نعم بالنسبة لتونس نلاحظ إنه في الحقبة الماضية اتسمت بهيمنة السلطة التنفيذية على دواليب القضاء وذلك من خلال وصاية وزارة العدل على كافة المحاكم ومختلف المؤسسات القضائية، وهذه الهيمنة هي التي جعلت القضاء التونسي في الفترات السابقة حتى قبل حكم بن علي كان قضاء يعتبر غير مستقل، والقضاة التونسيون منذ سنوات عديدة وقبل الثورة كانوا يطالبون كما ذكر الأستاذ العياشي باستقلال القضاء وبتوفير الضمانات التي تكفل لهم استقلالهم ولكن هذه الطلبات قد تم التصدي لها بقوة من النظام السابق، وبقي القضاة التونسيون يرفعون هذا الشعار وهم في عزلة يعني أنه هذا الشعار حتى لو تبنته بعض مكونات المجتمع المدني في السابق، إلا أنه لم تبلور الآليات التي تضمن استقلال القاضي وهذا اللي خلا إنه القضاء التونسي في عزلة..

ليلى الشايب: بقرار من النظام طبعاً أستاذة كلثوم..

كلثوم كنو: نعم كانوا في عزلة وكانت الطلبات طلبات القضاة لم تكن تبلغ المواطن التونسي ولذا كان القاضي معناها ينظر إليه وكأنه معناها الجهة المعادية للمواطن، والحال أن القاضي التونسي في السابق كان يعيش في ظروف مزرية وصعبة، ولكن بعد الثورة والحمد لله وبفضل بعض وسائل الإعلام وبعض المنظمات وجمعيتنا جمعية القضاة التونسيين التي أنتمي إليها، أصبح هذا المطلب أصبح مطلباً شعبياً وأصبح المواطن معناها يرفعه في المسيرات ويطالب باستقلال القضاء بتطهير القضاء من رموز الفساد برفع وصاية السلطة التنفيذية عن السلطة القضائية .

ليلى الشايب: الفصل الحقيقي بين السلطات كما تنص عليه الدساتير، أستاذ أحمد إدريس يعني لا يمكن الحديث عن حياة سياسية متعددة وثرية في غياب قضاء مستقل بشكل واقعي هل انعدام الاستقلالية استقلالية القضاء هو الذي ساهم في التخلف السياسي في مجمل الدول العربية أم العكس ربما هو الصحيح؟

أحمد إدريس: بالتأكيد أن عدم استقلالية القضاء هي عنصر أساسي في تركيز وترسيخ الدكتاتوريات في مختلف الدول العربية، فكان من الواضح أن كل دكتاتورية تستعمل جهازين لكي تطبق على المجتمع جهاز الأمن وجهاز القضاء، جهاز الأمن للترويع وجهاز القضاء للتركيع، فتروع المواطن وكذلك تركع المواطن بوسائل قانونية من خلال المنظومة القضائية التي تتحكم فيها وتسيطر عليها وتمنع كل مبادرة من طرفها وكل استقلالية لها، وبالتالي فإنه من الثابت ومن المؤكد أنك عندما تريد أن تكون دكتاتوراً استعمل القضاء لتركيع المواطن، وبالتالي يصعب اليوم الحديث عن تركيز نظام ديمقراطي بدون إعادة النظر بشكل جذري في المنظومة القضائية، وأنا أعتقد بأن توصيف الداء قد تم لأننا علمنا وعرفنا أن القضاء ليس مستقلا ولم يكن يوماً مستقلاً وإن كان جانب كبير من القضاة المنتمين إلى هذه المنظومة القضائية دافعوا عن استقلال القضاء وحاولوا محاولات جدية للخروج بالمؤسسة القضائية من هيمنة السلطة التنفيذية ولكن علمنا كذلك بأنهم كانوا في وضعٍ لا يحسدون عليه ولم يتمكنوا من إخراج المؤسسة القضائية من تبعيتها للسلطة التنفيذية، اذن الداء علمناه ولكن مجتمعاتنا اليوم وخاصةً المجتمعات العربية التي عرفت الثورات تحتاج كذلك بالإضافة إلى إصلاح القضاء إلى النظر في إمكانية تركيز ما يعرف بالعدالة الانتقالية لأنه في أي مجتمع عرف ثورة ودخل في مرحلةٍ انتقالية نحو الديمقراطية فعليه أن يفكر جلياً في كيفية النظر في القضايا التي يعرفها المجتمع وكذلك المشاكل القانونية المرتبطة بالعدالة وبالتالي فمن المفروض بالإضافة إلى إصلاح القضاء أن ينظر في كل مكونات العدالة الانتقالية فسبق من هذا المنبر من منبر الجزيرة أن دعوت إلى أن يعتمد مبدأ العدالة الانتقالية كمبدأ ولكن إلى حد الآن نتحدث فقط عن إصلاح المنظومة القضائية عن استقلالية القضاء وهذا برأيي ليس..

ليلى الشايب: العدالة الانتقالية أستاذ أحمد إدريس تقصد بها يعني العدالة ما بين نظامين عندما يسقط نظام ويراد تأسيس نظام جديد على أسس جديدة؟

أحمد إدريس: أقصد إعادة النظر في المنظومة بأكملها، نحن رأينا بأن التشكيك في الجهاز القضائي في تونس مثلاً وأتحدث فقط عن تونس التشكيك في الجهاز القضائي منذ ثورة 14/ يناير إلى اليوم هو متصاعد يوماً بعد يوم، وفي كل قضية تتعلق برموز النظام السابق إلا وتثار انتقادات وإشكالات قانونية وإشكالات سياسية إلى غير ذلك من التداخل والتجاذبات حول هذه المسائل، ولذلك تكونت شبه قناعة بأن الجهاز القضائي بصورته الحالية لن يكون قادراً على مواجهة هذا النوع من القضايا، المجتمع اليوم بالإضافة إلى إصلاح المنظومة القضائية وتكريس استقلالية القضاء الذي من المفروض أن يتم فيه لما تكون الظروف عادية وبعد أن تتكرس كل المؤسسات بعد في إطار دستور جديد هذا واضح ولكن اليوم في هذه المرحلة الانتقالية بالذات لا بد حسب رأي من تكريس مبدأ العدالة الانتقالية وحسب رأي مرة أخرى.

ليلى الشايب: على كل اسمح لي، وأعذرني للمقاطعة أستاذ أحمد إدريس على كل، عقدت ندوة تحت هذا العنوان العدالة الانتقالية في تونس وتمخضت عنها نتائج سنرى هذه النتائج والجدل الذي أثرته حتى من حيث المصطلحات ربما، أنت أشرت إلى مسألة مهمة جداً وهي ما أسميته بالتوصل إلى تشخيص معرفة الداء بوضوح من أجل البحث عن الدواء والحلول، وهنا أنتقل مرة أخرى إلى الأستاذ جمال فهمي في القاهرة، المؤسسة القضائية في مصر، ليس من المبالغة الإقرار بأنها الأعرق في الدول العربية ومع ذلك لم تنجح في تحقيق استقلالية القضاء في مصر رغم أن نصوص الدستور وبنوده واضحة جداً في هذا المجال فقط تكتفي ببعض المواد من المادة 65 مثلا التي تنص على أن استقلال القضاء وحصانته ضمانان أساسيان لحماية الحقوق والحريات والمادة 165 أيضا على أن السلطة القضائية مستقلة والقضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، لماذا لم نسمع قضاة يجادلون بالعودة إلى هذه النصوص تحديداً لمحاسبة الحاكم سواء كان السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية في مصر؟

جمال فهمي: في الواقع هذه النصوص الرائعة التي ذكرتنا بها هي ليست فقط موجودة فيما يخص القضاء، كانت موجودة فيما يخص كل شيء يعني الانتخابات النزيهة على سبيل المثال وكانت تزور بانتظام ممل، حرية الصحافة وكانت تعيش في أجواء غابة هائلة من القيود التشريعية التي تكاد تغيب حق التنفس وكنا نحن الصحفيون نمارس حرية الصحافة وما زلنا حتى هذه اللحظة بطريقة عرفية يعني نمارسها على مسؤولياتنا ونحن نعرف أنه حينما يتعكر مزاج السلطة فإن لديها ترسانة هائلة تستطيع أن تغرف منها من التشريعات ما يعاقب أي صحفي أو أي صاحب رأي، يعني الفجوة بين ما يوجد من كلام في الدساتير وبين الواقع المعيشي هذه أصبحت من فولكلور الحالة العربية وبالذات في بعض الأقطار العربية خصوصا مصر، لا علاقة للنصوص المكتوبة هي فقط دورها أنها تستوفي الديكور لكنها على أرض الواقع لا علاقة لها بما هو قائم خصوصا وأن كل هذه النصوص التي تعطي حقوقاً وتعطي ضمانات سواء في استقلال القضاء أو في الحريات العامة، هو يحيل على القوانين، يحيل تنظيمها على القوانين التي تصنعها البرلمانات المزورة على قياس ما يريد الحاكم الديكتاتور ومن ثم تصادر عملياً هذه القوانين الحقوق المنصوص عليها المقننة في الدستور، فهذا هو الواقع الذي ثارت ضده شعوبنا والشعب المصري تحديداً، والقضاة سبقوا، كنت أتحدث في مداخلتي السابقة في آخر مداخلتي السابقة عن انتفاضة القضاة هذه الانتفاضة العارمة التي شهدها عام 2005 وجاءت في سياق انتفاض عام هو الذي من وجهة نظري بدأ التراكم حتى ثورة 25 يناير في العام 2011، منذ عام 2005 وهذا الحراك وهذا التململ المجتمعي ولم يكن القضاة استثناء من هذا التململ، وهنا لا بد أن أؤكد مرة أخرى على ما قاله الأستاذ أحمد، والسيدة أم كلثوم من قبله أن ما يخص مطلب وجود قضاء عادل مستقل ويتوفر لديه ضمانات حقيقية تكفل هذا الضمان، تكفل هذا الاستقلال هو بالضبط كحرية الصحافة والإعلام، ليس مطلباً فئوياً للصحفيين والإعلاميين وكذلك القضاة، هو حق لشعوبنا، هو حق لمجتمعاتنا أن تتمتع بصحافة حرة وبقضاء مستقل.

ليلى الشايب: أشكرك أستاذ جمال فهمي، تبقى معي طبعا أنت وضيفيي في تونس بعد الفاصل مشاهدينا سنتوقف عند أهمية تحقيق استقلال القضاء في مرحلة التحول الديمقراطي كأحد أهم ضماناته وشروطه، أرجو أن تبقوا معنا.

[فاصل إعلاني]

استقلالية القضاء إحدى معارك الثورات

ليلى الشايب: أهلا بكم من جديد مشاهدينا في حلقتنا التي تتناول ضرورة استقلال القضاء في زمن الربيع العربي كأحد شروط التحول الديمقراطي، حول شروط التحول الديمقراطي أتوجه إلى الأستاذة القاضية كلثوم كنو هل استقلال القضاء شرط لتحقيق التحول الديمقراطي أم ربما هو ملف ثقيل يمكن معالجته ولكن ليس كأولوية، يمكن أن ينتظر ربما لمرحلة لاحقة؟

كلثوم كنو: لأ، بالعكس، أنا أعتبر أن لا يمكن أن نتحدث عن توفر الديمقراطية في أي بلد كان بدون أن يكون قضاؤه مستقلاً لأن كل ما يخص الشأن العام السياسي والاقتصادي وكل ما يهم المواطن، له علاقة مباشرة وارتباط مباشر بالقضاء، وبالتالي مسألة استقلال القضاء وتوفير ضمانات استقلال القضاة لا يمكن أن يؤجل إلى مرحلة بعد أن يقال أنه توفير للديمقراطية، لأن الديمقراطية هي أساسها العدل معناها لا يمكن الحديث عن ديمقراطية بدون أن نتحدث عن شيء من العدل، شيء من الاستقرار، وهذا لا يمكن أن يتوفر إلا بالقضاء وبالتالي أنا أعتبر أنه من الأولويات الآن بالنسبة كمطالبة هو توفير القضاء العادل وكذلك الإعلام الحر لأنه حسب اعتقادي أن هذين المطلبين أساسيان بالنسبة لهذه المرحلة التي تمر بها بلداننا العربية التي عرفت ثورات، وأنا أعتبر أنه لا يمكن أن نتحدث عن ثورة ناجحة بدون قضاء مستقل وهذا الشعار كان قد رفعه القضاة التونسيون منذ انطلاق الثورة، وهو أنه الثورة لم تكتمل إلا بقضاء مستقل بمعنى أن هذه الثورة لم تنجز مهامها بدون تحقيق العدالة للقضاء، وبدون استقلال القضاء هنا.

ليلى الشايب: التحق بنا الآن ضيفنا من القاهرة المستشار أحمد صابر وهو أحد رموز تيار استقلال القضاء، أرحب بك أستاذ أحمد صابر، وربما بناء على ما تشهده الساحة القضائية المصرية مؤخراً، خاصة على مستوى المحاكمات، محاكمات رموز النظام السابق، إلى أي مدى ربما تخشون كقضاة ومستشارين، خبراء في المجال، من أن الفهم العام الشعبي البسيط لمسألة استقلالية القضاء على أهميتها ربما تتوقف في هذه المرحلة فقط عند ما يعتبره الشعب، ربما تصفية حسابات أو محاسبة فقط، فقط لرموز النظام، كيف لكم أن تشيعوا ثقافة استقلالية القضاء على مدى أوسع وأعمق من هذا الفهم؟

أحمد صابر: في البداية أنا أحيي حضرتك وأحيي السادة المشاهدين، وأقول أن الثورة المصرية عند قيامها تمكنت من إسقاط جميع المؤسسات في الدولة ولم تبق إلا مؤسستين فقط وهي مؤسسة القوات المسلحة كما هو معلوم لدورها، وأبقت المؤسسة القضائية، وسبب إبقائها للمؤسسة القضائية هو كان سبب واضح وجلي لأن القضاة أدركوا منذ زمن بعيد أنه لا عدل بغير حرية ولا لاستقلال للقضاء بغير ديمقراطية، فأعلنوا مطالبهم التي تقاطعت مع مطالب الأمة واصطدموا مع النظام السابق وكان اصطداماً عنيفاً شهده العالم جميعاً، ومثلما قالوا في هذا الأمر بوضوح شديد أنه ينبغي للقضاء أن يستقل حتى يتمكن الشعب من المحافظة أو من الحصول على حقوقه، حصل الاصطدام وبعد ذلك قضاة مصر شاركوا في الثورة فرادى وجماعات، وقدم تيار الاستقلال بيانا في بداية الثورة أيد فيه الثورة والثوار بل كان القضاة مع أمتهم جنبا إلى جنب حتى انتهت الأمور، بعد الثورة حدثت المراحل الطبيعية للأمر وهي مرحلة التغيير ثم مرحلة التطهير ثم مرحلة التطوير، من ثقة الشعب في قضائه أن أسندوا إليه مرحلة التطهير الآن، والقضاء المصري اليوم يقوم بمرحلة التطهير ونظرا لأن المؤسسة القضائية مؤسسة في مصر عريقة ولها باع في الاستقلال فهي المؤسسة الأولى التي تريد أن تستقل وأن تصلح نفسها من داخلها، الذين ينادون بذلك هم قضاة الاستقلال، نادوا في الاستقلال وقاموا بإعداد مشروع قانون قدموه عن طريق شيخ القضاة المفكر والملهم المعروف المستشار المعروف أحمد مكي، لكن الأمر الآن يوجد به بعض العقبات في مصر وفي دول الربيع كما تحدثت حضرتك، يتمثل في أن الذين كانوا وصنعوا على أعين النظام السابق يحاولون أن يتصدروا المشهد مرة أخرى، وفي هذه الحالة تظهر عقبة أمام الاستقلال، لكن الثورة التي استطاعت أن تقضي على كل شيء ستتجاوزهم وسيقدم القضاء المصري بفريق استقلاله وبقيادته، استقلال بالفعل سيكون مقدمة كما كانت مقدمة أمام العالم ستكون مقدمة أمام الأمة العربية إن شاء الله.

الاستقلال المالي للقضاء

ليلى الشايب: إن شاء الله، أعود مرة أخرى إلى تونس والأستاذ أحمد إدريس، ربما عقدت في أكثر من مرة في هذه الحلقة مقارنة ما بين استقلالية القضاء واستقلالية الصحافة والإعلام، وربما يدور في خلد الكثيرين فكرة أنه كما كان مرفوض أن يكون للإعلام وزير، هل يمكن أن يقبل في أنظمة وديمقراطيات ما بعد الثورات وجود وزير للعدل أولا، هذا من ناحية، من ناحية أخرى هل يمكن أن نتحدث عن استقلال مستقل في ظل عدم قدرة هذا المجال، على أن يتصرف بحرية في موارده، لا تزال الدولة إلى حد الآن هي التي تسيطر على الميزانيات وتحدد ميزانيات كل وزارة وكل حقل، كيف يمكن الخروج من هذه المعضلة برأيك مستقبلاً؟

أحمد إدريس: قبل ذلك، هو مجرد التعليق على مسألة الديمقراطية واستقلالية القضاء، لأن الديمقراطية تقوم على مبدأ أساسي هو مبدأ الحرية، والقضاء هو الضامن للحريات فلا يمكن أن ينعم الناس بالديمقراطية وبمبدأ الحرية إلا إذا كان القضاء مستقلاً، فالعلاقة بينهم جميعاً علاقة حتمية، ولكن فيما يتعلق بالعلاقة ما بين السلطة التنفيذية والسلطات الأخرى أو الهيئات الأخرى القائمة فليس من الضروري عندما يكون هنالك وزير للإعلام أو وزيرا للصحافة، وإن كان المنصب مرفوضاً نظراً لسوء سمعته، لا لطبيعة الوظيفة في حد ذاتها، نفس الشيء بالنسبة لوزير العدل أو لوزارة العدل، فليس لأن كون وزير العدل يتدخل القضاء أو هو وسيلة لهيمنة السلطة التنفيذية على المؤسسة القضائية، حتى نقول الوظيفة بحد ذاتها لا بد أن تنمحي كما تمت المطالبة بمحاء وظيفة الصحافة، يمكن النظر على كل وزير على كونه مجرد سلطة إدارية أو هو جهاز إداري لتسيير الإداري لا غير، فالفصل الوظيفي ممكن على الإبقاء على الرابط على العضوي، الرابط العضوي ضروري بما أن القضاء جهاز من أجهزة الدولة ويدخل في تنظيماتها ميزانيته محسوبة على ميزانية الدولة فهذه الروابط العضوية لا تنفي أن يكون هنالك استقلال وظيفي وهذا هو المطلوب في الحقيقة لأنه لا يمكن أن أتصور أن القضاء يصبح منفصلاً تماما عن الدولة وجهازاً يسير نفسه بنفسه وله ميزانية يتصرف فيها بنفسه، هو في الحقيقة في غنى عن هذا لأنه وظيفته تتمثل في فض النزاعات فعليه أن يتفرغ لهذا الشأن لا أن يهتم بالمسائل الإدارية الصرفة التي بالإمكان مكونٌ من مكونات الحكومة أن يتولاها، فباعتقادي أنه يجب أن نربط بين المسألتين، لا بد من الفصل بينهما على اعتبار أن الاستقلال هو استقلال وظيفي لا استقلال عضوي، الآن ونحن مقتنعون بأنه هنالك ضرورة لهذا الاستقلال الوظيفي فهنالك آليات معروفة وتقنيات معروفة تضمن هذه الاستقلالية الوظيفية، ولقد ورد في مطالب القضاة في تونس أو في دول أخرى بشكل واضح كيفية إرساء هذه الاستقلالية، فيكفي العودة إلى هذه المطالب التي طرحها القضاة أنفسهم ولكن..

ليلى الشايب: هذه نقطة مهمة جداً تحتاج إلى ضيفي في مصر جمال فهمي، نادي قضاء مصر أستاذ جمال له باع طويل ونشاطات لم تنقطع في إطار البحث عن استقلالية القضاة، هل مصر اليوم أمام لحظة تاريخية برأيك لتحقيق هذه الغاية التي بقيت لعقود طويلة؟

جمال فهمي: نعم، القضاة المصريون في الواقع لهم كما تفضلت نضال طويل لكن ما زالت الذاكرة تحتفظ بانتفاضتهم الهائلة والتفاف الشعب المصري حولهم في العام 2005 وما تلاه، هناك قضاة ربما دفعوا من صحتهم البدنية وسلامتهم البدنية، هناك قضاة تم الاعتداء عليهم في الشوارع إذن نضال القضاء المصري، قضاة مصر من أجل الاستقلال هو نضال متصل ويستند إلى تاريخ عريق وكبير مارس فيه القضاة استقلالهم وقاموا حتى ولو بوسائل الاحتجاجات ولكن من فوق منصاتهم مارسوا هذا الاستقلال وقاموا محاولات التدخل، آن له أن يحصدوا ثمار هذا النضال، أن يحصدوا مش لهم في الواقع، أؤكد مرة أخرى أن استقلال القضاء تماما كما حرية الصحافة هو ليس مطلبا فئويا ولا ميزة فئوية لا للقضاة ولا للصحفيين لأن القضاة بهذه المناسبة، القضاة ضمن ما يضعونه من معايير وضمانات للاستقلال هناك بعض الضمانات تحرمهم من ميزات مادية كالندب إلى جهات حكومية للعمل فيها كمستشارين وغيره، هم يأخذون مقابل هذا الندب مقابلا ماديا كبيراً ومع ذلك هم يصرون على إنهاء هذا الندب لكي لا يدخل منه التأثير على القضاة أو محاولة شراء ضمائرهم، إذن القضية ليست مطلباً فئويا، هم آن الأوان فعلا وأظن أننا قريبا جداً سنشهد هذا التشريع الذي وضعه القضاة ووضعه شيخ من الشيوخ الأجلاء للقضاة مصر المستشار أحمد مكي كما تفضل المستشار أحمد الآن بالإشارة إليه أظن أنها من المعارك القليلة التي سنكسبها في موعد قريب.

ليلى الشايب: لكن ربما بشروط، أستاذ جمال فهمي أنت أشرت إلى ما يمكن تسميته بالقضاء الموازي وأعود هنا مرة أخرى إلى المستشار أحمد صابر، القضاء الموازي متمثلا في المحاكم العسكرية والمحاكم الخاصة وغير ذلك التي ربما بدأت تختفي شيئا فشيئا ولكنها لم تختف بشكل كامل كيف يمكن القضاء على هذا الجهاز بشكل تام في المرحلة المقبلة في مصر؟

أحمد صابر: هذا الأمر لا يمكن أن يتم القضاء عليه في مصر إلا إذا حدث بالفعل استقلال كامل للسلطة القضائية، واستقلال السلطة القضائية المفروض أنه له عدة محاور، المحور الأول هو الاستقلال عن الدولة، الاستقلال الإداري كما قال الإمام محمد عبده منذ مئات السنين أنه لن يستقل القضاء إلا إذا أصبح عمل القاضي في يد المجتمع إخوانه، الأمر الثاني أو المحور الثاني وهو الاستقلال المالي أن تكون للقضاة كما تفضل الزميل القاضي التونسي وقال أن يكون للقضاة مورداً مالياً محدوداً يحدد لهم حتى لا يمكن أن يقطر عليهم أو يعطوا بسخاء، وفق ما تطلب السلطة التنفيذية، الأمر الثالث وهو أمور متصلة أن يتم فصل سلطة الاتهام عن سلطة التحقيق فلا يمكن على الإطلاق أن تكون النيابة العامة هي سلطة اتهام وسلطة تحقيق في آن واحد، فمصر منذ نصف قرن قبل ذلك كان هناك فصل حتى تكون هناك ضمانة حقيقية للمتهم، المحور الرابع والمتصل باستقلال القضاء بأن لا يكون هناك قضاء استثنائيا على الإطلاق هذا الأمر يتأتى من خلال صدور قانون السلطة القضائية سيتبعه بعد ذلك القضاة سيقومون بعقد مؤتمر عادلة متسع كما فعلوا في عام 1986، يناقشوا جميع قضاياهم بشكل علمي ودقيق، ويتحدثون فيها عن المحاكم الاستثنائية عن تعديل قانون الإجراءات الجنائية، وهذا القانون الذي يسمونه قانون الحريات، يتحدثون فيه عن تعديل قانون العقوبات لأن الحكومات السابقة أو الحكومات في النظام البائد كانت دائما تقوم بالتشريع لتكريس الاستبداد فقط لم تكن تقوم بالتشريع لترسي عادلة في المجتمع، لأن التشريع إما أن يرسي عدلا وإما أن يكرس استبداداً، هذه الأشياء جميعها ينبغي أن يكون فيها نظرة عامة وفاحصة في جميع القوانين حتى تتماشى مع الوضع الثوري وتحقق الديمقراطية والآمان لهذا الشعب وبعد ذلك ينبغي أن يعلم المصريون وينبغي أن يعلم المصريون والإخوان العرب أن استقلال القضاء كما تفضل أخي وزميلي الأستاذ جمال وقال أن الاستقلال ليس استقلال للقضاة ولكن الاستقلال هذا مطلب أمة، لأن الدولة بنت القضاء وليس العكس، منذ مئتي عام أو ما يزيد في أميركا حاول رئيس الدولة وقتها أن يعتدي على القضاة على استقلال القضاء، من الذين تصدى، الذي تصدى هي وسائل الإعلام وتصدت معه السلطة التشريعية آنذاك ثم المجتمع المدني ثم بعد ذلك الأمة وهذا ما حدث معنا بالفعل لأن الشعب المصري قدم تجربة معنا في عام 2005 تماثل تماما ما حدث في أميركا، لأن القوى الحية الموجودة في الشارع المصري اليوم هي التي وقفت معنا عندما حاول النظام أن يعتدي علينا، وفي هذه الحالة نؤكد أن الشعب المصري مؤهل لذلك وكما قام بثورته العظيمة وأن قضاته علمونا طريقهم ويؤكدونه جيداً فسيقودون الأمر بمشيئة الله إلى قوانين حقيقية وفاعلة يتم سنها حتى تحقق من القضاء استقلاله.

البقاء ضمن سياسات الماضي

ليلى الشايب: كل الشعوب العربية تقول عن نفسها ذلك، بمن فيهم التونسيون وهنا أتحول مرة أخرى إلى الأستاذة كلثوم كنو حتى نكون مواكبين للحراك في تونس ونشاطات متمثلة في عدد من الندوات والمؤتمرات حول ما يُسمى بالعدالة الانتقالية، أحد المراكز نظم ندوة يوم أمس وتوصل إلى نتيجة أنه يستحيل تقريبا القطع كلياً ونهائيا مع الماضي في الديمقراطيات، ومعنا هنا طبعاً هو تحقيق العدالة كاملة وتحقيق الاستقلال التام ربما القضاء على الأقل في هذه الفترة والفترة المقبلة، كيف يمكن للتونسيين أن يفهموا ذلك؟

كلثوم كنو: عفوا، قبل أن أمر على الإجابة على سؤالك، أريد أن أوضح شيئاً، وهو أولا من أهم الضمانات بالنسبة لاستقلال القضاء والقضاة أن يكون لهم مجلساً أعلى للقضاء يكون منتخباً وليس معيناً مثلما الحال بالنسبة للحال في تونس، وهذا المجلس هو الذي يشرف على كل حياة القاضي، معناها من ترقيات من تعيينات وإقالة ونقلة، وهذا المجلس خلافا ما ذكره زميلي في تونس، لا بد أن يكون له ميزانية خاصة، لماذا لأنه لما يكون القاضي مرتبط بميزانية الدولة يعني بالميزانية الخاصة لوزارة العدل لا يكون هنالك فعلا استقلال، لا يضمن استقلاليته، لأن من يضمنها هو هيك يكون منتخباً ولا يكون خاضعا لأي سلطة تنفيذية، هذه نقطة أردت أو أوضحها أن الاستقلال المادي للسلطة القضائية هو شيء هام يضمن استقلال القضاء ونقطة ثانية قلنا أنه استقلال القضاء ليس امتياز للقاضي بل هو حق للمتقاضي يعني لما يكون القاضي مستقل فهذا ليس للخاصية نفسها لهذا الاستقلال.

ليلى الشايب: في مصلحة المتقاضي نفسه.

كلثوم كنو: نعم، أما فيما يتعلق بسؤالكم الذي طرحتموه فيما يخص العدالة الانتقالية هذه النقطة هي نقطة..

ليلى الشايب: لماذا يستحيل، باختصار أستاذة كلثوم لو سمحتي وأريد أيضا إجابة باختصار، لماذا قيل أنه يستحيل القطع كليا ونهائيا مع الماضي في الديمقراطيات؟

كلثوم كنو: أنا أقول حسب رأيي الأمر يتعلق بالإرادة السياسية، إذا أرادت الحكومات أن توفر الآليات التي تضمن تحقيق العدالة الانتقالية فذلك لا يمكن أن يعتبر مستحيلا لكن تعرف أنه بعد كل ثورة لا بد أن يكون هناك أشخاص يريدون العودة بنا إلى الوراء وبالتالي هناك ضغط يتبعها أنه يجعل أصحاب النفوذ السابقين يحاولون ألا تكرس هذه العدالة الانتقالية لأن العدالة الانتقالية تقتضي المحاسبة، تقتضي البحث بصفة معمقة في أسباب الفساد المالي والسياسي، وبالتالي أنا أعتبر أن الأمر ليس في عدم إمكانية أمر مرحب أكثر من أنه عدم..

ليلى الشايب: شكرا جزيلا، أشكرك من تونس القاضية كلثوم كنو، الكاتبة العامة للجمعية التونسية للقضاة، ومن القاهرة جمال فهمي الكاتب الصحفي وأحد مؤسسي حركة كفاية ومن تونس أيضا القاضي أحمد إدريس رئيس مركز الدراسات المتوسطية الدولية، ومن القاهرة أيضا المستشار أحمد صابر أحد رموز تيار استقلال القضاء، ومشاهدينا بهذا تنتهي حلقة اليوم من حديث الثورة، تحية لكم أينما كنتم، في الختام، إلى اللقاء.